المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المكتبة الإسلامية



الصفحات : [1] 2

ورد المنى
19-02-2003, 10:10 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
نتمنى من الجميع المشاركة في هذه المكتبة

ورد المنى
19-02-2003, 10:13 AM
هذه محاضرة سماحة الشيخ العزيز والوالد الأعز بدر الدين أحمد بن حمد الخليلي التي تفضل مشكورا وألقاها بمسجد التوبة بالأمس الموافق 17/9/2000 بعد صلاة المغرب مباشرة . وليس بخاف عن أحد ما تخلل المحاضرة من النفحات الإيمانية ، والفيوضات الربانية فهنيئا لمن ذاق تلك النفحات ، وارتشف منها .
وإليكم نص المحاضرة والله من وراء القصد :-

الجزء الأول :-
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الأمر الرشيد والبطش الشديد الذي يبديء ويعيد ويفعل في خلقه ما يريد ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أرسله الله هاديا وبشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين ، أما بعد .

فالسلام عليكم أيها المؤمنون والمؤمنات ورحمة الله وبركاته

أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة وأشكر الله سبحانه الذي هيأ لنا فرصة هذا اللقاء الميمون في هذا المسجد الشريف وفي هذه الليلة المباركة ، من أجل أن ندكر بالذكرى التي تنفع المؤمنين بمشيئة الله سبحانه وتعالى ، لا ريب أنكم تدركون أن الإنسان يتحمل تبعة كبيرة ، فوجود الإنسان وجود يختلف عن وجود كل الكائنات الأخرى ، من حيث إن وجوده يرتبط ارتباطا وثيقا بسنن كونية وقوانين جعلها الله سبحانه وتعالى ترتبط بأمره ونهيه ، فإن وجود الإنسان وجود يتحمل فيه الكثير الكثير من المسؤوليات لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلقه هملا ولم يتركه سدى بل خلقه ليتحمل هذه الأمانة ، أمانة الخلافة في هذه الأرض ، والسيادة في هذا الكون ، وليبوء بما يفعله من خير أو شر ، فإن المنقلب إنما هو رهين ما يكون عليه الإنسان في هذه الحياة والمصير إنما هو منوط بالمسير ، وقد جعل الله سبحانه وتعالى آثار فعل الإنسان من خير أو شر ، تنعكس انعكاسا جليا واضحا في حياة الإنسان نفسه وفي البيئة التي يتقلب في أعطافها ، بل وفي هذا الكون ، وهذا واضح في الآيات الكثيرة من كتاب الله سبحانه ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه " والله عزوجل يقول " ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكذبون )) ويقول سبحانه: (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس )) ولئن كان فساد الإنسان تنعكس آثاره في البر والبحر فأحرى أن تنعكس آثاره في حياته في حياته بنفسه وفي حياة جنسه ، ونحن نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن الأمم كالأفراد تسعد بأعمالها وتشقى بها ، فإن الأمة عندما تكون مستقيمة على الطريقة السواء آخذة بحجة أمر الله سبحانه وتعالى ونهيه ، بحيث لا تتعدى على حرماته ولا تتجاوز حدوده ولا تخالف أوامره تسعد ، وعندما تكون الأمة بخلاف ذلك فإنها تشقى وتكون عبرة للمعتبرين والكيس من اعتبر بغيره والأحمق من كان عبرة لغيره ، ونجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يشد انتباه الناس إلى سننه في هذا الكون من حيث سعادة الأمم وشقاوتها ومن حيث بقاؤها وفناؤها لأجل أن تكون هذه الأمة على بينة من الأمر تتحرى مرضاة الله سبحانه ، وتعمل بأمره وتزدجر عن نهيه ، فالله تعالى يقول: (( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لهم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين )) هذه هي سنة الله تبارك وتعالى التي لا تتبدل ، ومن المعلوم أن الله سبحانه ليس بينه وبين أحدا من خلقه نسب ، وليس بينه وبين أحد من خلقه سبب إلا التقوى ، فمن اتقى الله فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، أما من خالف أمر الله سبحانه ، فإنه ولا ريب ينفذ فيه حكمه ، عاجلا كان أو آجلا ، والله سبحانه وتعالى عندما أمر بأوامره ونهى عن نواهيه ، ما كان بذلك إلا مريدا لمصلحة الخلق ، فإن مصلحة العباد إنما هذه بامتثال الأوامر والازدجار عن النواهي ، ومفسدتهم إنما هي بالتعدي على حرمات الله سبحانه وعدم المبالاة بما يصدر منهم ، والأفراد والأمم كما ذكرت في ذلك سواء ، فعندما تكون المعصية بين الفرد وبين ربه سبحانه وتعالى ، لا يطلع عليها غيره ، يكون أثرها راجعا إليه بنفسه ،أما عندما تكون هذه المعصية متفشية ظاهرة بينة فإن آثارها تنعكس على الجميع ، والشواهد في كتاب الله كثيرة ، ألا ترون أن الله سبحانه وتعالى يقول: (( واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وإذا قالت أمة منهم لم تعضون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون )) هذه هي العاقبة التي حاقت بأولئك الذين ارتكبوا ما ارتكبوا من المعاصي وأولئك الذين سكتوا عن هذه المعصية وجاملوا فيها ، ولم تمتعض قلوبهم لما يحدث من تعدي حدود الله وارتكاب نواهيه ، ويقول عزوجل " لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " وحسبكم الله سبحانه وتعالى يقول: (( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا )).

فالله سبحانه وتعالى يهلك القرى ويبيد الأمم ويقضي على الشعوب نتيجة الإنحراف الذي يكون من طائفة من الناس فتجاملهم الطوائف الأخرى ، ولا تحاول أن تغير ذلك المنكر ، ولذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حمى الله عزوجل من دخله آوى إلى ركن وثيق أما ترك ذلك فهو يؤدي إلى الدمار والخراب والعياذ بالله تعالى ، وكما قلت سنن الله سبحانه وتعالى لا تتبدل ونظامه في الكون هو هو ، لأن الكون كله مملكة الله والخلق جميعا هم عباد الله سبحانه وتعالى ، هم متعبدون بأوامره وبنواهيه .
أريد أن أبين لكم أنه قبل بضعة شهور من الآن اتصل بي شاب ثم جاءني بنفسه ، بعد أيام من هذا الإتصال فسمعته ونبرة الصدق تبدو في حديثه ورأيته وغرة الإيمان ترتسم على محياه ، ذكر لي أنه رأى رؤيا في منامه ، رأى رؤية منذرة ، يقول بأنه رأى طبقا طائرا أخضر ، يقوده شخصان أخضران ، وانفتح الطبق ، فبدى منه شخص عليه من الأنوار ما لم ير مثله ، وكان في قرارة نفسه أن الذي رآه هو ملك ، من ملائكة الله تعالى ، قال له إن الناس يوشك أن يأخذهم عذاب من عند الله ، بسبب خمسة أمور أولها الزنا وثانيها اللواط وثالثها مجامع الخمر ورابعها أكل الربا وخامسها عقوق الوالدين ، نعم .. هذه الكبائر التي ذكرت هم أمهات الكبائر ، أو من أمهات الكبائر وذكر بأن الذي رآه قال له أبلغ الناس بهذا ، وكنت أفكر في أمره وإذا بي بعد أيام قليلة يأتيني خمسة نفر ، جاؤوا من أجل تسجيل تلفازي في أمر مهم ، أمر

ورد المنى
19-02-2003, 10:17 AM
يقلق بال كل عاقل ، وهو انتشار المرض الجنسي الفتاك ، مرض فقدان المناعة المكتسب ، بحيث أخذ ينتشر كما تفعل النار بالهشم ، وذكروا لي أرقاما خيالية من وجود الإصابات ومن حمل هذه الأمراض وكيف تفشت في هذا المجتمع تفشيا ينذر بخطر رهيب ، ومما جاء في حديثهم أن شابة بغيا والعياذ بالله اكتشف هذا المرض الفتاك فيها ، فماذا عملت ، بعد الإكتشاف ، ذهبت إلى مكان يجتمع فيه كثير من الأوغاد الذين لا يعنيهم في هذه الحياة إلا شهواتهم ، ولا هم لهم إلانغماس في أوحال الرذيلة فأباحت نفسها لهم ، فانغمس معها في حمأة الرذيلة في ظرف أسبوع واحد مائة شاب ، ونقلت العدوى إليهم .
هذا مثال واحد من الأمثلة الكثيرة التي نحصيها ، فضلا عما يقع من حصد الأرواح واهلاك الأنفس وتكدير صفو الحياة وكل ذلك يصيب من هم برءاء ، لا فعل لهم في ذلك ، لا سبب من قبلهم ، وإنما السبب من قبل غيرهم ، فكثير من الأزواج الذين ينغمسون في حمأة الرذيلة ، ينقلون هذه العدوى إلى نسائهم وتشقى بذلك نساؤهم ، ويشقى بذلك مجتمعهم ، وتشقى بذلك أسرهم ، لا يبالون بالنتاج التي تترتب على ارتكاب هذه الموبقات ، هذه الحرب من الله تبارك وتعالى ، جاءت مصداقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول ( وما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوها إلا ظهرت فيهم الأوجاع والأوباء التي لم تكن في أسلافهم ) وهو أمر معهود عبر القرون ، فقبل قرون كانت حملة فرنسية إلى بلاد الشام ، هذه الحملة حرص الإمبراطور الفرنسي على تزويدها بكل ما هي تتطلع إليه من وسائل الترفيه ، ومن ذلك التزويد ، تزويد الحملة بمجموعة كبيرة من الفتيات الحسان ، لأجل قضاء مآربهم منها ، فكانت نتيجة ذلك أن تولد المرض الجنسي المعروف بالمرض الزهري ، وبما أن هذا المرض جاء من قبل هؤلاء إلى بلاد الشرق ، عرف عند العرب بمرض الإفرنج ، ولا يزال هذا الإسم باقيا إلى الآن ، وما هذا المرض الفتاك الخطير الذي ينتشر هذا الإنتشار المرهب الخطير ، إلا أثر من آثار الفاحشة والعياذ بالله ، نحن نجد في كتاب الله سبحانه وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الوقاية التامة فأنتم ترون في كتاب الله أن الله تعالى عندما حذر من الزنا ، لم يقل ولا تزنوا وإنما قال: (( ولا تقربوا الزنا ، إنه كان فاحشة وساء سبيلا )) ، وفي أي سياق حذر من الزنا ، في سياق التحذير من الكثير من الموبقات ، وقد كان التحذير من الزنا مسبوقا بتحذير من قتل الأولاد ، ثم جاء من بعده التحذير من القتل المطلق ، والله سبحانه وتعالى قال قبل هذه الآية: (( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا )) ثم بعد هذه الآية قال: (( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا )) نعم .. لم يكن الإتيان بهذا التحذير البالغ من الزنا بين التحذير من قتلين ، قتل الأولاد ومطلق القتل ، أمرا اعتباطيا ، بل هو أمر من قبل الله سبحانه وتعالى ، الذي كل شيء عنده بمقدار وما ذلك إلا لأن الزنا في حقيقته قتل ، هو قتل للأفراد ، وقتل للجماعات .
هو قتل للأفراد من حيث إن الزنا كثيرا ما يؤدي إلى الرغبة في التخلص من آثاره ، فإن المولود غير الشرعي من يتحمل تبعته ، هل له أب يتحمل مسؤولية تربيته ويتحمل الإنفاق عليه ، تحس الأم الفاجرة بأنها تتحمل تبعته ، وهذا مما يؤدي بطبيعة الحال إلى أن ترغب في التخلص منه قبل وجوده فتسعى إلى التخلص من حملها في مصحات الإجهاض .
وبجانب ذلك الزنا قتل للنفس أيضا للأفراد من حيث أنه سبب لوجود هذه الأمراض الفتاكة التي تفتك بالزناة رجالا ونساءا وهو قتل للجماعات من حيث أن الجماعات تتكون من الأفراد ، فإذا ضعف الأفراد ضعفت الجماعة ، ثم إن بجانب ذلك هو قتل للجماعة قتلا معنويا من حيث إنه يؤدي إلى التفكك وعدم الثقة وعدم الاستقرار ، فخطورة الزنا خطورة بالغة ، ونجد أن القرآن الكريم عالج هذه المشكلة علاجا جذريا من شتى النواحي ، فهو قبل كل شيء حذر هذا التحذير البالغ من الزنا ، وتوعد عليه ، عندما قال سبحانه قارنا بينه وبين الإشراك به ، وبين قتل النفس المحرمة بغير حق ، (( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا )) ثم بجانب ذلك نجد أن القرآن الكريم يقطع على الشيطان الطريق من كل جانب من خلال كون توجيهاته الربانية ومن خلال القيود ، قيود الفضائل التي يأمر العباد أن يتقيدوا بها وأن يتحلوا بها ، والله سبحانه وتعالى يقول: (( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن ، أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير ذي الأربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )).
نعم ..
هذا هو التوجيه الرباني ، يقطع دابر الفساد ، ويستأصل شأفة الفجور ، يأمر الرجال أولا أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، لأن البصر هو نافذة الشيطان إلى كل شر وقد أجاد الشاعر الذي قال:
وإنك إن أرسلت طرفك رائدا لعينك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وأمير الشعراء أحمد شوقي يقول :
نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء
النظر يؤدي إلى هذا الخطر العظيم لذلك أمر الرجال بأن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، ثم أمرت النساء المؤمنات بمثل ذلك مع استئصال بقية الأسباب ، أسباب الفساد .. عندما أمرن أن يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ، ويصن أنفسهن صونا بالأدب الشرعي ، وباللباس الشرعي وبالأخلاق الشرعية بحيث تكون المرأة متزنة في حركاتها في مشيتها في نظرتها في لباسها في كل شيء ، حتى لا تكون سببا للإغراء والإغواء ، ونجد كيف

ورد المنى
19-02-2003, 10:19 AM
جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بالتوجيهات النبوية الشريفة التي تؤدي إلى المحافظة على العفة والطهارة ...

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألا لا يخلو الرجل بامرأة إلا مع ذي محرم ) ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( ما خلى رجل بامراة إلا كان الشيطان ثالثهما ) ويقول: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامراة إلا مع ذي محرم ) ، ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( إياكم والدخول على النساء ) فقال له رجل من الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله فقال: ( الحمو الموت ) أي حمو المرأة الذي هو أخ زوجها دخوله عليها في خطورته كالموت الذي يتصور بأنه أخطر شيء ، ولئن كان حمو المرأة هو كالموت فما بالكم بسائر الناس ، ما بالكم بسائر الرجال ونجد كيف يوجه القرآن الكريم هذه الأمة إلى الآداب التي تحفظ لها عفتها وطهارتها ونزاهتها بل وطهارة الوجدان والفكر بجانب طهارة الجوارح واللسان ، فالقرآن الكريم يوجه عباد الله سبحانه وتعالى إلى آداب الإستئذان فالله تعالى يقول: (( ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلك خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم )) ، هكذا يوجه عباد الله سبحانه وتعالى إلى ما يقطع دابر هذا الفساد ويستأصل شأفته ، ونجد أيضا فيما شرعه الله سبحانه وتعالى من العقوبات ما يؤدي إلى قطع دابر الفساد ، فالله سبحانه وتعالى شرع حدا للزنا عندما قال عز من قائل " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " .
نعم ..
هذه عقوبة فرضها الله سبحانه وتعالى ضد الزناة ، وأمر ألا تأخذ عباد الله رحمة فيهم أي في الزاني والزانية وأمرها أن تكون على مشهد من المؤمنين حتى يكون ذلك أردع للنفوس عن الوقوع في هذه الفحشاء ، بجانب ذلك جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مبينة أن هذا الحكم إنما هو خاص بالزاني البكر والزانية البكر أما إن كانا محصنين فحكمهما الرجم ، وهذه العقوبة وإن بدت للناس فيها قسوة ، لا ريب أنها العقوبة المناسبة لقطع دابر هذه المفسدة العظيمة ، ومع هذه الآداب التي شرعها الإسلام وهذه العقوبات الرادعة ، هنالك توجيه من الله سبحانه وتعالى إلى ما يغني العباد عن الوقوع في هذه المفسدة ، فإن الله تعالى لم يحرم على العباد شيئا مما تتطلع إليه النفوس ، إلا وأباح لهم في مقابله ما تكون فيه العفة والطهارة والنزاهة والمصلحة للعباد ، وقد قال عز من قائل: (( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت به أيمانكم )) وأمر سبحانه وتعالى بتيسير هذا الزواج وعدم وضع العقبات في سبيله ، عندما قال: (( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم )) وجه الله سبحانه العباد إلى الزواج الشرعي لأجل إعفاف النفس ، وإرواء هذه الغزيرة الملتهبة وتسكين هذه العاصفة من الشهوة ، ليكون الإنسان مطمئنا وادعا يكتفي بما أحل الله عما حرم ، ونجد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الحث على الزواج ، فهو يقول: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ولكن للنظر إلى حال الناس ، هل الناس مستمسكون بهذه التوجيهات الربانية ، نعم .. نجد من الأخبار ما يقلق من هذه الناحية فنحن نسمع عن قوافل الناس التي تخرج زرافات في أيام العطل من أجل قضاء هؤلاء مآربهم في أسواق الخنا ومجامع الفجور حيث تباع الشهوات والعياذ بالله تعالى ، أليس ذلك مما يدعو إلى سخط الله سبحانه وتعالى ، بجانب هذا نجد أن الغيرة انحسرت من قلوب الرجال ، فهم لا يغارون على نسائهم ولا يغارون على بناتهم ولا يغارون على قريباتهم ولا يغارون على بنات مجتمعهم ، وهو أمر أيضا من الخطورة بمكان ، كيف يرضى هذا الرجل أن يعرض امرأته أو أن يعرض ابنته للوقوع في هذه الفحشاء والعياذ بالله ، نحن نجد في تاريخ الرجال ما يدل على أن الغيرة كانت تتأجج في نفوس رجال لم يكونوا على شيء من الدين ولا على شيء من الفضيلة ، ولكنها الشهامة والنخوة ، وقد كان أحدهم يحوط محبوبته بهذه الغيرة ، حتى يحصنها تحصينا ويمنعها منعا ، من أن تكون عرضة لأي سوء .. ألم تسمعوا بقول الشاعر الذي يعبر عن حبه لامرأته وغيرته عليها فيقول :-
إياك واسم العامرية إنني ****** أغار عليها من فم متكلم
أغار عليها من أبيها وأمها ****** ومن لوحة المسواك إن لاح في الفم
أغار عليها من رقيق ثيابها ****** إذا وضعتها فوق جسم منعم

أين هذه الغيرة من رجال اليوم ، نجد الرجل اليوم يسمح لامرأته أن تتزين مطلق الزينة ، وتذهب لتزاحم الرجال في الأعمال تعمل معهم جنبا إلى جنب ، من غير مبالاة بما يترتب على ذلك من العواقب ، وكم من عواقب وخيمة لا نستطيع أن نتحدث عنها اطلعنا عليها من خلال هذه التصرفات الرعناء ، وكم من أب يعرض ابنته وهي في عمر الزهور لأن تكون نهبة لهؤلاء الذئاب .
قبل فترة كتبت إلي فتاة رسالة تشكو أمرها ، تقول بأنها بلغت من العمر واحدا وعشرين عاما ، وقد دفع بها أبوها إلى أن تشتغل في شركة ، هذه الشركة فيها جماعة من الرجال ، القسم الذي هي فيه معها ثمانية من الشباب ، وكل واحد من أولئك الشباب يراودها عن نفسها ، كل واحد منهم يراودها عن نفسها ، وتقول عن نفسها بأنها تشعر بالرغبة ، لأنها فطرت على هذه الرغبة وتريد أن تقضي حاجتها من خلال زواج شرعي ، ولكن والدها يحول بينها وبين ذلك ، طمعا فيما تأتي به من الراتب ، أين هذه الشهامة ، وأين هذه الغيرة من نفوس هؤلاء ، ثم إنني بلغني أن الأسواق تعج بالفتيات الحسناوات ، التي يدفع بهن آباؤهن إلى العمل في الأسواق ليجلبن لهم شيئا من المال وليكن فتنة للناس ، وليكن مجلبة للزبائن حتى تعود المصلحة إلى أصحاب المتاجر حسبما يتوهمون ، وما هي بمصلحة ، ما هي بمصلحة تعود على أي أحد ، وإنما هي مفسدة ، فأين هذه الغيرة ، هؤلاء الفتيات يعملن بجانب

ورد المنى
19-02-2003, 10:22 AM
الرجال ، أين هذه الغيرة التي يجب أن تشتعل في نفوس الرجال ، غيرة على أعراضهم ، هل يساوم على العرض في مقابل المال ، وما قيمة المال بجانب العرض ، إن عرض الإنسان هو أسمى ما يحافظ عليه حتى أن الإنسان يفدي عرضه بنفسه ، بروحه ، ويبذل دمه رخيصا في سبيل المحافظة على العرض ..
فما بال هؤلاء يرضون بانتهاك أعراضهم ، بل هم يعرضون أعراضهم لأن تكون نهبة لهؤلاء الذئاب ، وكم من أمور يندى له الجبين ، وتذوب منها القلوب حسرة ولوعة من خلال هذه التصرفات الرعناء ، التي لا تعود بالمصلحة على أحد ، هنالك الكثير الكثير من الآباء الذين يعضلون بناتهم عن الزواج ، يعضلون بناتهم عن الزواج في مقابل ما يتقاضونه من رواتبهن على رأس كل شهر ، وهذا أمر وقع فيه كثير من الناس الذين كنا نتصور فيهم الغيرة ، ونأمل فيهم الخير ، وهؤلاء هم في الحقيقية ليسوا من الإيمان في شيء .. قبل كل شيء .. (( (( (( ليسوا بمؤمنين )) )) )) .. لأن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: (( فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون )) فأي إيمان بالله واليوم الآخر في نفس هذا الذي يُعرض عن أمر الله سبحانه وتعالى في مقابل ظلم يظلمه ابنته إذ يأكل راتبها سُحتا ، وهو عليه حرام ، يجمع مظلمة مع مظلمة ، يأكل مالها بغير حق ، وهو بجانب ذلك أيضا يمنعها من حقها الشرعي في الزواج ، ويعرضها لأن تكون نُهبة لذئاب البشر ، يدفع بها دفعا إلى أوحال الشهوات والعياذ بالله ، ماذا تكون عاقبة هذا الأب ؟ ، عندما تعود إليه ابنته وهي حبلى من حرام ، ما هي الفائدة التي يجنيها من خلال ما يتقاضاه من راتبها على رأس كل شهر ، أليس في هذا ما يدعو إلى التأمل والتفكر في هذه العواقب ؟ ، إن الأمور عاقبتها خطيرة .. وكما قيل جرس الخطر قد دُق .. فعلى الناس أن يعتبروا ، فضلا عن أنواع المفاسد الأخرى .
الخمور وتفشيها .. مما يُعجب له .. ما بلغني عن أحد المترفين المفسدين ، أنه كتب إلى جهة مختصة يطلب ترخيصا بافتتاح حانة خمر ، ومن ضمن ما كتبه وهو يلتمس هذا الترخيص ((( ولا يزال الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ))) !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
أي مهزلة هذه .. أي عقل هذا .. يسعى الإنسان إلى حتفه ؟ ، وحتف بني جنسه ، وحتف مجتمعه ؟ ، بسبب هذا الطمع الدنيء في هذا المال ، مع أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أن ( الخمر ملعونة وملعون شاربها وساقيها ، وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه ، وبائعها ومشتريها ، وآكل ثمنها ) هؤلاء كلهم ملعونون ، لعنوا بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا بأحد السفهاء يطلب أن يكون الآخر في عونه ، لأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ، بالترخيص له بافتتاح حانة خمر ، من أجل ما يتصوره من المصلحة ، الله تبارك وتعالى يقول: (( يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون )).
نعم ..
هذه هي الخمر وهذه آثارها ، من الذي يرجو من ورائها فائدة ، بعد أن صارت بهذه الحالة التي أخبر الله تعالى بها ، وبعد أن لعن بسببها كل من تلبس بها ، والناس لا يعتبرون بحوادث السير ، التي هي من جراء الخمر ، كم من شباب في عمر الزهور تلاشت حياتهم بسبب هذه الحوادث التي كان الدافع الأكبر وراءها شرب الخمور ، نعم .. كانت السبب الأكبر لهذه الدوافع شرب الخمور ، وكم من أموال تتلف بسبب ذلك ، هؤلاء الذين عيقت حياتهم وشلت أعضاؤهم وأصبحوا أشبه بالموتى وإنما يُضطرون إلى المعاناة حتى تقبض أرواحهم أصيبوا بسبب هذه الحوادث ، كم من أموال تنفق من أجل هؤلاء ، أليس ذلك مما يعود بالخسارة على الأمة والمجتمع .
ثم بجانب ذلك تفشي الجرائم ، هذه الجرائم تتفشى وأنتم تسمعون عن هذه الحوادث المؤلمة التي تنفطر منها القلوب وتدمع من أجلها العيون ، وما أسباب هذه الحوادث إلا عدم المبالاة بأوامر الله تعالى ونواهيه عندما يُنشّأ الشباب على هذه الروح ، روح الفساد والإنحراف عن طريق الحق ، يدفع أبٌ بأفلاذ كبده وثمرات فؤاده إلى الإجرام ، في سبيل شيء من المال يتصوره فائدة لنفسه ، وفائدة لأولاده ، وإذا بالأمر ينقلب على عكس ذلك مما يؤدي إلى أن يخسر هو حياته ويخسر أولئك حياتهم . وهذه مصيبة المخدرات التي انتشرت ، ما هي إلا بسبب عدم المبالاة بأوامر الله تعالى ونواهيه.
وأكل الربا إنما هو إحدى المصائب الكبرى ، فالله تبارك وتعالى آذن بحرب بسببه ، يقول سبحانه وتعالى: (( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربى إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )).
نعم .. هو حرب من الله ورسوله ، حربٌ وأي حرب .. وأنتم ترون كيف تلاشت البركات ، وكيف فسدت الثمار ، وكيف وقع الناس في حيرة من أمرهم بسبب هذه المعاملات الربوية المحرمة والعياذ بالله ، فكل من ذلك حرب .. هذه آثار الحرب التي شاهدناها ، وما ندري ما وراءها ، لا ندري بهذا العذاب الذي تنذر به الرؤيا ، والعياذ بالله .. فإذاً على الناس أن يعتبروا جميعا ، وأن يرد عقلاؤهم سفهاؤهم ، و .. بهذه المناسبة أرى أن أقدم بعض الإقتراحات ، التي أرجو بمشيئة الله سبحانه وتعالى أن تكون بناءة بعونه عزوجل:

أولا: تربية النشأ على الاستقامة في الدين ، وتعويدهم معاني الأمور ، وتجنيبهم سفاسفها ، وتعويدهم أن يربأوا بأنفسهم عن كل الرذائل الظاهرة والباطنة ، وذلك مما يتوقف على أن يتفقهوا في دين الله سبحانه وتعالى ، وأن تنغرس قبل كل شيء العقيدة الصحيحة في نفوسهم ، بحيث تكون خشية الله تبارك وتعالى ملء قلوبهم ، وهذا مما يجب أن يكون منتشرا في جميع أوساط النشء من الذكور والإناث ، فإن فساد الذكور يؤدي إلى فساد الإناث ، وفساد الإناث يؤدي إلى فساد الذكور ، فلا بد من أن تكون التربية على الاستقامة والحق والرشد والصلاح والمعرفة الصحيحة والعقيدة الحقة ، شاملة للجنسين جميعا .
الأمر الثاني: أن يربى الجنسان جميعا على الحياء ، فإن الحياء شعبة من الإيمان ، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وستون شعبة ) وفي رواية: ( بضع وسبعون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان ).
الأمر الثالث: أن يحرص الكل على تنشأة أولادهم على الغَيرة ، فإن فقدان الغَيرة هو المصيبة الكبرى ، والغيرة محمودة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه هو أغير الناس ، وأن الله تبارك الله وتعالى أغير منه ، ولم يشرع الله تعالى ما شرع من الحدود ولم يأمر بما أمر به من الأوامر ، ولم ينه عن ما نهى عنه ، ولم يعد ويتوعد إلا بسبب غَيرته ، فإذاً الغيرة محمودة ويجب أن يربى عليها النشء ، ومن فقد الغيرة فهو ممسوخ والعياذ بالله .
الأمر الرابع: إعفاف الشباب من الجنسين جميعا ، بالزواج الشرعي والمسارعة إلى ذلك ، وتذليل جميع العقبات التي تقف في سبيل ذلك ، فأولئك السفهاء الذين يريدون أن يعضلوا مولياتهم من أجل رغبات أنفسهم في الأموال يجب أن يوضع لهم حد عن هذا الفساد الذي هم آمونه ومتوجهون إليه ، ويجب أيضا أن ييسر الزواج من حيث التقليل من الصَدُقات ، بحيث تكون المهور أبسط ما تكون ، ومع هذا أيضا التقليل من المؤن ، مؤن الزواج من أنواع النفقات التي تنفق من أجله ، ومما ينبغي أن يسارع إليه إنشاء صناديق للزواج ، فإن لم يمكن أن يكون هنالك صندوق عام يشترك فيه أهل الوطن جميعا ، يمكن لأهل كل ولاية ، أو أهل كل مدينة أو أهل كل قرية ، أن ينشأوا لأنفسهم صندوقا ، يتبرع كل أحد بقدر ما يتيسر له ، لينفق كل ذي سعة من سعته ، ومن قـُـدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، حتى ولو استطاع الإنسان أن يوفر في كل شهر ريالا واحدا من أجل إمداد هذا الصندوق فذلك خير كبير ، وأصحاب اليسر مطالبون بأن يبسطوا أيديهم ، وأن ينفقوا مما آتاهم الله سبحانه وتعالى ، ومما ينبغي أن يوضع في الإعتبار أيضا أن الحفلات ، حفلات الزواج ينبغي أن تكون حفلات جماعية ، يشترك فيها أكبر عدد ويحمل الموسرون المعسرين فيه ، بحيث ينفق أصحاب اليسار في هذه الحفلات بما يكفي أصحاب العسر مؤونة الإنفاق ، ومما ينبغي أن يوضع أيضا في الإعتبار أن الزواج تذلل العقبات الإجتماعية التي سادت عند الكثير من الناس ، وهي أن الزوج يشترط أن يكون مالكا لبيت وأن يكون مالكا لسيارة وأن يكون مالكا لكذا وكذا ، هذا كله مما ينبغي أن ينفى ، وأن يكون الزواج ميسرا حتى تروى هذه الشهوة بما يطفؤوها بمشيئة الله سبحانه وتعالى .
والأمر الخامس: أن يمسك على أيدي هؤلاء السفهاء الذين يلهثون وراء هذه الشهوات ، ويُرَدوا إلى الحق ويُبصَروا بمغبة هذا الأمر ، وأن يُشاع هذا الأمر في جميع الأوساط ، ليكون الناس على بينة من أمرهم ، فالأمر خطير جدا ، ونحن علينا أن نعتبر كما قلنا بالقرون الخالية ، أليس في شأنها عبرة لأولي الألباب ، (( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )) ، كم أنزل القدر النفاذ هؤلاء المغرورين من علياء كبريائهم إلى حضيض الذلة والمهانة بسبب ما عملوا من معاصي الله سبحانه وتعالى ، ثم بجانب هذا التوعية بمختلف الوسائل ، سواء عبر أجهزة الإعلام أو في هذه المساجد أو في الأندية أو في أي مكان آخر ، حتى يكون الناس جميعا على بينة من الأمر ، والنصيحة الفردية لها أثر كبير ، فأقترح أن يعنى بهذا كله ، وأرجو أن يتم ذلك في إطار العناية بالحياء ، والعناية بالمجتمع والعناية بالجيل الناشيء وأسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق وأن يدرأ عنا كل الشرور وأن يحفظنا من كل سوء ، وأن يحمينا من كل مكروه .
ربنا لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، واجعل اللهم الغَيرة في قلوب رجالنا ، والحياء في وجوه نسائنا ، وارزق الجميع العفاف والطهر والنزاهة ، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير ، نعم المولى ونعم النصير ، وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
((((( تم رفع الآذان )))))
هذه أسئلة متعددة فالظاهر أنها تأتي زرافات ، ولكن نجيب بقدر الإستطاعة إن شاء الله .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

السائل يقول: إنه مما لوحظ في الآونة الأخيرة ظاهرة نفوق الأسماك على الشواطيء العمانية ، وقد قدر عدد الأسماك التي وجدت على الشواطيء بعشرة آلاف طن ، ومما يثير العجب أن ينسب بسبب تلكم الظاهرة إلى نقص

ورد المنى
19-02-2003, 10:23 AM
الأوكسجين في البحر ، فهل تعتبر تلك الظاهرة الخطيرة سببا في الفساد المنتشر ، لتكون عبرة وعظة للناس ، نرجوا أن تبينوا لنا الحق في هذه الظاهرة.
الجواب/.. هذا مما أجاب عليه القرآن الكريم .. قبل أن أجيب عليه أو يجيب عليه أي أحد (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس )) ، فهذا من الفساد الذي ظهر في البحر ، هذا مما نُص عليه ، ولا يبعد أن يكون هو من ضروب العذاب والعياذ بالله ، فالتوبة إلى الله هي التي تقي هذه المخاطر ، ولو قدرنا هذا من الأوكسجين ، من الذي دبره ، من الذي خلقه ، من الذي يصرفه ، من الذي يرتب آثاره ، كل ذلك إنما يكون من عند الله سبحانه وتعالى ، ولله جنود السماوات والأرض .

السائل يقول: نجد بعض الآباء يرخصون لبناتهم للعمل في الشركات ويكون فيه الإختلاط بين الرجال والنساء ، وذلك بسبب الفقر الذي هو فيه ، ولا يوجد عنده أولاد إلا البنات ، وهو لا يقوى على العمل ، فما قولكم لهؤلاء الآباء ، وما نصيحتكم لهم .
الجواب/ .. أولا قبل كل شيء عليهم أن يتقوا الله ، فإن الله عزوجل يقول: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب )) ، عليهم أن يتقوا الله ، ثم على المجتمع أن يتعاونوا ونحن ندعوا المجتمع .. أولا وقبل كل شيء أن يعطي زكاة ماله ، آداء الزكاة ، إيتاء الزكاة من الفروض الواجبة ، وهي تسد جانبا من هذه الحاجة وتقضي على جانب كبير من هذه المشكلات ، ثم بجانب ذلك النفقات الأخرى التي هي في سبيل الله سبحانه ، فإن النفقات ليست محصورة في الزكاة ، فالله تعالى عندما ذكر البر ، قال: (( وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب )) ثم قال: (( وأقام الصلاة وآتى الزكاة )) وهو دليل على أن هذا الحق ليس محصورا في الزكاة ، فالعطف يدل على التناوب بين المعطوف والمعطوف عليه .

السائل يقول: ما قولكم في إنشاء جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكي يستقيم الضال ، ويرشد الشباب إلى الطريق المستقيم ، أنا شاب أرى ما أراه من الفواحش ، لكن ليس من مقدوري فعل شيء حيال ذلك ، لأني لا توجد لدي سلطة .
الجواب/ .. طبعا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضه الله تعالى على الأمة (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )) ولكن إنشاء هذه الجماعة لا يتم إلا بالتنسيق مع الجهات المسؤولة ، لتكون الجهات المسؤولة في الدولة هي التي ترتب هذا الأمر ، وتنظمه ليتم التعاون بين القاعدة والقمة بمشيئة الله .

السائل يقول: ما تفسير الآية الكريمة: (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ))؟
الجواب/ .. نعم ، الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بشرا سويا ، وأنعم عليه بالآلاء الظاهرة والباطنة ، ولا يغير شيئا من ذلك بحيث يعود الإنسان إلى الذلة وإلى الفساد ، وإلى وإلى .. الخ ، إلا بسبب ما كسبت يداه .

سؤال/ .. هل يجوز التحدث مع فتاة في الهاتف ، وذلك من أجل تقديم النصح والإرشاد لها ، وذلك لأنها تعاني من مشكلة وأحاول أن أعينها على تجاوز هذه المشكلة ، مع العلم أنها أجنبية ؟
الجواب/ .. مع أمن الفتنة ، مع أمن الفتنة وكون الحديث بريئا ، حديث حق .. لا يمنع ذلك ، فأمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن مع ما فرض الله سبحانه وتعالى عليهن من مضاعفة القيود في معاملتهن مع الناس ، كن يتحدثن إلى المؤمنين من وراء حجاب ويتلقون عنهن العلم.

السائل يقول: بيت ، في مكان ذكره .. نحن لسنا بحاجة إلى ذكر الأمثلة ، لا نريد أن نشهر ، لا بمكان ولا بأحد .. يقول توجد فيه نساء زانيات يأتي الشباب إلى هذا البيت ويدخلون عليهن بدون إذن ، ولا يوجد لهذه النساء راع يرعاهن ، حتى أنهن يأتونهن بالصبح إلى منتصف اليوم ، ومن المغرب حتى الفجر .. فهل يجوز طرد هؤلاء النساء من هذه المنطقة ؟
الجواب/ .. الإنسان عندما يتعفن عضو من أعضائه ، يبتره .. يفصله عن جسمه ، حتى لا يسري فساد ذلك العضو إلى سائر الجسم ، فكيف بطرد نساء فاسقات باعرات من مجتمع ليبقى ذلك المجتمع طاهرا ونظيفا .
سائل يسأل: عن رؤيا .. حقيقة الأمر .. لا أدري ما المراد بهذه الرؤيا ، ولكن أرجو خيرا إن شاء الله ، لأن فيها إشارة إلى ضربة لطفل .. ضربة خفيفة بين منكبه ، لعل ذلك إن شاء الله إيقاظ لضمير ذلك الطفل .
السائل يقول إنني ألاحظ كثيرا من الناس ، يسمحون لبناتهم بالخروج إلى بلدان بعيدة وقريبة من غير محرم ، معنى مقصدهم من ذلك حصولهن على شهادة في مجال ما ، فهل فعلهم في هذا محمود ؟
الجواب/ .. هذه من المفاسد الكبرى والعياذ بالله ، من المفاسد الكبرى .. آثارها نحن لا نريد أن نشهر بالناس ونتحدث عنها جميعا ، آثارها وخيمة ، والعياذ بالله . فعلى أي حال هؤلاء هم أقرب إلى الدياثة ، الذين يسمحون لبناتهم بهذا هم أقرب إلى الدياثة ، والديوث لا يروح رائحة الجنة ، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم .

سؤال/ .. ظهر في الآونة الأخيرة أن النساء يقدن سيارات الأجرة ، ونقل الطلبة إلى المدارس ، فهل من نصيحة لهن ؟
الجواب/ .. نصيحتي لهن ولأوليائهن ولأزواجهن أن يتقوا الله تعالى جميعا .

يقول رجل رشح امرأته لمنصب بعد أن فقده هو ، حتى لا يغيب المال .. فما القول في ذلك ؟
الجواب/ .. هذا أمر لا يحتاج إلى تعليق ..

السائل يقول: انتشر اللواط في المجتمع وبطرق مختلفة وبظواهر متعددة ، ومن ضمنها زفاف الرجل إلى رجل ، على مرآى ومسمع من الناس .. أليس من واجب الدولة والمجتمع ردعهم ، وما هي توبة من يرتكب تلك الفاحشة ؟
الجواب/ .. هذه الفاحشة هي من أكبر الفواحش ، وأخطرها .. وقد جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى ما أصاب أصحابها من عذاب الله الذي عجله في دنياهم قبل آخرتهم ، ثم بعدما ذكر هذا العذاب قال: (( وما هي من الظالمين ببعيد )) ، وأي ظلم أخطر من هذا الظلم ، وأي فاحشة أسوأ من هذه الفاحشة ، وعند ظهورها وبروزها إلى حد هذا المستوى المذكور ، فإن الأمر ينذر بخطر شديد . نسأل الله العافية ، وعلى الكل التعاون من أجل القضاء على هذه المفسدة ، على الكل .. على الحكومة وعلى الشعب .. الجميع عليهم أن يتعاونوا على أجل القضاء على هذه المفسدة ، وأما التوبة من هذه الفاحشة ومن غيرها من الفواحش ، فالله سبحانه وتعالى يسرها ، قال: (( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون )) ، على أي حال إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب ، لمن .. لمن

ورد المنى
19-02-2003, 10:26 AM
تاب ، الله تعالى قيد ذلك وبيّن ذلك ، حيث قال: (( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى )) .

السائل يقول: بخصوص ما ذكرته من وجود فتيات بالأسواق والمحلات ، يقمن بالبيع والمحاسبة فإذا كان أصحاب المحلات قد وظفوهن بمحلاتهم من أجل إغراء الناس وجلب الشباب ، وتشجيعهم للشراء من عندهن ، فهل يمكن أن توجه كلمة لأصحاب المحلات الطامعين في المكسب المادي ، ولو بمسلك من ذلك ، يدخلون في تجارتهم المكسب الحرام ، والتأكيد حول ما شابه ذلك ؟
الجواب/ .. هؤلاء أولا لا يغارون على حرماتهم بأنفسهم ، لأن الفساد يسري ، فمن أفسد ابنة غيره ، سرى الفساد إلى ابنته ، الفساد يسري ، هذه سنة الله تعالى في خلقه ، فآثارها لا تتوقف عند حد معين ، وأول من يصلى النار موقدها ، أول من يصلى النار موقدها .. هؤلاء يتلاعبون بالنار فعليهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر وما يجنونه من المال فهو ((((( حرام حرام حرام ))))) لأنه جاء إليهم بوسيلة محرمة ، وبطريقة إفساد المجتمع .

سؤال: ما قولكم في الزواج المبكر ؟
الجواب/ .. هو الخير والرحمة ، فيه تحصين للجنسين جميعا ، لا ينبغي أن يؤخر زواج الفتى بعد بلوغه ، مع تيسره ، ولا زواج الفتاة بعد بلوغها مع تيسره .

سؤال آخر: ما قولكم في تعدد الزوجات ، وهل يعد من باب (( وتعاونوا على البر والتقوى )) في وقتنا الحالي ؟
الجواب/ .. تعدد الزوجات مع القيام بجميع المسؤوليات ، ومع العدل بينهن والقيام بحقوقهن من غير تقصير في ذلك ، يعد بطبيعة الحال من العمل الصالح الذي يؤجر عليه المرء ، لأنه بذلك تحل مشكلات جما .

سؤال/.. كثيرا ما نشاهد في حياتنا اليومية الرجال متشبهين بالنساء ، فهل يجوز السلام عند رؤيتهم والرد على سلامهم والكلام معهم ؟
الجواب/ .. (((( تباً لهم ولأمثالهم )))) لعنهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، بئست الحالة أن يفطر الإنسان رجلا ، فيحرص على أن يتحول إلى أنثى ، بحيث ينافس الإناث في خصائصهن ، وبئست الحالة أيضا أن تفطر المرأة إمرأة ، وتحرص على أن تتحول إلى رجل بحيث تحاول أن تنافس الرجال في خصائصهم ، ولذلك جاء اللعن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ، كل أولئك ملعونون والعياذ بالله .

سؤال/.. مما هو معلوم أن كثيرا من المعاصي قد باتت تمارس أمام أعين الناس ، وقد يقع أن طائفة أو جماعة من المتسمين بالصلاح ، يشاهدون تلك الطوائف وتتلكء أنفسهم عن النصح باللسان ، مكتفين بإنكارهم القلبي ، ويوقعون اللوم كله على المسؤولين والقائمين على الأمر ، فهذا هذا من مداخل الشيطان التي يحاول بها صرف الصالح عن إنكار المنكر بلسانه . أرجو منكم توضيح ذلك ؟
الجواب/.. نعم ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) ، لا يصار إلى التغيير بالقلب فقط إلا مع العجز عن التغيير باللسان ، كل مرحلة إنما تأتي بعد مرحلة التي سبقتها .

سؤال/.. كيف تكون الغَيرة ونحن الآن نقوم بتدريس أولادنا مختلطين ؟
الجواب/.. عليكم أن تجنبوا أولادكم وهم أفلاذ أكبادكم ، كل مضرة ، الأولاد هم أفلاذ الأكباد وقد أجاد الشاعر الذي يقول :-
وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض *** لو هبت الريح على بعضهم لامتنعت عيني عن الغمض
فإذا كان هبوب الريح على الأولاد يؤذي الآباء ، فما بالكم بتعريضهم لعذاب النار والعياذ بالله تعالى .

السائل يقول: أنه مما انتشر بين الشباب أنه تعاطي الشيشة ، فما حكم تعاطيها ؟
الجواب/.. بئس من تعاطاها وبئس من تسبب لذلك ، كل أولئك إنما يتعرضون لسخط الله سبحانه وتعالى ، الشيشة هي من أنواع التدخين ، والتدخين ((((( حرام حرام حرام ))))) ، حرام لأن الله تبارك وتعالى منع على الإنسان أن يتعاطى أي شيء يؤدي إلى الإضرار بنفسه ، يحرم شرعا تعاطي كل ما يضر بالدين أو يضر بالعقل أو يضر بالنسب أو يضر بالحياة ، بالصحة .. بالنفس ، أو يضر بالمال ، أو يضر العرض . هذا كله مما يحرم ، ونحن نعرف أن التدخين من ضمنه الشيشة ، مما يؤدي إلى الضرر .. كم من ضحايا التدخين في هذا العالم ، كم من ضحايا التدخين .. الآن الرقم وصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين وهو في تزايد مستمر في كل سنة ، في كل سنة ضحايا التدخين أكثر من ثلاثة ملايين ، والله تبارك وتعالى يقول: (( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا )) ، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن تعاطى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ) ، هؤلاء الذين يدخنون يتعاطون سم ، السم الزعاف ، فتعاطي الشيشة من المحرمات ، ويجب على الآباء أن يصونوا أبنائهم عن ذلك .

نسأل الله العفو والعافية ونسأل الله أن يخلصنا من مشكلات الدنيا والآخرة إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

ملاحظة/ .. لقد حرصت على طباعة كل ما قاله سماحة الشيخ لسببين ، الثاني أني وددت أن يعيش القاريء جو المحاضرة قلبا وقالبا ، أما الأول فلأني أحب هذا الشيخ العزيز حبا عظيما ، ويعز عليّ أن أغادر حرفا قاله دون أن أورده . والعذر للقاريء على كثرة الأخطاء اللغوية والمطبعية ، التي كان جهلي سببا فيها .. كما أعتذر لإيراد باقي المحاضرة كاملة وذلك لكوني مرتبط ببعض الأعمال . بارك الله في الجميع ، وجعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

الكاتب / محب سماحة الشيخ

ورد المنى
19-02-2003, 11:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، أحمده واستعينه واستهديه ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ،أرسله بدعوة الحق إلى الخلق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته وسار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين .. اما بعد .
فإن الذي يتدبر التاريخ الإسلامي المجيد يجده منذ تنفس صبحه وارتفاع صوته ، بدا يواجه سلسلة من المحن والتحديات ، واستمرت هذه السلسلة إلى وقتنا هذا ، وسوف تستمر إلى أن تقوم الساعة لأن تلك هي سنة الله في خلقه { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب }..
ولقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن حلقات الأمر إذا استحكمت صعوبتها جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى وأنفرج الضيق وزالت الصعوبة { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ، حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يعلمون } .
إن في المرسلين عبرة لأولي الألباب ، ولكن بجانب ذلك كله لا اعرف محنة رزئ بها الإسلام كمحن ثلاث ، وهي تآمر أعدائه ، وجهل أبنائه ، وعجز علمائه ، ولقد اجتمعت هذه المحن الثلاث في هذا القرن المنصرم ، وبسبب اجتماعها زلزلت العقيدة في نفوس المسلمين وارتاب المسلمون في أمر دينهم وصدقوا ما يجب تكذيبه وكذبوا ما يجب تصديقه ، وإذا نظرنا إلى تآمر أعداء الإسلام على الإسلام نجده أمراً ملازماً لسير الدعوة الإسلامية منذ بدايتها ، فمنذ أن رفع النبي صلى الله عليه وسلم صوت الدعوة إلى الإسلام بمكة المكرمة داعياً إلى الله ، معلناً توحيد الله ، بادره قبل كل شيء من هو أقرب الناس إليه وقال له : تباً لك ألهذا جمعتنا. ولا يزال الإسلام منذ ذلك الوقت يلقى مزيداً من التآمر من أعدائه ، ولكن التآمر الخفي أصعب بكثير من التآمر الظاهر ، والغزو الخفي أخطر بكثير من الغزو الجلي ، وإذا كان بجانب هذا التآمر عجز من قبل أبناء الإسلام وعدم إدراك لهذا التآمر من قبل علمائه ، كان الأمر أصعب بكثير ، ولقد رزئ المسلمون في عقيدتهم وارتج اليقين في صدورهم عندما واجهوا الغزو وهم عزل عن السلاح ، فاستسلموا له وتقبلوا كل ما جاء به.
إننا لنجد أن من أخطر ما اصيب به المسلمون هو قلب المفاهيم وتغيير المقاييس عندهم . وإذا كانت الكلمات تقاس بقدر معطياتها ، فإن كلمة قالها فيلسوف من فلاسفة الشرق في العصور السحيقة لجديرة بالتقدير والإكبار ، فقد قال : ( لو كنت أملك من أمر الناس شيئاً لبدأت قبل كل شيء بوضع الأسماء الصحيحة في مقابل المسميات ، لأن التسمية تصور المسمى على حقيقته ولكن التسمية إذا كانت مقلوبة كان المسمى خفياً بحيث لا تدركه القلوب ولا تستطيع أن تحكم عليه العقول ).
ومن مخاطر الغزو الجديد الذي رزئ به الإسلام من قبل أعدائه ، هو قلب الأسماء بحيث لا تصور المسميات على حقيقتها ، ونجد أمثلة لهذا القيد متقبلة عند جميع الناس يلوكونها بألسنتهم بدون تفنيد بين ما هو صحيح أو ليس بصحيح ) ، فمن ذلك أن أعداء الإسلام أرادوا أن يحببوا إلى المسلمين الخمر فسموه ( المشروب الروحي ) وإن الذي يسمع الألسنة تردد هذا الإسم للخمور ليتصور ذلك الموقف الذي وقفه الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلن عن هذا التحريف قبل أربعة عشر قرناً ، فالإمام الربيع رحمه الله قد روى عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ليستحلن آخر أمتي الخمر بأسماء يسمونها بها )). وروي هذا الحديث من طريق عبادة رضي الله عنه أيضاً الإمام أحمد وابن ماجه بلفظ (( لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه )). وفي رواية ابن ماجه (( ليشربن طائفة من أمتي الخمر )). وروى الإمام أحمد وأبو داود من طريق أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ليشربن أُناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها )). وفي حديث أخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام قال : (( لا تنتهي الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها )). وجاء في رواية عن أبي محيرث عن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخرجها النسائي أنه قال : (( يشرب أُناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها )). فالذي يسمع تردد كلمة المشروب الروحي أو المشروبات الروحية إطلاقاً على الخمر ، ليتصور ذلك التحذير الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أمته ، ويدلنا هذا التحذير منه عليه أفضل الصلاة والسلام أن هذا الإطلاق نفسه حرام ، فإطلاق اسم المشروب الروحي على الخمر من ضمن المحرمات كما أن شربها وبيعها وسقيها وعصرها واعتصارها وحملها وإهداءها وتقبلها ممن أهداءها كل ذلك حرام .
ومن ضمن قلب الأسماء تسمية الربا بالفوائد ، والله تعالى يقول : { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } فالربا الذي يتصوره الناس سبباً للزيادة والنمو هو من أسباب محق البركة وزوال فائدة المال ، ولقد حذر الله تعالى من الربا أيما تحذير فقد قال عز من قال : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون } . وبين قبل ذلك سبحانه وتعالى خطورة الربا حيث قال : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فأنتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأُولائك أصحاب النار هم فيها خالدون }.والذين يماحكون في تحريم الربا ويجادلون إنما يتوجه إليهم هذا الوعيد الشديد الذي آذن به الله سبحانه وتعالى به أُولائك الذين يأكلون الربا أو أُولائك الذين يستحلونه حيث يقولون إنما البيع مثل الربا . ولقد ظن بعض الناس أن الربا سبب للنمو والزيادة حتى قال كثير منهم أن البنوك التي تتعامل بالربا سبب لازدهار الاقتصاد وتعلموا أنها سبب لمحق البركة وسبب للقضاء على نمو المال وسبب لاستشراء الفساد في الثمار والزروع لأن الله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله }.
ومن قلب الأسماء تسمية الزنا ومقدماته بالحب ، مع أن الله سبحانه حرم الزنا وحذر من إتيان مقدماته ، فقد قال عز من قائل : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } . وفرض الله تعالى العقوبات الرادعة على الزنا ، فرض الجلد عليه في كتابه العزيز ، وفرض الرجم إن كان الزاني محصناً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والتطبيقية ، يقول الله تبارك وتعالى : { الزاني والزانية فاجلدوا كل منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله }. يحذرنا الله تعالى من أن تأخذنا رأفة بالزناة لأنهم يهدمون الأسر ويفسدون البيوت ويطمسون النسل ومغبة الزنا مغبة خطيرة ، ولكن بدلاً من أن يسمى الزنا باسمه الصحيح وضع له هذا الاسم البراق ، فسمي حباً عند كثير من الناس.
ومن ذلك أيضاً تسمية الغناء والرقص وضروب المجون بالفن ، فإن ذلك كله من ضمن الغزو الخطير الذي يترتب على قلب الأسماء عن حقيقتها وإعطاء المسميات أسماء غير أسمائها ولا شك أن هؤلاء يقصدون بمثل ذلك إضفاء ثوب المحاسن على المقابح وتصوير الرذائل في صورة الفضائل وتحبيب الشهوات إلى النفوس ويحاولون من وراء ذلك كله أن تجهل هذه الأمة عقيدتها وأن تجهل واجباتها لأنها سكعت في شهواتها واستسلمت لعدوها إذ لا يعود لها هم في هذه الدنيا غير الشهوات وذلك الذي تلتقي عليها مؤسسات أعداء الإسلام كلها ، فالصهيونية والتبشير الصليبي والشيوعية ، كلها تتضافر جهودها على ذلك ، ومما يدل على ذلك ما قاله أحد القسيسين المبشرين وهو زويمر حيث قال في مؤتمر القدس: ( إن مهمة التبشير التي لأجلها ندبتكم الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في تنصير المسلمين ، فإن ذلك هداية لهم وتكريماً ، وإنما هي في إخراج المسلم من الإسلام وجعله مخلوقاً لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليه الأمم في حياتها وبهذا تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية ). ثم بعد ذلك وجه خطابه إلى إخوانه القسيسين فقال: ( إنكم قد ظفرتم ونجحتم أيما نجاح في مهمتكم ذلك لأنكم أعددتم جيلاً لا همة له إلا بالشهوات ، فإن سما إلى أعلى المناصب ففي سبيل الشهوات ، وإن جمع المال فلأجل الشهوات ).
وهذا هو الذي وقعت فيه هذه الأمة ، عندما كان اللورد كرومر بمصر يقف في وجه المنصرين الذين يريدون أن يختطفوا أبناء المسلمين ، عندما كان يفعل ذلك قدم المنصرون شكاية عنه إلى بلاده فنوقش فقال : إن هؤلاء يريدون أن يستفزوا مشاعر المسلمين بينما طريقتي هي أنجح طريق ، طريقتي أني دسست السم في العسل وذلك لأنني دسست المباديء الخطيرة على الإسلام والمسلمين في المناهج التعليمية ، لقد أمرت بإعداد المناهج التعليمية أكبر قس في الشرق وهو زويمر وإنني لواثق أن أبناء المسلمين سوف يتلقون الأفكار الغربية بكل ما فيها من فساد إذا تقبلوا هذه المناهج . وذلك الذي وقعت فيه هذه الأمة ، فقد أضفى ثوب المحاسن على القبائح وسميت معاصي الله سبحانه وتعالى بأسماء براقة وأخذ الناس يحببون إلى أبنائهم الأعمال المنكرة والأحوال الدنيئة بسبب جهلهم بالإسلام وبسبب انطفاء جذوة الغيرة على هذا الدين الحنيف في قلوبهم ، لقد أخذ المسلمون أنفسهم يترجمون المناهج التعليمية التي أعدها لهم أعداؤهم ، إلى لغاتهم ومنها اللغة العربية لغة القرآن ومع ذلك فإنهم لم يحاولوا أبداً أن يفندوا بين الصحيح والسقيم وبين الحق والباطل ، بل تقبلوا تلك المناهج بما فيها من فساد وبكل ما فيها من تحريف.
ومن ذلك أن كتاباً من كتب الحساب وجدته منذ سنوات يشتمل على أسئلة توجه إلى الطلبة ومن ضمن هذه الأسئلة التي توجه إليهم ( رجل أودع في البنك ثمانين ألفاً ، وتدر عليه هذه الثمانون ألفاً أرباح بنسبة خمسة في المائة كل عام ، فكم يجتمع له الربح كل عام ؟ ) إن هذه محاولة لتخفيف الكراهية من الربا ، بل هي محاولة لتحبيب الربا إلى القلوب بحيث يسمى الربا ربحاً ، ومحاولة لجعل التعامل الربوي من ضمن التعامل المألوف بين المسلمين ، وقد قلت غير مرة أن البديل عن ذلك أن يوضع سؤال آخر مقابل هذا السؤال فيحل محله ، مثل أن يقال ( رجل يملك من النقود ثمانون ألفاً وتلزمه فيه زكاة بنسبة 2,5 % فكم يلزمه من الزكاة في العام عن هذه الثمانين ألفاً ).
وسؤالاً آخر وجدته أيضاً في نفس الكتاب ( وهو أن رجلاً وامرأته وابنهما وابنتهما دخلوا السينما وكان على كل من الابن والابنة نصف تذكرة ودفعوا أربعة وعشرين دينار أو جنيهاً عن كل التذاكر ، فكم تكون قيمة التذكرة الواحدة). مع أن هناك سؤالاً بديلاً عن هذا السؤال يحل محله وينمي روح الفضيلة في الطالب ، وهو أن يقال بدلاً من هذا السؤال : ( رجل وامرأته وعندهما كذا من الأولاد مروا على عدد من الفقراء وتصدقوا عليهم بعدد كذا من الدنانير أو الدراهم ، إذاً كم ينوب كل واحد من هؤلاء وكم يكون لكل واحد من الفقراء ).
وهذا إن دلنا على شيء فإنما يدلنا على جهلنا بحقيقة الإسلام والعلم والتربية. إن التربية هي تنمية روح الفضيلة ، فالتربية بمعنى الإصلاح والتنمية وكلمة الرب مشتقة أيضاً من كلمة التربية أو هي قريبة منها تؤدي معناها وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يصلح عباده وينميهم بفضله وإذا كانت هي التربية فيجب أن ترتكز التربية على الإصلاح وعلى تنمية الفضائل وعلى غرس الأخلاق وعلى بعث الهمم إلى الخير وعلى بعث العزائم إلى ما فيه عز المسلمين وخيرهم.
ونحن إذا ما عدنا إلى ما يقوله انفسهم عن التربية وجدنا أن فلسفة التربية عند الغربيين لم ندركها نحن حيث أخذنا القشور من مناهجهم التربوية ولم ندرك فلسفة التربية التي تقوم عليها التربية عند الغربيين ، فأحد خبراء التربية عند الأمريكان يقول : ( إن عملية التربية ليست عملية تعاط أو عملية بيع وشراء أو استيراد إلى الداخل وتصدير إلى الخارج ).ثم يقول ( وفي فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التربية الإنجليزية والأوروبية إلى البلاد الأمريكية ).
وإذا كان هذا الرجل تبلغ به الحساسية هذا المبلغ فيتأسف لفترات من التأريخ يرى أن شعبه خسر فيها أكثر مما ربح باستيراد نظرية التربية الإنجليزية والأوروبية إلى البلاد الأمريكية مع أن القاسم المشترك بين الأمريكان والأوروبيين عامة والإنجليز بصفة خاصة أشياء متعددة ، منها الدين ، فالجميع ينتمون إلى النصرانية ، ومنها اللغة فلغة الأمريكان هي لغة الإنجليز ، ومنها الاتجاه السياسي ومنها العادات والأخلاق ومنها العنصر النسبي وذلك أن الأمريكان من الأوروبيين.
ويقول البروفيسور كلاري : ( مهما قال الناس في شرح التربية أو في تفسير التربية فإن كل ذلك يعود إلى أن التربية هي إثبات نظرية سبق الأيمان بها ) ويعني ذلك أن تكون التربية متقبلة عند الشعب المربي وذلك لأن التربية تنمي عقيدة سبق الإيمان بها وترسخ مبادئ قد سبق أن وافق ذلك الشعب الذي ترسخ فيه تلك المباديء عيها وآمن بها وصدق بها. وعندما كان الإنجليز يؤلفون دائرة المعارف طلبوا من أحد خبراء التربية في بريطانيا وهو السير بيرسي ناين طلبوا منه أن يكتب في بند التعليم عن التربية فقال : ( لقد سلك الناس مسالك متعددة في التعريف بالتربية ولكن الفكرة الأساسية التي تسيطر عليها جميعاً أن التربية هي الجهد الذي يقوم به أباء شعب ومدربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها ، إن وظيفة المدرسة أن تمنح القوى الروحية فرصة التأثير في التلميذ ، تلك القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة وتحفظ مقومات الشعب وتمد يدها إلى الأمام ). وإذا كان هذا الرجل يتحدث عن قيمه التي ترتبط بالوحل والتراب والتي لا تتجاوز المادة ، فكيف بالأمة الإسلامية التي نزلت قيمها من السماء، فقد جاء بها كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إن هذا ليدلنا أن على أن الواجب على هذه الأمة أن تدرك خطورة التربية ، وأن تدرك واجباتها في محو كل صورة علقت بأذهان أبنائها لا تتفق مع مبادئها وقيمها وأخلاقها.

ورد المنى
19-02-2003, 11:51 AM
لقد جاء القرآن الكريم كتاباً يشمل كل نواحي الحياة فلا يغادر شيئاً مما تتطلبه حياة الإنسان. فيجب أن يكون هو الأصل الأول للتربية ويجب أن تكون السنة النبوية هي الأصل الثاني ذلك لأن السنة هي التي تشرح القرآن وتبين ما أنبهم منه وتوضح ما خفي منه وتفصل ما أجمل من أحكامه ، وبناء على ذلك فإن واجب الأمة أن تجعل تربيتها تدور حول القرآن وحول سنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، وهذه مسئولية كبرى يتحملها كل فرد من أفراد هذه الأمة ، فكل فرد من أفرادها مسئول عنها ولكن تتضاعف المسئولية على العلماء ، علماء الشريعة الإسلامية ، فيجب على العلماء أن يكونوا ذوي خبرة وإدراك لحقائق العالم الذي يعيشون فيه ومتطلباته وأن يتصوروا كل ظروفه وملابساته حتى يضعوا حلولاً في مواجهة جميع المشكلات والمعضلات التي ترزح هذه الأمة تحت نيرها وتتلمس حلولها من قبل أعدائها ، إن علماء الفقه الإسلامي بإمكانهم لو تعمقوا في دراسة أحكام الله سبحانه وتعالى في كتابه الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وتعمقوا في دراسة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعمقوا في فهم القواعد الأساسية التي نطق بها القرآن وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وفهموا مع ذلك واقع هذه الأمة ، وواقعها الأدبي وواقعها الاقتصادي وواقعها الثقافي وواقعها الاجتماعي وواقعها السياسي ، استطاعوا أن يضعوا الحلول لهذه الأمة حتى لا تحتاج هذه الأمة إلى حل من قبل أعدائها. وهذا ينبني قبل كل شيء على الفهم الدقيق والإدراك العميق وذلك لايتأتى أبداً إلا بعد بذل الجهد في عدم {} ما بين المواد الثقافية التي تدرس وما بين التربية الدينية النابعة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويترتب ذلك على تضافر الجهود وتناسقها بين أصحاب التخصصات المختلفة ، فالذي يدرس الثقافة الدينية يجب أن يكون عنده من الثقافة الأخرى بقدر ما يتصور واقع هذه الأمة ، والذي يدرس الإقتصاد مثلاً يجب أن يكون عنده من الوعي الإسلامي والفهم الديني بقدر ما يدفعه لوضع الحلول الإقتصادية النابعة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع التعاون مع الذين درسوا الشريعة الإسلامية وتخصصوا فيها .. وهكذا في كل مجال من المجالات.
ومن ضمن الأمور التي حاول بها أعداء الإسلام صرفنا عن الدين الحنيف أنهم رسخوا في نفوس أبنائنا التفرقة بين الدين والعلم ولأجل ذلك سموا الجاهلية الحديثة التي هي نبذ الدين ورفضه والتخلص منه ، سموا هذه الجاهلية بالعلمانية إشتقاقاً من العلم وذلك لأنهم يبنون نظرياتهم على التفرقة بين العلم والدين ، وإذا كانت هناك تفرقة بين العلم والدين عند غير المسلمين ، ويدل على ذلك ما دار من حروب بين العلماء المكتشفين وبين الذين يسمون عندهم برجال الدين ، فإن الإسلام على خلاف ذلك ، الدين الإسلامي يقوم على العلم والفهم والإدراك والعقل والتفكير ، فالله سبحانه وتعالى يقول : { وكذلك نصرف الآيات لقوم يتفكرون } ويقول : { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }.. ونحو ذلك.
ذلك كله يدل على أن الدين الإسلامي ليس بينه وبين العقل تصادم وليس بينه وبين التفكير تصادم ، هذه الأشياء كلها يجب أن يتصورها الشباب وأن يدركوا حقيقتها وأن يدركوا أبعادها وأن يدركوا أن الدين الإسلامي أمانة في عنق كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر فليس في الدين الإسلامي طبقة تسمى رجال الدين ، إن كل من يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمداً رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت ويلتزم واجبات الإسلام ، هو من رجال الدين ، ومسئولية هذه الواجبات ليست على فرد دون فرد فالله سبحانه وتعالى قد شرع العبادة لكل واحد ولم يشرع العبادة لطبقة من الطبقات ، والدين الإسلامي يفرض مراقبة الله سبحانه وتعالى في كل الأحوال ، بفرض على العبد أن يراقب الله في أخذه وعطائه ، في رضاه وغضبه ، في بيعه وشرائه ، في سلمه وحربه.
فكما أن الدين الإسلامي يوجه العبد المسلم وهو يتجه إلى القبلة ساجداً راكعاً لله سبحانه وتعالى منيباً إليه يلتمس مرضاته ، كذلك يوجهه وهو في متجره ، ويوجهه وهو في مزرعته ، ويوجهه وهو في مصنعه ، ويوجهه وهو في مكتبه ، ويوجهه وهو في ميدانه يدافع عن حمى الدين الحنيف ويدافع عن حظيرة الأمة الإسلامية ، وبذلك يدعو جميع المسلمين إلى الفهم الدقيق لهذا الدين وإدراك أبعاده وإدراك طواياه وغسل الصور من كل تلك الصور الشائنة التي تعلقت بكثير بأذهان كثير من الطلاب والتي ما فتى أعداء الإسلام يحاولوا أن يلطخوا بها التأريخ الإسلامي وأن يغرسوها في قلب كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر للحيلولة بينه وبين إسلامه.
ولأجل ذلك فإنني أُهيب بالطلبة كلهم ، على إختلاف الدروس التي يدرسونها ، أن يخصصوا وقتاً من أوقاتهم لدراسة أحكام الله سبحانه ، لدراسة كتاب الله إذ هو المصدر الأول من مصادر التشريع في الإسلام ، ودراسة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودراسة ما دونه علماء السلف الصالح {} من أقوال فسروا بها كتاب الله وشرحوا بها سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ودراسة القواعد الأساسية التي إستخرجت من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ودراسة الفكر الإسلامي السليم المستخرج من كتاب الله ومن سنة رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ليواجهوا الفكر بالفكر والعلم بالعلم ويواجهوا القوة بالقوة ويواجهوا النظام بالنظام.
كما إنني أيضاً أدعوا جميع المدرسين لبذل جهدهم في هذا الأمر وإدراكهم العبء الذي يقع على عاتقهم حول تخليص هذه الشبيبة من هذه الأفكار التي أصبح كثير منهم أسرى فيها يرزحون تحت نيرها ولا يستطيعون الخلاص منها إلا بمعونة أساتذتهم ، وبذل الجهود لذلك.
والله سبحانه وتعالى أسأل أن يوفق الجميع لما فيه الخير وأن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل الشرك والمشركين وان يرزقنا فهم هذا الدين وأن يرزقنا تطبيقه في كل ما نأتيه وما نذره وهو تعالى ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سماحة الشيخ أحمد الخليلي

ورد المنى
19-02-2003, 02:44 PM
مقدمة الناشر :
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والحمد لله الذي هدانا للإسلام وأنار عقولنا بالقرآن فعرفنا الحلال والحرام والصلاة والسلام على خير الأنام وبدر التمام الداعي إلى التمسك بما جاء في الكتب من أصول وأحكام سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم التمام .
وبعد ،

فقد اطلعت على البحث الذي أعدته الأخت مريم بنت سعيد القتبية ( نظرات حول المذهب الأباضي ) فرأيته بحثاً جيداً يستحق النشر وهو البحث الأول للأخت مريم القتبية لعل الله ينفع به وتعم فائدته وتشارك جميع الأخوات المسلمات في الكتابات والبحوث الإسلامية لأن المرأة نصف المجتمع فعليها أن تدعو إلى لم شعث الأمة وتوحيد صفوفها والرجوع التام إلى تعاليم الإسلام السمحة .
هذا وقد أشادت الأخت بالمذهب الإباضي ، فبينت نشأته وذكرت بعض مبادئه وأصوله وقادته ورواده ومدى تمسكهم بكتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أخي القارئ أختي القارئة :
وإن كان هذا البحث صغير في مبناه فهو كبير في مضمونه وفحواه فلله در الأخت الباحثة ونفع الله بها الأمة الإسلامية ، فادعو الله أن تسير على هذا الطريق وستجد من ينشر جميع مؤلفاتها المستقبلية.
فعلى جميع الأخوة والأخوات أن يتخذوا من الأخت مريم قدوة لهم فيبحثوا ويكتبوا حول الإسلام وتعاليمه وعن المجتمع الإسلامي ونهجه وكيف ينبغي أن يستظل المسلم بتعاليمه ويستنير بأنواره .
وصلى الله على خير خلق الله أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

مكتبة الضامري للنشر والتوزيع

مقدمة البحث
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وكل من تبعه ووالاه وبعد : -
فسأتحدث في هذا البحث بإيجاز عن المذهب الإباضي وأحاول قدر الإمكان الإلمام بجميع جوانب الموضوع بالرغم من تشعبه وتفرعه وقد أخذت عن كتب بعض المؤلفين العمانيين في هذا المجال.
وسأجعل ترتيب البحث كما يلي : -

1. لمحة عن الإباضية وموطنهم .
2. مؤسس المذهب الإباضي جابر بن زيد .
3. إتهام الإباضية بأنهم خوارج ورد هذا الإتهام .
4. أهم أئمة المذهب الإباضي .
5. المبادئ التي يقوم عليها المذهب الإباضي .

والله ولي التوفيق

مريم بنت سعيد بن علي القتبية

المذهب الإباضي:

1- من هم الاباضية ؟

الأباضية أمة من أمم الإسلام إمامهم عبدالله بن أباض التميمي المعروف زعيم ديني وإمام أباضي شهر مقامه بين الرجال وخاصة رجال الحق وزعماء الرشد لم يزل داعياً إلى الله جاداً مجداً هماماً مرشداً ولياً لأولياء الله رضياً في دينه لا يهاب الجبابرة ولا يحابي الظلمة ولا يداهن في الدين ولا يميل إلى أهل الأهواء والبدع وهذه لهجة أهل الحق في الإسلام وسيرة الأتقياء الأعلام فلما فشى خبره بهذا في الأمة الإسلامية وشاع نبأه في أقطار الإسلام وعوالمه أضيف إليه من كانوا كذلك من الأمة ونسبوهم إليه وهو كما ترى لم يكن إماماً له مذهب خاص ولا مسألة واحدة في الدين (1) .

2- أين هم ؟

الأباضية في عمان أعرق منهم في غيرهم من بلاد الإسلام ، وفي بلاد العراق إذا كان ابن أباض عراقياً ، وفي أرض اليمن وبالأخص في حضرموت إلى نهاية القرن السابع ، وفي المغرب أشهر من نار على علم وأرسى من رضوى على الثرى ، وفي زنجبار من أفريقيا وفي أمكنة متعددة من بلاد الله (2) .


---------------------------------------------------------
(1) أصدق المناهج في تميز الأباضية من الخوارج – سالم بن حمود السيابي – ص: 20
(2) المرجع السابق ص: 20

3. نسبة الأباضية إلى جابر بن زيد:

إمام الأباضية أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي ولد سنة 21 للهجرة وتوفي سنة 93 هـ على أرجح الأقوال وعلى هذا الاعتبار فهو أول المذاهب المعتدلة نشوءاً.
نسب أتباع هذا المذهب إلى عبد الله بن أباض التميمي أحد رجالهم المشهورين نسبة غير قياسية أطلق ذلك عليه بعض ولاة الدولة الأموية في عهد (( عبد الملك بن مروان )) فيما يبدو بسبب المراسلات والمناقشات الطويلة التي جرت بين عبد الله وعبد الملك ولحركته النشطة في نقد سلوك الحكم الأموي بابتعاده عن منهج الخلفاء الراشدين السابقين ودعوته الصريحة لحكام الدولة إلى الاعتزال أو اعتزال أمور الناس ثم لمواقفه الجدلية المتصلبة ضد الخوارج بحيث ظهر عند العامة بمظهر الزعيم . أما الأباضية أنفسهم فقد كانوا يسيمون أنفسهم " أهل الدعوة " و " جماعة المسلمين " و " أهل الاستقامة " ولم يعرفوا بالأباضية إلا بعد موت جابر بن زيد بزمان ولم يعترفوا بهذه التسمية إلا عندما انتشرت على ألسنة الجميع فتقبلوها تسليماً بالأمر الواقع عند الآخرين .
الإمام الثاني للإباضية هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أخذ العلم عن جابر وغيره وعن طلابهما انتشر المذهب الأباضي في أغلب بلاد المسلمين وقد اشتهر من أولئك الطلاب حملة العلم إلى المشرق وحملة العلم إلى المغرب (3) .
وقد ابتدأ التأليف والتدوين عندهم مبكراً فقد ألف (( جابر )) ديواناً ضخماً جمع فيه روايته وآراءه على ما تقول كتب التاريخ ولكنه ضاع في العهد العباسي و ألف ((( الربيع بن حبيب )) صحيحه في القرن الثاني الهجري ولا يزال هذا الكتاب معتمد الأباضية في السنة مع غيره من الصحاح وهو أعلى درجة من صحيحي البخاري ومسلم لأنه ثلاثي السند وألف (( عبد الرحمن بن رستم )) تفسيراً للقرآن وألف (( هود بن محكم الهواري )) أيضاً تفسيراً للقرآن وألف (( أبو اليقظان محمد بن أفلح )) عدة كتب في الاستطاعة كل هذا في القرنين الأول والثاني بل هناك عدة مؤلفات أخرى في تلك الفترة ثم توالى التأليف في فروع الثقافة الإسلامية في كل عصر من العصور التالية .
---------------------------------------------------------
(3) سير الشماخي ج1 ص : 78

3. الاباضية في قفص الاتهام :

إن وضع الاباضية بالنسبة إلى اخوتهم من المذاهب الأخرى وضع غريب فبرغم أنهم يعيشون في بعض البلاد مندمجين مختلطين بإخوانهم من المذاهب الأخرى يتعاملون معهم في جميع شؤون الحياة كما يتعامل بعضهم مع بعض وتربط الكثير منهم علاقات مودة وصداقة أوثق كثيراً مما تربطه أهل المذهب الواحد ويتصرف أولئك الإباضيون في المجتمع تصرف المسلم الطبيعي لا يخفى ولا يشذ بشئ من سلوكهم الديني أو المدني ولا ينقم عليهم إخوتهم أولئك الذين يعيشون معهم في السراء والضراء بدعة يعرفونها أو انحرافا يرونه أو خلافا يدعو إلى سوء الظن رغم كل هذا فإن تلك الكلمة التي أطلقتها عليهم فئة مغرضة مجهولة في فترة كانت السياسة تلعب فيها أهم الأدوار في توجيه الفهم لمن ينتقد انحرافها عن نهج العدول من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم منذ ذلك التاريخ في العصر الأموي فيما يبدو والإباضية يقفون في قفص الاتهام يقاسون ألم الجفاء من إخوانهم لأنهم فيما تزعم تلك التهمة الظالمة ((خوارج)) ومن المؤسف أن أكثر الكتب يتبعون مجاري الأحداث السياسية وقفوا بالنسبة إلى الإباضية موقف المدعي العام الذي يعتقد أن نجاح مرافعته يتوقف على إثبات التهمة أو قاضي التحقيق الذي يهمه أن يضع أوزار الجريمة على من ساقته الظروف إليه ووضعته التحريات بين يديه (4).

فهم يضعون هذا المذهب وأتباعه في قفص الاتهام أولا . ويحكمون عليهم بأنهم مخطئون لأنهم خوارج وبعد ذلك قد يبحثون عن الأدلة ولكن لإثبات هذه التهمة لا لمعرفة الحقيقة . وعندما يتقدم الإباضية بعرض آرائهم والأدلة الشرعية التي استندوا إليها ويبينون سيرتهم وسلوكهم يعتبر كل ذلك منهم كلاما في موقف الدفاع لا يجوز على القاضي الذكي فهو لا يسمعه ولا ينظر فيه وإذا استمع إليه فلكي يلتقط منه جملا تعزز التهمة وقد يحرفها قليلا حتى تكون صالحة كدليل للإثبات .
والمشكلة أن رافعي الإتهام لا يحاولون أبدا أن يبحثوا عن الحقيقة ولا أن يرجعوا في تحقيقهم إلى مصادر الإباضية وإنما ينتاقلون التهمة بنصها من جيل إلى جيل دون اعتبار لصراخ المتهم الموجود في القفص أو الإهتمام به أو سماع دفاعه .
وفي عصرنا هذا اهتم عدد من كتاب المقالات ومحققي الكتب بشؤون الفرق الإسلامية وعرض بعضهم فيما عرض للإباضية وبين يديه كتب قيمة لهم يستطيع أن يتخذها مراجع يستقي منها أقوالهم ويستطيع أن يعرف أصول ديانتهم وفروعها ويصحح متأكدا ما يجده من أخطاء عنهم في غيرها وإلى جانبه علماء فضلا منهم في إمكانهم أن ييسروا له الوصول إلى الحق ولكنه في الواقع يزور عن ذلك ولا يرجع إلى تلك الكتب ولا إلى أولئك العلماء وإنما يعود بالتفتيش إلى كتب ليست لهم وإنما كتبها غيرهم عنهم في ظروف مجهولة وهي غالبا لا تسلم من الأخطاء عن حسن النية إن سلمت من سوء النية بل هي عرضة للأخطاء من عدة جوانب منها :

1- عدم توافر النزاهة الكاملة في الكاتب .
2- سيطرة آراء معينة على الكاتب تجعله غير مستعد لفهم غيرها أو حتى مجرد مناقشتها .
3- كفاءة الدراسة والتحقيق قد لا تكون عنده بالدرجة التي يفرق بها بين الصواب والخطأ .
4- المصادر التي يستقى منها ويعتمد عليها سواء كانت كتبا أم بشرا قد تكون مغرضة وقد تكون مستغلة وقد تكون جاهلة لحقيقة ما تثبت .
5- وسائل الاتصال التي تساعد على البحث والوصول إلى الحقيقة بالإتصال الشخصي المباشر كانت غير سهلة ولا ميسورة .
6- النفرة بين اتباع المذاهب المختلفة وسوء الظن وشدة التعصب وتمسك كل بما عنده والحكم مسبقا على الآخرين بالخطأ والضلال .
7- الإشاعات الكاذبة والدعايات المضللة التي تنطلق عن دوافع سياسية غالبا فتصل إلى ناس موثوق بهم فتجري على ألسنتهم أو أقلامهم فتتلقفها من الآذان دون معرفة مصدرها الحقيقي والدوافع السياسية الماكرة إلى الأيحاء بها (5).

---------------------------------------------------------
(4) الاباضية بين الفرق الإسلامية ص 15- 16 ، مكتبة أبي الشعثاء.
(5) المرجع السابق ، ص16-17-18.


4. الاباضية ليسوا خوارج:

لقد ظلمهم كتاب المقالات في العقائد فاعتبروهم من الخوارج وهم أبعد الناس عن الخوارج فالصقوا بهم عدداً من الشنائع والمنكرات لا علاقة بهم بها وقسموهم إلى عدد من الفرق ثم جعلوا لكل فرقة منها إماماً ثم نسبوا إلى كل إمام منهم جملة من الأقوال كافية لإخراجه من الإسلام ولا أصل لتك الفرق ولا لأولئك الأئمة ولا لمقالاتهم عند الأباضية بل يبرأون ممن يقول بذلك .

ومن تلك الفرق فرقة (( الحفصية )) وفرقة (( الحارثية )) وفرقة (( اليزيدية )) ثم فروعها . ومن الأئمة الذين ينسبونهم إلى الاباضية أئمة هذه الفرق وفروعها . وكل ذلك لا صحة له . ومن الأمثلة على المقالات المنكرة (6) :
1- ليس بين الشرك والإيمان إلا معرفة الله وحده فمن عرف الله وحده ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار فهو كافر برئ من الشرك .
2- إن الله سيبعث رسولاً من العجم وينزل عليه كتاباً من السماء جملة واحدة .
3- من شهد لمحمد بالنبوة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه ولم يفعلوا بشريعته فهم بذلك مؤمنون .

هذا وإن الاباضية يحكمون على من يقول بهذا وأمثاله بالشرك لأنه رد على الله وتكذيب لما علم من الدين بالضرورة .
ويبدو أن كتاب المقالات نظروا إلى جميع ما ينسب إلى الخوارج بحق أو بباطل فنسبوه إلى الأباضية باعتباره زعمهم أنهم منهم دون ترو أو تمحيص ومن الأمثلة :
1- ينكرون الإجماع .
2- ينكرون الرجم .
3- ينكرون عذاب القبر .
بينما الاباضية لا ينكرون الإجماع بل يرونه الأصل الثالث من أصول التشريع ولا ينكرون الرجم وإنما يقولون أنه ثبت بالسنة القولية و العملية وليس بقرآن منسوخ ويثبتون عذاب القبر وسؤال الملكين إستناداً إلى أحاديث كثيرة ثبتت في الموضوع .

ورد المنى
19-02-2003, 02:47 PM
وقد لاحق كتاب المقالات الاباضية حتى في مجال الحرب فحاولوا التشنيع عليهم بقدر الإمكان ومن الأمثلة :
1- يستحلون غنيمة أموال المسلمين من السلاح والكراع ويحرمون ما عدا ذلك .
2- حرموا دماء مخالفيهم في السر واستحلوها في العلانية .
3- تجب استتابة مخالفيهم في تنزيل أو تأويل فإن تابوا وإلا قتلوا سواء كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو مالا يسع جهله .
4- من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب فإن تاب وإلا قتل.

وكتاب المقالات فيما نسبوه إلى الاباضية من جميع ما ذكرناه مخطئون ولهم من أشباهها كثير .

وكما ظلم الاباضية عند كتاب العقائد ظلمهم المؤرخون أيضاً فاعتبروهم كذلك فرقة من الخوارج ثم الصقوا لهم كل ما الصقه الإعلام الأموي والإعلام الشيعي بحق أو باطل ، وبصدق أو كذب ونسبوا إليهم كل ما ينسب إلى أولئك من أعمال العنف وغلاظة الطبع وجفاء البداوة وشذوذ المعاملة وجمود الفهم رغم أن الاباضية لم يقوموا بأي عمل من أعمال العنف طوال تاريخهم في غير حالات الدفاع وحتى عندما استطاعوا أن يغيروا بعض أنظمة الحكم فإنما قام عملهم على الدعوة والإقناع وتم لهم ما أرادوا دون أن يجردوا سيفا أو يزهقوا روحاً .
ومع ذلك فإن المؤرخين لا يرحمونهم وينسبون إليهم أفعال العنف والشغب ومحبة القتال ويرددون مع كتاب المقالات عباراتهم المألوفة التي لا يكاد يخلو منها كتاب .
ويضيف إليها أحد المؤرخين المعاصرين قوله : (( ولن تغمد السيوف ويتوقف القتال من الأمة الإسلامية ما دام لهم وجود ولهم أنصار )) . ولعل كراهة الاباضية لإراقة الدماء وهروبهم من الفتن جرأ عليهم مخالفيهم فشددوا عليهم الهجوم ولاحقوهم باستمرار واستحلوا منهم ما لم يستحلوا من غيرهم فكان ذلك سبباً في تناقص عددهم وانحصارهم في أماكن محدودة ضيقة .

------------------------------------------------------
(6) الأباضية مذهب إسلامي معتدل ص20


5- من هم الخوارج إذا كان الاباضية ليسوا منهم:

الخوارج في الأصل جمع خارجة وهي طوائف تخرج في الإسلام ضالة ومحقة ومن عرف الفقهاء فرق من فرق الإسلام رأسهم نافع بن الأزرق ونجدة بن عامر وعبدالله الصفار وأتباعهم خرجوا على أهل الحق في زمن التابعين وتابعيهم وحكموا على مرتكب الكبير من الذنوب بالشرك وفرّعوا عليه حلية ماله فيغنم ودمه فيسفك ورأوا أن ذلك هو الحق واشتدوا على الناس وثقلت وطأتهم على من تسلطوا عليه واشتدت شوكتهم وعظمت محنتهم على الأمة الإسلامية ابتلاء من الله لا يمثل هؤلاء وتعلقوا بتأويلات خالفوا فيها غيرهم من سائر الأمم الإسلامية ولم يصفوا على قول غيرهم من أهل الحق فاستعرضوا الناس بالسيف وقتلوا من لم يحل قتله ونهبوا الأموال واستعبدوا النساء والرجال لأنهم في نظرهم مشركون فكان لهم خطب جسيم في الإسلام واستحلوا ما حرم الله بالمعصية متأولين قوله تعالى: (( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون )) سورة الأنعام . آية 12 .

وكان معنى الآية وإن أطعتم المشركين في القول بتحليل الميتة فأنتم مشركون مثلهم . ولكن هؤلاء تأولوها على غير وجهها فإن معناه معهم وإن أطعتموهم في أكل الميتة فأخطأوا بذلك في تأويل الآية وجه الحق ولا يخفى أن استحلال ما حرم الله رد على الله عزّ وجل وهو شرك محض لا يرتاب فيه من له تمييز بين الحق والباطل .
ولما عظم خطب الخوارج وتكاثف فلهم (7) أثار الله لهم القائد الكبير المهلب بن أبي صفرة سارف بن ظالم بن صبح بن كندة بن عمرو بن عدي بن الوائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عامر ماء السماء الأزدي العماني المشهور فاضرم بينهم نيران الحرب والدهاء حتى دقهم دق العصف وأبادهم حتى عرفت البصرة به فقيل (( بصرة المهلب )) وكان هؤلاء الخوارج من جملة منكري التحكيم وكان الاباضية أيضاً كذلك أدمجوهم في إعداد الخوارج ليشوهوا بذلك سمعة الاباضية ظلماً وعدواناً وحسداً منهم للإباضية أرادوا أن يلطخوا بذلك طهارتهم من الأسواء حتى لا يرتفع لهم صوت في عالم الأمم الإسلامية ولا يقوم لهم بناء دين مهما كان يقوم على منهاج الخلفاء الراشدين ويعرف بين الأمم بالعدالة المحضة فتؤيده رجال الحق رغم العراقيل .
------------------------------------------------------
(7) أي هم يقولون ما قتله الله أحل مما قتله الإنسان فإن أطعتموهم في ذلك أشركتم مثلهم .


6. أهم أئمة المذهب الأباضي :

جابر بن زيد – أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة – الامام الربيع بن حبيب رضي الله عنهم .

أ – جابر بن زيد رضي الله عنه (8):

ولد أبو الشعثاء جابر بن زيد 21 هـ وتوفي سنة 93 منها وهو وإن كان عمانياً إلا أنه عاش في العراق فقد أمضى عمره المبارك في البصرة إحدى عواصم العراق العلمية في ذلك الحين عاش في البصرة كما عاش أكثر زملائه من كبار التابعين .
عاش – أي جابر بن زيد – ينشر العلم في المساجد والمجامع ويبث الخلق الحميد بين الناس ويدعو إلى التمسك المتين بالدين القويم والمحافظة على أصوله وفروعه ويفتي في المشاكل التي تعرض للناس حتى قال ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنه (( عجبأ لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وفيهم جابر بن زيد )) وقد شهد له بالفقه والعلم والدين وسماحة الخلق غير هؤلاء كثير من الصحابة والتابعين وكثير من تابعي التابعين غير أنني اكتفي بشهادة عبد الله بن العباس وأنس بن مالك وعائشة أم المؤمنين وهم من أخص أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بحقائق الدين وأسراره وأعلمهم بمعاني القرآن الكريم ومواقع السنة وقد قال جابر أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر وكان يقصد بالبحر ابن عباس رضي الله عنهم .
وكان يندد في دروسه ومجتمعاته بأولئك الذين انحرفوا عن دين الله فحكّـموا أهوائهم وأرضوا شهواتهم واتبعوا سبيل الشياطين وكان يبارك الثورة التي تطيح بالظلم وتنزع الحكم من أيدي الخونة لتضعه في أيد أمينة عليه حريصة على قداسة الأحكام الشرعية .
وكما كان جابر بطلاً من أبطال الإسلام يحرص على تعريف المسلمين بدينهم وبالعزة والكرامة التي يريدها الله لهم ويكافح في صبر وعزيمة طغيان الظالمين وأضاليل المبتدعين كان بطلاً في ترويض نفسه وحملها على سلوط الصراط السوي لا تغره شهرة العلم ولا تخدعه ثقة الناس به ولا تزدهيه نشوة الفوز بالإنتصار على الخصوم .
كما اشتهر عنه أنه لا يماكس في ثلاث : في كراء إلى مكة وفي عبد يشتري ليعتق وفي شاة للأضحية . كما أن جابر بن زيد قام بكتابة أو تأليف " ديون جابر " ولهذا الكتاب الضخم القيم رنة في صدر الإسلام وكان موضع تنافس في دور الكتب الإسلامية عليه ولكن أضيع هذا التراث العظيم من مكتبة بغداد عنما أحرقن تلك المكتبة العظيمة .

ب- أبو عبيدة مسلم بن كريمة رضي الله عنه:

من أتباع الإمام جابر بن زيد رحمه الله أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء المعروغ بالقفاف رحمه الله ورضي عنه .وهو الحلقة الثالثة لسلسلة المذهب الإباضي .
كما أنه أشتهر بالقفاف لأنه كان يشتغل بصنع القفاف وهي حرفه حرة شريفة . كما أن بعض المصادر كانت تقول 91) أن أبا عبيدة كان زنجيا أسود اللون أعور فقيرا وكان يقتات بعمل السعف يصنع منها قفافا فلقب بالقفاف ولكنه في رأي هو سيد البيض بعلمه وعقله وفقهه .
ولقد تولى التدريس بعد الإمام جابر بن زيد فأخذ عنه العلم خلق كثير رغم ما ابتلى به من مضايقة الطغيان وتشديد الرقابة عليه ومنعه من نشر العلم وبث الروح المتحررة التي لا ترضى بالسقيم ولا تسكت عن الهوان وقد اضطر تحت ضغط الظالمين أن يقوم بالتعليم مستتراً وأن يخفي مدرسته القيمة عن أنظار الحجاج وأعوانه ، ذلك الطاغية الذي لم يكد يسلم من جبروته وطغيانه مؤمن بربه مخلص لدينه مع زميله وصديقه ضمام بن السائب الندبي العماني رحمه الله .
وكما وصف العلامة الشماخي رحمه الل (( أبا عبيدة )) فقال (( تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث واحكمها وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه وبزدهم لاستماع ما يفرع الأسماع من زواجر وعظة وقال : وقد اعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما عليه من الاتساع )) (10)
كما أن أبا عبيدة أخذ العلم عمن لقيه من الصحابة وهم كثيرون وأكثر ما أخذ عن جابر بن زيد بحر العلوم وسراج الأمة وأخذ عن جعفر بن السماك وكان من حملة العلم أقاموا أبي عبيدة خمس سنين فلما أرادوا روج عنه إلى أوطانهم سأله إسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسئلة من مسائل الحكم فقال له أبو عبيدة : أتريد أن تكون قاضياً يا ابن درار ؟ قال : أرأيت أن أبتليت بذلك وقال أبو عبيدة رحمه الله : لا تفت بما سمعت مني وبما لم تسمع فمنعه من الفتوى كلية (11) .
كما كانت لأبي عبيدة رضي الله عنه كرامات ذكرها العلماء من تاريخه ولا ريب أن لله من خلقه ظنائن يختصهم بفضله وكرمه وإذا لم تكن لأهل العلم والتقوى كرامات الله العزيز فلمن تكون أنهم لأهل لإكرام الله إياهم . وناهيك بكرامة مريم ابنة عمران رضي الله عنها (( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنّـى لك هذا قالت هو من عند الله )) سورة آل عمران آية 37 .

ج – الإمام الربيع بن حبيب رضي الله عنه :

ابن عمر الأزدي الفراهيدي العماني البصري الفقيه المشهور كان طود المذهب الأشم وبحر العلم الخضم . كان من أهل العلم من الباطنة من عمان من غضفان خرج إلى البصرة لطلب العلم من رجالها الأجلاء وأصحابها العلماء إذ كانت البصرة إذ ذاك عمانية بأولئك الرجال الفطاحل فإن أهل عمان استوطنوا البصرة من أول تخطيطها فإن الركب الذين خرجوا مع عمرو بن العاص رسول الرسول صلى الله عليه وسلم نزلوا بالبصرة وزادوا لما صارت البصرة بصرة المهلب وهو عماني أزدي .
كما أن الإمام الربيع بن حبيب صاحب أبا عبيدة فنال وأفلح وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح نزل البصرة فتعلم وعلم ثم انتقل إلى عمان وسكن غضفان من أرض الباطنة وقال أبو عبد الله (( الربيع من غضفان )) وهذا القول إنما يدل على أن الربيع من عمان . كما أن الربيع أدرك جابر بن زيد وهو شاب أي أن الربيع كان شاباً عند إلتقائه بجابر بن زيد رحهما الله ولعله أكثر ما حمل الربيع عن ضمام بن السائب الأزدي عن جابر بن زيد قال أبو سفيان : وكان الربيع يقول : أخذت الفقه من ثلاثة أبي عبيدة – وأبي نوح – وضمام بن السائب . وحمل عن الربيع من أهل عمان العلم من البصرة ونقلوه إلى عمان المشايخ الخمسة فانتشر في عمان وأشرق فجر الإسلام من مطالعهم وعادت لعمان حياة علمية غبطهم عليها مجاوروهم حتى أصبحت عمان مناخ العلم حيث شبهوا العلم بطائر طار من المدينة وفرخ في البصرة وطار إلى عمان فكانت مقره ذلك . وحملة العلم إلى عمان كان أولهم أبو المنذر النزواني من أهل عقر نزوى – منير بن النير الجعلاني موسى بن أبي جابر الأزكوي – محبوب بن الرحيل – محمد بن المعلى الكندي (12) .

------------------------------------------------------
(8) سير الشماخي ج1 ص67 ، الأباضية بين الفرق الاسلامية، مختصر تاريخ الأباضية، ص27 مكتبة الضاوي؛ اللمعة المضيئة من تاريخ الأباضية ص8 مكتبة الضاوي؛ الفكر السياسي عند الأباضية ص33 مكتبة الضاوي؛ فقه الإمام جابر بن زيد الغرب الإسلامي / صالح الصوافي الإمام جابر بن زيد.
(9) راجع عن أبي عبيدة مسلم محمد على دبوز المغرب الكبير ج3 ص150 -152 ، سير الشماخي ج ص78.
(10) سير الشماخي ج1 ص78 تحقيق أحمد بن سعود السيابي.
(11) إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص33 - 34 - 35 - 36 .
(12) المصدر السابق ، ص 40 - 41.


7. بعض مبادئ الإباضية :

أ- أسس الحكم عند الأباضية :

أسس الحكم عند الاباضية الكتاب والسنة والإجماع وعلى هذه الثلاثة المعتمد فحلالها حلال وحرامها حرام لا هوادة في ذلك ولا إختيار لأحد بعدما جاء في هذه الأصول الثلاثة ثم القياس ثم الإستدلال ومن القدح الكبير في الاباضية قولهم أن الاباضية لا يقولون بالإجماع وأنت خبير أن الإجماع أحد الأصول الثلاثة فكيف لا يقول به الاباضية وهذا أمر قد تداوله مؤرخوهم وكاتبوهم ونشروه في صحائفهم وقد علم القصد منه والاباضية منهم في معزل فهو إفتراء عليهم والله على لسان كل ناطق .

ب- أعمالهم في الأمور العملية :

أعمال الأباضية في الأمور العملية أعمال الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفارقوها قيد شعرة وأعمال الإمامين الراشدين بعده أبي بكر وعمر فما كان لهما فتراه الاباضية وما مشيا عليه مشى عليه الاباضية أيضاً في كل لحظة وهكذا ولا يرون القرشية في الإمامة لأن ذلك يخالف المعقول . ولم يجعل الله النبوة في قوم خاصين فكيف يجعل الإمامة كذلك مع أن القرآن لا يدل على ذلك بل يدل على أن (( أكرمكم عند الله أتقاكم )) سورة الحجرات آية 13 .
ومن الجرائم التي يعدها الاباضية على مخالفيهم تسميتهم إياهم خوارج غمزاً لهم وطعناً في الدين . ومن نزاهة الاباضية نقاشهم لعمر بن عبد العزيز المذكور في إبطال أعمال بني أمية وتشددهم عليه وكان ولده معهم وهو (13) عبد الملك بن الخليفة عمر ولما مات تولوا جهازه ودفنة والصلاة عليه إذ كان معهم وعلى طريقتهم . ومن أكبر دليل على نزاهة الأباضية معاملتهم لأعدائهم في الحرب حين تكون لهم السلطة فلا تراهم ينأون عن أوامر الكتاب والسنة قيد شعره حتى في مثل تلك الأزمات فلا يغنمون أموال أهل القبلة ولا يجهزون على جريح ولا يتبعون مدبراً ولا يمثلون بقتيل مهما كان ومن هذا دليل على أدب الحرب عند الاباضية . وكما أن الاباضية يجيزون مناكحة مخالفيهم من بقية مذاهب الإسلام وتجيز متهم خلافاً للخوارج فإنهم لا يجيزون شيئاً من ذلك لأن مخالفيهم مشركون كسائر اليهود والنصارى .
ج- من أصولهم في العقيدة :

الأصل العام في عقيدة الاباضية هو التنزيه المطلق للباري جل وعلا وكل ما أوهم التشبيه من الآيات القرآنية الكريمة أو الأحاديث النبوية الثابتة يجب تأويله بما يناسب المقام ولا يؤدي إلى التشبيه .

1- الإيمان يتكون من ثلاث أركان لا بد منها وهي الإعتقاد والإقرار والعمل .
2- صفات الباري جل وعلا ذاتيه ليست زائدة على الذات ولا قائمة بها ولا حالة فيها .
3- الله تبارك وتعالى صادق في وعده ووعيده .
4- الخلود في الجنة أو النار أبدي .
5- كلمة التوحيد هي أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وإن ما جاء به الحق وإنكار من أقسامها الثلاثة شرك .
6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان .
7- من سعد في الآخرة لا يشقى أبداً ومن شقى لا يسعد أبداً ولن تجتمع السعادة والشقاوة لشخص واحد أبداً .
8- الاستطاعة مع الفعل ليست قبله ولا بعده .
9- القرآن كلام الله نقل بالتواتر وإنكار شئ منه شرك .
10- حجة الله تقوم على الخلق بالرسل والكتب .
11- الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع .
12- إنكار المعلوم من الدين بالضرورة شرك .
13- الإنسان حر في إختياره مكتسب في عمله ليس مجبراً عليه ولا خالقاً لفعله .
14- التوبة أساس المغفرة فلا تغفر كبيرة بدون توبة .
15- شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة وهي قسمان الشفاعة الكبرى يوم القيامة لبدء الحساب ولدخول المؤمنين الجنة وهي المقام المحمود الذي يختص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والشفاعة الصغرى ولا تكون إلا للمؤمنين الموفين بزيادة الدرجات .
16- إذا اطلقت كلمة الكفر للموحد فالمقصود بها كفر النعمة لا كفر الشرك من باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر و (( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )) والرشوة في الحكم كفر (14).

------------------------------------------------------
(13) تذكر بعض المصادر الاباضية أن عبدالملك ابن الخليفة عمر كان أباضيا. راجع سير الشماخي
(14) الكفر ينقسم الى قسمين : كفر شرك و كفر نعمة وهنا يقصد كفر النعمة و ذهب إلى ذلك كل من الإمام البخاري و الإمام مسلم و النووي وابن العربي و ابن حجر العسقلاني راجع كذلك جواهر التفسير للشيخ أحمد الخليلي ج2 ص299


8. أخلاق الاباضية :

لا يخفى أن أخلاق الأباضية أخلاق الأنبياء والرسل أخلاق أهل العلم والعمل أخلاق أهل الصفا والوفاء أخلاق أهل الحق والعدل أخلاق أهل الزهد والورع أخلاق أهل الجود والكرم أخلاق أهل الدين من المؤمنين لا طيش ولا نزق ولا غلظة ولا توحش ولا تمرد ولا سخرية ولا غدر ولا غش ولا ظلم ولا جور ولا جبروت إذا عاهدوا وفوا وإذا ةعدوا كذلك وإذا قالوا صدقوا وإذا قاموا بحقٍ أعطوه من أنفسهم كل ما يتطلبه لا يحابون الظالم ولا يهشون للمظالم ولا يتبعون كل ناعق ولا يؤيدون أهل الضلال ولا يسعون في مناصرة الجبابرة ولا يرضون بغير ما يرضى الله ولا يحكمون الأهواء المضلة ولا يقلدون دينهم الرجال ولا يعرفون الحق بالرجال بل يعرفون الرجال بالحق ولا يقبلون إلا الدين الخالص ولا يطمئنون بغيره يبيعون النفس والنفيس في رضى الله عز وجل ولو كلفهم الحال حمل الأثقال .
إن الاباضية أتقى الناس وأصدقهم في الأقوال والأفعال وأثبتهم على طاعة ذي الجلال . يقولون الحق وإن كان مراً ويعملون به .
ويرى الاباضية بقية أهل المذاهب مسلمين لا يتعرضون لعقائدهم بشئ ولا يقدحون في أعمالهم مما لا يخالف دليلاً قطعياً ولا يخرج عن أقوال أهل العلم وله احتمال للصحة فإن الله لم يأمر بنقض ما جاء عن الله في كتابه الكريم أو جاء على لسان نبيه العظيم أو أجمع عليه المسلمون .
وأرى أن الاباضية هم على الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم لم يحيدوا عنه قيد شعرة وإنهم هم الفرقة الصالحة من ثلاث وسبعين فرقة التي ورد بها الحديث الصحيح ولهم على ذلك أدلة معقولة ومنقولة كما أن سائر الفرق تدعي كذلك ولديها من الأدلة في نظرها ما يبرر مدعاها ومن حيث إن الأمر في ضمير الغيب الذي لا يدركه إدراكاً مقطوعاً بصحته إلا الأفذاذ من علماء الأمة وغير مستحيل أن يمنح الله رضاه أمةً من الأمم التي بثها الله في هذا الكون وإذا كان المسلمون كلهم إلى الجنة فلا يضر الأباضية ذلك وهم على أصلهم ثباتاً لا يتزعزعون عنه في وقار يبهر الرائي ورزانة تعجب الكريم ودماثة يحيا معها السقيم . وهذه هي أخلاقهم التي يمتاز بها الاباضية عن غيرها من المذاهب الأخرى .
خاتمة:

لقد رأينا في هذا البحث أن الاباضية فرقة معتدلة وأمة من أمم الإسلام ليس في عقائدها شطط ولا في سلوكها انحراف ولا في أعمالها هزل ولا سخرية من الغير ولا تمت إلى الخوارج بصلة سوى اشتراكها في رفض التحكيم أصولها في العقيدة والتشريع والأخلاق والكتاب والسنة والإجماع وكل ما ينسب إليهم من كتاب الفرق والمقالات هم منه براء ولهم أئمة رفعوا راية الإسلام وساهموا في نشره بالسيف والقلم والكلمة الحسنة وهم هكذا إلى يومنا هذا وبالله التوفيق

مريم بنت سعيد بن علي القتبية

المراجع :

1- أصدق المناهج في تمييز الإباضية : سالم بن حمود بن شامس السيابي .
2- الاباضية بين الفرق الإسلامية : علي بن يحيى معمر
3- الاباضية مذهب إسلامي معتدل : علي يحيى معمر
4- إزالة العثاء عن أتباع أبي الشعثاء : سالم بن حمود بن شامس السيابي .
5- طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الاباضي : سالم بن حمود السيابي .

ورد المنى
19-02-2003, 03:49 PM
$$9 |u

الطوفان
20-02-2003, 12:17 AM
شكرا لكِ أختي الكريمة على هذا المجهود

ورد المنى
20-02-2003, 03:48 PM
محاضرة ألقاها :

سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسطنة عمان

يوم السبت

25 من ربيع الثاني 1422هـ

6 يوليو مــ2002ــــ

بمسجد التوبة بالغبرة

----------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

والحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :

سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة

أصحاب الفضيلة الحضور الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أضاعت هذه الأمة وقتاً طويلاً وهي تحمّل أعدائها أسباب إخفاقها في التدافع الحضاري ، وفوتت فرصاً كبيرة كان يمكن عبرها أن تقوم بواجبها في الشهود الحضاري ، فنشأت الحضارة الحديثة مشوهة جائرة بمعزل عن إسهام المسلمين وعانى الإنسان والكون وباءته .

من وهدة الهزيمة تبحث الأمم لنفسها عن سبيل الحياة ، وتتفحص حالها بلهفة وإلحاح باحثة عن أسباب الهزيمة وعوامل الانكسار ، ومع اشتداد مأزق أمتنا ، ومع استمرار تهميشها عن مجال التأثير في الحياة ، وحين وضعتنا الأحداث شئنا أم أبينا على حافة صراع حضارات فإن النظر إلى الذات أصبح أولى من النظر إلى الآخر ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) ، وفي حالة أمة كأمتنا لم تشد حضارتها إلا على هدي من الدين ، ولم يعرف لها التاريخ أي إسهام حضاري بمعزل عنه ، ولم تتميز إلا حين آمنت به وتمثلته ، فإن البحث في أسباب مأزقها يقتضي منا أن نتفحص بعناية علاقتها بالمكون الحضاري الأول لحضارتها أي علاقتها بدينها وبدون ذلك يبدو البحث عبثاً وتجديفاً في اليبس ، ومن المنطقي أن يمر البحث بمناطق أخرى تابعة يخالها البعض ثانوية وهي مع ذلك حسّاسة وخطرة من قبيل العلاقة بين الخلف والسلف بين الحاضر والماضي التي وصفها بعضهم خطأ أو صواباً لا أدري بأنها علاقة يحكم فيها الأموات الأحياء ، عالم من الأحياء يحكمه الأموات على حد عبارته ، أو من قبيل تجديد المناهج ، مناهج الاستنباط والاجتهاد أو إعادة النظر في سلم الأولويات المختل أو دراسة تبادل التأثير بين تصور المسلمين لدينهم وتطور تاريخهم السياسي والاجتماعي . هذه كلها مناطق يشعر كثير من الباحثين أمامها بالرهبة إما لضخامة المهمة أو خوفاً من التهم المعلبة الجاهزة التي تنتظر كل من يغامر بالدخول إلى مناطق حرمها البعض على البحث ممن أعفى نفسه من فريضة التفكير وألزم الآخرين بذلك ، وبالجملة فإن الأمة كما يلخص سماحة شيخنا العلامة الخليلي في حاجة إلى إعادة صياغة من جديد حتى تستطيع أن تنهض بمهمتها الحضارية شاهدة على العالمين ، ونحن هنا اليوم أيها الأخوة لنستطلع رؤية الشيخ التي عبّر عنها في أكثر من مناسبة والتي أصبحت عنصراً رئيسياً يلح عليه دائماً وباتت سمة واضحة لخطاب سماحة الشيخ في الآونة الأخيرة .

سماحة الشيخ لتسمح لي : تردد كثيرا في أحاديثكم ومحاضراتكم في الآونة الأخيرة في محاضرتكم مثلا في مناسبة الهجرة المشرفة ، في الاحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف ، في حلقات برنامج سؤال أهل الذكر ، تردد كثيراً في خطابكم عبارة ( إعادة صياغة الأمة ) .

سيدي سماحة الشيخ : سؤالي بشكل مباشر ما الذي يعنيه سماحتكم بـ ( إعادة صياغة الأمة من جديد ) تفضلوا .

الشيخ الخليلي :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

فالسلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله وبركاته وبعد : فإن الأمم إنما تقوم - أول ما تقوم - على التصور الصحيح ولذلك كان هدم التصورات الباطلة وتشييد التصورات الصحيحة أول شيء يضطلع به المرسلون ، فما من رسول من رسل الله سبحانه إلا وقد واجه تصورات باطلة عششت في الأذهان واستحكمت في النفوس وسيطرت على الألباب وقادت الأمم إلى حافة الانتحار ، فكان أول شيء يدعون إليه بين أممهم هو أن تعرف هذه الأمم من أين جاءت وإلى أين تنتهي وماذا عليها أن تعمل فيما بين المبدأ والمنتهى لتقوم حياتها على التصور الصحيح ، ونحن نرى أن سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما جاء بالدعوة الحقة دعا أول ما دعا إلى التصور الصحيح ، دعا إلى الإعتقاد الحق بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، هذا التصور هو الذي شيدت عليه دعائم حياة هذه الأمة الفكرية والحضارية والاجتماعية حتى كانت خير أمة أخرجت للناس ، فهي أدركت تمام الإدراك أنه لا إله إلا الله ، وأن الحكم المطلق إنما هو لله سبحانه الذي أوجد هذا الكون ، والذي أفاض على الوجود ما أفاض من تجلياته العظيمة التي تشاهد في كل ذرة من ذرات الوجود بحيث صارت كل ذرة من ذرات هذا الكون تعرب بلسان حالها عن افتقارها إليه سبحانه وتعالى وأنه هو الغني الذي لا يحتاج إلى أي شيء سواه . وأن كل ما في الكون إنما يسعد بالخضوع لأمره والاستجابة لداعيه والوقوف عند حدوده ولذلك تناغى هذا الكون مع هذه الحقيقة كما يعرب بذلك القرآن الكريم عندما قال في وصفه سبحانه ( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفورا ) . والإنسان هو واحد من هذه الكائنات آتاه الله سبحانه وتعالى ما ميّزه به عليها من الإرادة والتفكير والقدرة على التأثير في نفسه والتأثير فيما حوله ، فلذلك نيطت به مسئولية عظيمة ، فهو إن تجاوب مع هذا الكون ودار في فلكه بحيث كان مستجيباً لأمر الله ، قائماً بحكم الله سبحانه وتعالى سعد وانعكس أثر سعادته على الوجود ، وإن شذ كان شذوذه داعياً إلى التنافر بينه وبين الكون وكان سبباً للفساد كما يعرب عن ذلك قوله سبحانه وتعالى ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) .

ومع هذا أيضاً فإن طريق التلقي عن الله سبحانه وتعالى هو طريق واحد وهو ما يدل عليه الاعتراف والشهادة بأن محمداً رسول الله فهذا هو طريق التلقي عن الله سبحانه وتعالى بحيث يتلقى الإنسان المسلم المؤمن بالله وبنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام من هذا الطريق عن الله سواء كان هذا الذي يتلقاه وحياً ظاهراً وهو القرآن الكريم أو كان وحياً باطناً وهو السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

شيدت دعائم حضارة هذه الأمة على أساس هذا التصور الصحيح والفكر الناصع ، ولكن هل ظلت الأمة مستمسكة بهذا الأمر ناهجة هذا النهج ؟؟ كلا . فقد دخلت التصورات الباطلة التي تنقض هذا التصور وإن كانت هي لا تزال تحت مظلته حسبما يزعم الكثير الكثير ، وذلك بسبب التأويلات الباطلة وبناء الفكر على غير قواعد ثابتة من كتاب الله سبحانه ومن هدي رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام .

ورد المنى
20-02-2003, 03:51 PM
ونحن إذا نظرنا إلى ما ورثته هذه الأمة بسبب أن هنالك طوائف من البشر دخلوا الإسلام وهم يحملون أوزاراً مما كانوا يعتنقونه من قبل من الأفكار ، وبسبب تأثير السياسة إذا نظرنا إلى ما رزأت به هذه الأمة من ذلك نرى أن بعض ذلك يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان بالله ، وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان باليوم الآخر ، وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للعلاقة التي يجب أن تكون بين البشر حكامهم ومحكوميهم في هذه الأرض .

أما العنصران الأولان فهما يرجعان كما قلت إلى كون كثير من الأمم دخلت في الإسلام وهي تحمل أوزاراً من مواريثها الفكرية السابقة ، والعنصر الأخير إنما يرجع إلى انحراف الذين أخذوا بزمام القيادة الدينية السياسية في هذه الأمة منذ تلك المرحلة المبكرة بعدما انتهت الخلافة الراشدة .

أما الأمران الأولان فأولهما كما قلت عدم الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان بالله ، عدم الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان بالله أدّى بكثير من الناس إلى أن يسلكوا مسلكين متناقضين عجيبين أولهما : تشبيه الخالق بمخلوقاته ، وثانيهما تشبيه المخلوقات بخالقها .

أما تشبيه الخالق بمخلوقاته فهو أن يوصف الله سبحانه وتعالى كما يوصف الخلق بأنه محدود متحيز متحرك يذهب ويجيء ويفرح ويحزن وتعرض له العوارض التي تعرض للبشر حتى أنهم قالوا بأنه ينسى نسياناً حقيقياً يليق بجلاله . وهذا على أي حال إنما هو راجع إلى نبذ المحكم واتباع المتشابه والله سبحانه وتعالى يقول ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) هذا ضلال في التصور .

أما الصورة الثانية فهي كما قلت تشبيه المخلوق بخالقه وذلك بأن يوصف المخلوقون بصفات الألوهية بحيث ينظر إلى طائفة من الناس إما لعنصرهم وإما لحالهم بأن ينظر إليهم أنهم يتصرفون في هذا الكون تصرفاً مطلقا ، فهم بيدهم البسط والقبض ، والعطاء والمنع ، والرفع والخفض والقبول والرفض ، يدخلون الجنة من يشاءون ، ويحرمون من يشاءون منها ، ويلقون في النار من يريدون لأن الأمر كله راجع إليهم وتصريف الكون بأيديهم ، وهذا أمر في منتهى الخطورة ، هذه العقيدة جاء الإسلام لاجتثاثها فلو صيغت الأمة صياغة قرآنية من حيث تصورها لكانوا أبعد ما يكونون عن هذا التصور كما أنهم يكونون أبعد ما يكون عن التصور الأول . ذلك لأننا نرى أن الله سبحانه وتعالى يبين لنا أن أي أحد من خلقه ليس له من الأمر شيء فالله سبحانه وتعالى يخاطب عبده ورسوله محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام إذ يقول ( ليس لك من الأمر شيء ) ويقول له صلوات الله وسلامه عليه ( قل إنما أنا بشر مثلكم ) ، وكذلك يقول له سبحانه وتعالى ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) ، فإذن ما معنى هذا التعلق بأفراد بسبب عنصرهم أو بسبب حالهم وهم أحياء أو أموات ، مع أن النبي صلوات الله وسلامه عليه على عظم شأنه ومنزلته العليا عند الله سبحانه وتعالى لا يملك من الأمر شيئاً وهو في حياته يملأ ثيابه ويملأ السمع والبصر ، فكيف هذا التمسك بالأموات والتعلق بالماضين واعتبار أن هؤلاء يقدمون ويؤخرون وينفعون ويضرون ، أو التعلق بالأحياء ممن تضفى عليهم صفة القداسة . ونجد أن الله سبحانه وتعالى ينعى على المشركين مثل هذا المعتقد كثيراً في كتابه عندما يقول عز من قائل ( قل من رب السموات والأرض قل الله أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ) والقرآن الكريم يصور لنا التصوير الصحيح لهذه الحقيقة في مواضع شتى فالله تعالى يقول ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ويقول ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) ويقول سبحانه وتعالى ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ) ويقول ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ) .

قد يتساءل الإنسان ما علاقة هذا بنهوض الأمة أو عثرتها ؟؟

الجواب عن هذا العلاقة في هذا ظاهرة ذلك بأن الله سبحانه وتعالى عندما يوصف بصفات المخلوقين تذهب هيبة الربوبية التي له سبحانه وتعالى في قلوب عباده ، فعندما يوصف هذا الخالق العظيم بأنه يؤتى به محمولاً على سرير من ذهب تحمله أربعة ملائكة ، أو أنه يذهب ويجيء ويفرح ويحزن ، إلى غير ذلك من هذه الصفات هل تبقى في قلوب عباده هيبة كما يحسون بذلك عندما يعتقدون اعتقاداً جازماً أنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وأنه عز وجل لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته ، وأنه منزه عن كل شبه بأي شيء من هذه الكائنات فهو لا تعرض له العوارض ولا تبدو له البدوات ، ولا تكتنفه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، هو الخالق المصور المبدئ المعيد ، قد كان قبل خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، لا يدرك بعين ، ولا يطلب بأين .

أما الأمر الذي يتعلق بالإيمان باليوم الآخر ، فإن الإيمان باليوم الآخر يأتي قرين الإيمان بالله في كتاب الله سبحانه وتعالى ، فنحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يذكر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان به سبحانه وهو يعني أن من آمن بالله واليوم الآخر فكأنما أمسك حبل الإيمان من طرفيه ، واكتنف الإيمان من قطريه ، ذلك لأن الإيمان بالله إنما هو الإيمان بالمبدئ العظيم الذي خلق فسوى وقدر فهدى ، الذي أسبغ على العبد نعمه ظاهرة وباطنة ، والذي تتجلى عظمته وكبرياؤه في كل مشهد من مشاهد هذا الكون ، في كل ذرة من ذرات هذا الوجود ، فهذا الإيمان يحفز صاحبه إلى أن يتفاعل معه تفاعلاً تاما ، وذلك بأن يضبط جميع أعماله وفق أمر من خلقه فسواه وأنعم عليه بهذه النعم الظاهرة والباطنة ، ولكن مع ذلك تعرض للإنسان عوارض يعرض له الذهول وتعرض له الشهوات ، وتتحرك في نفسه الغرائز ، وذلك مما يؤدي به إلى الوقوع في مخالفة أمره سبحانه وتعالى إلا أن ذلك كله يمكنه أن يتحكم فيه وأن يضبطه ضبطاً متقناً عندما يكون مؤمناً باليوم الآخر لأن إيمانه باليوم الآخر إنما هو إيمانه بالمعاد ، والإيمان بالمعاد يقتضي أن يكون الإنسان مفكراً تفكيراً عميقاً في ذلك المعاد ، فإن هذا المعاش الذي يمر بمرحلته لا يوازي شيئاً بجانب ذلك المعاد ، فالمعاد أبدي والمعاش إنما هو لفترة محدودة ، المعاد أمر حقيقي والمعاش إنما هو حياة وهمية إذ لا يدري الإنسان متى تنصرم هذه الحياة ، فلذلك يتحكم الإنسان في رغباته ونزواته ونزغاته عندما يرسخ الإيمان باليوم الآخر رسوخاً في نفسه على أن يكون تصوره لذلك اليوم تصوراً صحيحاً ، تصوراً مستلهماً من القرآن الكريم ومن الصحيح الثابت عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم ، لا من الأماني الفارغة فإن الله سبحانه وتعالى يقول ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا ) والله سبحانه وتعالى يقول في وصف ذلك اليوم ( وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) ، ويقول عز وجل ( من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ويقول تعالى ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) ويقول سبحانه ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها )

ورد المنى
20-02-2003, 03:53 PM
عندما يرسخ هذا الاعتقاد في النفس فإنه ولا ريب يؤدي ذلك إلى أن تتفاعل هذه النفس تفاعلاً تاماً فتصاغ حياتها وفق هذا المعتقد ، ولكن عندما تَفرّغ هذه النفس من هذا المعتقد ويكون هناك تبث بالأماني والآمال الباطلة لا ريب أن الحياة تتحول تحولاً جذرياً من الخير إلى الشر ومن الصلاح إلى الفساد ، فإن النفس البشرية جبلت على الطمع ، والإنسان يحب العاجلة وينسى الدار الآخرة عندما تحيط به شهوات نفسه وتدفعه دفعاً إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية ، ولا ريب أن الإيمان بأن الحق سبحانه وتعالى يجزي كل نفس بما عملت يؤدي بالإنسان كما قلنا إلى أن يتحكم في هواه ويسيطر على رغباته ويصوغ حياته صياغة شرعية ، ولكن نرى من أجل ذلك كيف جاء القرآن الكريم بما يدلنا على أن القول بوعيد الله سبحانه وتعالى هو الذي يمكن للإنسان بسببه أن يتحكم في نزغاته ونزعاته وأن يسيطر على أهواءه وأن يقود نفسه قيادة سليمة إلى خير الدنيا وسعادة الآخرة ، فالله تعالى يقول ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) ومعنى ذلك أن الذي لا يخاف وعيد الله سبحانه وتعالى لا يجديه التذكير بالقرآن ، فعندما يرسخ في نفس الإنسان أن الله سبحانه وتعالى إذا وعد وفى وإذا توعد عفا ، لا بد من إن تهتز نفس هذا الإنسان وأن يؤدي به هذا المعتقد إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية ، ولذلك نحن نجد كيف يصف الله سبحانه وتعالى اليهود بالانحراف بسبب رسوخ هذا المعتقد في نفوسهم فهو تعالى يقول ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) ، وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر أن إعراض اليهود عن الكتاب الذي أنزل عليهم إنما كان بسبب اعتقادهم أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودات فقد قال سبحانه وتعالى ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم يظلمون ) ، هذه المعتقدات انتقلت كما قلنا إلى هذه الأمة وأورثها ذلك ما أورثها من اتباع الأهواء وتشتت الكلمة وذهاب ريحها وأن تصبح أمة هزيلة .

فعقيدة الإرجاء إذن لها أثر كبير في تدمير هذه الأمة ، وفي تدمير أخلاقها ، وفي القضاء على معنوياتها ، وفي الكبوة بها بعدما كانت أمة ناهضة قوية عزيزة يحسب لها بين الأمم جميعاً كل حساب .

ولا ريب أن مثل هذه المعتقدات أخذت تنخر في جسم هذه الأمة نخراً ، وليس ذلك وليد اليوم والأمس وإنما ذلك منذ بدأ هذا الانحراف ، أخذت هذه المعتقدات تنخر في جسم هذه الأمة نخراً حتى أصبح مفهوم الإيمان عندها مفهوماً نظرياً شكلياً لا أثر له في الحياة كأنما الناس تعبدوا بأن يعتقدوا أن هذا كذا وأن هذا كذا وألا يتأثروا بهذا المعتقد في حياتهم ، ومن غريب ما يذكره الإمام محمد عبده من أمثلة ذلك أن أحد الكبراء في وقته كان يقول : أنا لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني والحمد لله مسلم أدين بأن الربا حرام . أي تناقض هذا هو يعتقد أنه يكفيه أن يعتقد أن الربا حرام ولئن اعتقد ذلك فحسبه هذا المعتقد سبباً لنجاته من النار . قال الإمام محمد عبده تعليقاً على ذلك : وقد فات هذا أنه يلزمه بناء على هذا المعتقد أن يعتقد أنه من الذين يحاربون الله ورسوله ، وأن يعتقد أنه من أهل الوعيد على أكل الربا .

ولكن بما أن هؤلاء الناس يعتقدون ما ذكرته من أن هذا الوعيد يطرأ عليه التبديل والتغيير بسبب عفو الله سبحانه وتعالى كما قالوا ( إذا وعد وفى وإذا توعد عفا ) ، وأنهم لا يرون لهذا الوعيد أثراً في سلوكهم فلذلك يجترأون على محارم الله تعالى غير مبالين بها .

ونحن نرى أن تفريغ الإيمان من معناه الحقيقي وهو الأثر على هذه النفس البشرية حتى تكون نفساً ......يعتدي على ذلك ، وهذا يتحين الوقت من أجل أن يحتال على ذلك ، كل واحد منهم لا يشتغل إلا بمصلحة نفسه بخلاف ما إذا كان العقيدة راسخة لأن كل واحد مجزي بعمله ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) هذا المعتقد هو الذي يجعل هذه الأمة متواصلة الحلقات أمة قوية . ونحن وجدنا كيف أصاب هذه الأمة الوهن ، وجدنا شيخاً معمما يقود حركة جهادية وينتصر على الأعداء ، ويمكن الله تعالى له ثم بعد ذلك يتنازع هو مع الآخرين من أجل السلطة ومن أجل الوصول إلى المراكز القيادية ، وعندما يهمش ويتولى القيادة غيره ، ويأتي العدو بعد ذلك ليضرب هذا الغير يبدي راحة بسبب ما يصيب أبناء ملته وأبناء بلدته وأبناء جلدته ما يصيبهم من الدمار ، يبدي الراحة ويقول بأن ضميره مرتاح من هذا . لا يبالي بعدوان العدو على أبناء ملته وأبناء جلدته وأبناء بلدته ، وما يصيب بلاده ، وما يصيب شعبه من الدمار ، ذلك كله راجع إلى تحكيم الهوى . ما منشأ تحكيم الهوى ؟؟ منشأ ذلك عدم التصور الصحيح ، عدم إدراك ما للإيمان من أثر في نفس الإنسان حتى تتفاعل هذه النفس تفاعلاً تاماً مع مرضاة ربها سبحانه وتعالى ، ومع مصلحة أمتها ، وتتفانى في ذلك . فلذلك قلت بأن هذه الأمة هي بحاجة إلى صياغة جديدة ، صياغة قرآنية ليكون تصورها تصوراً صحيحاً مبنياً على دعائم من أدلة القرآن الكريم ومن أدلة السنة الثابتة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

ومن هذه التصورات الباطلة الناشئة عن ما ذكرته من قبل من إعطاء المخلوق صفات الخالق ، وما وَلِي ذلك من كون الإنسان لا يؤمن بوعيد الله وعيداً جازماً ، ما شاهدناه في سلوك كثير من الناس ، وما سجله كثير من العلماء من الأمثلة الظاهرة التي تؤيد هذه المشاهدات التي شاهدناها ، أنا بنفسي مما شاهدته في بعض البلاد الإسلامية أن أهل ذلك البلد ، ولا أعني جميعهم ولكن الكثير منهم ، يقع أحدهم في ارتكاب جريرة ، ويطالبه صاحب الحق بحقه ، ولكن لا يبالي بهذا كله يخوف من الله تبارك وتعالى ولا يخاف ويذكّر باليوم الآخر ولا يتذكر ، ولكن إن قال له صاحب الحق سيتوسل بأسماء أهل بدر حتى يستوفي حقه لا يكاد يقول له هذه الكلمة حتى ينهار ويرجع ليسلّم تسليماً ، ذلك لأنهم يعتقدون أن لأهل بدر رضي الله تعالى عنهم تأثيراً في هذه الحياة ليس هو لرب العالمين ، كأنما أهل بدر هم الذين يميتون ويحيون ، ويعطون ويمنعون ، ويرفعون ويخفضون ، بيدهم كل شيء ، لا يبالون بسلطان الله ولكن يبالون بأولئك ، مع أن أولئك رضي الله عنهم مع ما لهم من المنزلة والقدر والشأن أفضوا إلى ربهم سبحانه وتعالى ، فهذا يرجع إلى عدم التصور الصحيح للإيمان والإسلام ، أولئك أفضوا إلى الله هم بحاجة إلى أن نقول كلمة دعاء في حقهم أن نقول رضي الله عنهم وأن نقول أدخلهم الله تعالى الجنة وأن نقول بوأهم الله مبوأ الرحمة وأن نقول رفع الله منازلهم يوم الدين إلا أن هذا التصور عشش في نفوس كثير من الناس ، ومما يؤسف له أن نجد كثيراً من العلماء يغذّون هذا التصور الباطل . وقلنا كذلك أمر آخر يتعلق بعلاقات الناس أنفسهم بالحياة السياسية التي تحكم أفراد الناس عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلّم قائداً هذه الأمة إلى الخير آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر داعياً إلى الله ، وكان على رأس الدول الإسلامية ، كان الأمر مع كون الوحي ينزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه شورى بين المسلمين ، وكان القرآن ينزل ليثبت مبدأ الشورى ، فالحق تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلّم في مقام حسرة هذه الأمة على ما أصابها من الوهن والضعف والنكسة بسبب مخالفة الكثير للنبي صلى الله عليه وسلّم في السياسة الحربية وذلك في غزوة حنين ، ينزل القرآن مع ذلك ليثبت مبدأ الشورى فيقول لله تعالى له ( وشاورهم في الأمر ) ذلك لأنهم وإن وقعوا في الخطأ إلا أن هذا الخطأ خطأ عارض ، أما قضية الشورى فهي من الثوابت ، ولذلك لا يهدم الثابت من أجل العارض . وعندما كانت الخلافة الراشدة كان الأمر شورى ما بين المسلمين كان الخليفة كواحد من المسلمين يعرض الأمر عليهم ويطلب منهم مناصحته ، وكان الخليفة يعلن على الملأ : أيها الناس إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني . فيقوم أحد من عامة الناس فيقول له لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا فما يكون من الخليفة إلا أن يحمد الله تعالى على هذه النعمة لئن يجد في رعيته من يقوّم اعوجاجه بسيفه . وكان الناس يتصورون جميعاً أن سياسة الأمة لا تقوم إلا على العدل ، أن يكون الخليفة خليفة عادلا ، وأن يحاسب من جميع طوائف الأمة لأنه أجير قائم على راس هذا الأمر ، أجيراً لهذه الأمة وهو مسئول فيما بينه وبين الله كما أنه مسئول فيما بينه وبين الأمة ، للبشر أن يحاسبوه في الحياة ، كما أن الله سبحانه وتعالى يحاسبه في الدار الآخرة . وعندما أفضى الأمر إلى بني أمية اجتثوا هذه القواعد من أساسها ، وأتوا على هذا الأمر من قواعده وأقاموا سياسة مبنية على الاستبداد بالرأي والرغبة في التحكم ، وأشاعوا في الناس بأن هذا قدر مقدور من الله ، وأن على الجميع أن يسلّم له ، ومن لم يسلّم له فهو شاذ عن أمر المسلمين ، خارج عن جماعتهم ، حرب على المسلمين .

وقد رأينا في كلام العلامة الكبير السيد أبي الأعلى المودودي في كتابه ( التجديد لهذا الدين ) تصويراً رائعاً لهذا الأمر عندما وصف الحالة في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم كانت تمثل قمة الإسلام ، ثم جاء بعد ذلك أبو بكر ، ثم جاء بعده عمر رضي الله عنهما ، وكان الأمر في عهدهما امتداداً لما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ، ثم جاء بعد ذلك الخليفة الثالث وقد كان بلغ من الكبر عتيا ، ومع هذا كانت المواهب التي أوتيها العظيمان اللذان قبله لم تتوافر فيه ، فدخل بعض الناس الذين هم استغلوا هذه الحالة التي كان عليها الخليفة في آخر سنه من أجل شق صف هذه الأمة ، ومن أجل محاولة الاستئثار والبلوغ إلى الرغبات ، وفي مقدمة هؤلاء مروان بن الحكم الذي هو معروف ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فأدى الأمر إلى الفتنة والشقاق ، ثم جاء الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ووجد الأمر فيه شيء من التداعيات ، فلم يستطع أن يصلح ما تقدم بسبب هذه التداعيات وتغلغل هؤلاء الذين أرادوا أن يستبدوا بسياسة الأمة ، وبعد ذلك انقلب الأمر إلى جاهلية متحكمة في حياة الناس ، جاهلية يقول فيها السيد أبو الأعلى المودودي هي أخطر من الجاهلية الأولى ، ذلك لأن هذه الجاهلية تلبس لبوس الإسلام ، فكل من أراد مقاومتها حورب باسم الإسلام . ونجد من المفكرين الإسلاميين من يقول بأن ذلك العصر كانت الحياة تدور فيه حول شخص واحد وهو شخص الخليفة ، من أجله يكدح الكادح ، ويزرع الزارع ، ويحصد الحاصد ، وتحمل الحامل ، وتلد الوالدة ، من أجله تخرج الأرض خيراتها ، وحوله تدور حياة الأمة بأسرها ، قال بأن هذا العصر إنما هو عصر شبيه بعصر القياصرة والأكاسرة وليس هو من الإسلام في شيء ، وهو في حكم الإسلام ليس حرياً أن يبقى يوماً واحداً . ولكن مع الأسف كان هذا هو النهج الذي اختطه هؤلاء لأنفسهم وأثروا به على العامة فأصبحت العامة تتفاعل به تفاعلاً تاماً مع هذا النهج ، وأن كل من خرج هذا النهج أو حاول أن يصلح الأمر فهو إذن باغ خارج عن سبيل المسلمين ، محارب للخلافة الإسلامية ، متنكر لهذه الخلافة إلى آخر ما كانوا يرددونه . وأخذت الأبواق التي تدعو إلى هذه السياسة يتردد صداها هنا وهناك ، وتوضع الأحاديث الكثيرة بأن لهؤلاء الطاعة المطلقة وإن ضرب أحدهم ظهرك أو أخذ مالك ما عليك إلا أن تخضع وتنقاد .

ورد المنى
20-02-2003, 03:56 PM
إذن كلمة لا إله الله بناء على هذا إنما هي وسيلة للاستبداد والظلم والتسلط على رقاب الناس ومن التناقضات العجيبة والمفارقات الغريبة أن نجد الذين يروجون لهذا الأمر يقولون بان القيام على هؤلاء حجر محجور لا يجوز أبداً ، لكن لو وجد من يقوم عليه أو من يقوم على خليفة عادل مبايع بيعة شرعية بصفة شرعية على نهج كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم ، ثم بعد ذلك يتغلب هذا القائم على الخليفة العادل المؤمن الوفي التقي الصالح ويستبد بالأمر دونه فإن طاعته تصبح واجبة ، وتصبح خلافته شرعية ، وتصبح بيعته في جميع رقاب الأمة ، وعلى الناس جميعاً أن يطيعوا وأن يخضعوا وأن ينقادوا . فإذن مثل هذه التصورات جميعاً هي لا بد من إعادة النظر فيها ، ولا بد من بيان أن المنهج الصحيح الذي جاء به الإسلام هو العدل . النبي صلى الله عليه وسلّم يقول ( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتقبضن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) فإذن ما معنى هذا الحديث الذي يلزمنا أن نقبض على يد الظالم ونأطره على الحق أطرا ومع ذلك يقال بأن هذا الظالم تجب له الطاعة كما يطاع الله تبارك وتعالى ، تعطف طاعته على طاعة الله سبحانه وتعالى .

هذا التصور الذي ساد في نفوس هذه الأمة وساد في واقع هذه الأمة هو الذي انحرف بهذه الأمة كما قلنا عن المنهج الصحيح .



سؤال :

شكراً سماحة المفتي على هذه الاقاضة في مفهومكم لإعادة صياغة الأمة وقد فهمنا من ذلك أن إعادة صياغة الأمة من جديد تقوم على هدم التصورات الباطلة ، وتصحيح المفاهيم الثلاثة وهي الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر والعلاقة بين الحاكم والمحكوم لتكون مفاهيم قرآنية ، ومع هذا التفصيل نقول : سماحة المفتي : هذا المشروع النهضوي الضخم من أجل إعادة صياغة الأمة من جديد لا شك أنه يتطلب خطوات كثيرة فما خطوات الإعادة في تصور سماحتكم ؟؟

الشيخ الخليلي :

الجواب : كل أحد مطالب بأن يؤمن بكتاب الله وأن يؤمن بالسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأن لا يؤثر هوى نفسه على ما جاء كتاب الله سبحانه وعلى ما جاءت به سنة نبيه صلى الله عليه وسلّم والله عز وجل يقول ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا ) ، ونحن أمرنا أن تستهدي بالكتاب العزيز الله تبارك وتعالى يقول ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ، ويقول سبحانه ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) ، ويقول تعالى فيه ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين )، ويقول فيه ( هدى ورحمة للمحسنين ) ، ويقول فيه ( هدى وبشرى للمسلمين ) ، القرآن أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون هداية للعالمين ، والسنة الثابتة الصحيحة الثابتة عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام هي المصدر الثاني للتشريع ، والمصدر الثاني للفكر عند هذه الأمة ، فإذن لجوء هذه الأمة إلى الكتاب العزيز وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أساس هذا الخير كله ، ولكن كيف ؟ يمكن لهذه الأمة أن تتغلب على موروثاتها الفكرية التي عششت في أذهانها وسادت ردحاً من الزمن ، وغذيت بما غذيت به من دعوات الدعاة وترويج المروجين ، حتى صار رسوخها كرسوخ الجبال الرواسي في نفوس هذه الأمة ، كيف يمكن لذلك أن يؤتى عليه ؟

الجواب على أي حال ذلك سهل لمن سهله الله تبارك وتعالى له ، ومن المعلوم أن المعتقدات التي كانت سائدة في الأمم عندما بعث النبيون كان رسوخها رسوخاً عجيباً ، وكان التعصب لها تعصباً مقيتاً ، وكانت تعتبر جزءاً من حياة تلكم الأمم بحيث لم يكد لهم فكاك عنها ، إلا وضوح الحجة وسطوع البرهان وطريقة الإقناع أدى إلى هدم تلكم المعتقدات جميعاً ، واجتثاثها من أصولها ، وإقامة حياة نظيفة قائمة على التصور الصحيح والفكر السليم . ويمكن لأي أحد أن يتغلب على هذه الأفكار عندما يتجرد تجرداً تاماً كأنما لم يغذ بأي فكر من قبل ، يأتي إلى كتاب الله سبحانه موقناً أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وأن الاحتكام يجب أن يكون إليه ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) عندما يكون الرجوع إلى الكتاب العزيز وإلى الفهم الصحيح للقرآن الكريم يمكن لهذه الأمة أن تتغلب على كل هذه العراقيل وأن تذلل هذه العقبات . وعلى أي حال يلزم قبل كل شيء تشويق النفوس إلى التجرد والاحتكام إلى القرآن وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، عندما تكون هذه الدعوة قائمة في أوساط هذه الأمة لا ريب أنها ستعطي ثمراً يانعة وستحقق نتائج محمودة بمشيئة الله وهذا ما نرجوه بعون الله ، وأنا عندما ذكرت ما يجب أن تتجرد منه هذه الأمة ذكرت قضايا هي الموروثات القديمة لأن الموروث القديم له أثر أكبر ، و إلا فهناك الكثير الكثير من الأمور التي استجدت على الساحة ، ومن بين القضايا التي استجدت للأسف الشديد انبهار هذه الأمة بالحضارة الغربية ، بحيث أدى بهم هذا الانبهار إلى قبولها على علاتها ، وعدم التفريق بين النافع والضار منها ، وذلك نتيجة ما أصاب هذه الأمة من الهزيمة النفسية ، وما أصابها من الشعور بمركب النقص فإن ذلك أدى بها إلى أن تكون أمة تخضع كل الخضوع لأعدائها ، و على أي حال هذا أمر يكون مقدور عليه عندما يكون الاحتكام إلى القرآن بحيث تعرف الأمة مصدر عزتها ومصدر هاديتها ، عندما يكون الاحتكام إلى القرآن الكريم كل هذه الأمور يمكن للأمة بمشيئة الله تعالى أن تتخلص منها .



سؤال :

سماحة الشيخ : يقول البعض بأن مسيرة الفكر الإسلامي هي سلسلة من ردود الأفعال ، فربما يقول قائل وأخذاً من الفقرة الأخيرة في حديثكم ربما يقول قائل أن هذه الدعوة يميلها الشعور بالخطر الداهم والمأزق الحرج الذي تعبره الأمة الآن . فهل هذه الدعوة فعل ، أم رد فعل ؟ هل هي نتاج يسير في سياق حركة تطور الفكر الإسلامي في سياقها الطبيعي ، أم هو رد فعل للشعور بالخطر الداهم الذي تواجهه الأمة الآن ؟؟

الشيخ الخليلي :

الجواب : هذه الدعوة ليست إلا تفاعلاً مع عقيدة الأمة الراسخة ، عقيدة الإيمان التي جاء بها القرآن ، وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . هي دعوة إلى عودة الأمة إلى أصولها واكتشاف هويتها ، ومعرفة عقيدتها ، ومعرفة الصحيح والباطل من مسلكها ، ومعرفة الصواب والخطأ في نهجها ، إذن ليس هذا رد فعل وإنما هو عين الواجب الذي تفرضه على هذه الأمة عقيدتها ، فنحن علينا أن ننظر هل الإسلام الذي جاء به النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بل جاء به المرسلون من قبل ، هل هذا الإسلام أنزل من قبل الله سبحانه وتعالى ليكون أمراً شكلياً لا أثر له في حياة الأمة ؟ هل هذا الإسلام أنزل ليكون نظريات تدغدغ أذهان هذه الأمة من غير أن يكون لها تأثير عليها في حياتها ؟ لا . إن الإسلام هو منهج حياة ، ولما كان منهج حياة ، فإن هذا الإسلام يجب أن يكون يتجسد في كل جزئية من جزئيات حياتها ، وذلك ما لا يتم أبداً إلا عندما يكون هنالك تصور صحيح ، تصور قائم على فهم القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، ونبذ العصبيات العمياء التي مزقت هذه الأمة بحيث تتعصب كل أمة منها لموروثها الفكري ، وتدع النظر في كتاب والنظر في هدي رسوله صلى الله عليه وسلّم . عندما يكون هنالك تجاوز لهذه العصبيات بحيث ينشد كل أحد الحقيقة لا بد بمشيئة الله سبحانه وتعالى من التغلب على هذه الأهواء ، والسيطرة على هذه النزعات ، والوصول إلى هذه الغاية المرجوة .



سؤال :

سماحة الشيخ : لكن هل ستطال إعادة الصياغة صلب مناهج الدراسات الإسلامية التفسير وأصول الفقه وعلوم الحديث مثلاً ، أم ستقتصر إعادة الصياغة على التطبيقات وستكون تكراراً للدعوات التي نسمعها دائماً ، بمعنى آخر هل دعوة إلى بعث روحي فحسب دون إعادة النظر في المنهج ، هل ترون أن علوم الشريعة وآلات الاستنباط والاجتهاد في هيئتها الراهنة الموروثة كافية للتعامل مع العصر الحديث ؟؟ ، وإذا أردنا طرح السؤال بطريقة أخرى هل نجح علم الحديث من تنقية السنة من شوائب الوضع ؟؟ ، هل سيتقدر علم التفسير بمختلف طرقه التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي ومع احتفاله الشديد بالمعنى اللغوي وخفوت عنايته بروح النص هل سيقتدر مع ذلك على تحمل التصور القرآني وأداءه للعالمين ؟؟ وهل علم أصول الفقه في طريقتيه طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين هو نهاية التصور لهذا المنهج إذا أردنا إعادة صياغة الأمة من جديد ؟؟

الشيخ الخليلي :

الجواب : هنالك فرق بين الثوابت والمتغيرات ، وهناك فرق بين الوسائل والمقاصد ، المقصد كما قلنا هو الوصول إلى هذه الغاية ، والوسائل تختلف فيها الأنظار ، والثوابت لا مساس بها ، إنما هي ثوابت ، والمتغيرات يمكن لكل أحد أن يجتهد فيها إن توافرت عنده آلة الاجتهاد وكان قادراً عليها ، وعلى أي حال أولاً وقبل كل شيء نحن ننظر في نفس هذه الموروثات من هذه العلوم ، هل هي حقائق تطبق ، أو هي نظريات ؟؟ ، نحن نرى لو جئنا إلى علم الحديث مثلاً نرى أنه مما يقوله المحدثون جميعاً بأن الحديث لا يرقى على درجة الصحة ، ولا يعتبر حديثاً صحيحاً حتى يكون غير متصادم مع القرآن الكريم ومع المتواتر من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، ولكن هل طبق ذلك تطبيقاً صحيحاً بحيث أنه أخذ بالحديث الذي يتفق مع مدلول القرآن ، وترك الأخذ بالحديث الآحادي الذي يتعارض مع مدلول القرآن ؟ لا . بل نجد التناقض بين علماء الحديث بين ما يؤصلونه وما يسيرون عليه ، نجد هناك تناقضاً عجيباً من أمثلة ذلك نرى أن الألباني يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله من رواية ابن عباس ( إنكم ستختلفون من بعدي ، فإذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فإن وافقه فهو عني ، وإن خالفه فليس عني ) يقول بأن هذا الحديث حديث باطل لا يصح ، هو من وضع الزنادقة ومن وضع الخوارج و.. إلى آخره .. ثم يقول : لو جئنا وحكمّنا هذا الحديث نفسه وعرضنا هذا الحديث نفسه على القرآن لوجدناه حديثاً باطلاً لأن القرآن يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلّم ، ولما كان يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلّم فإذن علينا أن نأخذ بهذا الأمر ونرفض هذا الحديث تبين لنا بهذا المقياس أنه حديث باطل ..الخ .

أولاً للنظر هل الحديث يقول بأنه يُرفض شيء ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلّم ، أو يقول بأن معرفة التمييز بين الصحيح وغيره من جملة طرقه أن نرجع إلى القرآن لننظر في موافقة الرواية للقرآن وعدم موافقتها ، ثم للنظر في مسلك الصحابة رضوان الله عليهم ، نحن نرى أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مع قرب عهدهم بالمنبع بالرسول صلوات الله وسلامه عليه كانوا يحرصون كل الحرص على أن يأخذوا بالرواية التي لا تتعارض مع القرآن ، وعندما تأتيهم رواية يشتّموا منها أي معارضة للقرآن لا يقبلون ذلك ، عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه ردّ حديث فاطمة بنت قيس ، مع أن فاطمة بنت قيس صحابية وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنها طلقت في عهده طلاقاً بائناً ولم يفرض لها نفقة ولا سكنى ، فقال عمر رضي الله عنه : لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت . هذا مع أنه ليست هنالك واسطة بينها وبين النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ، إنما تلقت الحكم من النبي صلوات الله وسلامه عليه والحكم مباشر ، لم يكن هذا الحكم حكماً في غيرها وإنما كان حكماً فيها ، وصاحب القصة هو أولى بأن يحفظ ، كذلك ما ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها ردت رواية ابن عمر بل ردت رواية عمر رضي الله عنه أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . وقالت في عبدالله بن عمر: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكن ليكذب على النبي صلى الله عليه وسلّم ولكنه لعله سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يقول في المرأة اليهودية التي مر على أهلها يبكون عليها إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب ببكائهم عليها . هي ردت الرواية فقالت : حسبكم القرآن ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) . كذلك عندما سئل جابر بن زيد رحمه الله عن حديث تحريم ذوات الناب من السباع أو حديث الحمر الأهلية نسيت ذلك هو في صحيح مسلم قال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر قال : لا نترك كتاب الله لقول أعرابي إلى آخره . فإذا كان هؤلاء الصحابة يرفضون روايات جاءت من طرق صحابة ثقات ، فهل هؤلاء في ميزان الألباني من الزنادقة الذين كانوا يردون سنة النبي صلى الله عليه وسلّم اتباعاً للهوى ؟ ، أو أنهم كانوا يحرصون على السلامة ، ثم نجد التناقض ما بين هذا الذي قاله الألباني هنا وما بين ما قاله في كتاب ( آداب الزفاف ) نجد التناقض بيناً . ففي كتاب آداب الزفاف تعرض لحرمة الذهب على النساء بناء على رأيه الذي خالف به إجماع الأمة ، حيث يقول إن الذهب حرام على النساء ، مع أن بعض العلماء نقلوا الإجماع على خلاف هذا الرأي ، ومن الذين نقلوا ذلك الحافظ ابن عبد البر والحافظ ابن حجر العسقلاني نقلوا الإجماع على إباحة الذهب للنساء ، فهو اعترض على رواية الإجماع وقال بأن رواية الإجماع لا تصح ، ونقل عن ابن القيم بأنه يجب أن ينظر في رواية الإجماع فلا تقبل أي رواية للإجماع فإنه لا إجماع إلا إن كان له أصل من السنة ، ولا سنة إلا إن كان لها أصل من الكتاب ، نجد التناقض بين ما ذهب إليه هنا وهناك . فإذن كثير من أئمة الحديث أو علماء الحديث وقعوا في الكثير من التناقضات .

ورد المنى
20-02-2003, 03:59 PM
ثم إذا جئنا إلى قضية التعديل والتجريح نجد هذه القضية شيبت بالكثير الكثير ، فلربما كان تجريح أحد من الرواة بسبب موقف سياسي ما كان يتفق مع السياسة التي كانت متغلبة في ذلك الوقت وكانت متسلطة في ذلكم العصر ، ولربما كان ذلك بسبب عدم اتفاق في قضية من القضايا مع جمهور المحدثين بحيث كان لهذا الراوي موقف معين ، وكانت العصبية تدعو إلى أن يعتبر مجروحاً ترفض روايته ولا تقبل ، فإذن قضية التعديل والتجريح يجب أن تكون مجردة من العصبيات المذهبية مجردة من الأهواء ، فأنا أعجب عندما أقرأ مثلاً في كتب نقد الرجال ما يحكيه البعض من أن عمرو بن عبيد كان عندما يصلي أمام الناس يصلي صلاة الخاشع القانت الأواه وعندما يصلي بنفسه يصلي صلاة فيها لعب وفيها تلفت وفيها وفيها ..الخ مع أن عمرو بن عبيد كان رجلاً مشهوراً بالزهد ، ولكن هذا إنما راجع إلى العصبية لأن الرجل كان معتزلياً وبسبب كونه معتزلياً أصحاب الحديث لا بد أن يقدحوا فيه وأن يرموه بهذه التهم هذا أمر يجب أن ينظر فيه ، وأن يعاد النظر في رواية الأحاديث .

أما بالنسبة للتفسير فالتفسير على أي حال إما أن يكون مستنداً إلى أدلة ثابتة ، وإما أن يكون بخلاف ذلك ، ما كان مستنداً إلى الدليل الثابت فعلينا أن نقبله ، ولكن أن يرد حكم جاء به القرآن الكريم ، أو قضية نص عليها القرآن الكريم لأجل أن السواد الأعظم لا يرى ذلك ، هذا أمر فيه خطر كبير، ثم إن اللغة العربية هي وعاء القرآن ولا بد من فهمها فهماً دقيقاً ، وكيف ونحن نرى أنه تُصرف في هذه اللغة في تفسير القرآن الكريم كثيراً ليتوافق هذا التفسير مع أمور صارت راسخة في أذهان طائفة من الأمة حتى لا يصطدم التفسير مع ما ما رسخ أذهانها ، هذا من جملة الأمور التي ينبغي النظر فيها

كذلك إذا جئنا إلى أصول الفقه ، لا ريب أن أصول الفقه هي قواعد هي في الأصل منضبطة من أجل ترسيخ الملكة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، ولكن مع هذا كله هنالك فرق بين قضية وأخرى في ردها إلى قواعد هذه الأصول ، جمهور الأمة مثلاً يقولون بأن العام دلالته دلالة ظاهرة ، ليست دلالة نصية ، وأن دلالته دلالة ظنية ليست قطعية ، هذا مسلّم ، هذا مسلم في الفروع أما في الأصول الثابتة فلا يمكن أن يكون دلالة العام دلالة ظنية . في الأصول الثابتة كيف يكون دلالة العام دلالة ظنية ؟؟ هب أن كل عام خُصص ومن أجل ذلك كان دلالة أي عام دلالة ظنية ماذا عسى أن يقول القائل في قول الله تعالى ( لا تخفى عليه خافية ) ، هل يقول هذا بأن هذا العموم يخصص ؟ ، وأن بعض ألأشياء قد تكون خافية على الله سبحانه وتعالى ؟ ، وأن هذه الدلالة دلالة ظنية ؟، واعتقاد أن الله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء هذه دلالة هل يمكن أن يؤخذ بهذا ؟ .

قول الله تعالى ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحدا ) هل يمكن أن يخصص ؟؟ قوله ( لم يلد ) عام لم يلد أي أحد ، هل يمكن أن يكون ذلك مخصصا بسبب أن هذا اللفظ لفظ عام ، وأن تكون هذه الدلالة دلالة ظنية ، وأن يعذر من نسب إلى الله تعالى ولداً .

كذلك ( لم يولد ) ، كذلك ( لم يكن له كفواً أحد ) هل يقال بأن هذه الدلالة دلالة ظنية ؟ .

( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) هذا أيضاً لفظ عام ، نفي لكل إله إلا الله سبحانه وتعالى ، هل يقال بأن هذا النفي ظني ؟ وأن هذه الدلالة دلالة ظنية ؟

إلى غير ذلك . هذه أمور يجب أن يعاد النظر فيها .

لا بد من أن يُفرق ما بين الفروع والأصول ، الأصول الثابتة لا يمكن أن يتناولها التخصيص ، وإنما يؤخذ بعموم الأدلة فيها والله تعالى أعلم .



سؤال

سماحة الشيخ :

إعادة الصياغة تحتاج إلى كوادر ينهضون لإعادة الصياغة ، إلى أشخاص يتمثلون هذه الفكرة وينادون بها ، فهل أنتم راضون سماحة الشيخ عن المؤسسات العلمية والمعاهد القائمة على تدريس علوم الشريعة ؟ هل ترون أنها قادرة في وضعها الراهن على مجاراة حركة التطور السريع ومساوقة العصر ؟ هل ترون أنها تفلح حتى الآن في تخريج الداعية الفقيه والمتزن الواعي بعالمه ؟ لاسيما وأن الدعوة إعادة الصياغة تتطلب دعاة وفقهاء من نوع خاص قلما نراهم بين أفواج التقليديين الذين تخرجهم معاهد العلوم الإسلامية في وضعها الراهن ؟؟ .

الشيخ الخليلي :

المعاهد والمؤسسات التربوية والعلمية إنما هي من صنع البشر ، وما كان من صنع البشر فإنه يمكن أن يتغير بين حين وآخر ، لا يلزم أن يكون على نهج واحد ودخول التعديل والتغيير فيه أمر وارد ، ولذلك كانت جميع المناهج الدراسية في هذه المؤسسات العلمية خاضعة للتجربة وخاضعة للنظر هل هي صالحة لهذا العصر أو غير صالحة ، ومن أجل هذا فإنه لا بد من إعادة النظر في هذه المناهج ، وفي هذه النظم التي تسير عليها هذه المؤسسات لنرى كيف يكون وضع الخريج الذي يحظى بالدراسة فيها .

ومع هذا كله فإن هنالك ضرورة داعية إلى أن يربى هؤلاء جميعاً أولاً على تعظيم كتاب الله سبحانه وتعالى ، وعلى تعظيم السنة الثابتة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ، وعلى احترام السلف احتراماً لا يصل على حد القداسة ، بحيث يعتبر أن كل ما جاءوا به هو لا يجوز النظر فيه ، ولا يجوز تعديله ولا تغييره ، وأنهم مبرءون من جميع الأخطاء ، هذا أمر غير جائز ، كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر إلا النبي صلوات الله وسلامه عليه فإنه الذي لا يمكن أن يعترض على شيء مما جاء من قبله عليه الصلاة والسلام .

ولكن بطبيعة الحال مرت فترة جمدت حركة الإبداع عند هذه الأمة وقل النظر والاجتهاد ، وسلّم الناس تسليماً بكل ما وجدوه عن أسلافهم . وقد وصلت المغالاة في ذلك إلى حد بعيد ، ولا أدل على هذا مما نجده من النصوص المبعثرة في كتب العقيدة وكتب التفسير وغيرها ، تلكم النصوص التي تجعلنا نحار من أمرها ومن أمر قائليها . نصوص عجيبة نجد مثال ذلك ما يقوله الصاوي في حاشيته على الجلالين أنه يجب على جميع الناس أن يقلدوا الأئمة الأربعة ومن لم يقلدهم فهو ضال مضل ، ولو أنه وافق ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة . هذا كلام في منتهى الخطورة ، يُنسف ما يدل عليه القرآن ، ويُنسف ما جاءت به السنة الصحيحة ، وتُنسف أقوال الصحابة الذين هم خير جيل من أجل قول أربعة أئمة اجتهدوا وبذلوا جهدهم من أجل الوصول إلى الحقيقة والوصول إلى الحق ، ولكن لم يدّعوا لأنفسهم العصمة ، ولم يدّعوا لأنفسهم السلامة من الخطأ في أي يوم من الأيام ، بل هم كانوا يدعون أتباعهم إلى النظر والاجتهاد مثل هذا قول الزرقاني في جوهرته :

وواجب تقليد حبر منهم **** كما روى القوم بلفظ يفهم

ومن أعجب الأمور أن نرى التناقضات العجيبة عند كبار العلماء المحققين أحياناً ، نرى ما نعجب منه ، على سبيل ذلك الفخر الرازي يقول بأن دلالة الألفاظ دلالة ظنية ، ذلك لأن الألفاظ تفتقر إلى نقل اللغات ومعانيها بهذه النقول هي نقول أحادية ولما كانت نقولاً أحادية والآحاد مظنون ، وما بني على الظني لا يتجاوز إلى مرتبة القطعي ، لنسكت . هذا رأي رآه لنسكت عنه . لكن ما الذي فرّع عليه فيما بعد ؟؟ عندما يأتي إلى قول الله سبحانه وتعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) يقول إن الله تبارك وتعالى تمدح هنا بنفي إدراك الأبصار له ، تمدح بنفي الرؤية عنه ، والله سبحانه وتعالى لا يتمدح بنفي مطلق إنما يتمدح بحقيقة ثابتة لا بالعبث ، ولما كان متمدحاً بنفي الرؤية ولا يمتدح سبحانه وتعالى بنفي محض ، فإذن هذا دليل على إمكان الرؤية . والأمة اختلفت منهم من قال الله تبارك وتعالى يرى فقال بجواز الرؤية وبوقوعها ، ومنهم من قال باستحالتها وبعدم وقوعها ، ولم يوجد أحد يقول بإمكانها - يقول بأنها ممكنة ولن تقع - وبناء على هذا فإن هذه الآية إما أنها إمتداح والله سبحانه لا يمتدح إلا بممكن ، وهذا الممكن من قال بإمكانه قال بوقوعه فهي دليل قطعي على إمكان رؤيته تعالى وعلى ثبوت هذه الرؤية . هو ناحية يقول بأن الدليل النقلي أي دلائل الكتاب ودلائل السنة المتواترة هي دلائل ظنية مهما كان الدليل النقلي لأنه دليل لفظي فهو دليل ظني ، ومن ناحية أخرى يجعل من دلالة الدليل على الشيء أنه دليل قطعي على عكس ذلك الشيء ، فإذن لنرجع إلى قاعدته التي أصّلها إذا أردنا أن نطبقها على قوله الله سبحانه وتعالى ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) بناء على القاعدة التي طبقها فإن دلالة الآية على نفي الولد عن الله دلالة ظنية ، ودلالتها على نفي المولودية على الله أيضاً دلالة ظنية ، ودلالتها على نفي الكفء عن الله تعالى دلالة ظنية ، وبناء على النهج الذي نهجه فإن دلالة هذه النصوص على إثبات الولد ، وعلى إثبات كون الله مولوداً ، وعلى إثبات وجود الكفء له سبحانه دلالة قطعية . فيستخلص من ذلك أنه بناء على هذا الذي أصّله تكون الدلالة على إثبات الولد لله تعالى ، وعلى إثبات الوالد لله ، وعلى إثبات الكفء لله دلالة ظنية .

كذلك إذا جئنا بناء على ما أصّله يقول الحق سبحانه وتعالى ( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) دلالة الآية على نفي الصاحبة عن الله ونفي الولد دلالة ظنية ، ولكن بناء على النهج الذي نهجه يكون إثبات الصاحبة وإثبات الولد لله سبحانه وتعالى أمراً قطعيا . كذلك ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) بناء على التأصيل الذي أصله نفي السنة والنوم عن الله أمر ظني ، وبناء على النهج الذي نهجه يكون إثبات ذلك أمراً قطعياً ، وفي إثبات السنة لله وإثبات النوم لله تعالى أمراً قطعيا .

قول الله تعالى ( ولا يظلم ربك أحدا ) نفي الظلم هنا عن الله تعالى بناء على الأصل الذي أصّله هو أمر ظني ، وبناء على ما اتبعه في مسلك استدلاله يكون ذلك أمراً قطعيا .

هذه الأمور هي التي يجب أن تترفع عنها الأمة ، وهي التي يجب أن تنتزع من مناهج الدراسة لتسير الأمة سيراً سليماً في اتباع الحق ، والتعويل على الدليل ، وعدم التأثير على الدليل بسبب هوى النفس .



سؤال

شكراً سماحة المفتي .

هذا سؤال أعتذر عنه مقدما ولكن المقصود منه تبرئة ساحة المفكرين الذين يريدون الخير لهذه الأمة ، ثمة من يقول بأن المطالبة بالتجديد في نوعية التعليم ومناهج لتعليم الديني ظهرت في مصر في عهد الأستاذ محمد عبده في وقت الذي انتشرت فيه الماسونية والعلمانية ، وظهرت على يد محمد إقبال لأنه قدم بفلسفة أوروبية من ألمانيا ، وتظهر الآن عند كثير من المفكرين لتأتي متناغمة مع التوجه الأمريكي والضغط من أجل تغيير مناهج التعليم ، والتعليم الديني خصوصاً في البلاد الإسلامية . ألا تخشون سماحتكم من أن يفسر البعض إلى إعادة صياغة الأمة وإلى إعادة مناهج التعليم أن تفسر بمثل هذا التفسير الذي فسر به سابقاً ؟ .

الشيخ الخليلي :

الجواب : من أراد قدحاً في فكرة أو قدحاً في شخص لم يحجزه عن ذلك حاجز ، ولم يمنعه من ذلك مانع ، ولكن الأمر يجب أن ينظر إليه نظرة واقعية فاحصة ، لا نظرة منبعثة من هوى النفس والرغبة في الانتقاد ، فعلى أي حال قد يقول ذلك قائل ، وأنا لا أستطيع أن أمنع ألسن الناس أن تنطلق بما وقر في نفوسهم من هوى النفس ، فإن هوى النفس متحكم في حديثهم ........ إلى أن تكون هذه الأمة أمة قوية ، أمة غير خاضعة للأمم الأخرى ، أمة تعوّل على فكرها الذي جاء به دينها ، لا تعول على الأفكار المستوردة ، ولا تبني أفكارها على ما تتلقفه من هنا ومن هناك ، طالما قلت بأن هذه الأمة عليها أن تستقل ، وأن تتخلص من التبعية العمياء لغيرها ، هي أمة أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون أمة عزيزة ، وطالما قلت بأن هذه الأمة لا تسعد ولا تسلم ولا تتمكن من تبوأ مكانتها التي هي جديرة بأن تتبوأها إلا عندما تتخلص من هوى موالاتها لأعدائها لأن الله تبارك وتعالى يقول ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ، ثم يبين سبحانه أن هذه الموالاة ناجمة عن مرض نفساني حيث يقول ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) ، و كثيراً ما قلت بأن هذه التبعية وهذه الموالاة تفضي والعياذ بالله إلى الارتداد لأن الله تعالى في معرض التحذير منها حذر من الارتداد حيث قال ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) ، وقلت أكثر من مرة أيضاً بأن حصر الأمة ولاءها في ولائها لربها سبحانه وتعالى ولنبيها صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين هو السبب في التمكن والغلبة والانتصار وانضمامها إلى حزب الله فإن الله تعالى يقول ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) ، فإذن أنا دعوتي واضحة ، إنما أدعو إلى نبذ ما يكون سبباً لاتباع الهوى ، سبباً لهذه التبعية العمياء من هذه الأمة لأعدائها ، ونحن وجدنا في ظل هذا الانبهار بأعداء الإسلام في ظل غياب المفاهيم الصحيحة ، وفي انحسار الفكر الإسلامي الصحيح وجدنا كثيراً من تخبط الناس تخبطاً عجيباً ، قبل ما يقارب عقدين من السنين من الآن كان رئيس دولة صليبية يصب الويلات على رؤوس المسلمين صباً في تلكم الدولة ، وهو رجل صليبي حاقد متعصب ، ويحرص على إبادة المسلمين الموجودين هناك ، وكانوا بقدر مستطاعهم يدافعون عن شخصيتهم ، ويدافعون عن دينهم ، ويدافعون عن استقلالهم . زار زائر تلكم الدولة ورجع من هناك يتحدث عن إعجابه بما وجده هناك وقال لولا أن هنالك من المسلمين من يكدرون الصف ويثيرون الشغب فسألته أي شغب هذا ؟ فقال : هؤلاء متمردون . قلت : وكيف ؟ ما هو تمردهم ؟ من الذي عصوه ؟ قال : إنما عصوا ولي الأمر والله تعالى يقول ( أطيعوا وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) فسألته وهل فلان الصليبي هو ولي أمر المسلمين مع أن الله يقول في صدر هذه الآية الكريمة ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) أطيعوا أي منكم معشر المسلمين لا الصليبين الحاقدين ، فإذن غياب المفاهيم الإسلامية أدى بالناس إلى تخبط تخبطاً لا مثيل له ، وهذا نتيجة لانحسار الوعي الإسلامي وعدم وجود تصور الإسلامي الصحيح ، وهكذا في تلكم العصور السحيقة عندما تحكم بنو أمية وبنو العباس في حياة الأمة وصل تخبط الناس تخبطاً عجيبا في مقاومة الإصلاح ومقاومة المصلحين ، ونبذ كل من يحاول أن يرد الناس إلى المحجة البيضاء . نحن وجدنا من الفقهاء الكبار من يقول إن الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلّم قتل بسيف جده . ما معنى قتل بسيف جده ؟ معنى ذلك أنه ثار على ولي أمر المسلمين الذي تجب طاعته ويجب الخضوع له سواء بر أو فجر ، عصى أو أطاع ، عدل أو جار ، يجب أن يخضع له خضوعاً مطلقاً وأن لا يحاسب على شيء من أعماله ، ومخالف ذلك حقيق بالقتل فما أنزله يزيد بن معاوية بالحسين إنما كان ذلك تطبيقاً لما جاء به الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام . هكذا ضلال الفكر وصلت الناس إلى هذا المستوى .

ورد المنى
20-02-2003, 04:02 PM
كذلك نحن وجدنا أن الناس بسبب انبهارهم بما كان عليه المتسلطون في هذه الأرض من مظاهر الترف الذي هو سبب للدمار وسبب في تقهقر هذه الأمة ، وجدنا أولئك يقيسون حضارة الإسلام ورقي الأمة بقدر تلكم المظاهر مظاهر الترف ، قبل فترة من الزمن كنا في رحلة إلى العراق ، وذهبنا إلى سامراء ، وهناك تنقيب عن آثار العباسيين وجئنا إلى مكان حسب ما خطط لنا ، كان فيه تنقيب عن آثار من يلقب بالمتوكل ، وقد وجدوا تحت طبقات التراب التي تتراكم على المنطقة .... بركة سباحة كبيرة جداً ، وتحت هذه البركة خنادق لإيقاد النار لأجل أن يحمى الماء فيها . أحد العلماء الذين حضروا في هذا المكان ماذا قال ؟ . قال : الله أكبر ما هذه العظمة للإسلام . يعني عظمة الإسلام حيث يجلس الرجل الفاسق المخالف لأمر الله بين الجواري وهن يسبحن في هذه البركة عاريات من الثياب وفي حالة من الاستخفاف بحرمات الله . هذه عظمة الإسلام ؟ أين عظمة الإسلام من هذا ؟ .

عظمة الإسلام عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعيش في كوخ ، وعندما تخرج منه رسالة إلى كسرى يهتز كسرى ، ويهتز عرشه بسبب تلك الرسالة . هذه عظمة الإسلام ، عندما كان أهل الشرق وأهل الغرب يخشون سطوة الإسلام ، ليست عظمة الإسلام من مظاهر الترف .

كذلك عندما نسمع الكثير من الناس يرددون بأن عظمة الإسلام تتمثل في قول هارون الملقب بالرشيد للسحابة عندما انجابت عن ذلك المكان ( أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك ) ، قالو هذه عظمة الإسلام ودليل عظمة الإسلام ، أين هذا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم إن الله بعث محمداً داعياً ولم يبعثه جابيا ، هذا يدل على الرغبة في أخذ الضرائب ، وضمها إلى خزينة من يسمى بالخليفة لأجل أن يستمتع بها حسب هواه . أين هذه العظمة للإسلام ؟

عظمة الإسلام عندما كانت دعوته تشق الطريق إلى نفوس الناس ويتساوق الناس إلى اعتناقه لما يرونه في القائمين عليه من العدل والإنصاف وزجر النفس عن هواها ، وضبط حياة النفوس بحسب ما يتلاءم مع جوهر الإسلام .

كذلك عندما نسمع الكثير الكثير من الناس يقولون بأن من مظاهر الإسلام العظيمة قصر الحمراء في غرناطة وغيرها من القصور ، هؤلاء يدنسون سمعة الإسلام ، الإسلام لا يتمثل في هذه الأعمال التي قام بها هؤلاء المترفون ، وهذا جر هؤلاء جراً بسبب غياب المفاهيم الصحيحة جر هؤلاء إلى أن يمجدوا أعداء الله تعالى من الأمم التي حكم عليها القرآن بأنها أمم كفر وعتو وفساد وضلال وانحراف عن الحق ، مجّدوا الفراعنة ، وكان من بين الشعراء شاعر من ناحية يمدح الرسول صلى الله عليه وسلّم ويثني عليه ويمجد الرسول ، ومن ناحية أخرى يمجّد فرعون تمجيداً حتى يقول فيه :

جلت ذاتك العلية عن أن **** تنالها الألقاب والأسماء

يصل به الأمر إلى أن يؤله فرعون ، ومع ذلك محسوب على شعراء الإسلام ، هذا دليل انحراف الفكر وضلال العقيدة .



سؤال

سماحة الشيخ :

كان ظهور علماء الإحياء الإسلامي الأفغاني مثلاً ومحمد عبده ورشيد رضا والسالمي وأبي مسلم ومحمد باقر الصدر ، كان ظهور هؤلاء الأعلام وغيرهم إرهاصاً لما عرف لاحقاً بالصحوة الإسلامية ، فهل هذه الدعوة التي تنادون بها الآن ( إعادة صياغة الأمة ) مؤشر لبداية عصر إحياء جديد سيرشد الصحوة التي فجرها عصر الإحياء الأول ؟ وهل يمكن عبور المرحلة القادمة دون هذا الإحياء الجديد ؟

الشيخ الخليلي :

الجواب : نحن علينا أن نستفيد من كل تجربة ولا نحصر دعوتنا هذه في إطار ضيق في تجربة خاصة دون غيرها ، علينا أن نستفيد من كل تجربة من هذه التجارب . وعلى أي حال لهؤلاء العلماء جهد مشكور قاموا بدورهم وبذلوا جهدهم وحاولوا الإصلاح ، نحن إذا جئنا إلى المدرسة الإصلاحية التي أرسى بمصر دعائمها السيد جمال الدين الأفغاني ، ثم قام بتشييد مبانيها تلميذه العملاق الشيخ محمد عبده نرى أنها مدرسة آتت أكلها ، وكانت لها ثمار طيبة ، ولكن مع ذلك لا نستطيع نبرأها من كل خطأ ، لا بد من أن نأخذ الصواب وندع الخطأ ، وكل أحد معرض للخطأ ، الدعوة التي قام العلامة الإمام محمد عبده في مصر كانت في وسط وجود كثير من العلماء الذين يتبنون الخرافات ، ووصل الأمر كما قلنا بكثير من الناس إلى أن يضفوا على المخلوقين صفات الألوهية ، وهذا أمر في منتهى الخطورة وهذا أمر لم يكن محصوراً في مصر نفسها ولكن كان في كثير من بقاع الأرض ، نحن وجدنا على سبيل المثال أحد الكاتبين يكتب عن عالم من العلماء ويترجم له ويضفي عليه من القداسة الشيء العجيب العجيب الذي ينبو عنه العقل السليم فضلاً عن رفض النصوص القاطعة لمنطقه فكان مما قاله ( ولما كانت حياته حياة الرسل والملائكة المقربين ، كانت تتجلى له الأشياء على حقائقها ومعرفة الشقي والسعيد ومعرفة الآجال ومداها ، وكان تزوره الملائكة والأموات والأنبياء يقظة ويستمد منهم المدد ... الخ ) ، وجدت هذه الأفكار ولا تزال موجودة إلى الآن . والإمام محمد عبده قاوم هذا الفكر بشدة وبعنف ، كما أنه أيضاً استطاع أن يتحرر من كثير من التقاليد التي أصر عليها الكثير من العلماء ، مسألة الوعد والوعيد هذه قال فيها كلمة جازمة في أكثر من موضع من دروسه التفسيرية ، قال بأن وعيد الله تبارك وتعالى لا يتبدل وأن ما توعد الفسقة المجرمين من هذه الأمة لا يختلف عما توعد به غيرهم ، فليست هنالك محاباة من الله تبارك وتعالى لهذه الأمة دون غيرها ، هي كغيرها من الأمم هذا مما قاله كثيراً .

مسألة الشفاعات التي يتشبث بها الكثير الكثير تحدث عنها بإسهاب في مواضع متعددة من تفسيره ، وقال بأن ما تشبث به المتشبثون من شفاعات الأنبياء والصالحين يوم القيامة إنما ذلك تشبث بأوهام إلا عندما يكون الإنسان من الصالحين عمل عملاً صالحاً وتاب توبة نصوحاً فكان حقيقاً بأن يُشفع له من قبل النبيين وإلا فهذه الأوهام هي الأوهام التي كانت عند أهل الكتاب تحدث عن ذلك في تفسير قول الله تبارك وتعالى ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) كما تحدث عن ذلك في تفسير قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) إلى غير ذلك وقال إن الشفاعة لله وحده وذكر بأن هؤلاء إنما يتشبثون بما وجدوا الناس فمن عادتهم أنهم وجدوا أصحاب المصالح المتسلطين في هذه الأرض قد يتنازل أحدهم عن الوعيد الذي يتوعده مجرماً بسبب ما يراعي من مصلحته ينثني عن عزمه ويترك ذلك المجرم فقاسوا حال الخالق الله سبحانه وتعالى على حال الخلق . هكذا ذكر في كثير من المواضع ، ولكن مع هذا نجد كان كما قلنا بين تيارين ، بين تيار هؤلاء الذين من الخرافة دينا ، وتيار الذين جاءوا من الغرب بأفكار بعيدة عن الفكر الإسلامي وصاروا لا يؤمنون بما وراء المادة لا يؤمنون إلا بما وقع تحت طائلة الحواس ، فأراد أن يسلك مسلكاً بين هؤلاء وهؤلاء ، وأراد أن يقنع الناشئين بالإسلام وبمعتقدات الإسلام ، فلذلك حاول يضيّق نطاق الغيبيات في كثير من تفسيره كتفسيره لقصة آدم عليه السلام بأن المراد بآدم الجنس البشري ، وأن المراد بالشجرة الشر ، وأن المراد بالملائكة ملكات الخير ، وأن المراد بالشياطين ملكات الشر إلى غير ذلك الكثير هذا تفسير غير مسلّم وقد تأثر به تلميذه السيد محمد رشيد رضا وإن كان أقل منه في هذا ولكنه تأثر به ، هذا مع أن السيد رشيد رضا أيضاً من بعد أستاذه محمد عبده تأثر بما سمي بالمدرسة السلفية من بعد فوجد شيء من النقائض في كثير من كلامه ، وقد نبهت على بعض الأشياء فيما دونته ، ونبهت على بعض هذه النقائض التي وجدت في كلام السيد رشيد رضا ، وهذا لا يمنع أن نستفيد منه وأن نكبر جهده ، ونحذو حذوهم في كثير من الأمور التي هي متفقة مع المنهج الصحيح .

أما بالنسبة إلى الإمام السالمي رحمه الله تعالى فإنه كان امتداداً لفكر تأصل منذ الصدر الأول منذ الرعيل الأول ، لم يأت بحاجة جديدة ، فمنهجه الذي سلكه هو منهج أسلاف سلفوه منذ فترة طويلة ، وقد عُني الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد بوضع الخطة السليمة لهذا المنهج ، ثم اعتنى بتنفيذ هذه الخطط ونهج هذه المسالك تلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة ، ونهج من بعدهم هذا المنهج . فهذا المنهج على أي حال إنما هو كان منهج تاريخي ، منهج من الممكن أن يفيد الأمة لكثير إذا بلور ووضح وضوحاً جيداً وصور تصويراً يتلاءم مع أفهام بني العصر ، وهذا ما قامت به بحمد الله أقلام معاصرة ، ومن أمثلة ذلك ما كتبه الدكتور حسين غباش في كتابه ( عمان الديموقراطية الإسلامية ) فإن هذه الخطوة خطوة إيجابية جداً ، ونرجو من الكثير أن يحذو حذوه في ذلك .

وعلى أي حال دعوتنا دعوة عامة لا تنحصر في إطار طائفة معينة ، وهناك الكثير من العلماء الذين قدموا خدمة جليلة لهذه الأمة من خلال مؤلفاتهم ومن خلال محاضراتهم ، كما ذكرت الإمام أبو الأعلى المودودي قدم خدمة جليلة للأمة من خلال مؤلفاته ، ذلك كله مما يمكن أن يستفاد منه ، كذلك السيد أبو الحسن الندوي وغيرهم من العلماء الأجلاء ، هؤلاء أفادونا فائدة كبيرة فيمكن أن نستفيد من هذه التجارب جميعا .

سؤال

بهذه الخاتمة سماحة المفتي تكون قد أجبت على سؤالنا الموالي الذي كنا نود أن نطرحه عليكم وهو أن هذه الدعوة تتزامن مع حركات إعادة نظر أخرى لكن في نطاقات مذهبية مثل حركة إعادة نظر على المستوى السنى التي تمثلت سابقاً في كتب الشيخ محمد الغزالي وعلى نحو ما الآن في كتاب ( السلطة في الإسلام ) لعبد الجواد ياسين ، وتتزامن أيضاً مع بروز تيار الإصلاح على المستوى الشيعي في إيران وصدور كتاب أحمد الكاتب ( الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه ) ، ولكن هذا يعنينا بشكل آخر أن دعوتكم سماحة الشيخ لإعادة صياغة الأمة بأكملها على مختلف توجهاتها ومذاهبها الفقهية والفكرية هل ستطال إعادة النظر المذهب الإباضي كذلك أم لا ؟

الشيخ الخليلي :

على أي حال نحن كما قلنا بأن أي أحد يؤخذ من كلامه ويرد ، نحن لا ندّعي العصمة لأي أحد كان ، إنما الحكم في ذلك الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فما وجدناه منسجماً مع دليل الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أخذنا به ، وما كان مخالفاً لهما فإن ذلك مرفوض ممن جاء به ، نحن قد نرى أن كثيراً من الإباضية ربما سرى بعض الأشياء التي وجدت عند غيرهم كبعض الأوهام قد يكون ذلك في العامة أكثر مما هو في الخاصة في الجهلة أكثر مما هو في العلماء ولكن وجدت فتاوى لبعض أهل العلم تبرر ما يفعله العامة من الذهاب إلى المقابر وتقديم القرابين وتقديم النذور هذه وإن كانت أشياء شاذة والجمهور جمهور أهل العلم إنما يرفضونها ولكن وجدت من بعض الناس انسجاماً مع هوى العامة فمثل هذه الأشياء لا بد من أن تقتلع من جذورها ولا تتبع بأي حال من الأحوال .

سؤال :

حقيقة سررنا يا سماحة الشيخ وسعدنا كثيراً بأطروحاتكم القيمة وبمنهجكم الذي كنا وما زلنا ،ونرجو أن نستمر بإذن الله تعالى على أن نتلقى منه إلى أن نلقى ربنا سبحانه وتعالى ، ولكن سرورنا وسعادتنا يكتملان حقيقة باختلاف طريقتنا في منهج التلقي من مشايخنا حفظهم الله تعالى ، وقد أعجبني كثيراً أحد الأخوة الذين كتبوا حينما نشر الإعلان عن هذه الندوة ( إعادة صياغة الأمة ) فقال بأن منهجنا ينبغي أن يختلف في التلقي فكثير من الناس حينما يسمعون الدعوات أو يسمعون دعوة إلى النهوض الحضاري يتصورون أن المخاطب هم سكان القمر أو المريخ أو أن الدعوة إنما تطال جميع الناس إلا أنا فكل واحد منا يبرئ ساحته ويبرئ نفسه ولكن الأولى بنا والأحرى بنا أن نعيد منهجنا بحيث يعتقد كل واحد منا أنه هو المخاطب وأن الأمة إنما تخلفت وتقهقرت وتراجعت بسبب قصوره وتقصيره .

وفي خاتمة هذا اللقاء نجدد لكم الشكر ونبث لكم البشرى بأن سماحة الشيخ حفظه الله تعالى مع هذه التفصيلات الكثيرة التي أدلى بها إلا أنه ينوي بعون من الله سبحانه وتعالى أن يفصل كثيراً من هذه الأمور كل نقطة منها في محاضرة وندوة مستقلة بها ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في عمره وأن يبارك في حياته وعلمه وعمله ، ونرجو من سماحته أن يختم جلستنا هذه بدعائه المبارك .



الشيخ الخليلي :

اللهم لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، سبحانك ربنا لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك نستغفرك ربنا ونتوب إليك ، ونعول في إجابة دعائنا عليك ، ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبدك ورسولك ، اللهم صل وسلّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، نسألك ربنا أن لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته ، ولا عيباً إلا أصلحته ، ولا غماً إلا فرجته ، ولا كرباً إلا نفسته ، ولا ديناً إلا قضيته ، ولا مريضاً إلا عافيته ، ولا غائباً إلا حفظته ورددته ، ولا ضالاً إلا هديته ، ولا دعاء إلا استجبته ، ولا رجاء إلا حققته ، ولا بلاء إلا كشفته ، ولا سائلاً إلا أعطيته ، ولا محروماً إلا رزقته ، ولا جاهلاً إلا علمته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا صلاح ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها في يسر منك وعافية ، اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره ، والقبر خير بيت نعمره ، واجعل ما بعده خير لنا منه ، اللهم إنا نسألك أن تهب كلاً منا لساناً صادقاً ذاكرا ، وقلباً خاشعاً منيبا ، وعملاً صالحاً زاكيا ، وإيماناً خالصاً ثابتا ، ويقينا صادقاً راسخا ، وعلماً نافعاً رافعا ، ورزقاً حلالاً واسعا ، ونسألك ربنا أن تهب لنا إنابة المخلصين ، وخشوع المخبتين ، ويقين الصديقين ، وسعادة المتقين ، ودرجة الفائزين يا أفضل من قصد وأكرم من سئل وأحلم من عصي يا الله يا ذا الجلال والإكرام . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين واقطع دابر أعداء الدين واستأصل شافتهم ولا تدع لهم من باقية ، اللهم شرّد بهم في البلاد ، وأفعل بهم كما فعلت بثمود وعاد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ، اللهم صب عليهم سوط عذاب ، وحل بينهم وبين ما يشتهون وافعل بهم كما فعلت بأشياعهم من قبل ، واجعل بأسهم بينهم شديدا ، وخلص اللهم عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين ، اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين ، اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين ، اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين ، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا ، وأبدلنا بخوفنا أمنا ، وبذلنا عزا ، وبفقرنا غنى ، وبتشتتنا وحدة ، واجمعنا على كلمتك ، وألف بين قلوبنا بطاعتك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام

د.قوس قزح
22-02-2003, 12:51 AM
مشكوره اختي ورد المني علي هذا المجهود في نقل هذه الدروس لنا و جزاك الله خيرا عنا. تابعي اختي

ورد المنى
23-02-2003, 06:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب الذي هو على كل شيء قدير ،وبكل شيء خبير ،سبحانه أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته الكبرى ، وليبوأه المناصب العلا ، وليجزيه في مقامات الزلفى . أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه ، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه ، وأومن به وأتوكل عليه ، من يهده الله فلا مضل له ،ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، أرسل رسله تترى ،وأنزل كتابه تتلى ،ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة . وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ، أرسله اللّه رحمة للعالمين ،وسراجاً للمهتدين ،وإماماً للمتقين ، فبلغ دعوة اللّه ونصح عباده وجاهد في سبيله حتى أتاه اليقين صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد ،،

فما الإعتناء بشخصية الرسول – صلى الله عليه وسلم –والرغبة الزائدة في الإطلاع على
سيرته واقتناء أخباره ، إلا رمز الوفاء له عليه أفضل الصلاة والسلام ، ودليل محبته والشغف بالإطلاع على سيرته – صلى الله عليه وسلم –والإستفادة منها ،وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست كَسِيَر سائر البشر ، لأن الله سبحانه وتعالى بوأه منزلا رفيعا ، إذ شرفه بأن جعله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين ،فهو في كل ما يأتي وما يذر يجسد هذه الرحمة من قبل اللّه تبارك وتعالى .
وقت وقوع الإسراء والمعراج

وقد اعتاد الناس أن يعتنوا بذكرى الإسراء والمعراج وذلك للشهرة التي استفاضت بين الناس بأن الإسراء به – صلى الله عليه وسلم – ومعراجه كان في ليلة السابع والعشرين من رجب . هذه الشهرة هي في واقعها لم تبن على دليل يعتمد عليه ، ولذلك نجد السلف مختلفين في تحديد هذه الواقعة مع عدم الشك في وقوعها .
فمنهم من قال بأنها وقعت في ليلة السابع عشر من شهر ربيع الأول ، ومنهم منه من قال في ليلة السابع والعشرين منه ،ومنهم من قال في ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الثاني ، ومنهم من قال في ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك . ومنهم من قال في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب ، ومال إليه الحافظ المقدسي وقال (( وعمل الناس عليه )).
ذكر الإسراء والمعراج في القرآن الكريم

والقرآن الكريم قد أخبرنا عن هذا الحدث التاريخي العظيم . في عبارة قصيرة محدودة في فاتحة سورة الإسراء السورة التي سميت بهذا الحدث نفسه ، يقول سبحانه وتعالى فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم
(( سبحن الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنآ إنه هو السميع البصير )) (الإسراء آية 1).
ثم إن في فاتحة سورة النجم أيضا إشارات إلى حدث المعراج من غير تصريح به .

ذكر الإسراء والمعراج في السنة النبوية

وفي الروايات المستفيضة عن العدد الكثير من أصحاب الرسول –صلى الله عليه وسلم –الحديث بشيء من التفصيل والبيان عن هذا الحدث التاريخي العظيم ،ولكن هذه الروايات جاء ت على وتيرة واحدة ،كان مفادها متحداً ، ولذلك وقع الخلاف بين الأمة في طبيعة هذا الحدث ،كما وقع الخلاف أيضا بين الأمة في الوقت الذي وقع فيه ذلك ،لأن بعض الروايات عن الرسول –صلى الله عليه وسلم –التي جاءت من طرق بعض الصحابة
كأنس رضي اللّه عنه مفادها أن الرسول –صلى الله عليه وسلم –جيء في حالة منام وهو نائم في حجر إسماعيل ،وهناك روايات أخرى تدل دلالة صريحة على أنه عليه –أفضل الصلاة والسلام –أسرى به يقظة .

ورواية أنس وغيرها من الروايات تفيد أن بداية هذا الحدث أي بداية هذه الرحلة كانت من حول الكعبة المشرفة من حجر إسماعيل .ورواية أم هاني –رضي اللّه تعالى عنها –تفيد أن بداية هذه الرحلة كانت من بيتها ،وأنه صلى الله عليه وسلم خرج من بيتها ،ولم
يبرد فراشه حتى عاد إليه ،وهناك بعض الروايات التي تدل على أن سقف بيته –صلى الله عليه وسلم – انفرج فنزل عليه جبريل ،وتفيد هذه الرواية أن بداية الرحلة كانت من بيته عليه أفضل الصلاة والسلام . ثم أن في رواية أنس التي رواها عنه شريك ما يدل على ذلك
كان قبل أن يوحى إليه صلوات اللّه وسلامه عليه .

هذا الاختلاف في الروايات أدى إلى اختلاف الناس في أشياء كثيرة من ذلك : الاختلاف في طبيعة هذه الرحلة هل كانت منامية أو كانت يقظة ،وهناك طائفة قالت :إن هذه الرحلة كانت منامية وقد عزي ذلك إلى بعض الصحابة رضوان الله عليهم وممن عزي إليه ذلك أم المؤمنين عائشة وحذيفة ومعاوية .

وروي ذلك عن الحسن البصري هذه المقولة وهي تتفق مع الروايات التي دلت على أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى كما يرى النائم في نومه ،وتتفق أيضا مع حمل قوله سبحانه وتعالى : (( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس )) (الإسراء 60).على هذا الحدث ،وأن المراد به رؤيا منامية .

وتحدث ابن القيم حول ما روي عن الصحابة في هذه القضية وما قيل عن هؤلاء الذين ذكرناهم أنهم ذهبوا إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم كانت رحلته هذه منامية فحسب . ورد الاستدلال على ذلك بما نسب إلى الصحابة من حيث إن هؤلاء الصحابة إنما نسب إليهم أنه صلى اللّه عليه وسلم لم تفارق روحه جسده ،وليس في هذا ما يدل على أن هذه الرحلة كانت منامية ،وإنما غاية ما تدل عليه هذه المقولة عنهم أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان لروحه إشعاع في جسده مع أن هذه الروح سمت وارتقت إلى السماوات العلي وكوشفت بما كوشفت به من غير أن يموت عليه أفضل الصلاة والسلام . وهي خصيصة خصه اللّه سبحانه وتعالى بها ،لأنه صلوات الله وسلامه عليه أوتي من المواهب الإلهية ما لم يؤته غيره.
ومن شأن الأرواح البشرية الأخرى ألا ترقى إلى أوج السماوات إلا بعد موت أهلها ،ومفارقتها لهذه الأجساد ،ومن شأن الأرواح البشرية الأخرى أيضا أن تكاشف به مناما ،ولا يحصل ذلك في اليقظة ،والنبي صلى الله عليه وسلم حصل له ما حصل في هذه الحادثة في اليقظة واختلفوا أيضا في هذا الحدث هل كان مرة واحدة أو تكرر ،لأجل الإختلاف في الروايات منهم من قال بأنه كان مرتين : مرة قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ،ومرة أخرى بعد بعثته ،ومنهم من قال بأنه كان ثلاث مرات وهؤلاء القائلون بهذا الرأي نظروا إلى اختلف الروايات المأثورة فحاولوا الجمع بينها بحملها على تعدد القصة .
(( قالوا وقع هذا الحدث مرات ،مرة يقظة ومرة مناما ،أو مرتين مناما ومرة يقظة .وقالوا بتعدده ايضا قبل البعثة وبعدها …الخ ما ذهبوا إليه . وقد أُنتُقد ذلك بأن هذه ظاهرية بينة في الاعتماد على النقول المتضاربة من غير محاولة للتمحيص والبحث حتى يتوصل إلى ترجيح الراجح وتصحيح الصحيح من هذه النقول .

القول الراجح

والقول الراجح الذي يمكننا أن نعتمد عليه هو أن هذا الحدث لم يتكرر إنما كان مرة واحدة إذ القرآن الكريم لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى تكرره ،ولا بد من طرح الروايات التي لا تخلو من اضطراب وشذوذ ،والتعويل على الروايات الصحيحة الثابتة التي
تتفق مع دلالة القرآن .كما أننا أيضا نميل إلى قول من قال :بأن الإسراء نفسه كان بالجسد وبالروح ولم يكن بالروح وحدها بدلالة قول الله سبحانه وتعالى :(سبحان الذي أسرى بعبده ))ولفظة العبد تطلق في الحي على روحه وجسمه مجتمعين ،لا على الروح وحدها وبدلالة استنكار المشركين بما أخبرهم به الرسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان ذلك مجرد رؤيا منامية لما استنكروا من ذلك شيئا لأنهم ألفوا الرؤى الـمنامية .وأن يرى الإنسان في منامه الأماكن الشاسعة البعيدة عنه فكيف يفضي بهم الإستنكار إلى أن يعلنوا تكذيبه عليه أفضل الصلاة والسلام .

بل قيل في السير واللّه أعلم بصحة ما قيل إن بعض ضعفاء الإيمان إرتد نتيجته لعدم تصديقه بهذه الحادثة التي أخبر بها الرسول –صلى اللّه عليه وسلم –ولا ريب أنه –صلى اللّه عليه وسلم –أري من آيات الله تعالى ما أري ،وأتي ما أتي من المواهب اللدنية في هذه الرحلة الميمونة والدليل قول الله تعالى((لنريه من آياتنا )) ولكن هل كان ذلك بمجرد مكاشفة حصلت للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في هذه الأرض لم يغادرها جسده ،أو أن ذلك حصلت بالعروج بجسمه صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلي .ذلك أمر نقف عن الترجيح فيه ونكله إلى الله سبحانه وتعالى ،وإنما يتبين لنا بيانا واضحا أن روح النبي -صلى الله عليه وسلم – ارتقت إلى تلك المقامات الرفيعة ووصلت الى ما وصلت إليه ونسكت عن القول بأنهها في هذه الحالة كانت مفارقة للجسد أو غير مفارقة ،مع قطعنا بما قاله ابن القيم بأنها لو قدرنا مفارقتها فإن لها إشراقا في الجسد كما أن الشمس مع ارتفاعها وبعدها عن الأرض جعل الله –سبحانه وتعالى –للطاقة الحرارية التي فيها تأثيرا على الأرض ونباتها ،والأجسام ا لموجودة فيها .والطاقة الروحانية أقوى من الطاقة المادية بكثير ،والعالم الروحاني له غرائب وعجائب لا يمكن أن نكتهنها ،وإنما علينا أن نقف في حدود ما وصلنا إلية من المعرفة .
التكريم الإلهي للنبي –صلى الله عليه وسلم

إنما الغاية التي يمكننا أن نستفيدها أو نصل إليها من خلال دراستنا لهذا الحدث التاريخي العظيم أن الله سبحانه وتعالى أراد بما حدث للرسول –صلى الله عليه وسلم –في هذه الواقعة العظيمة إكرام النبي –صلى الله عليه وسلم –في وقت أظلمت فيه الدنيا أمام ناظريه ،واحلولكت فيه الأيام .

واشتد عليه الصلاة والسلام فيه الخناق عندما فقد النبي-صلى الله عليه وسلم –عمه أبا طالب الذي كثيراًِ ما كان يشد أزره ،ويقف بجانبه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ في مواجهة تحديات قريش .وفقد النبي صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة الكبرى ـ رضي اللّه عنها ـ التي كان قلبها يتدفق بالحنان ،والمحبة لشخصه صلوات الله وسلامه عليه وكانت تؤازره ،وتنسيه الهموم التي كان يحملها من جراء عنت المشركين ،وتحديهم عندما يجد في حضنها دفء الحنان والمودة .وتوجه الرسول –صلى اللّه عليه وسلم ـ في هذه الظروف الحالكة إلى الطائف رجاء أن يجد ـ هنالك من يناصره فرجع صلى الله عليه وسلم وهو جريح الفؤاد مكلوم الجسد ،مسبل الدمع ،متدفق الدم من إيذاء أهل الطائف له .فأراد الله –سبحانه وتعالى –أن يكرمه بما لم يكرمه به غيره ،وأن يبين أن اللّه –سبحانه وتعالى ـ ما ودعه ولا قلاه وأنه بعين الله – عز وجل –وأن عناية الله ترعاه في أي مكان كان
فكان هذا الحدث ،وكانت بداية الإنطلاق هو المسجد الحرام حيث الكعبة المشرفة أول بيت وضع للناس جعل الله سبحانه وتعالى فيه البركة وفيه الخير ،وجعل الله عز وجل نهاية الرحلة الأرضية وبداية الرحلة إلى السماوات العلى المسجد الأقصى المبارك ،الذي بارك الله تعالى حوله بما تنزل هناك من وحي الله ،وما كان هناك من انطلاق للدعوة إلى الله سبحانه من أفواه النبيين الذين بعثهم الله في تلك الأرض المقدسة الطاهرة .وفي هذا رمز كون هذه
الأمة التي بعث فيها الرسول -صلى اللّه عليه وسلم –هي أمة ترث الأمم السابقة ،ومواريث النبوات المتقدمة .فإن الله –سبحانه وتعالى –جمع للرسول –صلى الله عليه وسلم –في هذه الرحلة بين المسجدين الكريمين الشريفين ،بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى .وآتاه الله سبحانه وتعالى من التكريم أن مكنه من إمامة النبيين في المسجد الأقصى ،وفي هذا أيضا ما يرمز إلى أن هذه الدعوة مرتبطة بعبادة الله –سبحانه وتعالى وما يرمز إلى أن هذه الأمة التي بعث فيها الرسول –صلى الله عليه وسلم – محور أمرها العبادة الاتصال بالملأ الأعلى ،من خلال عبادة الله سبحانه وتعال ىالذي تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .

فهذه الأمة أمة عبادة ،ولذلك كانت رحلة الرسول _صلى الله عليه وسلم _الذي بعث فيها من مقر عبادة إلى مقر عبادة .إذن رسالة هذه الأمة ودعوة هذه الأمة في جعل الحياة كلها خاضعة لأمر الله سبحانه وتعالى ،بحيث تكون الحياة كلها عبادة (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )) {الأنعام آية 162-163}.
هذا هو الإسلام ، أن تكون الصلاة للّه وأن يكون النسك للّه وأن تكون الحياة للّه وأن يكون الممات للّه سبحانه وتعالى .
ما يستفاد من هذا الحدث العظيم


فإذن نحن نستفيد من هذا الحدث العظيم أنه كان إكراما للرسول صلى الله عليه وسلم من قبل الله ، وأنه إيذان بعهد جديد ، عهد تتحول فيه الدعوة من الضيق إلى السعة ، ومن الجمود إلى الإنطلاق ، ومن الضعف إلى القوة .وقد حصل ذلك فعلاً فإن هذا الحدث كما يقول أكثر الكتاب في السير والتاريخ كان قبل سنة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فشاء الله سبحانه وتعالى بعد هذا الحدث أن يأتي نصر الله بمآواة الأنصار لهذه الدعوة .
فانطلقت هذه الدعوة في أرجاء الأرض ولم يقبض الله تعالى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا والدعوة الإسلامية تغمر أرجاء الجزيرة العربية كلها ، اصبحت الجزيرة العربية تخفق على رباها ألوية الإسلام في مشرقها ومغربها وشمالها وجنوبها ،وأصبح صوت الدعوة الإسلامية يرن في مسامع الأكاسرة والقياصرة ، وكان ما كان من المعارك التي حصلت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بين هذه الأمة وبين الدولة القيصرية .وفي هذه المعارك تمهيد للفتح المبين الذي تحقق بعهده صلى الله عليه وسلم حيث فتح أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ مشارق الأرض ومغاربها ،وأتوا على الأمبر اطورية الكسروية ، وكادوا يأتون على الامبرا طورية القيصرية فكان نصر الله تعالى المبين .

إذن هذه الواقعة كانت إيذانا للفرج وإيذانا بنصر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، مع بيان منزلته عليه أفضل الصلاة والسلام وما على المسلمين اليوم إلا أن يعتصموا بحبل الله المتين , ويتبعوا نهجه القويم وصراطه المستقيم ، ويستنيروا بنوره المبين ,ويصغوا وينقادوا لذكره الحكيم . وعندئد يفرح المؤمنيون بنصر الله (( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون )) {النور آية 55 }.

اللهم إنا نسألك أن تحقق لنا نصرك الذي وعدتنا ، وأن تمكن لنا في أرضك كما مكنت لمن قبلنا من عبادك المؤمنين ، وأن تمكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا ، وأن تبدلنا بخوفنا أمنا , وبذلنا عزا , وبفقرنا غنى , وبتشتتنا وحدة , وأن تجمعنا تحت لواء الحق أجمعين إنك ربنا على كل شيء قدير. اللهم طهر بيت المقدس أولى القبلتين ، وثالث الحرمين ، ومسرى سيد الثقلين من رجس اليهود, وخلصه من أيديهم واجعله في أيد عبادك الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .

وصلى الله وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحدلله رب العالمين" .

تمت بحمد الله وبركاته

اللهم أجعل ما نكتبه في ميزان حسناتنا وميزان حسنات إخواننا الذين ساعدونا إلى إخراج هذا العمل على الوجه الذي ترضاه منّا , إنك على كل شيء قدير وبالإجابة لمن دعاك جدير ، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي

ورد المنى
23-02-2003, 06:13 PM
لسماحة الشيخ العلامة:
أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ومتعنا بحياته وعلمه

المفتي العام لسلطنه عمان


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأشكره، وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره، وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، صلى الله وسلم عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ؛؛؛
فقد سبق في الدرس الماضي...
أن الإنسان مطالب بأن يزكي نفسه ولا يدسيها، لأن فلاحه منوط بتزكيتها، بينما تدسيتها سبب للخيبة، هذه الخيبة تكون في الدنيا، وتكون في الآخرة.
ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى الذي أرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، وأمرهم بما أمرهم به من دعوة الناس إلى الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، أرسلهم بما فيه سعادة هذا الإنسان في عقباه وسلامته في دنياه، لأن الأخذ بأسباب هذه الرسالات سبب لنجاة هذا الإنسان، وسيره سيرا سليما في هذه الحياة، ولا ريب أن المصير إنما هو رهن المسير، فبحسب ما يكون الإنسان عليه في حياته الدنيا تكون عاقبته يوم القيامة عندما يختم له بذلك.
هذا؛ ومن المعلوم أن الإنسان المسلم الذي شرفه الله سبحانه وتعالى بهذا الفضل العظيم، وهذه النعمة الجسيمة، وبوأه هذا المقام العالي، وأنزلـه هذه المنزلة السامقة، هو جزء من المجتمع البشري في هذه الحياة، ولذلك كان لزاما عليه أن يفكر كثيرا فيما يدور حوله في هذا المجتمع، وهذا ما وجه إليه القرآن الكريم الأمة المسلمة، منذ كانت أفرادا في مرحلة تكوينها الأولى، فإن الله سبحانه وتعالى أنزل في كتابه الكريم ما يتلى إلى قيام الساعة، لأجل إنباء المؤمنين بحالة صراع كان داميا بين دولتين كبريين في ذلك الوقت؛ دولتي الروم والفرس، وما انتهى إليه الصدام المسلح بينهما، وما سوف ينقلب إليه في المستقبل، مع أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا محصورين في المجتمع المكي، وكان مجتمعا جاهليا تغمره الكثرة الكاثرة من أهل الجاهلية، وما كان المؤمنون في ذلك الوقت إلا أفرادا، ولكن الله سبحانه أراد بهذا أن يهيأ هذه الأمة في أول تكوينها، بأن تكون أمة عالمية، أمة تتابع ما يجري في هذه الحياة، لأنها المسؤولة عن هذا العالم وتوجيهه إلى الخير، فلذلك كان لزاما على المسلم أن يكون حريصا على تتبع ما يجري في هذا العالم؛ ليأخذ العبرة من كل شيء، فإن لله سبحانه وتعالى سننا في هذه الحياة لا تتبدل، وقد جاء القرآن الكريم ليأكد على هذه السنن، ومن أجل ذلك دعا إلى الاعتبار؛ دعا القرآن الكريم إلى الاعتبار بالأمم الخالية، وما أصابها من خير وشر، ونفع وضر، فالله سبحانه وتعالى يقول: (( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين )) ويقول سبحانه وتعالى: (( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا )) ونجد أن الله سبحانه وتعالى ينبئ البشر عن كون ما يصيبهم إنما هو بسبب ما كسبت أيديهم، فالله سبحانه وتعالى يقول: (( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير )) ولا ريب؛ أن العبرة إنما تنفع المؤمنين، العبد الموصول بالله سبحانه وتعالى ينتفع بالعبرة، ويستفيد من العظة، ويقف عند حدود سنن الفطرة، والمؤمن دائما يكون موصولا بربه يرد كل شئ إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه يوقن أن هذا الكون بأسره ما هو إلا مملكة الله سبحانه وتعالى، وأن كل ما يجري فيه؛ من رفع وخفض، وعطاء ومنع، وإعزاز وإذلال، وإحياء وإماتة، وجميع تصريفات هذا الكون، كل من ذلك إنما هو راجع إلى الله، فلذلك يقف المؤمن عند هذه الحدود، ويعتبر اعتبارا بكل ما يجري في هذا الكون، فقد قيل: من لم يعتبر بغيره كان معتبرا لغيره.
ومن المعلوم أن العالم شهد أحداثا في هذه الأيام الأخيرة هزت هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولا ريب أن للمسلم بسبب عقيدته الإيمانية وصلته بالله سبحانه وتعالى قلب ينبض بالرحمة ويفيض بالحنان، ولذلك يتألم المسلم أن يصاب البريء أيا كان، فإن ذلك إنما يرجع -في الحقيقة- إلى هذا الخلق المستوحى من عقيدة المسلم الموصول بالله سبحانه وتعالى، وهو هاجس يفتعل في نفس المسلم، فيمتزج بوجدانه ومشاعره، وهذا أمر معهود، إذ الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم أمر بالعدل، ونهى عن الحيف والجور، ووجه المؤمنين إلى العدل في كل شيء، فالله سبحانه وتعالى يقول: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين )) ويقول في مقابل ذلك أيضا: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )) فالعدل -إذاً- مطلب من مطالب هذا الدين، وذلك أمر يشترك في منفعته الجميع، إذا ليس هو حكرا على طائفة من الناس دون طائفة، العدل مطلب إسلامي إيماني يجب على المسلم أن ينهج نهجه، وأن يستمسك بعروته، وأن لا يفرط في شيء منه، وحسبنا أن نجد في كتاب الله سبحانه -والله سبحانه هو أحكم الحاكمين- ما يبرئ يهوديا -مع عداوة اليهود- من تهمة ألصقت به، وأمر أريد له من ورائه أن تكون له عاقبة غير حسنة، نزلت آيات في كتاب الله: (( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما، واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبتون ما لا يرضى من القول وكان الله عليما حكيما )) إلى آخر الآيات التي جاءت تبرئة لساحة يهودي، فإذاً نحن لا نستغرب أن نرى الهيئات الرسمية والمؤسسات الدينية تستنكر وقوع هذا الأمر الذي شمل الأبرياء، وكذلك عندما ننظر إلى القرآن الكريم في توجيهه للمؤمنين في الحرب نجد أنه يوجههم إلى حرب نظيفة، حرب لا ظلم فيها ولا حيف على أحد، إذ الله سبحانه وتعالى يقول: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )).
ولكن مع هذا كله هل تفيد أحدا رحمة أحد به إن لم يكن راحما لنفسه، أولا: قبل كل شيء على الإنسان أن يكون راحما لنفسه حتى يستفيد برحمة غيره له، ومن المعلوم أن من رحم نفسه عليه أن يسلك المسلك السليم، مسلك العدل، مسلك الحق، وأن لا يحيف على أحد، إذ من جرّع غيره كأسا جرعها، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه، فإن الله تعالى بسبب عدله بين عباده يحول سبحانه وتعالى الغالب إلى مغلوب، والمنتصر إلى منتصر عليه، والقوي إلى ضعيف، ومن حاف على غيره حيف عليه، فإذاً نحن مهما تألمنا لما يصيب الأبرياء لا يفيد أولئك المصابين، ولا الذين جنوا عليهم، من رحمتنا شيء، ما لم يكونوا راحمين لأنفسهم، وما لم يكونوا عارفين الحقوق الواجبة -الحقوق الإنسانية- التي جعلها الله سبحانه وتعالى مشتركة ما بين الجنس البشري، نحن كما قلنا نجد الإسلام الكريم؛ كيف يوجه المسلمين إلى كل ما فيه عدل، وإلى كل ما فيه خير، وإلى كل ما فيه سلامة، فكما أننا نجد في القرآن الكريم توجيه عباد الله تعالى المؤمنين عندما ينزلون في ساحات القتال إلى أن يكونوا عادلين راحمين، نجد مثل ذلك في السنة النبوية على صحابها أفضل الصلاة والسلام، ونجد مثل ذلك في هدي الخلفاء الراشدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان عندما يعقد راية أو يبعث سرية يأمر بالعدل، يأمر أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، أن لا يقتلوا وليدا، وأن لا يقتلوا شيخا هرما، وأن لا يتعرضوا للرهبان في صوامعهم، وأن لا يغلوا، وأن لا يمثلوا، إلى غير ذلك، وهذا مما شاع في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ونجد ذلك أيضا في عهود الخلفاء الراشدين، حتى أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان ينهي جيشه عن أن يرتكب أي شيء من هذه الحماقات، إلى حد أن يأمر جيشه حتى بالرفق بالحيوانات، فلا يعقروا حيوانا، لا يعقروا بعيرا ولا شاة إلا من أجل الأكل، وكذلك ينهاهم عن قطع الشجر، ينهاهم عن كل ما فيه الإضرار بهذه الإنسانية، وهذا هو منهج المسلمين في حياتهم، وهل عومل المسلمون بما عاملوا به غيرهم؟!!!.
هذه الأحداث -كما قلنا- هي غير خارجة عن سنن هذه الحياة، فإن سنن الحياة سنن تدعو إلى التدبر والتأمل والتفكر، وتدعو إلى الاعتبار والاستعبار، ولكن أنى ذلك؟ إنما الذكرى للمؤمنين: (( فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى، ويتجنبها الأشقى، الذي يصلى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيى )) فهذه الأحداث مسبوقة بأسبابها، وإن مما يشدّ كل من له فكر؛ ذلك النطق السامي الذي نطقه عاهل البلاد المفدى حفظه الله تعالى عند افتتاحه "مجلس عمان" حيث قال بضرورة مكافحة الإرهاب، ولكن مع تتبع أسبابه، ومعرفة هذه الأسباب.
فما هي هذه الأسباب؟.
لو تأمل الإنسان الأحداث السابقة، وحسبنا أن نبدأ من عهد إلقاء القنبلة الذرية في اليابان التي حصدت مئات الألوف من الأبرياء، ثم ما تبع ذلك من الطغيان، وتأييد الطاغين والوقوف وراءهم مع أنهم يقتلون الأبرياء؛ يقتلون الأطفال، ويقتلون النساء، ولا يبالون بما يقعون في هذه الدنيا، هل هذه أسباب غير كافية لأن تنتج مثل هذه الثمار المرة التي يتجرعها من يتجرعها بمرارة؟ فكم من نساء رملت؟ وكم من أطفال يتموا؟ وكم من أطفال قتلوا؟ وكم من نساء قتلت؟ وكم من أناس شردوا؟ تأتي الجرافات الصهيونية لأجل هدم مساكن المسلمين في فلسطين وإخراجهم من بيوتهم، وإلقاء النساء والأطفال في العراء من غير مبالاة، والقوة الكبرى تقف وراء ذلك وتؤيد هذا كله، فكيف يكون هذا إرهابا ولا يكون هذا إرهابا؟ ومع هذا أيضا؛ كم من برئ قتل في العراق؟ تأتي الطائرات لتقذف المدنيين الأبرياء الذين لا ذنب لهم، ولم يرتكبوا أي سبب من الأسباب، ومع هذا يتمادى أولئك في هذا الطغيان، ويرتكبون هذه الأحداث، أليس ذلك كله داعيا إلى مثل هذه الأحداث بغض النظر عن مصدرها، إذ الله تبارك وتعالى يسلط من يشاء على من يشاء، قد يسلط على الإنسان من هو من بني جنسه، قد يسلط عليه أقرب قرابته وأخص خاصته، ليفعل فيه فعلته بسبب ما ارتكب من إجرام، والله سبحانه وتعالى يقول: (( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ))
هذه هي سنة الله تعالى في خلقه، ثم مع هذا كله أيضا؛ ما هي النتيجة؟ هل هنالك ارعوى أو ازدجار أو مراجعة للحسابات؟ أو أن بدلا من ذلك ازداد طغيان أولئك وتماديهم في الفساد، الله تبارك وتعالى يبين لنا سننه في الخلق فيما فعل بالأمم السابقة، يقول عز من قائل: (( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد الله رب العالمين )) هذه سنة لا تتبدل، ونحن عندما ننظر إلى أحوال هؤلاء، نجد أنهم أخذوا بالبأساء والضراء، ولكنهم لم يتضرعوا، فكم من آيات الله تبارك وتعالى التي تجلت لهم؟ وكم من مصائب أصابتهم بما ارتكبوه من ذنوبهم؟ انتشار الأمراض الجنسية الفتاكة التي أصبحت ترعبهم وتقلقهم ولم يستطيعوا احتواءها والسيطرة عليها من جملة أخذهم بالبأساء والضراء، والزلازل هي من جملة البأساء والضراء؟ والأعاصير من جملة أخذهم بالبأساء والضراء؟ والحرائق هي من جملة أخذهم بالبأساء والضراء، ثم ما وقع أخيرا هو من جملة بالبأساء والضراء، ولكن مع هذا الطغيان فإن الله سبحانه وتعالى فتح عليهم أبواب كل شيء، وكان من هذا تسابق الكثير الكثير من المتسابقين في إرضائه والانضمام إلى لوائهم وتحميل من حملوه عاقبة هذا الأمر، هذا كله مما يفرحهم ويجعلهم يخلدون إلى ما هم عليه، ولكن ما هي عاقبة ذلك: (( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )).
ولننظر إلى ما حصل؟ ما الذي كان منهم بعد الذي حدث أن حدث؟ ما كان منهم إلا أن ساقوا هذه التهم للأبرياء، ويتكشف يوما يعد يوم كذبهم فيما يقولون، فإنهم كثيرا ما يريدون أن يضللوا الرأي العام بوسائل الإعلام المضللة، أنهم اكتشفوا ما اكتشفوا، وأنهم وصلوا إلى حقائق وأمسكوا الخيوط، وسيبينون هذه الحقيقة للناس، ولكن عندما يأتي ميقات تبيينها حسب مواعيدهم بأنفسهم، يتهربون؛ تارة يقولون بأنهم إنما يحاذرون؛ ولأسباب أمنية يتركون الأمور في الخفاء إلى أن يحين ميقات إبدائها، وتارة يقولون كذا، و تارة يقولون كذا، إلى غير ذلك من التضليل للرأي العام، وهم وجهوا تهما إلى أناس؛ منهم من تبين أنه ميت قبل سنتين، ومنهم من تبين أنه حي في بلاده، وقد قالوا بأنهم من ضمن المجرمين الذين ركبوا هذه الطائرات وفعلوا فعلتهم هذه، وتارة يقولون بأنهم وجدوا ورقة لم تحترق، وهل من المعقول أن تبقى ورقة في طائرة لا تحترق مع احتراق الطائرة بكل من فيها، وبكل ما فيها، وبكل ما اصطدمت به؟ هل ذلك من المعقول؟ أو أن هذا من التدجيل والتضليل، الله المستعان، وتارة يقولون بأنهم وجدوا حقيبة فيها جوازات أولئك الذين يحملونهم مسؤولية هذا الأمر في غرفة في الفندق، فإذاً كيف استطاعوا أن يركبوا الطائرة وأن يتخطوا الإجراءات التي في المطارات حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، مع أنهم تركوا جوازاتهم من خلفهم؟ هذه أمور كلها إنما تدل على أن هؤلاء في نفوسهم حاجة، وهم يحملون حقدا على الإسلام والمسلمين، ويريدون إلصاق هذه التهمة بالمسلمين مهما كلفهم الأمر.
على أن هناك الكثير الكثير من الدلائل التي تدل على أن اليهود من وراء هذا الأمر، ولكن لم تشر أصبع من أصابعهم إلى اتهام اليهود، وهذا كما يقول الشاعر:-
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد***جاءت محاسنه بألف شفيع
من ذلك...
قبل كل شيء؛ اليهود لهم تآمر على العالم ، وهذه التآمر ليس هو وليد اليوم والأمس، بل أسفر عنه "مؤتمر بال" الذي أنعقد في هذه المدينة "مدينة بال" بسويسرا في عام 1897م، وهو المؤتمر الذي أسفر عن "بروتوكولات حكماء صهيون" وفيها تخطيط لاحتلال العالم بأسره في ظل مائة عام، وهم يطمحون إلى أن تكون عاصمة مملكتهم التي تسود العالم هي روما، وقدر الله سبحانه وتعالى أن فشلوا في الوصول إلى هذه الغاية التي يسعون إليها، فشلوا في الوصول إلى هذه الغاية إذ لم يستطيعوا أن يحكموا العالم، وإن كانوا تحكموا في كثير من أموره بسب توصلهم إلى القيادات الكبرى واحتوائهم لها، وبسبب إمساكهم بأزمة القضايا الاقتصادية حتى اغرقوا هذا العالم في حمأة الربا، وصاروا هم الذين يجنون ثمار هذا الربا المشؤوم.
وكذلك من خططهم إغراق الناس في الفساد على اختلاف أنواعه، وهذا أمر أيضا نجحوا في كثير من جوانبه، ولهم الكثير الكثير من الخطط، وهم شكلوا لجنة منذ انعقاد هذا المؤتمر لتتبع جميع قراراته وتوصياته، ولا يموت أحد من أعضاء هذه اللجنة إلا ويبدل بغيره، واللجنة مستمرة إلى هذا الوقت، فإذاًً ألا يقال بأن هؤلاء لا ينزهون ولا يبعدون ولا يبرؤون من أن يكونوا هم الذين دبروا هذا الأمر، على أن القرآن الكريم واضح في وصفهم، فالله تبارك وتعالى يقول: (( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا )) هذه هي طبيعة اليهود.
وكذلك من المعلوم أن الرئيس الأمريكي الحالي كان منافسا من قبل رئيس آخر، وقد كان اليهود يطمحون إلى أن يتوصلوا إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال نجاح الرئيس المنافس لهذا الرئيس الحالي أي الرئيس بوش، وهو آل جور، كانوا يطمحون أن يتوصلوا إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله، وبما أنهم لم يتوصلوا إلى إيصال ذلك الرئيس إلى منصة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ألا يقال بأنهم دبروا ما دبروه من أجل زعزعة الأمن والاستقرار، ومن أجل تحطيم هذه القوة الكبرى مهما كانت هذه القوة تتقرب إليهم وتساندهم، وتقف وراءهم وتشد من أزرهم، وتمكن لهم من تدمير بلاد الإسلام، وإفساد بلاد الإسلام، وإزهاق أرواح المسلمين، وفعل ما يفعلون.
ومما يقوي ذلك أن أربعة آلاف يهودي -فيما يقال- هم موظفون في هذه العمارة نفسها؛ في المركز التجاري العالمي ؛ وفي ذلك اليوم لم يحضر العمل أحد منهم ، وباعوا أسهمهم من البورصات العالمية قبل وقوع هذا الحادث بمدة قليلة، هذه الإشارات أليست كافية لأن تكون التهمة تلصق بهؤلاء اليهود؟.
ثم مع هذا كله؛ أيضا هناك فساد داخلي، والفساد الداخلي يؤدي إلى الكثير الكثير، وقبل فترة كان تفجير في المركز الذي في "أكلاهوما"، وقبل كل شيء أدين المسلمون بأنهم هم وراء هذا الأمر، حتى تكشف الأمر، وتبين من كان يحمل هذه الدسيسة، ويسعى إلى تقويض الأمن هنالك.
والفساد الذي في الولايات المتحدة الأمريكية لست مدعيا له، وإنما الأمريكيون أنفسهم يتحدثون عنه، وقبل بضع سنوات تحدثت هنا في هذا المكان، عن محاضرة ألقاها رجل أمريكي كان اسمه روبر كرين، وتحول بعد ذلك إلى فاروق عبد الحق بعد إسلامه، والرجل ليس هو من الناس السطحيين الساذجين، أو من الناس العادين المغمورين، وإنما هو رجل على قدر من الوعي والفهم والسياسة، والإدراك لأبعاد الأمور، واستنتاج العواقب من مقدماتها، فالرجل تبوأ عدة مناصب، وكان في عهد الرئيس نكسون كبير مستشاريه للسياسة الأمريكية الخارجية، هذه المحاضرة ألقاها في مجمع أبي النور في دمشق في شهر ذي الحجة من عام 1415هـ، أي قبل مضي سبعة أعوام، وكانت المحاضرة بعنوان "القيادة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين" والرجل يتطلع بكل أحاسيسه وبكل مشاعره إلى أن يأتي الإسلام ليصلح تلكم الأوضاع الفاسدة، وينص على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أحوج ما تكون إلى قيم الإسلام، هي أحوج ما تكون إلى نظام يجمع ما بين القيم الروحية وما بين العطاء الحيوي في هذه الحياة الذي لا ينقطع، فإذاً لا بد من أن يكون الإسلام هو البديل المنتظر، وقد يقال بأن إسلام هذا الرجل كان سببا لهذا التفاؤل المفرط، والمبالغة في التطلع إلى عزة الإسلام، وكرامة الإسلام، والتشاؤم من الأحوال السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه أيد كلامه هذا بنقول من أقوال كبار الساسة الأمريكيين العقلاء الذين لم يعتنقوا الإسلام، هم تألموا لهذا الوضع المدمر داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بين أولئك برجنسكي الذي هو يهودي، والذي كان مستشارا للأمن القومي عند الرئيس كارتر، وفي نفس الوقت هو يعد باني السياسة الإمريكية الحديثة، الرجل نشر مقالا في إحدى الصحف نعى فيه الأوضاع القائمة في الولايات المتحدة ووصفها بالفساد، وتطلع إلى مستقبل؛ هذا المستقبل يحول الأحوال من وضع إلى وضع آخر، وكان مما قاله في مقاله هذا: (إن الشعب الذي فقد الأخلاق لا يمكن أن يسن للعالم قانونا أخلاقيا) وأنتم ترون أنه صريح في أن الولايات المتحدة فقدت الأخلاق، وأن شعبها أصبح بدون أخلاق، فأنى لهذا الشعب أن يسن للعالم قانونا أخلاقيا؟
وقد قدم لمقاله هذا أحد الصحفيين المشهورين وهو ناثال جارولز، ووضع النقاط على حروف، وبين أن الإسلام هو البديل المنتظر، وأنه هو الذي سينتشل هذه الأمة من هذا الضياع، وسينقذها من هذه الهلكة، فإذاً؛ الأوضاع القائمة هي داعية لمثل هذه الأمور، فكيف للإنسان لا يبدأ أولا بإصلاح أوضاعه، وتدارك أخطائه؟ وإنما يحمل الجريمة من هو منها برئ بسبب تهمة في نفسه.
هذا ؛ وعندما نحاول أن نقارن بين أوضاع المسلمين الذين يصفونهم بالإرهاب، ويصفونهم بما يصفونهم به من الوحشية، كأنما كل مسلم سبع كاسر لا هم لـه إلا الافتراس، وبين أوضاعهم بأنفسهم، نجد الفرق الكبير، هم في هذا الوقت؛ وهم يزعمون أنهم رادت السلام في هذا العالم، وأنهم قادة الحضارة الحديثة وصانعوها وأئمتها وبانوها، هم في هذا الوقت عندما يهددون بأنهم سيطلقون قنابل، هذه القنابل تمتص الأوكسجين، كل قنبلة تمتص الأوكسجين بمقدار كيلو متر من كل الجوانب، فهل هذه الحرب حرب حضارية؟ وأين الإسلام من رحمته ولطفه حتى في الحرب؟ (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لقادة جيوشه بأن لا يقتلوا صبيانا ولا نساءا، وأن لا يقتلوا شيخا هرما، وأن لا يقتلوا أحدا من الرهبان، وأن لا يتعرضوا إلا لمن قاتلهم فحسب، لننظر هذا البون الشاسع ما بين الإسلام الحنيف برحمته ولطفه وما بين تصرفاتهم هم بأنفسهم.
ثم مع هذا كله إنما يريدون أن يفرضوا على الناس جميعا منطق القوة فالناس، عليهم أن يستكينوا لهم، وأن يستجيبوا لأمرهم من غير تردد، وليس لأحد خيار، وهم الذين يرفعون شعار الديمقراطية، العالم عليه أن يستجيب لهم: (إما أن يكون العالم معنا أو ضدنا) ومع هذا كله يفرضون على الجهات الإسلامية التي تعاني من الحرمان والإذلال والاستعباد أن تظل راضية بهذا الحرمان، وبهذا الاستعباد، وبهذا الهوان، حتى وصل بهم الأمر إلى أن يجمدوا الأرصدة التي تخص الجهات التي تريد أن تتخلص من الظلم والاستعباد والإذلال، مع أن الإسلام إنما جاء من أجل تحرير هذه الإنسانية بأسرها، ما جاء ليقر الظلم بل جاء ليقاوم الظلم، ومن الكلمات التي رد بها الزعيم الهندي المسلم أبو الكلام آزاد على المدعي العام، بعدما قرأ المدعي العام السجل، سجل الدعوة في حال محاكمته في عام 1339هـ أيام الاستعمار الإنجليزي في الهند، وكان يحاكم أمام قاضي بريطاني وقضاة آخرين، هم أيضا يدورون في فلك السياسة البريطانية، كان مما أجاب به: (نعم إني قلت: إن الحكومة الحاضرة ظالمة، وإن لم أقول ذلك فماذا أقول يا ترى؟ إني لأعجب كيف يطلب مني أن اسمي شيئا بغير اسمه، وأن أدعو الأسود بالأبيض، إني مسلم؛ ولأني مسلم وجب علي أن أندد بالاستبداد وأقبحه وأشهر مساويه، وإن الإسلام أعلن حقوق الإنسان قبل إنقلاب فرنسا بأحد عشر قرنا، ولم يكتف بمجرد الإعلان بل وضع نظاما لجمهورية الحق بالغا في الكمال منتهاه، ولعمري إن مطالبة المسلم بأن يسكت عن الظلم ولا يسميه ظلما مثل مطالبته أن يتنازل عن حياته الإسلامية، فكما لا ترون لأنفسكم الحق بأن تطالبوا المسلم بأن يرتد عن دينه كذلك فليس لكم الحق في أن تطالبوا بأن يسكت عن الظلم ولا يسميه ظلما، لأن معنى كلتا المطالبتين واحد).
إذن؛ هذا هو منهج الاسلام.
الاسلام جاء لرفع الظلم، وكما قلنا أمر بالعدل حتى مع أعدى الأعداء، والقرآن الكريم جاء فيه ما يبرأ خصما من أعظم خصوم الإسلام، من أجل تعويد الناس على اتباع الحق وعدم ميلهم إلى الحيف، فكيف يرضى المسلم بأن يقر الظلم في نفسه، وأن يكون عبدا ذليلا خاضعا للظالمين، هذه أمور هي معاكسة -في الحقيقة- للطبيعة، وهي معاكسة لمنهج يعد من الثوابت التي لا يمكن تغييرها، فلا يمكن بأن تغير ثوابت الاسلام.
إذن؛ إلصاق التهمة بالمسلمين، وفرض الهيمنة؛ هيمنة الظالمين في هذا العالم عليهم، أمر لا يعد في منطق هؤلاء إرهابا، وإنما يعد هذا هو الحق، وهذا هو الرشد، وهذا هو الذي يجب أن يكون، فأين -إذن- هذه الدعايات الفارغة؟ أين ادعاء الديمقراطية؟ وأين ادعاء حمل راية السلام؟ وأين ادعاء حمل راية الحضارة في هذه الأرض؟ هذه أمور كلها تستوجب الوقوف عندها.
هذا -ولا ريب- أن ألمسلم -كما قلنا- عندما يبصر شيئا من هذه الأحداث التي تفرزها التطورات في هذا العالم؛ سواء كانت تطورات خير أو كانت تطورات شر، لا يدعها تمر عليه، فإن الله سبحانه وتعالى سنن -كما قلنا- سننا في هذه الحياة، وعلى المسلم أن يكون حريصا على تدبر سنن الله تعالى في خلقه، والله تبارك وتعالى بين عاقبة البطر، وما ينتهي إليه بأهله الذين بطروا معيشتهم في هذه الحياة الدنيا، يقول سبحانه وتعالى: (( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الين )) ويقول سبحانه وتعالى: (( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون، لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون )) ونحن نرى أن الجاني الأول على أولئك الأبرياء الذين أصيبوا في هذه الأحداث إنما هو هذه السياسة المعوجة البعيدة عن الحق، فإن الله تبارك وتعالى بين أن فساد المترفين هو الذي يصيب عموم الناس ويهلك أبرياءهم وغير أبريائهم، هذه سنة الله في هذه الحياة الدنيا، أما في الآخرة فإن كل أحد مجزي بعمله: (( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت )) ولكن لما في فساد المترفين من انتهاك للحرم وإبادة للأنفس وإزهاق للأرواح وإضاعة للحقوق، جعل الله تعالى هذا الفساد ينتهي بهلاك الجميع، يقول سبحانه: (( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )) (( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا )).
قد يتسائل متسائل: ما هو الذي يعني غير أولئك المترفين حتى يصيبهم ما يصيب أولئك؟.
والجواب: أن الله تبارك وتعالى جعل النظام البشري لا يقوم إلا على الصلاح، فلذلك إن لم تأخذ العامة بأيدي المترفين ليقودوهم إلى الحق، وليردوهم إلى سواء الصراط، وليرجعوهم إلى الهدى، كانت العاقبة منعكسة عليهم كما تنعكس على أولئك المجرمين أنفسهم، وهذا ما دل عليه قول الله سبحانه وتعالى عندما ذكر فساد بني إسرائيل: (( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون، وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون، فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون )) والذين ظلموا وصف يصدق على مرتكب الجريمة وعلى من أقرها ولم يغيرها، فإن الله تعالى يقول: (( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )).
وعلى أي حال القضية ليست قضية هينة، فإن أولئك القوم أفرزت ألسنتهم ما تغص به صدورهم من حقد على الإسلام والمسلمين، وانساقوا وراء مؤامرات اليهود، ووصل الأمر إلى أن يقولوا: (بأن الحرب التي سيعلنونها حرب صليبية) وهذه ليست كلمة عفوية كما ادعوا، إذ لا يعقل أن يصدر من رئيس دولة كبرى كلام عفوي، لا بد من أن يكون كلامه موزونا مضبوطا يدل على ما في قرارة نفوسهم، فهذه إنما هي بعض ما تطفح به صدورهم. (( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر )).
ونحن واثقون مهما تآمر المتآمرون على الاسلام، وحاولوا أن يشوهوا صورته، وأن يكدروا صفوه، وأن يبرزوه للناس في مظهر الوحش المتربص الذي لا هم له إلا أن يعدو على فريسته، لا بد من أن يسود هذا الدين، هذه الأحداث نفسها جعلت الكثير من الناس يتحدثون بالحقيقة وينشدونها، وأنا اطلعت فيما اطلعت عليه على مقال كتبه صحفي بريطاني بعد الحادث بنحو إسبوعين أو أقل يسمى "روبرت فسك"؛ نشر في بعض الصحف البريطانية السيارة، يقول في هذا المقال ما معناه: (بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقودهم إلى نفق مظلم، تقودهم إلى حرب لا يعرفون لها معنى إلا أن الولايات المتحدة الإمريكية تريدها) وتحدث عن المجازر التي ارتكبها شارون في صبرا وشاتلا قبل سنين وقال: (بأن ضحايا هذه المجازر هم أضعاف الضحايا الأبرياء الذين في الولايات المتحدة الأمريكية، فكيف نغمض العين عن هذا كله ونتحدث عن المجازر التي وقعت هنالك) وتحدث عن كثير مما يرتكب في هذا العالم، ومع هذا كله أيضا توجه الكثير الكثير من الناس في القارة الأمريكية إلى دارسة الاسلام، حتى يقال بأن أمريكا اللاتينية أصبح القرآن الكريم فيها يمثل ثلث المبيعات من الكتب، الناس يريدون أن يدرسوا القرآن الكريم ليعرفوا حقيقة هذا الاسلام الذي يصوره هؤلاء في مظهر الوحش، وأنه لا هم له إلا افتراس الأبرياء، والله تعالى غالب على أمره، سبحانه يقول وهو أصدق القائلين: (( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )) وقد قال سبحانه وتعالى قبل ذلك: (( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون )).
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، واقطع دابر القوم الظالمين. اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاردد كيده في نحره، وأعذنا وأعذ جميع المسلمين من شره. اللهم اقطع دابرهم، واستأصل شأفتهم، وردد كيدهم في نحورهم، وأعذنا وأعذ جميع المسلمين من شرورهم، وامح آثارهم، وأورثنا أرضهم وديارهم. اللهم احصهم عددا، واقتلهم ببدا، ولا تبق منهم أحدا. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم؛ اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم؛ اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وغرائب بطشك ونقمتك. اللهم أنت القادر لا يعجزك شيء. نسألك ربنا أن تنصر المسلمين في كل مكان، كما نصرت نبيك صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم الأحزاب، وكما نصرت عبادك المؤمنين. اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا، وأبدلنا بخوفنا أمنا، وبذلنا عزا، وبفقرنا غنى، وبتشتتنا وحده، واجمعنا على كلمتك، وألف بين قلوبنا بطاعتك، يا رحيم يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغننا بحلالك عن الحرام، وبطاعتك عن الأثام، وبك عمن سواك، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم احفظ الإسلام والمسلمين، واحفظ راية هذا الدين، واجعلها شامخة رفيعة إلى يوم الدين، إنك ربنا على كل شيء قدير. اللهم ربنا إنا نسألك بأنا نشهد بأنك أنت الله؛ لا إله إلا أنت، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. نسألك ربنا أن لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته، ولا عيبا إلا أصلحته، ولا غما إلا فرجته، ولا كربا إلا نفسته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا عافيته، ولا غائبا إلا حفظته ورددته، ولا ضالا إلا هديته، ولا عدوا إلا كفيته، ولا دعاءا إلا استجبته، ولا رجاءا إلا حققته، ولا بلاءا إلا كشفته، ولا سائلا إلا اعطيته، ولا محروما إلا رزقته، ولا جاهلا إلا علمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضى ولنا صلاح ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها في يسر منك وعافية. اللهم اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، واصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم يا الله يا ذا الجلال والإكرام، نسألك أن تبرم في هذه الأمة أمر صلاح ورشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويأمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه شرعك، وتقام فيه حدودك، وتنفذ فيه أحكامك، ويتبع فيه كتابك، ويقتدى فيه بنبيك صلى الله عليه وسلم، إنك ربنا على كل شيء قدير، وإنك بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

* * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * * * * * * *
س1: تدور في جميع أرجاء المعمورة كلمة إرهاب، فكيف نفرق بينها وبين قوله تعالى: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)) ؟.

الجواب:- هذه أعراف قد تتغير بحسب مصطلحات الناس وبحسب مفاهيمهم، ومما يوسف له أن يكون المسلمون كثيرا ما يبعدون عن مصطلحات القرآن، فإن القرآن الكريم له مصطلحاته التي تعد تشريعا تعبيريا، كما أنه جاء بالتشريعات التعبدية العملية، وليتنا نقف عند مصطلحات القرآن ولا نخلط بينها وبين مصطلحات الآخرين، نعم؛ الإسلام جاء من أجل ردع الظالمين -كما قلنا- ومن أجل إقامة موازين القسط, ومن أجل رفع راية العدل, ومن أجل نصب معالم الحق والحقيقة, ولا بد من أن يكون للإسلام خصوم، وأن يتمالأ عليه المتمالئون، ويكيد له الكائدون، ولذلك كان هؤلاء بحاجة إلى ردع، والإسلام لا يقف مخذولا ممثلا في أنبائه عندما يكيد الكائدون له، بل لا بد من أن يواجه مكايدهم، ويقضي على مؤامراتهم ودسائسهم, ولذلك أمر بإعداد العدة لهم، هذه العدة من أجل إرهاب أي إخافة عدو الله وعدهم: ((واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)) فلولا ذلك لما كان للإسلام نفوذ مع تربص المتربصين، وتآمر المتآمرين، ومن المعلوم أن القوة تدفع القوة، والخوف يدفع الخوف، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه، فإن الناس لا يستجيبون جميعا لصوت العقل ومنطق الحقيقة، وإنما كثير منهم يكابرون الحقيقة، ويطمسون نور العقل، وقد أجاد الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي رحمه الله عندما وصف حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه؛ مع قريش، كيف حاول أن يتلطف بهم، وأن يجرهم إلى الحق بالرفق، وبالمنطق السليم، وبالحجة الدامغة، وبالبرهان الساطع، ولكن مع ذلك كانوا متمادين في غيهم، مصرين على ما هم عليه، مخلدين إليه، يقول:-
والمصطفى قد كان حلو الكلم***ومـا أجابه أولـو التغشـم
حتى دهاهم بغتة في الحـرم*** بجحفل كالليل داجي الأسحم
عليه تسليم السلام الأكرم
فمع تلطفه بهم، وحلو كلماته التي يلقيها عليهم، ما استجابوا له, إلى أن جاءهم بالجحفل العرمرم، عندئذ ماذا قالوا له، بعدما كانوا يسخرون منه، ويقولون ساحر، ويقولون مجنون، ويقولون كذاب، إلى غير ذلك مما كانوا يقولونه ويلصقون به صلى الله عليه وسلم؟ قالوا بعد ذلك: (أخ كريم، وابن أخ كريم، قدرت فأسجح) لأنهم أبصروا القوة، وهكذا القوة هي ترهب أعداء الله، وتحد من غلوائهم، وتجعلهم يتطأطأون للحق، والله تعالى المستعان.

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
س2: سائل يقول: إن ما يفعل في بلاد المسلمين من قتل وتشريد، وهدم للمنازل، وإحراق للمساجد من قبل اليهود وغيرهم من أعداء هذا الدين، فإن المسلمين لم يحركوا ساكنا، وأما ما حصل في الولايات المتحدة الإمريكية مؤخرا فإن العالم بأكمله قام ولم يقعد حتى الآن، فما الأسباب في ذلك؟.

الجواب: هذا إنما يعود إلى تفرق الكلمة؛ كلمة المسلمين, ذلك إنما يعود إلى تفرق الكلمة، المسلمون اليوم لم يأتوا من قلة، ولم يهزموا من ضعف مادي, وإنما القوة المعنوية ضعفت عند المسلمين، فكانت سببا لما حصل من هوانهم على الناس، ولو أن المسلمين استمسكوا بأسباب القوة لكان الأمر مخالفا لهذا تماما، لحسب لهم كل حساب، ولكن اصبحوا شراذم متفرقين، بأسهم بينهم شديد, صدق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على خصعتها. قالوا: أمن قلة؟ قال: لا؛ إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن الوهن في صدوركم. قيل له: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت) ومن المعلوم أن معظم الناس هم بنو الدنيا, فمن كان ذا شأن في هذه الحياة يتقى بطشه، ويرجى أي شيء؛ ولو كان خيالا من خيره، الناس يتسابقون إلى إرضائه، لأنهم لا يفكرون في المعاد والمنقلب, هذه هي طبيعة البشر, والله تعالى المستعان.

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
س3: يسال السائل: ما حكم من يؤيد مثل هذه الأحداث ويعتبرها نكسة وردا لجزء مما يفعله أعداء الإسلام بالإسلام والمسلمين في فلسطين وغيرها من بلاد الإسلام؟.

الجواب: طبيعة البشر على أي حال؛ المظلوم من شأنه أن يفرح بالنكسة التي تصيب ظالمه، وأن يريد لظالمه الكثير -ولا سيما إن كان قويا- الكثير من النكسات التي تؤدي به إلى الهوان والذل, ولا ريب أن هذه عاطفة توجد في طبيعة البشر, ولكن نحن لا نقول عن الظالمين, وإنما نقول: المسلم بسبب إيمانه لا يحب أن يصيب السوء الأبرياء، أما الظالمون فلا ريب أنهم جنوا على أنفسهم بأنفسهم, والآخرون أيضا جنوا هم عليهم.

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
س4: قل كيف يمكن تفسير قوله تعالى: ((واقتلوهم حيث وجدتهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد))؟

الجواب: نعم؛ هذا أمر من الله تبارك وتعالى للمؤمنين لمواجهة أعدائهم الذين يقاتلونهم، ويصون الدعوة الإسلامية عن انتشارها، ويترصدون لها، هذه دعوة للمسلمين، فالمسلمون عليهم أن يهيئوا أنفسهم ليكونوا قادرين على أن يحققوا معنى ذلك بحيث يكونوا جندا لله تعالى حقا.
= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =
س5: سائل يقول: ما واجبنا كأفراد في محاربة الكفر والطغيان؟ وهل يجب علينا أن نمضي للأمم المستعبدة والمحاربة من قبل الكفار مع أننا لا نملك ما نحاربهم به من العتاد والسلاح؟

الجواب: المسلمون جميعا أمة واحدة، يتألم المسلم لما يصيب المسلم في أي مكان، (المسلم أخو المسلم لا يقتله ولا يظلمه ولا يحقره, حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم), والحديث يقول: (ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وفرض الله تبارك وتعالى مناصرة حتى أولئك الذين لم يهاجروا؛ مع أن حبل الولاء ينقطع بينهم وبين المؤمنين بسبب عدم الهجرة, ولكن عندما يستنصرون المسلمين عليهم أن ينصروهم, عندما قال سبحانه وتعالى: ((وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)) ترون كيف نظافة الإسلام حتى في هذه المواقف, إذا كان بين المسلمين وبين أحد ميثاق، فإن ذلك الميثاق تجب مراعاته، هذه هي نظافة هذا الدين الحنيف, وعلى أي حال؛ المسلم عليه قبل كل شيء أن يصلح نفسه بينه وبين ربه، وهذا ما مر به المسلمون في المرحلة الأولى عندما قيل لهم: ((كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)) ثم بعد ذلك عليه أن يهيئ نفسه ويهيئ أصحابه, لابد أن يكون الرأي رأيا جماعيا ولا يمكن أن يتوصل إلى نصر إلا عندما يشمل المسلمين نظام دقيق بحيث لا يكونون عشوائيين في تصرفاتهم وفي أعمالهم.

…………………………………………………..
نسأل الله تعالى التوفيق للجميع وأن يعز الإسلام والمسلمين، إنه على كل شيء قدير, وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ورد المنى
24-02-2003, 03:49 PM
السلام عليكم ورحمة اللة وبركاتة

ورد المنى
24-02-2003, 04:00 PM
وينشىء ناشىء الفتيان فيهم
على ما كان عودة أبوة

ورد المنى
24-02-2003, 04:14 PM
دعاء عند قراءة القرآن1

روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه كان من دعائه إذا قرأ القرآن: "بسم الله، اللهم إني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكتابك الناطق على لسان رسولك، فيه حكمك وشرائع دينك، أنزلته على نبيك، وجعلته عهداً منك إلى خلقك وحبلا متصلا فيما بينك وبين عبادك.
اللهم إني نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة وقراءتي تفكراً وفكري اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قراءتي كتابك على قلبي ولا على سمعي، ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءة لا تدبر فيها، بل اجعلني أتدبر آياته وأحكامه آخذاً بشرائع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذرمة، إنك أنت الرؤف الرحيم."

(1) في رحاب القرآن الكريم - نبيل خلف - نقلاً عن مستدرك الوسائل -ج 4 - ص 372
دعاء عند قراءة القرآن1

كان أبو عبد الله (ع) يدعو عند قراءة كتاب الله عز وجل: "اللهم ربنا لك الحمد أنت المتوحد بالقدرة والسلطان المتين، ولك الحمد أنت المتعالي بالعز والكبرياء وفوق السماوات والعرش العظيم، ربنا ولك الحمد أنت المكتفي بعلمك، والمحتاج إليك كل ذي علم، ربنا ولك الحمد يا منزل الآيات والذكر العظيم، ربنا فلك الحمد بما علمتنا من الحكمة والقرآن العظيم المبين.
اللهم أنت علمتناه قبل رغبتنا في تعليمه، واختصصتنا به قبل رغبتنا بنفعه، اللهم فإذا كان ذلك منّاًَ منك وفضلاً وجوداً ولطفاً بنا ورحمة لنا وامتناناً علينا من غير حولنا ولا حيلتنا ولا قوتنا، اللهم فحبب إلينا حسن تلاوته وحفظ آياته وإيماناً بمتشابهه وعملاً بمحكمه وسبباً في تأويله وهدىً في تدبيره وبصيرة في بنوره، اللهم وكما أنزلته شفاءاً لأوليائك وشقاءاً على أعدائك وعمى على أهل معصيتك ونوراً لأهل طاعتك اللهم فاجعله لنا حصنا من عذابك وحرزاً من غضبك وحاجزاً عن معصيتك وعصمتاً من سخطك ودليلاً على على طاعتك نوراً يوم نلقاك، نستضيء به في خلقك ونجوز به على سراطك ونهتدي به إلى جنتك.

اللهم إنا نعوذ بك من الشقوة في حمله والعمى عن عمله والحور عن حكمه والعلو عن قصده والتقصير دون حقه.

اللهم احمل عنا ثقله، وأوجب لنا أجره، وأوزعنا شكره، واجعلنا نراعيه ونحفظه، اللهم اجعلنا اجعلنا نتبع حلاله ونجتنب حرامه ونقيم حدوده ونؤدي فرائضه. اللهم ارزفنا حلاوة في تلاوته ونشاطاً في قيامه ووجلاً في ترتيله وقوة في استعماله في آناء الليل وأطراف النهار، اللهم واشفنا من النوم باليسير، وأيقضنا في ساعة الليل من رقاد الراقدين، ونبهنا عند الاحايين التي يستجاب فيها الدعاء من سنة الوسنانين، اللهم اجعل لقلوبنا ذكاء عند عجائبه التي لا تنقضي ولذاذةً عند ترديده وعبرةً عند ترجيعه ونفعاً بيناً عند استفهامه.

اللهم إنا نعوذ بك من تخلفه في قلوبنا وتوسده عند رقادنا ونبذه وراء ظهورنا، ونعوذ بك من قساوة قلوبنا لما به وعظتنا.

اللهم انفعنا فيما صرفت فيه من الآيات، وذكرنا بما ضربت فيه من المثلات، وكفر عنا بتأويله السيئات، وضاعف لنا به جزاءاً في الحسنات، وارفعنا به ثواباً في الدرجات، ولقنِّا به البشرى بعد الممات، اللهم اجعلنا لنا زادا تقوينا به في الموقف بين يديك وطريقاً واضحاً نسلك به إليك وعلماً نافعاً نشكر به نعمائك وتخشعاً صادقاً نسبح به أسمائك ، فإنك اتخذت به علينا حجة قطعت به عذرنا، واصطنعت به عندنا نعمة قصر عنها شكرنا.

اللهم اجعله لنا ولياً يثبتنا من الزلل ودليلاً يهدينا إلى صالح العمل وعوناً هادياً يقومنا من الميل وعونا يقوينا من الملل، حتى يبلغ فينا أفضل الأمل.

اللهم اجعله لنا شافعاً يوم اللقاء وسلاحاً يوم الارتقاء وحجيجاً يوم القضاء ونوراً يوم الظلماء يوم لا أرض ولا سماء، يوم يجزى كل ساعٍ بما سعى، اللهم اجعله لنا رياً يوم الظما وفوزاً يوم الجزاء من نار حامية قليلة البُقْيا على من بها اصطلى، وبحرها تلظى، اللهم اجعله لنا برهاناً على رؤوس الملاء يوم يجمع فيه اهل الأرض وأهل السماء، اللهم ارزقنا منازل الشهداء وعيش السعداء ومرافقة الأنبياء.

إنك سميع الدعاء."

(1) الكافي - محمد بن يعقوب الكليني - ج 2 - ص 573، رواية 1 (أخذ من برنامج المعجم لألفاظ الكتب الأربعة - مركز البحوث الكمبيوترية للعلوم الإسلامية)
دعاء لحفظ القرآن1

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) : "أعلمك دعاء لا تنسى القرآن: ’اللهم ارحمني بترك معاصيك أبداً ما أبقيتني، وارحمني من تكلف ما لا يعنني، وارزقني حسن المنظر فيما يرضيك عني، وألزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني، وارزقني أن أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني.
اللهم نور بكتابك بصري، واشرح به صدري، وفرح به فلبي، وأطلق به لساني، واستعمل به بدني، وقوني على ذلك، وأعني عليه إنه لا معين عليه إلا أنت، لا إله إلا أنت‘"

(1) الكافي - محمد بن يعقوب الكليني - ج 2 - ص 577، رواية 2 (أخذ من برنامج المعجم لألفاظ الكتب الأربعة - مركز البحوث الكمبيوترية للعلوم الإسلامية)

ورد المنى
01-03-2003, 03:15 PM
الرجل الذي قتل 99 نفسا

عنْ أبي سعِيدٍ سَعْد بْنِ مالك بْنِ سِنانٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَن نَبِيَّ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال : « كان فِيمنْ كَانَ قَبْلكُمْ رَجُلٌ قتل تِسْعةً وتِسْعين نفْساً ، فسأَل عن أَعلَم أَهْلِ الأَرْضِ فدُلَّ على راهِبٍ ، فَأَتَاهُ فقال : إِنَّهُ قَتَل تِسعةً وتسعِينَ

نَفْساً ، فَهلْ لَهُ مِنْ توْبَةٍ ؟ فقال : لا فقتلَهُ فكمَّلَ بِهِ مِائةً ثمَّ سألَ عن أعلم أهلِ الأرضِ ، فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ فقال: إنهَ قَتل مائةَ نفسٍ فهلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ ؟ فقالَ: نَعَمْ ومنْ يحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ التوْبة ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كذا وكذا ، فإِنَّ بها أُنَاساً يعْبُدُونَ الله تعالى فاعْبُدِ الله مَعْهُمْ ، ولا تَرْجعْ إِلى أَرْضِكَ فإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ ، فانطَلَق حتَّى إِذا نَصَف الطَّريقُ أَتَاهُ الْموْتُ فاختَصمتْ فيهِ مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ وملائكةُ الْعَذابِ . فقالتْ ملائكةُ الرَّحْمَةَ : جاءَ تائِباً مُقْبلا بِقلْبِهِ إِلى اللَّهِ تعالى ، وقالَتْ ملائكَةُ الْعذابِ : إِنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خيْراً قطُّ ، فأَتَاهُمْ مَلكٌ في صُورَةِ آدمي فجعلوهُ بيْنهُمْ أَي حكماً فقال قيسوا ما بَيْن الأَرْضَين فإِلَى أَيَّتهما كَان أَدْنى فهْو لَهُ، فقاسُوا فوَجَدُوه أَدْنى إِلَى الأَرْضِ التي أَرَادَ فَقبَضْتهُ مَلائكَةُ الرَّحمةِ » متفقٌ عليه. وفي روايةٍ في الصحيح : « فكَان إِلَى الْقرْيَةِ الصَّالحَةِ أَقْربَ بِشِبْرٍ ، فجُعِل مِنْ أَهْلِها » وفي رِواية في الصحيح : « فأَوْحَى اللَّهُ تعالَى إِلَى هَذِهِ أَن تَبَاعَدِى، وإِلى هَذِهِ أَن تَقرَّبِي وقَال : قِيسُوا مَا بيْنهمَا ، فَوَجدُوه إِلَى هَذِهِ أَقَرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفَرَ لَهُ » . وفي روايةٍ : « فنأَى بِصَدْرِهِ نَحْوهَا » .

ورد المنى
01-03-2003, 03:21 PM
من قصص القرآن الكريم..

(نبأ ابني آدم)

وراح الشيطان يبذر بذور الحقد والحسد في نفس (قابيل) ... فكما اتعس (آدم) وأشقاه بالخروج من الجنة، واغواه بعصيان امر الله من قبل، كذلك يفعل اليوم، لانه لا يريد لـ(آدم) وذريته ان ينعموا بالرضى والرضوان.

وهل ينسى (إبليس) ـ الشيطان ـ عداوته الازليه لـ(آدم) !!! يوم أمره الله بالسجود، فأبى واستكبر وتوعد وانذر، فلما سنحت له فرصة الانتقام لم يتأخر.. ثم وسوس لـ (آدم) فأغواه، وأوقعه في جب العصيان، وكان الطرد من جنة الرحمن...!!!

وها هو ذا اليوم يتحفز من جديد، كي لا يترك (ابن آدم) ينعم بالطاعة والاستقامة.

وبدت الغضاء على لسان (قابيل) وتصرفاته، واخذ يمعن في العداوة لأخيه وأراد (آدم) ـ عليه السلام ـ ان يقطع دابر الفتنة بين ولديه، ويحكم الله تعالى في شأنهما، فطلب اليهما ان يقرب كل منهما قربانا الى الخالق سبحانه، فمن قبل قربانه فاز بمطلوبه وتحققت رغبته.

وكان (قابيل) ـ كما سبق وعرفنا ـ مزارعا، فجمع بعض النباتات ووضعها على باب مأواه.. ، أما (هابيل) فقد ذبح واحدة من مواشيه، وجعل لحمها عرضة للكواسر من الطير، والسباع من الحيوان.

ومع اطلالة الصباح، وبزوغ الشمس، كان قربان (هابيل) قد وقع موقع الرضى والقبول، ونفد.. فلم يبق منه شئ، اما حشائش (قابيل) ونباتاته فقد ذبلت وذوت، وردت عليه فلم تقبل منه.

(انما يتقبل الله من المتقين)

صمم (ابليس) على متابعة الشوط.. ، شوط النزاع والخصام بين الاخوين، ليرسخ العداوة والبغضاء بين (بني آدم).

وان له لاساليب ووسائل..

فأجج نار الحقد في قلب (قابيل) فأطلق (قابيل) تهديداته لأخيه (هابيل) فكان الشيطان هو الذي كان يتكلم.

قال (قابيل) لأقتلك..، واقضي عليك..، فأنت الذي تنغص علي هنائي، وتنكد علي عيشي..، ولسوف اعيش العمر تعيسا طالما اراك تتمتع بتوأمي.

لقد قبل قربانك ورفض قرباني
فقال (هابيل) برفق، وهدوء، ويقين : (انما يتقبل الله من المتقين) فاشتدت ثورة (قابيل) وهياجه، واحمرت عيناه من الغضب والغيظ وقال : لأفعلن فرد (هابيل) : لئن بسطت الى يدك لتقلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك انى اخاف الله رب العالمين.

واضاف:

انى اريد ان تبؤ باثمي واثمك فتكون من اصحاب النار وذلك جزاء الظالمين.

لكن الشيطان كان قد عشش في نفس (قابيل) واستحكم منها، وقعد مقعده، فأصم اذنيه عن السمع، وغشى عينيه عن الرؤية.

ثم حركه في جوارحه واطرافه، فقام الى اخيه في ساعة خلوة،، فأطبق عليه غدرا، ولم يفلته من بين يديه الا جثة هامدة، قد غاصت في دمائها ووقف غير بعيد ينظر الى ما قدمت يداه وفعلت.. فاضطربت نفسه، وهاج فؤاده، واحس بوطأة الجناية على ذاته ووجدانه.

وشعر بفقدان الاخ والعضد : فأصبح من الخاسرين.

وبدأت نفسه اللوامة تعمل عملها، ووقع في شباك الاسى والحزن.. والحيرة والتردد، وفقد كل ذرة من اتزان التفكير.

ثم قعد (قابيل) على صخرة وقد اثقلته الهموم، ولم تقدر قدماه على حمله وعلي قيد خطوات منه حط غراب..

فراح ينكش الارض بمنقاره ومخالبه، حتى حفر حفرة اودعها بعض ما كان يحمل، ثم اهال التراب ثانية في الحفرة، وطار في الجو محلقا.

وكان هذا الغراب بعثا من عند الله تعالى، ارسله ليعلم (قابيل) كيف يواري جثة اخيه القتيل (هابيل) صورا شتى..، كلها مبعثها الكراهيه، فأضمر الشر ونوى الغدر.

طير يعلم الانسان !!!؟؟

تلك ولا شك حكمة بالغة، لها اكثر من مدلول ومفهوم، ويكفي فيها ان الله تعالى بيده وحده امور الخلق، بشرا كانوا أم حيوانا.. أم طيرا أم جمادا... أم نباتا..

لقد شدت عيون (قابيل) الى الغراب وعمله، وكذلك شد تفكيره واهتمامه فلما رأى، قال متحسرا نادما:

يا ويلتي اعجزت ان أكون مثل هذا الغراب فأوراي سوءة، اخي فأصبح من النادمين.

ثم قام الى عمله، الى دفن الجثة الممددة.. يجر ساقية، تأكل قلبه الحسرة، ويذرف دموع الندم.

ولكن انى له ان يتطهر او يستغفره فقد نهر الدم الانساني الاول على مذبح الشهوة والهوى، وعصى ربه واطاع الشيطان فغوى ..!!

الطوفان
03-03-2003, 08:50 AM
بارك الله فيكِ أختي الكريمة ورد المنى على هذه المحاضرات والمنوعات الإسلامية الرائعة التي قمتِ بجمعها لنا

وأتمنى أن يستفيد الجميع من هذه المكتبة العامرة التي تنشأينها لنا ...

جزاكِ الله خيرا وعوض لكِ أجرا

واستمري على بركة الله

ورد المنى
03-03-2003, 05:37 PM
وبارك فيكم جميعا

ورد المنى
04-03-2003, 08:21 AM
file://D:/الموسوعة المنوعة/أناشيد/أمي فلسطين.rm

ورد المنى
04-03-2003, 08:25 AM
file://D:/الموسوعة المنوعة/أناشيد/يا أمة الحق.rm

ورد المنى
04-03-2003, 08:30 AM
file://D:/الموسوعة المنوعة/أناشيد/الحجاب.rm

ورد المنى
04-03-2003, 08:35 AM
file://D:/الموسوعة المنوعة/أناشيد/بقرآني وإيماني.ram

ورد المنى
04-03-2003, 08:46 AM
انا عجزنا أن ننصرهم بالجهاد فلماذا لا ننصرهم بالدعاء

ورد المنى
04-03-2003, 08:54 AM
أسامة بن لادن
(ان تنصروا الله ينصركم)

نجم الساحة
05-03-2003, 05:54 PM
بارك الله فيك أختي ورد المنى ، وآجرك على صنيعك الطيب .

ورد المنى
05-03-2003, 06:36 PM
جميعا ان شاء الله

ورد المنى
05-03-2003, 06:37 PM
file://D:/الموسوعة المنوعة/أناشيد/العيد.rm

ورد المنى
06-03-2003, 09:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



الإخلاص


المـقـدمـة

الحمد لله الذي نوّر بصائر عباده العارفين، وطهّر سرائر أوليائه المخلصين، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة من سأل الإخلاص في القول والعمل، وطلب الخلاص في الدنيا وفي الآخرة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى خلقه بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، صلى الله وسلم تسليماً عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد؛؛؛



فيا أصحاب الفضيلة مشائخ المعهد(1) الكرام[1]، أيها الأبناء الطلبة الأعزاء، أيها الإخوان الحضور جميعاً، إنها لفرصة سعيدة أن نلتقي في هذا المركز الإشعاعي، ولكن المحنة بقدر المنحة، ذلك لأنّ حديث الليلة عسير عليّ، فقد كنت أتمنى أن أسمعه من غيري، وأن أستفيد ما يستفيده الحريصون على تتبع هذا الأمر، واستقصاء هذا الموضوع، وإنني -وجلال الله سبحانه- لأجدني أقلّكم أهليّة في الحديث عن هذا الموضوع، الذي هو في حقيقته جوهر الإسلام، وسّر رسالات الله تبارك وتعالى التي بعث بها المرسلين، فماذا عسى أن أقول؟ وإن الواجب على من يتكلم في هذا الموضوع أن يكون قلبه يفيض إخلاصاً، وأن تكون مشاعره كلها تتدفق بدافعٍ من ركيزة الإخلاص في نفسه، فأسأل الله سبحانه وتعالى العون والتوفيق.

لا ريب أن الإخلاص هو روح العبادات والعمل، ولئن كانت الجثث بدون أرواحها تكون هامدة متعفنة فاسدة، فإن العمل إن تجرد من الإخلاص كان نتناً قذراً بل كان أشد نتناً وأقبح مظهراً من الجثة التي تفقد الروح، ذلك لأن قيمة العمل إخلاصه.


تعريف الإخلاص
والإخلاص في اللغة هو مصدر: أخلص؛ يخلص: بمعنى جعل الشيء خالصاً، وحقيقته الشرعية ليست بعيدة من حقيقته اللغوية، ومن أجل ذلك عرّفه من العلماء من عرّفه؛ بأنه (تصفية الأعمال من شوائب قُصِد بها غير وجه الله سبحانه وتعالى) أي من أن يقصد الإنسان بعمل من أعماله أي غرض من الأغراض الدنيوية.




الإخلاص عند الصوفية
بل جاوز ذلك بعض الصوفية(1)؛ إلى جعل إخلاص العمل ألاّ يبتغي به صاحبه أجراً حتى في الآخرة؛ كما روي عن رُوَيم(2) -وهو أحد الصوفية- أنه قال: (الإخلاص ألا تبتغي بالعمل نفعاً في الدارين، ولا حظاً عند الـمَلَكين).

ونحن لا نستطيع أن نتجاسر على مثل هذا القول، كيف؟ ونحن نرى الحض في كتاب الله سبحانه وتعالى على ابتغاء الدار الآخرة، فإن الله سبحانه وتعالى وعد خير خلقه أجمعين، وبشّره بحسن المآل في الدار الآخرة، حيث قال له: )وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى((الضحى4) ووصف من خلقه بأنهم يدعونه رغباً ورهباً، وهذا بطبيعة الحال يعني أن يتعلق العبد بالله تعالى خوفاً من عقابه، وطمعاً في ثوابه، وهذا لا ينافي أن يكون الإنسان معظماً لجلال الله تعالى بعبادته، ومستشعراً عظم نعمة الله تبارك وتعالى عليه، وأنه يريد بهذه العبادة شكر ما أنعم الله تعالى به، ولكن حظوظ الآخرة هي نعمة معروضة من قبل الله تبارك وتعالى على عباده المخلصين، فجدير إذاً بالإنسان أن يرغب فيما عند الله )وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى(. (القصص 60) على أن خير حظ يناله الإنسان في الآخرة هو رضوان الله عزّ وجل، كما يقول الله سبحانه وتعالى: )وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أكبَر(.(التوبة 72)

وقال الجُنّيد(1): (الإخلاص سر بين العبد وربه، لا يطّلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا يناله هوى فيميله) ولعلّ هذا مأخوذ من بعض ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رأيت القرطبي ذكر رواية عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم -ذكرها أبو القاسم القشيري؛ ولم يذكر القرطبي لها سنداً- وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((سألت جبريل عن الإخلاص)) فقال: ((سألت رب العزة والجلال عن الإخلاص)) فقال: ((هو سر من سري، أختص به من أحببت من عبادي)).

ولعل المحقق الخليلي(2) يشير إلى ذلك عندما قال:

وبيني عن الأملاك والرسل كُتّما

بخلوةِ لي عبدٌ وسرّيَ بينه


ومعنى ذلك؛ أن الإخلاص صلة ما بين العبد وربه، هذه الصلة لا يطّلع عليها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وإنما هي صلة بين العبد وربه، والله تبارك وتعالى يختصّ من يشاء بما يشاء.


الإخلاص روح الدين
وقد جاء في كتاب الله تبارك وتعالى ما يدل على أن الإخلاص هو روح هذا الدين، ذلك لأن كتاب الله عزّ وجلّ جاء داعياً إلى ملة الإسلام، وهي استسلام العبد لله تبارك وتعالى، بأن يسلم العبد لربه عز وجل قلبه وعقله وجسمه وروحه وضميره وغرائزه، وقد عبّر الحق عز وجل عن ذلك بقوله: )وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ((البينة59) وإن كان الضمير عائداً إلى أهل الكتاب؛ إلا في أنه حقيقته يشمل جميع الناس، إذ هذا أمر رباني لا يختص به أحد دون أحد.

والله سبحانه يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: )قل إني أُمِرتُ أن أعبدَ اللهَ مُخِلصاً لَهُ الدِّينَ( (الزمر 11) ويقول الله تعالى: )قلِ اللهَ أعبدُ مُخلصاً له دِينِي( (الزمر 14) فإذاً الأمر بالإخلاص وجّه إلى خير خلق الله؛ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو أرقى الناس ذروة في الخير، ولا يطاوله أحد من عباد الله تعالى.



الإخلاص في العمل والعبادة
فالإخلاص في العمل إنما هو حقيقة الإسلام وجوهره وسره، وذلك بألاّ يتعلّق العبد -عندما يعمل أي عمل- بأي غرض من أغراض الدنيا، وإنما يريد بعمله ذلك وجه الله تبارك وتعالى، ولا يعمل -أي عمل- مراعياً فيه أي أحد من خلق الله مهما علا شأنه، وعظم قدره، ذلك لأن الناس جميعاً لا يملكون نفع أحد ولا ضره، ولا يملكون لأي أحد شروى نقير(1) في هذا الوجود ، وإنما الملك لله سبحانه يصرّف هذا الكون بما يشاء، فالعبد هو عبد الله، ويجب عليه أن يخلص هذه العبودية له سبحانه، والعبادة(2) إنما هي ضريبة العبودية، فيجب أن تكون هذه الضريبة لله الخالق وحده؛ لا إله إلا هو.

ورد المنى
06-03-2003, 09:58 AM
وقد روي عن أبي العالية –أحد مفسري السلف من التابعين- أنه فسّر قول الله سبحانه وتعالى: )شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ وَلاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ( (الشورى 13) بالإخلاص، وهذا ليس ببعيد؛ فإن الله تبارك وتعالى شرع للناس جميعاً ديناً واحداً، هذا الدين الواحد هو الاستسلام التام لأمر الله، والانقياد لحكمه، والإذعان لطاعته.

وقد سبق أن ذكرتُ؛ بأن الاستسلام إنما هو استسلام الروح والجسم والعقل والقلب والفكر والوجدان والضمير والغرائز بحيث تكون لله تبارك وتعالى، وهذه هي حقيقة الإسلام، ذلك لأن الله عزّ وجل يقول: )قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَمَاً مِلَةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ` قُل إِنَّ صَلَاتي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ِللهِ رَبِ الْعَالَمِينَ` لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأنَا أوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(`(الأنعام 161-163) فالإسلام –إذاً- هو أن تكون الصلاة لله تبارك وتعالى، وأن يكون النسك –الذي هو الذبح؛ وفيه منفعة للعباد- لله عزّ وجل، وأن تكون الحياة له تعالى، وأن يكون الممات له سبحانه، وهذا هو الإخلاص.

إن جميع الرسالات التي جاءت من عند الله تبارك وتعالى لتحقيق منهج الله في الأرض، ولوصل العباد بالله عزّ وجل من خلال أوامره وفرائضه، هذه الرسالات جميعاً التقت على إخلاص العبادة لله، فالله تبارك وتعالى يقول: )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِ أُمَةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ( (النحل 36) ويقول: )وَمَا أرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ( (الأنبياء 25) فالعبادة الخالصة لله تبارك وتعالى تعني أن يكون العبد مخلصاً لله سبحانه وتعالى سرّه وجهره، لا يبتغي بأي عمل من الأعمال إلا وجه الله تبارك وتعالى.

وإذا كان العبد يقف في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل بين يدي الله تبارك وتعالى، يكرر -في كل مرة يقفها- عدة مرات قوله تعالى: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ((الفاتحة 5) فإن عليه أن يكون صادقاً في قوله، فإنه يخاطب من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؛ الذي يعلم السرائر كالعلانية؛ ويعلم ما يختلج بين حنايا ضميره، ويحيط بكل ما يكتنفه سره، وعليه أن يدرك بأن هذا الخطاب إنما هو موجه لله، فإن كان -في أي عمل من الأعمال التي يعملها- يبتغي غير وجه الله تبارك وتعالى فإن ذلك ينافي هذا القول، إذ هو يقول: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ( وهذا حصر؛ حصر العبادة في ذات الحق عزّ وجل، إذ تقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، فمعنى ذلك؛ لا نعبد إلا إياك، ولئن كان يبتغي بهذه العبادة غير وجه الله سبحانه وتعالى؛ فماذا عسى أن يكون أمره؟.



هـل الريـاء شـرك؟
إن الله عز وجل بيّن في محكم كتابه العزيز أن عدم إخلاص العبادة لله -أي الرياء- هو ضرب من الإشراك، فالله تعالى يقول: )فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً(. (الكهف 110)

المفسرون الذين يعتنون بالروايات؛ ويربطون في تفسيرهم بين الآيات وأسباب نزولها، ذكروا أسباباً متعددة لنزول هذه الآية الكريمة، فمنهم من ذكر: بأنها نزلت في الرجل الذي يعمل العمل لوجه الله تبارك وتعالى، فإذا اطّلع عليه الناس سره ذلك، ومنهم من يقول: بأنها نزلت في الذي يجاهد في سبيل الله، ولكن إذا سمع ثناء الناس عليه وشكرهم له على الجهاد انشرح صدره لذلك، ومنهم من قال: بأنها نزلت فيمن يبر والديه ويصل أرحامه وهو يقصد بذلك وجه الله؛ ولكن عندما يثنى عليه بسبب ذلك يعجبه هذا الثناء.

والآية -في الحقيقة- هي أعم من هذه الأسباب بأسرها، وإنما من شأن المفسرين -كما هو معروف في مصطلح المتقدمين منهم- أن يقولوا بأن الآية نزلت في كذا؛ إن كان حكمها يشمل ذلك الأمر، وقد نبه على هذا بعض حذاق المفسرين من المتقدمين أنفسهم.

فالآية الكريمة تدل على أن عبادة الله تبارك وتعالى يجب أن تكون خالصة لا تشوبها شائبة من رياء أو ابتغاء غرض من أغراض هذه الحياة الدنيا.

ومفهوم العبادة -كما تعلمون- هو مفهوم عام، لأن العبادة -كما قلت- هي ضريبة العبودية، فهي -إذاً- الطاعة المطلقة لله عز وجل، فكل أمرٍ أًمَرَ الله سبحانه وتعالى به يجب أن يمتثل طاعة له، وكل أمر حذّر الله سبحانه وتعالى منه يجب أن يجتنب ابتغاء مرضاة الله عز وجل أيضاً، وهذا هو معنى إخلاص الدين؛ فالدين الطاعة، والطاعة تكون في الأوامر والنواهي )وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ( (البينة 5) أي مخلصين له الطاعة، فالأوامر والنواهي كلها تدخل في الدين، لأنها تدخل في باب طاعة الله تبارك وتعالى.

فالمقصود بقوله سبحانه وتعالى: )فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً( (الكهف 110) ألا يقصد بأي عمل من الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل؛ سواء كان هذا العمل فيما بينه وبين ربه؛ كالصلوات والصيام والحج، أو كانت فيه منفعة للعباد؛ كالزكوات والصدقات وعون الضعيف وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وبر الوالدين وصلة الرحم، وكذلك اجتناب المنهيات، أن لا يقصد ذلك كله إلا لأجل وجه الله عز وجل )فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً( (الكهف 110).

وهناك رواية أخرجها الترمذي الحكيم في "نوادر الأصول" من طريق أوس بن شدّاد -فيما أحسب- (أنه كان يبكي؛ فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكاني أمر رأيته على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله؛ ما هذا الذي على وجهك؟ قال: ((أمر أتخوفه على أمتي من بعدي)) فقلت له: يا رسول الله؛ وما هو؟ فقال: ((الشرك والشهوة الخفية)) فقلت له: يا رسول الله؛ أو تشرك أمتك؟ فقال: ((نعم؛ أما إني لا أقول لك بأنهم يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكنهم يراؤون في أعمالهم)) فقلت: يا رسول الله؛ هل الرياء شرك؟ فقال: ((نعم)) فقلت له: يا رسول الله؛ وما الشهوة الخفية؟ فقال: ((يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهوات الدنيا فيدع صيامه))(1).

يقول عبد الواحد بن زيد(2) -وهو أحد الرواة في سند هذا الحديث-: (بأنه رأى الحسن البصري(3) فسأله: هل الرياء شرك؟ فقال له: نعم؛ أما تقرأ قول الله تعالى: )فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً (.(الكهف110)



الرياء هو الشرك الخفي
وقد جاء في العديد من الروايات تسمية الرياء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند السلف الصالح بـ"الشرك الخفي" وسماه بعضهم "الشرك الأصغر" وهو معنى قول العلامة أبي مسلم(1) عندما يقول:

ففـي كل نفسٍ غفلةٌ وفتورُ

ففوقَكَ بالشركِ الخـفي خبيرُ


وراقب وصايـا اللِه سراً وجـهرةً

وجرِّد على الإخلاص جِدّكَ في التُقى


يعني؛ أن اجتهادك في تقوى الله تبارك وتعالى –وكما تعلمون أن تقوى الله تشمل فعل أمره واجتناب نهيه- جرّده على الإخلاص، بحيث تجعل هذا الاجتهاد خالصاً لوجه الله تعالى الكريم، ذلك لأن أعلاك من هو خبير بالشرك الخفي، وخبير بما في حنايا نفسك وما ينطوي عليه ضميرك ويكتنفه سرّك، فأنت إن أردت بأي عمل من الأعمال غير وجهه الكريم، فسبحانه وتعالى به خبير.

وقد جاء في حديث أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تبارك وتعالى: ((أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً لي أشرك فيه غيري تركته وشركه)) ومعنى ذلك؛ أن العمل الذي عمله العبد لوجه الله تعالى، كصلاة أو صوم أو حج أو صيام أو زكاة أو جهاد أو بر الوالدين أو صلة الرحم أو عون الضعيف أو إغاثة الملهوف أو الإنفاق في سبيل الله أو تعلم العلم أو تعليمه أو أي شيء من هذا القبيل، وأشرك فيه غير الله تبارك وتعالى، فإن ذلك العمل –والعياذ بالله- لا يتقبل عند الله، ذلك لأن الله تبارك وتعالى عزيز؛ والعزيز من شأنه ألا يريد مساهمة غيره، والله تبارك وتعالى غنيّ، ومن شأن الغني أن يستغني عن مشاركة غيره.

وقد جاء أيضاً في حديث أخرجه الدارقطني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تبارك وتعالى: ((أنا خير شريك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو لغيري، يا أيها الناس أخلصوا لله تعالى أعمالكم، ولا تقولوا هذا لله والرحم، فإنها للرحم وليس لله فيها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى فيها شيء)).

وجاء أيضاً في حديث أخرجه ابن ماجة عن أبي سعيد بن أبي فضالة -وهو من الصحابة- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة يقوم الناس لله رب العالمين، نادى منادٍ: من عمل عملاً لله تعالى أشرك فيه غير الله فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله لا يقبل إلا ما كان خالصاً له)).

وجاء أيضاً في رواية أخرى أخرجها الدارقطني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر: ((بأنه يؤتى يوم القيامة بالصحف المختمة فتنصب بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيقول الله تعالى لملائكته وهو أعلم: يقبل هذا ويردّ هذا. فيقولون له: يا ربنا لم نر إلا خيراً، فيقول الله عز وجل: هذا ابتغي به غير وجهي، وما ابتغي به غير وجهي فلا أقبله)).

ورد المنى
06-03-2003, 10:01 AM
حكم المرائي
هذه الأحاديث كلها تدل على أن ابتغاء غير وجه الله تبارك وتعالى؛ بأي عمل من الأعمال؛ إنما هو ضرب من ضروب الشرك الجزئي(1) أو كما يسمى الشرك الخفي أو الشرك الأصغر ، ولكنه لا يصل بصاحبه إلى أن يُخرج من ملة الإسلام ، بحيث لا تحل مناكحته ولا مته .. إلى غير ذلك من أحكام ، وإنما ذلك أمر فيما بينه وبين ربه ، فالله تبارك وتعالى لا يقبل أعماله ، لأنه ابتغى بأعماله غير وجه الله عزّ وجلّ.


التحذير من الرياء
قد جاء في كتاب الله تبارك وتعالى التحذير الشديد من الرياء فالله عزّ وجلّ يقول: )أَرَءيتَ الَّذِي يُكَذِبُ بِالدِّينِ` فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ` ولا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ` فَوَيْلٌ للمُصَلِّينَ` الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ` الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ( (الماعون 1-7) فترون أن الله عزّ وجلّ توعّد المرائين هنا بالويل، والويل هو العذاب الشديد.



الرياء يحبط الأعمال
والله سبحانه وتعالى بيّن أنّ الرياء يُحبط الأعمال وينسفها نسفاً ، بحيث لا تكون لها قيمة عند الله عزّ وجلّ يوم القيامة ، يقول الله عزّ وجلّ: )يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُواْ لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرابٌ فَأصَابَهُ وَابِلٌ فَترَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُوَن عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الْكَافِرِينَ( (البقرة 264) إن الله تبارك وتعالى بيّن بأن هؤلاء لا يكون لهم ربح مما عملوا، ذلك لأنهم ابتغوا بهذا العمل غير وجه الله، فيكون مثلهم )كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً( كمثل الصخرة التي عليها طبقة خفيفة من تراب، لا تكاد هذه الطبقة تُنبت شيئاً، ثم يأتي المطر ويقضي على وجودها، فإذا بهذا المنظر الكالح البغيض القبيح من هذه الصخرة باد، ثم يبيّن بعد ذلك أنهم لا يقدرون على شيء مما كسبوا، هؤلاء المراؤون لا ينتفعون بشيء مما كسبوا، إذ المنتفعون بأعمالهم إنما هم الذين يقصدون بهذه الأعمال وجه الله.



الصورة الصحيحة للإنفاق
وقد الله سبحانه وتعالى بيّن الصورة الصحيحة للإنفاق؛ التي يكون فيها المنفق مخلصاً لله تبارك وتعالى؛ لا يبتغي على إنفاقه جزاءً في الدنيا، ولا شكراً من العباد، فقال عزّ وجلّ: )وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَةٍ بِرَبْوَةٍ أصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَينِ فَإِن لَّم يُصِبْها وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ( (البقرة 265) هذه الصورة تقابل تلك الصورة، مثل إنفاق هؤلاء في سبيل الله )كمثل جنة بربوة( جنة مرتفعة على ربوة، والجنة عندما تكون على ربوة مرتفعة يكون لها منظر رائق بهيج، هذه الجنة أصابها وابل أي أصابها غيث من عند الله )فآتت أكلها ضعفين( تضاعف ما تُؤتيه من الثمار )وإن لم يصبها وابل فطلّ( من حيث إن الأرض مخصبة طيبّة قابلة للإنبات يكفيها الطلّ عن الوابل، فتؤتي أكلها ضعفين بمشيئة الله سبحانه وتعالى، هذا هو الإنفاق في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، مع خلوص النية لوجه عزّ وجلّ.


التحذير من الرياء في السنة
وهناك الكثير من الأحاديث الصحيحة والحسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفيد التحذير من الرياء، فقد جاء في رواية عند الشيخين عن أسامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه، ويدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع عليه أهل النار ويقولون له: ما بالك يا فلان؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه)).

إن الذي يدعو الناس إلى الله عزّ وجلّ من غير أن يكون مخلصاً في عمله ومحاسباً لنفسه، حاملاً لها على ذلك العمل الصالح الذي يدعو إليه، وعلى اجتناب العمل الطالح الذي يحذّر منه، من كان هذا شأنه فإنه يوم القيامة -والعياذ بالله- يكون دركه في النار أنزل من أولئك الذين كان يأمرهم، وإن كانوا عصوا أمره، ويحذرهم وإن كانوا –أيضاً- عصوا تحذيره، لأنه عرف فأدرك وقامت به الحجة على غيره، ولأن تقوم الحجة عليه من خلال أمره إياهم ونهيه إياهم أولى، فلذلك كان أشدّ عذاباً منهم والعياذ بالله.

وجاء في حديث أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يكون في آخر الزمان أناس ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم كقلوب الذئاب، يلبسون جلود الضأن من اللين، يقول الله تبارك وتعالى: أبي يغتّرون أم إياي يخادعون، فوعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران)).

وقد جاء أيضاً في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أول من يحاسب يوم القيامة، فذكر ثلاثة: ذكر رجلاً علّمه الله تعالى القرآن، فتعلّمه وعلّمه، فيؤتى به يوم القيامة فيذكّره الله تعالى نِعَمَهُ، ويعرّفه بها نِعمةً نعمة، فيعرفها فيقول له: فماذا عملت؟ فيقول له: يا رب قرأت كتابك؛ فقمت به آناء الليل وآناء النهار. فيقول له الله سبحانه وتعالى: كذبت؛ وإنما فعلت ما فعلت ليُقال إنك قارئ. فيؤمر به فيُسحب على وجهه إلى النار يوم القيامة؛ والعياذ بالله، ورجل استشهد في سبيل الله فيُؤتى به فيعرّفه الله نِعَمَهُ؛ نِعمةً نِعمة، ثم يقول له: ماذا عملت؟ فيقول له: قاتلتُ في سبيلك حتى استشهدت، فيقول له: كذبت؛ وإنما قاتلتَ ليُقال إنك جرئ وقد قيل ذلك. فيؤمر به فيُسحب على وجهه إلى النار؛ والعياذ بالله، ويؤتى برجل آتاه الله تبارك وتعالى من صنوف المال، فيعرّفه الله تعالى نِعَمَهُ؛ نعمة نعمة، ثم يقول له: ماذا عملت؟ فيقول له: ما تركت سبيلاً تُحب أن ينفق فيها إلا أنفقتُ فيها، فيقول له: كذبت، وإنما فعلتَ ما فعلتَ ليُقال إنك جواد وقد قيل ذلك. فيؤمر به فيُسحب على وجهه إلى النار؛ والعياذ بالله)).

وقد جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة: ((يا أبا هريرة إن أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة)) هذا كله يدعو الإنسان إلى الاستبصار والاعتبار، وأن يحرص على مجاهدة نفسه، وحملها على الإخلاص لله تبارك وتعالى.



الإخلاص في العلم
كما يُطلب من الإنسان أن يكون مخلصاً في عمله، يُطلب منه أيضاً أن يكون مخلصاً في علمه، ومخلصاً في تعليمه هذا العلم، ذلك لأن العلم أمانة الله تبارك وتعالى، وهذه الأمانة تستوجب الإخلاص، وقد رأيتم ما يدل عليه حديث أبي هريرة من أن صاحب القرآن -والعياذ بالله- إن ابتغ به غير وجه الله، ولو قام به آناء الليل وآناء النهار، إنما هو من أوائل الذين تُسعّر بهم النار يوم القيامة، فعلى الإنسان أن يطلب العلم لوجه الله تعالى، وأن يحرص على ألاّ يُريد بهذا العلم الذي يطلبه مناصب دنيوية، ولا منافع عند الناس، ولا سمعة وشهرة بينهم، وإنما يحرص كل الحرص على أن يتعلم العلم لوجه الله تعالى، بحيث يكون تعلّمه لأجل أن يعبد الله عزّ وجل على بصيرة، وأن يفيد الناس ممّا يتعلمه، وأن يدعو إلى الله عزّ وجل على بصيرة، لأن العبادة أمانة في الأعناق، وَلَئِنْ كان الإنسان عندما يعمل عملاً دنيوياً -أي عمل كان- يتعلم كيفية أدائه أولاً ليُحسن هذا العمل، فكيف بالعمل أخروياً؟ كيف إذا كان الأمر عبادة الله التي نيطت بها رسالات السماء؟ فجميع الرسالات توافدت على هذا المحيط الأرضي لأجل تطويع الناس لله بحيث يُخلصون له عبادتهم.

جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تعلّم العلم ليُباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لَقِيَ الله وهو خائب من الحسنات)) وجاء هذا الحديث في رواية الترمذي من طريق كعب بن مالك ومن طريق أبي هريرة ومن طريق ابن عمر رضي الله عنهم بألفاظ مختلفة، وهي تتفق في المعنى مع رواية أنس عند الربيع.

كل هذه الروايات تفيد على أن طلب العلم عبادة، فيجب على طالب العلم أن يُخلص هذه العبادة لله، وإلا دخل في الشرك الخفي، لا بد من أن تكون هذه العبادة خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، فلا يبتغي بطلب العلم ثناءً ولا نيل مرتبة دنيوية.

نعم إن يسّر الله تبارك وتعالى له الرزق، وآتاه إياه بسبب ما آتاه من العلم، فقد ضاعف الله تبارك وتعالى له الخير، وتضاعف عليه الواجب؛ أن يشكر هذا الخير الذي آتاه الله، وَلَئِنْ أراد الإنسان وجه الله سبحانه وتعالى فابتغى بطلبه العلم أو بأي عمل من أعماله وجه الله؛ جمع الله تبارك وتعالى له خير الدنيا والآخرة )مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَالَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ( (الشورى 20) فإن ابتغى بطلبه العلم وجه الله تبارك وتعالى فالله كفيل برزقه، ولكن عليه أن لا يسعَ لأجل نيل المراتب في هذه الحياة الدنيا، ولأجل التوصل إلى أن يَخْتِل الدنيا بالدين -كما جاء في الحديث- وإنما عليه أن يقصد ابتغاء ما عند الله )وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى(. (القصص 60)



آفـة العـصـر
هناك آفة في طلب العلم ظهرت في هذا العصر، وهي آفة الشهادة، وقد أصبحت في حياة الناس المعاصرة من الضرورات، فعلى الإنسان الذي يطلب العلم أن لا يريد هذه الشهادة من أجل الشهرة والرقي بها إلى المراتب العالية، ولكن عليه أن يطلب العلم لأجل عبادة الله، ثم يعتبر هذه الشهادة وسيلة للدعوة إلى الله ولنشر العلم بين عباده تبارك وتعالى وتوصيل الحق إلى أفهام الناس، لا أن يجعل هذه الشهادة غاية(!)، فإن جَعْلها غاية إنما هو -في الحقيقة- داخل في مفهوم الشرك الخفي الذي حذرت منه الآية القرآنية )فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً(. (الكهف 110)

وأنتم ترون التحذير في كتاب الله سبحانه وتعالى من أن يريد الإنسان بعمله غير وجه الله عز وجل وغير الدار الآخرة، فالله سبحانه وتعالى يقول: )مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيها مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً((الإسراء18) فمن كان يريد العاجلة بطلبه العلم، بحيث يريد أن يرقى إلى المناصب أو يتبوأ مكانة بين الناس، ويشار إليه بالبنان، ويُعطى الشهادات العالية، فهو طالب بهذا العلم غير وجه الله سبحانه وتعالى، وهو ممّن طلب به العاجلة، فكانت له هذه العاقبة؛ والعياذ بالله )ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً(.

وأما الفريق الآخر؛ وهو من طلب العلم لوجه الله تعالى، وأراد به الفوز برضوانه تعالى يوم القيامة، وأن يطوع نفسه لله، ثم يحمل عباد الله على طاعته سبحانه، كان من الفريق الثاني؛ الذي قال الله تعالى فيه: )وَمَنْ أرَادَ الآخِرةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهو مُؤْمِنٌ فَأُوْلئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُوراً( (الإسراء 19) فكما أن الله عز وجل يُعبد بالأعمال الصالحة المختلفة يُعبد أيضاً بطلب العلم، وعلى طلبة العلم أن يُخلصوا هذه العبادة لوجه الله عز وجل، وأن لا يبتغوا بها جزاءً ولا شكوراً من غيره تعالى.



علاج الرياء
جاء فيما رُوي عن لقمان كيفية علاج آفة الرياء، بحيث لا يبتغي بعمله إلا وجه الله، ويتجرد في جميع أعماله من شوائب الرياء وطلب أغراض الدنيا، وذلك أنّ لقمان أوصى ابنه بأن يُخلص لله جميع أعماله، فسأله ابنه عن طريق ذلك، فقال له: كتمان العمل. فقال: وإن كان إظهاره واجباً؟ فقال له: إن كان إظهاره واجباً فاجتهد في إخلاص هذا العمل لله سبحانه وتعالى، وإن كان إظهاره غير واجب فاستعن على إخلاصه لله تعالى بكتمانه.

ولذلك كان السلف الصالح حريصين كل الحرص على كتمان أعمالهم التي يتقربون بها إلى الله تبارك وتعالى -من غير الفروض- عن الناس، أما الفروض فإنها تُظهر، إذ كتمانها يُؤدي إلى سوء الظن بالناس، فالنوافل ينبغي أن تكون مكتومة، وقد كان السلف يحرصون على كتمان النوافل، وإخفائها عن أبصار الناس، وإبعادها عن مسامعهم، فكانوا عندما يتهجدون يتهجدون في الخفاء، وعندما يتصدقون -صدقات النفل- يتصدقون في السر، ويحرصون على كتمان ذلك حتى عن أولئك الذين يُتصدق عليهم، لئلا ينالوا منهم جزاءً أو يُسمع لهم ذكر بين الناس، والعاقل يحرص كل الحرص على منفعته، ومنفعة الإنسان إنما تتوقف على الإخلاص.

بهذا يتبين أن الرياء في الأعمال إنما يرجع إلى فساد الفطرة وانطماس البصيرة ، ذلك لأن العاقل يرى أن هذا الكون مسخر بأمر الله، فالله وحده هو المقدم والمؤخر فيه، وهو وحده الذي يوجد المعدوم ويُعدم الموجود فيه، ويبسط النعماء ويدفع الضراء، والله تبارك وتعالى وحده هو الذي يحقق للإنسان مطالبه ويستجب دعاءه ويعطيه سؤله، فلماذا يتعلق بعمله عندما يعمله لغير الله تعالى؟ ولو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوا أحداً من الناس لم ينفعوه إلا بشيء كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء كتبه الله عليه، ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على الثناء على أحد من الناس وهو عند الله تعالى مرفوض لما أفاده ذلك شيئاً، ولو أنهم اجتمعوا على ذمّه والقدح فيه والحطّ من شأنه، فإن ذلك لا يضره عند الله تبارك وتعالى إن كان مقبولاً عنده سبحانه، وعلى هذا فعلى العبد أن يبتغي بعمله وجه الله تبارك وتعالى لأجل مصلحة نفسه، إذ مصلحة نفسه إنما تُناط بالإخلاص لله تعالى.

فلو أن أحداً من الناس أراد بصلاته أو صومه، أو حجه أو زكاته أو جهاده، أو بره لوالديه أو صلته لأرحامه، أو تعلمه العلم أو تعليمه، أو الدعوة إلى الله، أو نفقاته في سبيل الله، أو بأي عمل من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز و جل، غرضاً من أغراض هذه الدنيا، فإن ذلك الغرض لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة الله، ولا يمكن أن يتحقق إلا بقدر من الله، فلماذا يطلب الشيء من غير بابه؟ إنما عليه أن يعمل العمل الخالص لله، ويطلب من الله تبارك وتعالى قضاء حاجاته، ويجعل ذلك العمل طاعة لربه سبحانه لا يبتغي عليها من عند غيره جزاءً ولا شكوراً، وإنما يحرص كل الحرص على مرضاة الله، ثم يتعرض لنفحاته، ويطلب منه سبحانه وتعالى أن يبسط له في رزقه وأن يفيء عليه من فضله.

والإنسان يدرك أن الذي خلقه فسوّاه هو الله سبحانه وهو القادر عليه، فلماذا يتعلق بغيره فيبتغي بعمله غير وجه الله؟ )قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أكْفَرَه` مِن أيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ` مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقدَرَهُ` ثُمَّ السَّبيلَ يَسَّرَهُ` ثُمَّ أمَاتَهُ فَأقْبَرَهُ` ثُمَّ إذا شَاءَ أنْشَرَهُ` كَلاَّ لماّ يَقْضِ مَا أمَرَهُ` فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعَامِهِ` أَنَّا صَبَبْنَا الماءَ صَبَّا` ثُمَّ شَقَقْنَا الأْرضَ شَقَّا` فَأنْبَتْنَا فِيْهَا حَبَّاً` وَعِنَبَاً وَقَضْبَاً` وَزَيْنُوناً وَنَخْلاً` وَحَدَائِقَ غُلْبَاً` وَفَاكِهَةً وَأَبَّاً` مَتَاعَاً لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ( (عبس 17-32) فإذا كان يُدرك أن الله تعالى هو الذي بسط له هذا الخير كله، وهو الذي خلقه وطوره من طور إلى طور، حتى اكتمل خلقه وصار على ما هو عليه، وهو الذي نمّى مواهبه، وبسط له في الرزق وهيأ له هذه الأسباب، وسخّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، فكيف يبتغي الثناء من الناس أو يبتغي المثوبة من الناس، ويترك إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى؟! )يا أيُّها الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِكَ الكَرِيمِ` الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاك فَعَدَلَكَ` فِي أيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ((الانفطار 6؛8) فالإنسان خلقه الله تبارك وتعالى هذا الخلق، وأبدعه هذا الإبداع، وصنعه هذه الصنعة، وصوره هذا التصوير، ومع ذلك يريد بهذا العمل غير وجه الله.

إن الله تبارك وتعالى عندما أمر عباده بعبادته ذكّرهم نعمه عليهم، يقول تعالى: )يا أيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم وَالذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون` الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشَاً وَالسَّماءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقَاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا ِللهِ أنْدَادَاً وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ( (البقرة 21-22) فالذي يُرائي في عمله؛ إنما جعل لله سبحانه وتعالى أنداداً، لأنه رأى غير الله تعالى أهلاً لأن يُتقرب إليه بذلك العمل، مع أن الله لا يرضى أن يكون ذلك العمل إلا خالصاً لوجهه الكريم، ففي هذا ما ينفع العباد في تطهير سرائرهم، وجعلها خالصة لله تبارك وتعالى، وتزكية أعمالهم بالإخلاص.



دعــاء
نستغفر الله -جميعاً- ونتوب إليه من مخالفة ما قلناه، ومن مخالفة أوامر الله تعالى ونواهيه، ونسأله سبحانه أن يجعلنا من عباده المخلصين، ومن حزبه المفلحين، ومن جنده المتقين، ومن أوليائه المقربين.

اللهم إن نسألك بأنّا نشهد بأنك أنت الله لا إله إلا أنت؛ الواحد الأحد؛ الفرد الصمد؛ الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

نسألك ربنا أن تهب كلاً منا لساناً صادقاً ذاكراً، وقلباً خاشعاً منيباً، وعملاً صالحاً زاكياً، وإيماناً خالصاً ثابتاً، ويقيناً صادقاً راسخاً، ورزقاً حلالاً واسعاً، وعلماً نافعاً رافعاً.

ونسألك ربنا أن تهبنا إنابة المخلصين، وخشوع المخبتين، ويقين الصديقين، وسعادة المتقين، ودرجة الفائزين، يا أفضل من قُصد، وأكرم من سُئل، وأحلم من عُصي، يا الله يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إناّ نبرأ إليك من الحول والطول، فلا حول لنا ولا قوة إلا بك، نسألك ربنا أن تجنبنا الرياء والعجب والكبر والحسد والأشر والبطر، وأن تجنبنا جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك ربنا على كل شيء قدير، وإنك بالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين،والحمد لله رب العالمين.



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ورد المنى
07-03-2003, 11:41 AM
هذا الكتاب(الإخلاص) للشيخ أحمد بن حمد الخليلي

ورد المنى
07-03-2003, 11:47 AM
العلامات الصغره



المرور في المساجد واتخاذها طريقاً وعدم الصلاة فيها
روى ابن خزمية في الصحيحه عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله (ص):" إن من أشراط الساعة: أن يمر الرجل في مسجد لا يصلي فيه ركعتين"



التباهي في المساجد
روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة عن أنس :أن النبي (ص) قال:" من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد " أي يتفاخرون بتشييدها ويراؤون بتزينها



ظهور القلم ، وفشو التجارة وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق
روى أحمد عن طارق بن شهاب؛ قال : كنا عند عبدالله جلوساً، فجاء رجل، فقال: قد أقيمت الصلاة، فقام وقمنا معه، فلما دخلنا المسجد؛ رأينا الناس ركوعاً في مقدم المسجد، فكبر وركع، وركعنا، ثم مشينا وصنعنا مثل الذي صنع، فمر رجل يسرع، فقال: عليكم السلام ياأباعبد الرحمن، فقال: صدق الله ورسوله. فلما صلينا ورجعنا؛ دخل إلى أهله، جلسنا، فقال بعضنا لبعض: أما سمعتم رده الرجل: صدق الله وبلغت رسله ؟ أيكم يسأله؟ فقال طارق : أنا أسأله، فسأله حين خرج؟ فذكر عن النبي(ص) أنه قال:" إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم



قطع الأرحام
روى أحمد والبزار عن ابن عمرو والبزار والطبراني في الأوسط عن أنس : أن الرسول (ص) قال : "من أشراط الساعة : الفحش، والتفحش، وقطيعة الرحم، وتخوين الأمين، وائتمان الخائن"



استفاضة المال
روى أحمد والشيخان والنساثي عن حارثة بن وهب؛ قال: سمعت النبي (ص) يقول :" تصدقوا؛ فسيأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته، فيقول الذي يأتيه بها: لو جئت بها بالأمس؛ لقبلتها، فأما الآن؛ فلا حاجة لي فيها، فلا يجد من يقبلها



انحسار الفرات عن جبل من ذهب
روى مسلم عن أبي هريرة: أن الرسول الله (ص) قال: " لاتقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فُيقتل من كل مئة تسعة وتسعون؛ يقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو"
روى الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله (ص) : " يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فمن حضره؛ فلا يأخذ منه شيأ



ولادة الأمة ربتها، الحفاة العراة رؤس الناس، تطاول رعاء لبهم في البنيان
روى أحمد والشيخان وابن ماجه عن أبي هريرة؛ قال: كان النبي(ص) بارزاً يوماً للناس، فأتاه رجل، فقال: م الإيمان؟ قال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث ". قال: ما الإسلام؟ قال: " الإسلام أن تعبد الله ولاتشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفلاوضة، وتصوم رمضان ". قال : مالإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك ". قال: متى الساعة؟ قال: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمسة لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي (ص): إن الله عنده علم الساعة ، ثم أدبر، فقال: ردوه، فلم يروا شيئاً، فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم



تغير المظاهر لإخفاء الحقيقة
روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله(ص): " يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة



عدم حج البيت
روى الحاكم وابن حبان وأبو يعلى في مسنده عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قال: لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت



عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً
روى مسلم وأحمد والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قال: لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً



وضع الأخيار ورفع الأشرار وإظهار القول وترك العمل
روى الحاكم عن عمرو بن قيس السكوني؛ قال: خرجت مع أبي في الوفد إلى معاوية، فسمعت رجلاً يحدث الناس؛ يقول: إن من أشراط الساعة أن: ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار، وأن يخزن الفعل والعمل، ويظهر القول، وأن يُقرأ بالمثناة في القوم ليس فيهم من يغيرها أو ينكرها، فقيل: وما المثناة؟ قال: ما اكتتب سوى كتب الله عزوجل، فقال: فحدثت بهذا الحديث قوماً، وفيهم إسماعيل بن عبيدالله، فقال: أنا معك في ذلك المجلس، تدري من الرجال؟ قلت لا. قال: عبدالله بن عمرو



التسافد على قارعة الطريق كالحمير
البزار في مسنده وابن حبان في صحيحه عن عبدالله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله (ص): لاتقوم الساعة حتى يتسافدو في الطريق تسافد الحمير. قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: نعم ليكونن



تمني الموت بسبب الفتن لا حباً في لقاء الله عز وجل
عندما تشتد الفتن، ويشتد البلاء، ويفشو الجهل؛ يتمنى الناس الموت، وليس التمني لأنهم يحبون لقاء الله، ولكن لما يلقون من بلاء، حتى يتمنى أحدهم أن يكون هو الميت بدل أصحاب القبور
روى أحمد عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله (ص): لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، ما به حب لقاء الله عز وجل



تسليم الخاص السلام على المعرفة
روى أحمد الطبراني عن ابن مسعود؛ قال : قال رسول الله (ص) : "إن من شراط الساعة: إذا كانت التحية على المعرفة" وفي رواية عند أحمد أيضاً: "إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة"

ورد المنى
07-03-2003, 11:51 AM
العلامات الكبرى



الدجال
أعظم فتنة تمر بالبشر
روى مسلم عن حميد بن هلال عن رهط منهم أبو الدهماء وأبوقتادة؛ قالوا: كنا نمر على هشام بن عامر، نأتي عمران بن حصين، فقال ذات يوم: إنكم لتجاوزون إلى رجال ماكانوا بأحضر لرسول الله (ص) مني، ولا اعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله (ص) يقول: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال
علامات خروجه
أ- قلت العرب : روى أحمد ومسلم والترميذي عن أم شريك: أنها سمعت النبي (ص) يقول: ليفرن الناس من الدجال في الجبال . قالت أم شريك: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل
ب_ الملحمة وفتح القسطنطينية: روى أحمد وأبو داود عن معاذ: أن رسول الله (ص) قال: عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال
ج_ الفتوحات: روى أحمد ومسلم وابن ماجة عن جابر بن سمرة عن نافع بن عتيبة رضي الله عنهما؛ قال: كنا مع الرسول (ص) في غزوة. قال: فأتى النبي (ص) قومٌ من قبل المغرب عليهم ثياب الصوف، فوافقوه عند أكمةٍ، فإنهم لقيام ورسول الله(ص) قاعد. قال: فقلت لي نفسي : ائتهم، فقم بينهم وبينه لا يغتالونه. قال: ثم قلت: لعله نجي معهم، فأتيهم، فقمت بينهم وبينه. قال: فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي. قال: تغزون جزيرة العرب، فيفتحها الله عز وجل، ثم فارس، فيفتحها الله عز وجل، ثم تغزون الروم، فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله
د- انحباس القطر والنبات: ستكون بين يدي الدجال ثلاث سنوات عجاف، يلقى الناس فيها شدة وكرباً؛ فلا مطر، ولا نبات، يفزع الناس فيها للتسبيح والتحميد والتهليل، حتى يجزئ عنهم بدل الطعام والشراب، فبينما هم كذلك؛ إذ تناهى لأسماعهم أن إلهاً ظهر ومعه جبال الخبز وأنهار الماء، فمن أعترف به رباً؛ أطعمه وسقاه، ومن كذبه؛ منعه الطعام والشراب، فالمعصوم عندها من عصمه الله، وتذكر لحظتها وصايا المصطفى(ص): لن تروا ربكم حتى تموتوا، وأنتم ترون هذا الأفاك الدجال ولم تموتوا بعد.
مكان خروجه
روى أحمد والترميذي والحاكم وابن ماجة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ قال: حدثنا رسول الله(ص)، فقال:" إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق، يقال لها: خرسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المُطرقة ". وأول ظهور أمره واشتهاره والله أعلم يكون بين الشام والعراق؛ ففي رواية مسلم عن نواس بن سمعان: " إنه خارج خلة بين الشام والعراق "
أتباعه
أ- اليهود: روى أحمد ومسلم عن أنس بن مالك: أن الرسول الله(ص) قال: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً، عليهم الطيالسة
ب- الكفار والمنافقين: روى الشيخان والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله(ص): ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال؛ إلا مكة والمدينة، وليس نُقب من أنقابها إلا عليها الملائكة حافين تحرسها، فينزل بالسبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق
ج_ جهلة الأعراب: ودليل ذلك ما رواه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والضياء عن أبي أمامة، وفيه: ". . . وإن من الفتنه أن يقول اللأعرابي: أرأيت إن يبعث لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يابني! اتبعه؛ فإنه ربك "
د- من وجوههم كالمجان المطرقة، ولعلهم الترك: عن أحمد والترمذي والحاكم وابن ماجه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه:" إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خرسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة "
هلاكه
أ- في بلاد الشام حرسها الله: روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال: يأتي المسيح من قبل المشرق، وهمته المدينة، حتى ينزل دُبُر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهناك يهلك
ب- قاتله هو عيسى بن مريم عليهما السلام: روى الترمذي عن مجمع بن جارية الأنصاري؛ قال:" سمعت رسول الله (ص) يقول: يقتل ابن مريم الدجال بباب لد " ولن يسلط عليه احد إلا عيسى بن مريم عليه السلام
صفاته الخلقية
أ- أعور العين أو العينين: روى الشيخان عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما؛ قال : قال رسول الله (ص): إن الله لا يخفي عليكم، إن الله تعلى ليس بأعور، وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية
ب- مكتوب بين عينيه كافر : روى الشيخان عن أنس؛ قال: قال رسول الله(ص) : ما من نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه ( ك ف ر )
د- قصير، أفحج، جعد، أعور، عينه ليست بناتئة ولا جحراء: روى أحمد وأبو داود عن عبادة بن الصامت عن رسول الله (ص) قال: إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا أن المسيح الدجال: قصير، افحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليست بنائتة ولا جحراء، فإن ألبس عليكم؛ فاعلموا أن ربكم ليس بأعور، وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا
ه_ هجان، أزهر، كأن رأسه أصلة: روى أحمد وابن حبان عن ابن عباس: أن رسول الله (ص) قال: الدجال: أعور، هجان، أزهر ( وفي رواية أقمر )؛ كأن رأسه أصلة، أشبه الناس بعبدالعزى بن قطن، فإما هلك الهلك؛ فإن ربكم تعالى ليس بأعور



يأجوج ومأجوج
الفتن تتوالى، وما أن يخرج المسلمون من فتنه ويحمدوا الله على الخلاص منها؛ إذا هم بفتنة جديدة لا تقل خطراً عن سابقتها. فها هم قد انتهوا من الدجال، وقد قتله الله على يدي عيسى بن مريم عليه السلام، وقد أحاط بعيسى عليه السلام قومٌ وهو يحدثهم عن درجاتهم في الجنة، وقد عصمهم الله من الفتنة الدجال، وقد ابلغنا رسول الله(ص) : أن من نجا من فتنته؛ فقد نجا. وفجأة يطلب إليهم عيسى بوحي من السماء أن يحصنوا أنفسهم بالطور؛ فقد أخرج الله عباداً لا قبل لأحدهم بقتالهم، وهم يأجوج ومأجوج. ولا تقل فتنتهم عن فتنة الدجال الذي يدعي الألوهية، وهم يدعون قدرتهم على قتل من في السماء تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً
من البشر من ذرية آدم
يأجوج ومأجوج من البشر من ذرية آدم؛ خلافاً لمن قال غير ذلك، وذلك لما روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري- واللفظ للبخاري-؛ قال: قال النبي (ص): يقول الله عزوجل يوم القيامة: ياآدم! فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار قال: يارب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف- أراه قال- تسع مئة وتسعة وتسعين؛ فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي(ص) : من يأجوج ومأجوج تسع مئة وتسعة وتسعين ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل أهل الجنة،
يخرجون على الناس بمشيئة الله تعالى
روى أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله (ص): إن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي عليهم: ارجعوا؛ فسنحفرُه غداً، فيعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس؛ حفرو، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي عليهم: ارجعوا؛ فستحفرونه غداً إن شاء الله تعالى، واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فينشفون الماء، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع عليها الدم الذي أجفظ فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نغفاً في أقفائهم فيقتلهم بها
كيف يقتلهم الله عز وجل
يرسل عليهم النغف، فيأخذ بأعناقهم، فيموتون موت الجراد، يركب بعضهم بعضاً
الدواب ترعي لحومهم وتسمن عليها
ففي حديث أبي سعيد الخدري وفيه: . . . فيحرج الناس، ويُخلون سبيل مواشيهم، فما يكون لهم رعيٌ إلا لحومهم، فتشكر عليها كأحسن ما شكرت على نبات قط
مقتلهم عند جبل بيت المقدس
ففي حديث النواس بن سمعان وفيه: . . . ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس . . . .
أسلحتهم وقود للمسلمين
روى ابن ماجه والترمذي نحوه عن النواس: سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين
المطر الغزير لإزالة آثارهم
ففي حديث النواس، وفيه: . . . ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر؛ إلا ملأه زهمُهم ونتنهم(دسمهم ورائحتهم الكريهة)، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت( نوع من الجمال)، فتحملهم، فتطرحهم حيث يشاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يُكن منه بيت مدر(هو الطين الصلب) ولا وبر، فيغسل الأرض، حتى يجعلها كالزلفة(المرآة في صفائها ونظافتها)
طيب العيش وبركته بعد الخلاص منهم
ففي حديث النواس، وفيه: . . . ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك؛ فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل(اللبن)، حتى إن اللقحة(قريبة العهد بالولادة) من الإبل لتكفي الفئام( الجماعة الكثيرة) من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ(الجماعة من الأقارب) من الناس



دابة الأرض
ما إن يفوق الناس من هول فتنة أو آية إلا وهم يفاجؤون بما هو أمر وأدهى: قُتل الدجال، فتنفسوا الصعداء، فإذا بنبأ عظيم يأجوج ومأجوج، فخلصهم الله من شرهم. وإن كان ما سبق من آيات معتاداً لهم؛ فقد بأ زمن ما هو غير معتاد: دابة تخرج من الأرض؛ تكلم الناس، وتسمهم على خراطيمهم؛ لقد أصبحت الساعة قريباً جداً منهم؛ فقد بدأ أيضاً في هذا الوقت تغير العالم العلوي بطلوع الشمس من مغربها. هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يُخرج الله لهم دابة من الأرض- قيل: من مكة-، فتكلم الناس
الإيمان عند خروجها لا ينفع
والدابة أحد ثلاث آيات لا ينفع الإيمان عند معاينتها، بل ينفع الإيمان من أدركته واحدةً من الثلاث مؤمناً عاملاً. روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة؛ قال : قال رسول الله (ص) : ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض
وقت خروجها
تخرج الدابة عل الناس ضحى وفي وقت طلوع الشمس من مغربها، وأيهما كانت قبل الأخرى؛ فالأخرى في أثرها قريباً
وسمها للناس على خراطيمهم
روى أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي أمامة يرفعه للنبي (ص)؛ قال: " تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرن فيكم، حتى يشتري الرجل الدابة، فيقال: ممن اشتريت، فيقول: من رجل المخاطم ". وأما طبيعة هذا الوسم، وكيف يكون؛ فلا أعلم بذلك حديثاً صحيحاً.



الخسف والمسخ والقذف
الخسف والمسخ والقذف كائن في هذه الأمة
روى ابن ماجه عن سهل بن سعد: أن رسول الله (ص) قال: يكون في آخر الزمان الخسف والقذف والمسخ
متى يكون وفيمن يكون
أ- عند ظهور الخبث: روى الترمذي عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله(ص): يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذفٌ. قالت: يا رسول الله ! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم؛ إذا كثر الخبث
ب_ عند ظهور المعازف والقينات واستحلال الخمور وشربها: روى ابن ماجه وابن حبان والطبراني والبيهقي عن أبي مالك الأشعري: أنه سمع رسول الله (ص) يقول: ليشربن أناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها، ويُضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعلُ منهم قردة وخنازير
ج_ عند ترك قضاء حوائج الناس لأجل اللهو وشرب الخمر: روى البخاري وأبو داود عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري: سمع النبي (ص) يقول: ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحر(الفرج والمراد: الزنا) والحرير والخمر والمعازف،ولينزلن أقوام إلى جنب العلم(الجبل العالي) يروح عليهم ( هو الراعي) بسارحة(هي الماشي التي تسرح بالغداة لرعيها) لهم، يأتيهم- يعني: الفقير- لحاجه، قيقولوا: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم(يهلكهم ليلاً) الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرون قردة وخنازير إلى يوم القيامة
هـ- فيمن يصر على مسابقة الإمام في الركوع والسجود: روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال محمد(ص): أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار
التحذير من سكن البصرة
روى أبو داود عن أنس: أن رسول الله (ص) قال: يا أنس! إن الناس يُمصرون(يفتحون) أمصاراً، وإن مصراً منها يُقال لها البصرة أو البصيرة، فإن مررت بها أو دخلتها؛ فإياك وسباخها وكلاءها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها؛ فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف(الزلازل) وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير
الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قال رسول الله (ص): يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يخسف بأولهم وآخرهم. قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يُخسفُ بأولهم وآخرهم،ثم يبعثون على نياتهم



خروج النار
النار ناران
أ- نار خرجت وانتهت، وهي التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى: روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قال: لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل
ب- نارٌ لم تخرج بعد، وهي آخر الأشراط في الحياة الدنيا وأول أشراط الآخرة: روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قال: يحشرُ الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير،ويحشر بقيتهم النار؛ تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا



الريح التي تقبض أرواح المؤمنين
من أين تُبعث هذه الريح
روى مسلم والحاكم وغيرهما عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله (ص): إن الله تعالى يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير؛ فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبه من إيمان إلا قبضته
لا يمنع من هذا الريح شيء
ففي حديث عبدالله بن عمرو: . . . حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل؛ لدخلته عليه؛ حتى تقبضه
كيف تقبضهم الريح
ففي حديث النواس بن سمعان: . . . فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم
صفات هذه الريح
ففي حديث مسلم عند عبدالله بن عمرو: . . . ثم يبعث الله ربحاً كربح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبةٍ من إيمان؛ إلا قبضته



تخريب الكعبة حراسها الله
صاحبها ذو السويقتين(له ساقان دقيقان) من الحبشة
روى الشيخان والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله(ص) : يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة
صفاته
أسود أفحج
هلكة العرب باستحلالهم للبيت، وتخربه الحبشة، فلا يعمر أبداً
روى أحمد عن أبي هريرة: أن رسول الله(ص) قال: يبايع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن تستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه؛ فلا يُسأل عن هلكة العرب، ثم تأتي الحبشة، يخربونه خراباً لا يعمر بعده أبداً، وهم الذين يستخرجون كنزه

الطوفان
07-03-2003, 04:05 PM
بارك الله فيكِ أختي على مجهوداتكِ

السهم الأخير
07-03-2003, 05:59 PM
السلام عليكم
نشكر الأخت الكريمة ورد المنى على هذا المجهود الطيب نفع الله الإسلام والمسلمين بهذا العمل
وأحببت أن أشارك بهذا الجزء من كتاب


الإيمان


المصدر : العقيدة الإسلامية - إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

1-المفهوم اللغوي :


آمن إيمانا : صدق .

والإيمان : التصديق الجازم .


2-المفهوم الإصطلاحي :

الإيمان هو : التصديق بالجنان وإظهار الخضوع لله تعالى والقبول لشريعته .

والإيمان هو التصديق بالأمور الغيبية التي لا تقع تحت دائرة الحس والعقل . وهو القول

باللسان والعمل بالأركان .


3-محل الإيمان :

الإيمان محله القلب ، منه يستمد العقل أسباب توازنه ويمده بعناصر التدعيم والتأصل .

ويظهر أثره على الجوارح التي تتحرك في الاتجاه الذي يحدده العقل مؤيدا بقوى الوجدان

لذا فإن الترابط بين الجوانب الثلاثة متين جدا لا يمكن أن ينفصل الواحد عن الآخر .

وبهذا المفهوم يعتبر الإيمان كلا لا يتجزأ ، إذ لا يعتد بالإيمان القولي ما لم تترجم مقتضياته

عمليا بالجوارح ترجمة نابعة عن قناعة وإخلاص000

فالعمل جزء من أجزاء الإيمان بل هو ركن من أركانه وكل إناء بما فيه يرشح ، ورشح

القلوب سلوك يعاش .
4-المؤمن :

المؤمن هو من أظهر الخضوع الكامل لشرع الله تعالى واستشعر التوحيد بقلبه واستيقن من

وجوده ، وعجز عن إدراك كنهه ، فإذا غاب واحد من الشروط يصير الإيمان لا معنى له .

فلا بد للمؤمن حتى يصح له هذا الاسم :


أ-أن يستيقن من وجود الخالق يقينا لا يخامره شك .

ب-أن يسلم بالعجز عن الوصول إلى حقيقته وذاته وكنهه .


هذا الإيمان هو الكفيل بأن يشيع الطمأنينة في قلب المؤمن ويجعل حدا لمتاعب الإنسان

الناتجة عن الجري وراء ما لا يدرك بعقل أو بحس .

والمؤمن نموذج واضح الملامح وشخصية متكاملة الجوانب :


أ-لأن إيمانه ثابت فهو يؤمن بالله الذي أصبح وجوده يقينا في نفسه لا يرتاب في ذلك

ولا يتزعزع .

ب-لأن إيمانه نهائي ويستمد ذلك من شعوره المطلق عن الإدراك الحسي لما هو مقطوع

بوجوده .

ورد المنى
09-03-2003, 03:01 PM
شكرا لك على المشاركة
أيناكم
file://D:/الموسوعة المنوعة/أناشيد/أتيناكم.rm

ورد المنى
09-03-2003, 03:40 PM
مكانة نزوى التاريخية



ألقى سماحة الشيخ/ أحمد بن حمد الخليل المفتي العام للسلطنة محاضرة تاريخية قيمة بعنوان( مكانة نزوى التاريخية) وذلك بجامع السلطان قابوس بنزوى، تحدث فيها عن مكانة نزوى التاريخية وإسهاماتها وعلمائها الذين عاشوا على ترابها، وساهموا في نشر العلم والأدب، وذلك في إطار سلسلة الندوات والمحاضرات التي نظمت ضمن فعاليات عام التراث 1994 وفيما يلي نص المحاضرة.



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين أحمده تعالى بما هو أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأؤمن به وأتوكل عليه، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأرض ومن عليها وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله إلى خلقه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإنها لفرصة سعيدة من أسعد الفرص أن نلتقي بكم في هذه المدينة العريقة التاريخية ، وفي هذا الجامع الإسلامي العظيم، الذي ترددت بين جنباته أصوات أئمة قادوا البشر إلى طريق الحق، قالوا فأنصت الدهر ووعى الزمن، وصالوا فخسيء العدو، وسجل التاريخ أن كل أمة متحضرة تعتز بانتمائها إلى ماضيها العريق وتبني على أسسه حاضرها المشرق، ومن أجل ذلك فقد توجهت الإرادة السامية لعاهل البلاد المفدى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله- إلى أن يكون هذا العام( عام التراث) إيمانا من جلالته بأن الحضارة الحاضرة لا تبنى إلا على دعائم ثابتة من تاريخ الأمم والشعوب ، وهذا أمر متفق عليه، وحسبنا أن الله سبحانه وتعالى عندما يذكر بعض عباده بماضيهم يذكرهم بذلك في معرض أمرهم بالخير ونهيهم عن السوء فالذي جاء في كتابه العزيز من خطابه لبني إسرائيل مذكرا إياهم أمجادهم الماضية، إذ كانت فيهم النبوات، وكان فيهم الخير، وكان فيهم الصلاح، وكانت فيهم الاستقامة، فكان انحرافهم عن ذلك أمرا منافيا للفطرة، ناشزا عن الطبيعة، والله سبحانه وتعالى عندما ذكر الماضين قال:] لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون[(سورة يوسف الآية11).

ومن أجل ذلك أدرك العقلاء حتى من الشعوب غير المسلمة أن الأمم إذا انفصلت عن ماضيها وبنت حاضرها على حاضرها فقط كانت أمما ذليلة مستهجنة إذ لا أصالة لها تعتمد عليها فمن بين هؤلاء الذين ذكروا ذلك أحد علماء الاجتماع الغربيين إذ قال:( وأن الشعب الذي يحب الرقي يجب عليه ألا يقطع الصلة التي تربطه بماضيه).

ولئن كان لأي شبر في بلاد عمان العزيزة ماض عريق وتاريخ حافل بالأمجاد فإن هذه المدينة التاريخية" نزوى"- بيضة الإسلام- هي جامعة جميع ذلك، فهي مدينة تتميز بالكثير من المزايا سواء كان من ناحية موقعها الجغرافي أو من ناحية مكانتها التاريخية فمن حيث الموقع الجغرافي فإن مدينة نزوى هي قلب عمان، إذ هي وسط جوف عمان، وما سميت هذه المنطقة بالجوف إلا لكونها تتوسط البلاد، وقد جاءت نزوى في قلب هذا الجوف وبقية بلدان الجوف تحوط بها، وكان اختيارها عاصمة لعمان في أيام الإمام ال بن كعب. رحمه الله- منعطفا تاريخيا مرت به هذه المدينة إذ نقلت العاصمة من صحار إلى نزوى في ذلك الوقت، وقد أدى هذا الأمر إلى أن تجمع عدد كبير من أهل العلم والفضل في ساحتها، ومن أجل ذلك سميت في عهد الإمام غسان بن عبدالله، رحمه الله تعالى- " بيضة الإسلام" والبيضة هي الساحة، وهي ساحة الإسلام من حيث إنها جمعت جماعة كبيرة من علماء الإسلام وبكلا الاعتبار صح أن نسمي هذه المدينة في ذلك الوقت ببيضة الإسلام واستمرت هذه التسمية إلى وقتنا هذا فشاعر العرب والمسلمين العلامة( أبو مسلم) ذكرها من موضع باسم بيضة الإسلام كقوله:

على بيضة الإسلام قر أساسه
وقوله:

وافرق لها البيد حتى يستبين لها



وطائره فوق السمائين حائم



فرق على بيضة الإسلام عنوان




وقد أسهمت هذه المدينة بأعداد وافرة كثيرة من العلماء الذين هم من أبنائها وحسبنا أن يكون من أبناء هذه المدينة الإمام العظيم أبو الشعثاء" جابر بن زيد" رحمه الله تعالى، ذلكم الإمام الذي عرفه التاريخ وسجل مآثره وحفظ آثاره الذي كان معلما من معالم الإسلام يشهد بذلك القاصي والداني، وحسبه ما صدر من حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنهما من الثناء عليه، فهو أحد شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، وكان يثني ثناء عظيما على تلميذه حتى أنه قال:" عجبا لأهل العراق يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه".

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول في تلميذه جابر بن زيد: أعلم الناس بالطلاق. وجاء أيضا أن ابن عباس رضي الله عنهما كان في حرم الله تعالى الآمن حيال الكعبة المشرفة في رحاب بيت الله الحرام، وإذا به يسمع صوتا ينادي رجلا يصلي على ظهر الكعبة : أيها المصلي لا قبلة لك، فلما سمع ابن عباس ذلك قال: إن كان جابر بن زيد في شيء من هذا البلد فهذا الكلام صادر عنه. فقد أدرك ابن عباس قوة إدراك تلميذه الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد فقال فيه هذا القول العظيم، ومما هو جدير بالذكر أن الثناء على الإمام أبي الشعثاء لم يكن من شيخه البحر ابن عباس فحسب: بل كان من غيره من أئمة الصحابة والتابعين، فقد روي أنه لما بلغ نعيه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه- وهو أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورين- قال أنس في حق جابر رضي الله عنهما: مات أعلم أهل الأرض.

وروي أيضا أنه لما مات ابن عباس وقف جابر بن زيد على قبره فقال: اليوم دفن رباني هذه الأمة، ولما مات جابر وقف الحسن البصري على قبره فقال: اليوم دفن رباني هذه الأمة. ويذكر أيضا أنه لما مات جابر بن زيد قال قتادة: أدنوني من قبره فأدنوه منه وقال : اليوم مات عالم العرب أو دفن عالم العرب هذه الشهادات كلها تدل على ما لهذا الإمام من مكانة تاريخية وقد كان منبت هذا الإمام قرية" فرق" التي تعد امتدادا لهذه المدينة التاريخية ، إذ لا يكاد يفصل بينهما إلا فراغ يسير من الأرض، وقد كان للإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى عمل إيجابي بناء في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إن لم يكن أسبق الناس إلى التأليف فمن أسبقهم فقد ألف ديوانه العظيم الذي أتى عليه الدهر ولم يبق منه باقية، والمؤرخون منهم من يقول إن هذا الديوان كان حمل خمسة جمال، ومنهم من يقول كان حمل جمل، ولا منافاة بين قوليهم، فأما كونه حمل خمسة جمال لاعتبار كتابته في الجلود التي كانوا يكتبون فيها قديما، وكونه حمل جمل باعتبار كتابته في الأوراق عندما تطورت الكتابة وصار الناس يكتبون في هذه الأوراق المعهودة.

وعندما ذهب ممن ذهب من أهل عمان إلى بلاد البصرة للارتواء من مناهل العلم من هناك ثم رجعوا أدراجهم إلى عمان لنشر ما تلقوه هناك في أوساط شعبهم، كان من بين هؤلاء الذين تكبدوا المشاق وتحملوا الصعاب وصبروا على الشدائد في سبيل العلم تعلما وتعليما أحد أبناء نزوى، وهو الإمام بشير بن المنذر النزواني، الذي عرف بلقب الشيخ في الأثر المشرقي ولا ريب أنه بانتقال العاصمة العمانية إلى نزوى ازدحمت أقدام العلماء فيها، الذين أتوها من كل فج عميق، منهم من هاجر إليها واستوطنها ومنهم من كان يأتي إليها لنشر العلم أو ليتلقى المزيد من العلم، فكان كبار العلماء يترددون باستمرار إلى نزوى جيئة وذهابا فالإمام موسى ابن أبي جابر والإمام علي بن أبي عزرة والإمام موسى بن علي والأزهر بن علي ومحمد بن علي وغيرهم من العلماء الكبار، وكذلك ابن محبوب والأسرة المحبوبية الرحيلية التي كانت تتردد بين صحار ونزوى لأنها وطنت صحار، ولكن بحكم علاقتها بالأئمة الذين كانوا يقيمون بنزوى لم يزالوا يترددون عليهم باستمرار، لأن الإمام ابن محبوب كان مرجع العلماء في زمانه وكذلك بنوه كان لهم دور لا يستهان به في نشر العلم، فقد تلقوا منه العلم ونشروه تدريسا وإفتاء في أوساط الناس، وكانوا يرجع إليهم في هذا الأمر.

وكان من جملة العلماء الذين كانوا بنزوى أيضا العلامة الكبير سليمان بن عثمان، الذي كان مرجع العلماء في عهد الإمام غسان بن عبدالله رحمهم الله تعالى جميعا، وقد وجدت عائلات في نزوى تت العلم كابرا عن كابر، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على العناية البالغة والجهود المضنية التي كانت تبذل هنا من أجل نشر العلم في أوساط الناس، فقد وجدت عائلة الشيخ محمد بن صالح وذراريه، تسلسل عشرة منهم أو أكثر ، كل منهم كان علامة فقيها، وكذلك عائلة آل مداد التي تسلسلت وهي تحمل الأدبي في العلم ولواء الأدب، في عهد كان معروفا عند الأدباء بالانحطاط الأدبي في العلم على مستوى العلم، ومع ذلك إذا جئنا إلى أدب آل مداد وجدناه أدبا راقيا جدا، ومما يؤسف له كثيرا أن هذا الأدب لا يزال قابعا في المخطوطات إلى وقتنا هذا لم تتح له فرصة الانتشار بين الناس.

هذه المكانة العلمية الروحية بجانب المكانة السياسية التي كانت تحتلها هذه المدينة جعل لها صدرا كبيرا في أوساط الشعب، ومن هنا نجد الكثير من الشعراء مجدوا هذه المدينة تمجيدا بالغا وأثنوا عليها ثناء عظيما كالذي نجده في ديوان ابن اللواح الخروصي وغيره من الشعراء، وحسبنا أن نذكر هنا بعض ما قاله الشاعر الكبير العلامة أبو مسلم- رحمه الله تعالى- في الثناء على هذه المدينة إذ قال:

وافرق بها البيد حتى يستبين لها



فإن تيامنت الحوراء شاخصة



فحط رحلك عنها إنها بلغت



فطالما وخدت تبغي لبانتها



انزل فديتك عنها إن حاجتها



انزل فديتك عنها إن وجهتها



هنالك انزل وقبل تربة نبتت



انزل على عرصات النور حيث حوت



انزل على عرصات كلها قدس



حيث الملائكة احتلت مشاهدهم



أرض مقدسة قد بوركت وزكت

ما طار طائرها لله محتسبا



إلا وقام يمين الله ساعده



ميمونة بركات الله تنفحها



رست بها هضبة الإسلام من حقب



قديمة الذكر عاذ الدين عائذها



قامت بها قبة الإسلام شامخة



ولم تزل عرصة للعدل عاصمة



كم أشهر الله فيها من حسام هدى



كنانة لسهام الله ما فرغت



بحجة الله قامت في الشقاق لها



لسرها واختصاص الله قائمها
إلى أن قال:

تعاقبت خلفاء الله منصبها



أئمة حفظ الدين الحنيف بهم



صيد سراة أباة الضيم أسد شرى



سفن النجاة هداة الناس قادتهم



تقبلوا مدح القرآن أجمعها



فرق على بيضة الإسلام عنوان



لها مع السحب أكناف وأحضان



نزوى وطافت بها للمجد أركان



كأنهن مع الإمضاء عقبان



عدل وفضل وإنصاف وإحسان



تخت الأئمة مذ كانت ومذ كانوا



بها الخلافة والإيمان إيمان



أئمة الدين قيعان وظهران



للحق فيهن أزهار وأفنان



لها على الحل والتعريج إدمان



تنصب فيها من الأنوار معنان



له جناحان إيقان وعرفان



والفتح والنصر والتأييد أعوان



واليمن يثمره علم وإيمان



وإن قضت باستتار العدل أحيان



من يوم أصبح توحيد وقرآن



حتى تواضع بهرام وكيوان



للإستقامة فيها الدهر سلطان



كأنها لسيوف الله أجفان



مذ كان للجور سلطان وشيطان



بدين ذي الثفنات الحبر إيقان



بالنصر والفتح برهان وبرهان



منذ الجلندى وختم الكل عزان



من يوم قيل لدين الله أديان



شمس العزائم أواهون رهبان



طهر السرائر للإسلام حيطان



إذا استحق مديح الله إيمان




فهذا الشعر إنما يعرب عن ما بنزوى من مكانة في نفس الشاعر الكبير والعالم البصير، الذي عرف التاريخ، وعرف ما قدمته هذه البلاد العريقة من ثناء على التاريخ المجيد لهذا الشعب المسلم الأبي الأصيل في إسلامه، ولم تكن مكانة نزوى محصورة في القطر العماني فحسب وبين أبناء الشعب العماني بل كانت بركات الخير تمتد إلى أصقاع بعيدة ونواحي متعددة، فنجد الناس يلجؤن إلى هذه المدينة في أوقات الشدائد لطلب نصرة أهل الحق لهم عندما يواجهون الظروف العاتية المستعصية.

فمن ذلك تلكم الصرخة التي جاءت من بلاد سقطرة منبعثة من قلب امرأة مؤمنة هالها ما لقيت هناك من جور التعدي من الأحباش الذين أغاروا على سقطره، وكانت في ذلك الوقت تابعة سياسيا لهذه المدينة، فارتكب أولئك المحتلون الغادرون ما ارتكبوه من المنكرات وانتهكوا من الأعراض وأبادوا ما أبادوا من الحرم، فلم يقر لها قرار حتى أرسلت في ذلك الوقت تلكم الصرخة إلى الإمام الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله، الذي كان مقيما في هذه المدينة، تتمثل هذه الصرخة في قصيدة شعرية جاء فيها:

قل للإمام الذي ترجى فضائله

ما بال صلت ينام الليل مغتبطا



بأن يغيث بنات الدين والحسب

وفي سقطرى حريم باد بالنهب




فلبى الإمام نداءها وأمدها به من جيش جرار احتمله أسطول يتكون من "100" سفينة، وقد أمر الإمام على جنده اثنين من أصحابه، زودهما بنصيحة بالغة فيها ما يأتون وما يذرون، مستمدة من أحكام شريعة الله تبارك وتعالى كل ما فيها نابع من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على ما وصل إليه أولئك الأئمة من فقه في الدين وحس إسلامي مرهف وإدراك لأبعاد الأمور وتدبير لجميع القضايا بنظرة إيمانية فائقة، وهذا الإمام نفسه أيضا أمد بعض المسلمين ببلاد الهند عندما استصرخوه طالبين نصرته على القراصنة الذين آذوهم في ذلك الوقت، فما كان منه إلا أن أرسل إليهم كتيبة لمكافحة القراصنة، ثم لتدريب جيش الحاكم الهندي المسلم على مكافحة القراصنة، وهذا أمر أشار إليه ابن اللواح في إحدى قصائده عندما قال:

سرايانا لأرض الهند سارت



ولليمن الفسيح وما ولاها




وكان لليمن ذلك أيضا في عهد حفيده الإمام الخليلي بن شاذان، عندما وفد إليه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي من بلاد حضرموت مستنفرا به على الصليحي الدجال الباطني، الذي كان يحمل نوايا مضادة للإسلام وعقائد زائفة على الإمام الخليل بن شاذان في كثير من قصائده

ورد المنى
09-03-2003, 03:42 PM
وهنا نجد بعض الذين عميت عليهم الحقيقة أو تعاموا عنها لسبب أو لآخر، يحاولون المكابرة في هذا الأمر زاعمين أن الإمام أبا إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي ما كان إلا أسطورة ابتكرها السالمي والباروني وقد ظلت عقول هؤلاء عن كون السالمي والباروني يعتبران الكذب كبيرة من الكبائر التي تؤدي بصاحبها إلى الخلود في النار حسب المعتقد الصحيح الذي يدينان به، فما لهما وللافتراء، ومن بين هؤلاء الذين حاولوا تمويه هذه الحقيقة الدكتور صلاح الدين المنجد، إذ زعم أن الحضرمي أسطورة ابتكرها السالمي والباروني، وقد كان الطنبور الذي رقص على أنغامه هو أن الحظ لم يحالفهما عندما أرادا أن يبتكرا هذه الشخصية الأسطورية، فقد ذكر أنه وفد الإمام أبو إسحاق الهمداني الحضرمي على الخليلي بن شاذان الذي نصب في عام "407هـ" ومات " 425هـ، مع أن حروب الصليحي كانت في العام الخمسين من القرن الخامس أي في عام "450هـ" كل ما استطاع أن يستغله الدكتور صلاح الدين المنجد لما ذهب إليه غلطة تاريخية وقع فيها بعض المؤرخين العمانيين، وهي أنهم قالوا بأن الإمام الخليل عقدت عليه الإمامة في عام" 407"، والحقيقة غير ذلك ففي سيرة الإمام العلامة عبدالله بن مداد رحمه الله أن الإمام الخليل مسجل قدحا في جبل في بعض بلدان وادي بني خروص ولا يزال موجودا إلى الآن.

ونحن إن عدنا إلى تراث الإمام الحضرمي نجد تراثا متداولا قبل أن يكون هنالك ذكر للسالمي أو للباروني، فكتابه" مختصر الخصال" كتاب متداول قبل هذين الشيخين رحمهما الله وبفترة طويلة، وقد علق عليه تعليقات أحد علماء نزوى وهو الشيخ حبيب بن سالم أمبو سعيدي قبل الإمام السالمي بأكثر من قرن، وديوانه كان متداولا من قبل.

على أننا نجد في تضاعيف كلامه ما يقطع بأن كلا من الإمام السالمي والزعيم الباروني لم يكونا يعرفان معناه لعدم احتكاكهما بالشعب الحضرمي، وهناك عبارات في ديوان الحضرمي وفي مختصر الخصال لا يعرفها إلا من مارس اللهجة الحضرمية ككلمة " عاد" هذه كلمة غير متداولة في عمان رأسا، وإنما هي كلمة معهودة عند الحضارمة ولا يزالون يستعملونها إلى الآن وقد جاءت في كلام الإمام الحضرمي في مواضع من ديوانه ومواضع من كتابه " مختصر الخصال" كقوله في ديوانه " إنا تركنا عاد وعظ الكلم" والذين أدركوا الحقائق أثبتوا وجود الإمام الحضرمي وأنه شخصية حقيقية وليست شخصية وهمية كما ذهب الدكتور صلاح الدين المنجد، ومن بين هؤلاء الذين سجلوا ذلك من مؤرخي الحضارمة الأستاذ باوزير في كتابه معالم تاريخ الجزيرة العربية، ذكر فيه وفود الإمام أبي إسحاق الحضرمي على الإمام الخليل بن شاذان هنا بنزوى، وقد جاء الاستصراخ أيضا إلى هذا البلد التاريخي من المسلمين الذين بلغهم ما قام به أئمة اليعاربة من تطهير لهذه البلاد من رجس الاحتلال البرتغالي الكاثوليكي المتعصب لبقاع من موانيء الخليج، جاء الاستصراخ من بلاد أفريقيا، من ممباسا، زنجبار، وماليندي، وبلاد أخرى، وصل وفد يمثل أهل هذه البلدان طالبين نصرة الإمام سلطان بن سيف خليفة الإمام ناصر بن مرشد، الذي بدأ الحرب مع البرتغاليين فكانت تلكم الوثبة التاريخية التي أوصلت مد الحكم العماني إلى بلاد قاصية من شرق أفريقيا وأدى الأمر بالتالي إلى تطهير هذه البحار من الوجود البرتغالي.

وبجانب هذه الأدوار التاريخية العظيمة السياسية والعلمية هناك نوع من الابتكار في التأليف ممن سبقت إليه هذه المدينة وإن لم تكن سابقة لغيرها فقد شاركت غيرها في مرحلة متقدمة في إنشاء الموسوعات العلمية، فالموسوعات العلمية التي توجد بين أيدينا إلى وقتنا هذا معظمها نزوية، لا ريب أن هناك موسوعات أخرى ولكن أتى عليها الزمن ، فالتاريخ يذكر أن هناك موسوعة للإمام ابن محبوب رحمه الله في سبعين سفرا، وهناك موسوعة أخرى للإمام بشير بن محمد بن محبوب كانت في سبعين سفرا، ولكن هذين الكتابين أتى عليهما الدهر، لم نجدهما في عمان ولا في بلاد أخرى خارج عمان، وإنما ذكر البدر الشماخي- وقد كان في القرن السابع الهجري- بأنه اطلع في حياته على جزء واحد من موسوعة ابن محبوب، وهذا الجزء كله في أحكام الحيض، وكان يتلى ما فيه على أحد الفقهاء الكبار فكان يقف عند كل مسألة ويقول: هذا هو العالم الفقيه.

أما الموسوعات التي بقيت أو بقي جانب منها في وقتنا هذا معظمها موسوعات نزوية، فهناك كتاب" بيان الشرع الجامع من علوم الإسلام الأصل والفرع" وكتاب بيان الشرع ألفه الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم الكندي رحمه الله تعالى في ثلاثة وسبعين جزءا، وقد اشتمل على جميع أبواب الفقه بل وعلى أبواب العقيدة أيضا بجانب الفقه ، وقد أتى على كل ما يحتاج إليه الفقيه من أحكام تتعلق بالعبادات والمعاملات والأخلاق.

وهناك موسوعة ثانية لابن عمه الشيخ أبي بكر أحمد بن عبدالله الكندي، تقع الموسوعة في واحد وأربعين جزءا وتسمى بكتاب " المصنف" ونستطيع أن نقول بأن كتاب المصنف إنما هو في الحقيقة تهذيب لبيان الشرع، لأن فيه شيء الاختصار مع الإلمام بمعظم المسائل التي في بيان الشرع.

هناك موسوعة أخرى ربما توجد الآن بعض أجزائها، ولكن لم نظفر بها بعينها، وإنما وجدنا نقولا عنها في كتاب قاموس الشريعة، وكتاب التاج للعلامة عثمان بن عبدالله الأصم- وهو أيضا من علماء نزوى- أما صاحبا بيان الشرع والمصنف فلهما ابن عم قام أيضا بتأليف موسوعة ولكن هذه الموسوعة لا تكاد توجد في وقتنا هذا، وإن كانت موجودة فهي نسخ قديمة لا يكاد يفهم ما فيها، هذه الموسوعة هي كتاب" الكفاية" ولعل صاحب هذا الكتاب نهج في تأليفه نهجا متوسطا بين إطناب صاحب بيان الشرع وإيجاز صاحب المصنف، لأن موسوعته في عدد أجزائها جاءت متوسطة بين هذه وتلك، ولكن لم نطلع حتى على جزء من هذه الأجزاء ومن العلماء المتأريخين من قام بتأليف موسوعة هنا بنزوى العلامة صاحب كتاب" جواهر الآثار".

هذه الكنوز تدعو شباب اليوم إلى الاعتناء بها دراسة وتحقيقا وإبرازا وكما قلت في بداية حديثي إن اختيار هذا العام لأن يكون عام التراث لوصل الحاضر بالماضي، ولضم طارف المجد إلى تليده، فإنه لا يكفينا أن نتغنى بتراث الماضين فحسب، ولكن علينا أن نبني على المجد التليد مجدا جديدا مخلدا ذكره كما خلد ذكر ما سبق فهذه المؤلفات الواسعة وهذه المآثر التاريخية هي جميعا بحاجة إلى إبراز وتحقيق وطبع وإظهار وهذا أمر لا يمكن أن يتم إلا إذا تضافرت عليه جهود المخلصين من أبناء هذه الأمة، والآمال معقودة على الشباب الذين يقاس بمقياسهم رقي الشعوب والأمم أو انحطاطها، ويقدر لقدرهم تقدمها أو تأخرها، فمن هنا كان الواجب على هؤلاء الشباب وهم يدركون أن الآمال معقودة عليهم وأن الأبصار متجهة إليهم أن يحفزوا هممهم لدراسة ماضيهم التليد لأجل ضم مجدهم الحاضر إليه ولأجل أن يكون هذا الحاضر صورة تبرز ما قدمه الماضون من عمل وما أثروه من علم وما أفادوه من معرفة وما دونوه من حكمة. واختيار قائد البلاد المفدى باني النهضة الحديثة لأن يكون هذا العام عاما يعنى بالتراث لا يعنى أن يكون مجرد عناية بذكر من مضى وبافتخار لمن سلف وإنما يعني وصل هذا الحاضر بذلك الماضي لتنعكس إيجابيات الماضي على هذا الحاضر، وليكون هذا الحاضر امتدادا لذلك الماضي، بهذا تكون هذه الأمة أمة قوية موصولة بماضيها، كل جيل منها يعد في سلسلة أجيالها حلقة متصلة لسائر الحلقات لا تنفصل عن بقيتها ولا تخرج عن سلسلتها.

فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه المساعي ، وأن يحفظ لهذه البلاد بأني نهضتها وقائد مسيرتها عاهلها المفدى، وأن يمد بالخير جميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، وأن يلهمنا رشدنا وأن يأخذ بأيدينا إلى جادة الصواب، ولا يفتوني هنا أن أشكر من أعماق قلبي وزارة التراث والثقافة على هذه العناية وعلى إتاحة هذه الفرصة للالتقاء بكم في هذا المكان التاريخي العظيم لاستلهام تاريخنا الماضي والاسترشاد به في بناء الحاضر.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع دائما لمساعي الخير وأن يأخذ بأيدينا إلى جادة الصواب، إنه سبحانه وتعالى ولي التوفيق.

الطوفان
10-03-2003, 12:19 PM
شكرا لك أخي السهم الأخير

والشكر موصول للأخت ورد المنى على استمرارها في انزال كل جديد

ورد المنى
10-03-2003, 02:53 PM
قصه امرأة تائبة
باختصار شديد هذة قصه امراة تائبه والسبب في ذلك
انها تعمل في احدى المشاغل واتت اليها امراة وطلبت منهاان تنمص لها حواجبها
ففعلت ذلك وعند نزع الشعره الاخيرة لم تستطع نزع الشعرةوقالت لها سوف اصبغها
لكي ولكن المراة رفضت صبغها وطلبت نزعها وعند نزع الشعرة سقطت المراه وتوفت
والسبب في ذلك انها نزعت الشعرة التي كانت تحتها الخليه السرطانيه وبعدذلك
تابت العامله في ذلك المشغل

ورد المنى
10-03-2003, 02:55 PM
رسالة إلى عارضات السيقان
ذهبت أم كلثوم بنت جعفر بن أبي طالب رضي الله عنها وهي ابنة خمس سنين في حاجة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكان ثوبها يجر وراءها شبرا أو يزيد فأراد عمر أن يمازحها فرفع ثوبها حتى بدت قدماها فقالت: مه ""يعنى دعه واتركه"" أما إنك لو لم تكن أمير المؤمنين لضربت وجهك .
؛؛؛
رحمك الله يا أم كلثوم أين انتي من بنات ونساء المسلمين اليوم . . !!

ورد المنى
10-03-2003, 02:58 PM
من ثمار التقوى :
يحدث أحد الشباب وهو من الذين ذهبوا للدراسة في أوروبا أن هناك رجلآ أسلم من
الأوروبيين وحسن إسلامه وصار حريصا على تطبيق شعائر الإسلام كلها حريصا على
أن يظهر إسلامه ويعتز به أمام الكفار دون خجل أو حياء أو تردد حتى ولو لم يكن
هناك مناسبة فإنه يحرص على ذلك يقول:
أعلن في إحدى المؤسسات الكافرة عن فرصة وظيفية فتقدم لها هذا المسلم الفخور
بإسلامه وكان لابد من المقابلة الشخصية والتنافس قائم على هذه الوظيفة فلما
بدأت المقابلة سألته اللجنة الخاصة بالمؤسسة عدة أسئلة كان منها هل تشرب
الخمر؟ فأجاب قائلا: لا أشرب الخمر لأني أسلمت وديني يمنعني من معاقرة الخمر
وشربها . قالت اللجنة ((هل لك خليلات وصديقات))؟ قال صاحبنا :((لا .. لأن
ديني الإسلام الذي انتسب إليه يحرم علي ذلك ويقصر علاقتي على زوجتي التي
نكحتها بمقتضى شريعة الله عز وجل))
وخرج وهو شبه يائس من أن ينجح في هذه المسابقة ولكن النتيجة أن جميع هؤلاء
المتسابقين وكان عددهم كبيرا فشلوا ونجح هو وحده في هذه المسابقة فذهب إلى
مسئول اللجنة وسأله قائلا:(( كنت انتظر أن تحرموني من هذه الوظيفة عقابا لي
على مخالفتي لكم في دينكم وعلى اعتناق الإسلام ولكني فوجئت بقبولي على
إخوانكم من النصارى فما سر ذلك , قال المسئول: أن المرشح لهذه الوظيفة كان يشترط فيه أن يكون شخصا منتبها في جميع الحالات حاضر الذهن والشخص الذي يتعاطى الخمر لا يمكن أن يكون كذلك فكنا نترقب شخصا من الذين لا يشربون الخمر ونظرا لتوفرهذا فيك فلقد وقع الاختيار عليك في هذه الوظيفة .
فما الذي منع هذا المسلم من أن يكذب أو يخفي أمره أو يتلاعب بالألفاظ إنها التقوى فما كان من بركة الله للمتقين أمثاله إلا التيسير والرزق من حيث لا يحتسبون.
فما ضر ذا التقوى نصال أسنة
ومازال ذو التقوى أعز وأكرما
ومازالت التقوى تريك على الفتى
إذا محض التقوى من العز

ورد المنى
10-03-2003, 03:02 PM
العفة
يذكر أنه كانت هناك فتاة في العصر العثماني خرجت لزيارة جدةٍ لها في آخرالبلدة ولكن في ذلك اليوم هطلت الأمطار الشديدة التي لم تستطع السير او الرؤية فيها فأوت إلى بيت كانت تحسبه مهجوراً من السكان لتتقي من هذا المطر الشديد لكن في هذه الأثناء ظهر شاب في أواخر العشرينات من العمر فرآها وهي على هذه الحال من الخوف والبرد فعرض عليها الدخول لتدفء نفسها فترددت ولكن المطر والرعد زاد فامتثلت لما قال وطلبت من ربها الحفظ والستر وعند دخولها للمنزل وجدته خاويا تقريباً إلا من بعض المؤن والأثاث والنار مشتعله فطلب منها التقرب للنار وجعل النار بينه وبينها وعندها رأته الفتاة بعد فترة من
الزمن يقوم بأخذ أحد أعواد النار المشتعلة ويقوم بإحراق أصابعه واحداً تلوالآخر فأحست بخوفٍ شديد من هذا الشخص غريب الأطوار وتمنت لو أن المطر يتوقف لتنفذ بجلدها وتعود لبيت أهلها وفعلاً توقف المطر وقام الشاب وقال: أين منزلك لأوصلك لبيت أهلك. فلم تجب فقال: إذن أسير في الطريق وارمي إلي بحجر في الاتجاه المؤدي للبيت. ففعلت ما طلب منها ووصلت إلى بيت أبيها خائفة وقد وجدت أهلها قلقين عليها فأخبرت أبها بما جرى لها ولما جرى لهذا الشاب الذي أقلقها ما فعل بنفسه. فاستغرب الوالد من ذلك وذهب لملاقاة الشاب دون أن يخبره بأنه أباها ليعرف قصته وفعلاً ذهب لمنزل الشاب وأكرمه الشاب وتحدث معه طويلاً فعرف أنه شاب عابد زاهد فسأله عن حالته بتلك الليله فرد عليه الشاب بأنه أحرق
أصابعه واحداً واحداً كي يتذكر عذاب النار ولا يقدم بفعل حماقة مع الفتاة .. وبعد هذا الشرح تقدم الوالد بعرض ابنته على هذا الشاب للزواج بها وقبل الشاب ذلك...
والله ولي التوفيق،،،

ورد المنى
11-03-2003, 03:37 PM
0

ورد المنى
11-03-2003, 03:44 PM
هل من معتبر

ورد المنى
11-03-2003, 03:47 PM
أي][/COLOR[COLOR="FF4500"]ن العرب

ورد المنى
12-03-2003, 05:48 PM
الحمد لله المبدئ المعيد، الغني الحميد، ذي العفو الواسع، والعقاب الشديد، من هداه فهو السعيد السديد، ومن أضله فهو الطريد البعيد، ومن أرشده إلى سبل النجاة ووفَّقه فهو الرشيد، يعلم ما ظهر وما بطن، وما خفي وما عَلَن، وما هَجُن وما حَسُن، وهو أقرب إلى الكل من حبل الوريد. قسَّم الخلْق قسمين، وجعل لهم منزلتين، فريق في الجنة وفريق في السعير. إنَّ ربك فعال لما يريد (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ للْعَبِيدِ) أحمده وهو أهل الحمد والتحميد، وأشكره والشكر لديه من أسباب المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ذو العرش المجيد، والبطش الشديد، شهادة تكْفُل لي عنده أعلى درجات أهل التوحيد، في دار القرار والتأييد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير، أشرف من أظلَّت السَّماء، وأقلَّت البِيدُ، -صلى الله عليه وسلم -تسليمًا كثيرًا، وعلى آله وأصحابه أولي العون على الطاعة والتأييد، صلاةً دائمةً في كل حين تنمو وتزيد، ولا تنفد ما دامت الدنيا والآخرة ولا تبيد.
روحي الفداء لمن أخلاقه شهدت *** بأنَّه خير مبعوثٍ من البشرِ
عمَّت فضائله كل البلاد كما *** عمَّ البرية ضوء الشمس والقمرِ
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُم مسْلِمُونَ) (يا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعل هذا الاجتماع ذخرًا لي ولكم يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وأن يجعله من صالحات الأعمال، وخالصات الآثار، وباقيات الحسنات إلى آخر الأعمار، اللهم اكتب لنا به أجرًا، وارفع به ذكرًا، واجعله لنا ذخرًا، اللهم اجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، وأعمالنا خيرًا من أقوالنا، اللهم أنِرْ بصائرنا، وثبتنا على الحق حتى نلقاك، واجعل حديثنا حديث قلب لقلوب، أنت أكرم مسئول على الدوام، وأحق من يُرْتَجَى منه حسن الختام. صور وعبر الحلقة الثانية (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يفْتَرَى)

أحبتي في الله: إن الصحابة الأبرار كما تعلمون هم حملة الإسلام وحفظته بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، اختارهم الله واصطفاهم لصحبة نبيه، ونشر رسالته من بعده، عدَّلهم وزكَّاهم، ووصفهم بأوصاف الكمال في غير ما آية من كتابه، رضي الله عنهم ورضوا عنه، نوعٌ فريد من الرجال،عدول ثقات صالحون، حازوا قَصبَ السبق في كل شيء، لم تعرف البشرية لهم نظيرًا، قمة في التقوى والورع، آية في التجرد والإخلاص، مِشْعَل في العلم والعمل، نِبْرَاس في الدعوة إلى الله.
تالله لقد وردوا الماء عذبًا زلالا وأيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحدٍ مقالا فتحوا القلوب بالقرآن، وفتحوا القرى والمدائن به وبالسنان، هم أنصار الدين في مبتدأ نشأته، بذلوا المُهج يوم بخل أهل الدراهم بدراهمهم، رجال المغارم يوم يندس المغمورون في ثيابهم، هم لله -عز وجل- قلوبًا وأبدانًا ودماءً وأموالا، لم يجعلوا همَّهم حشو البطون، ولا لبس الحرير، ولا الإغراق في النعم، حفظوا الشرع من أهواء الزائغين، وحموا الملة من زحف المناوئين، شهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، حملوا الوحْيَين، وحضروا البيعتين، وصلَّوا -أو أغلبهم صلى- إلى القبلتين. كلهم له همٌّ، وهمهم رفعة لا إله الله، كلهم له قصد، وقصدهم الجليل في علاه، خرجوا من أموالهم لله ولرسوله، فما شفا ذلك لهم غليلا، فأبوا إلا أن يقدموا الجماجم، ويسيلوا الدماء، ويستعذبوا العذاب في ذات ربهم، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأكرم في جنات الخلد مثواهم.
بيضُ الوجوه ترى بطون أَكُفِّهِم *** تندى إذا اعتذر الزمانُ الممحلُ
من كان متأسيًا فليتأس بهم؛ فهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، وأقومها هَدْيًا، وأحسنها حالا.
همُ الرجال بأفياء الجهاد نَمَوْ *** وتحت سقفِ المعالي والنَّدى وُلِدُوا
جباهُهم ما انحنت إلا لخالقها *** وغير ملةِ أبدع الأكوان ما عبدوا
الخاطبون من الغايات أكرمها *** والسابقون وغير الله ما قَصَدُوا

ومن هنا: فإن الكلام عن هؤلاء العظماء، وكشف الستار عن الصفحات الناصعة التي سطروها، واجب محتم علينا في هذا العصر في هذا العصر الذي نعيش فيه معمعة الأفكار، واضطراب الموازين، وموالاة الكفار، والوقوع في الصحابة الأبرار. واجب؟ نعم لردع أهل الهوى من الزنادقة والملاحدة، وأهل الكفر والابتداع الذين انتقصوا وسبُّوا خير جيل وطائفة وُجِدَت على وجه الأرض، لا لشيءٍ إلا لأنهم حَمَلة الإسلام، ورواة الأحاديث التي تهدم بِدَعهم، وتُظهر ضلالهم، وتُبْرز خُبْث طوَّيتهم، قاتلهم الله، وقاتل كل من حادَ عن كتاب الله وسُنَّة مصطفاه، واتَّبع غير سبيل المؤمنين. فهَلُمَّ هلم، وحي هلا بكم –أيها الأحبة- لنعيش الليلة معكم في ظلال محطة صور، ومائدة عبر من حياة عَلَم آخر في سلسلة أعلام هذه الأمة المباركة. علم يجب على الأمة أن تجعله وصحبه حديث شيوخها في السمر، وقصص أطفالها الذين لطالما أشغلوا بالقصص الهابط، والرسوم المتحركة، وحديث شبابها في منتدياتهم ونواديهم التي لطالما شغلت بالحديث عن اللاعبين والفنانين والساقطين والساقطات، إنه من أظهر إسلامه يوم كانوا يخفونه، إنه من تقلَّد سيفه وتنكب قوسه، وأخرج أسهمه وأتى الكعبة وأشراف قريش في فنائها، فطاف سبعًا رغم أنوفهم، وصلى ركعتين، وأتى حلقهم واحدة واحدة يقول: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه، وييتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه أحد. إنَّه مرقع القميص، وبين يديه الغالي والنفيس، إنَّه من يسلك الشيطان فجًا غير فجه، إنَّه الوقَّاف عند كتاب الله، المجاهد في سبيل الله، إنَّه القِيَم والمُثُل بعينها، وما أروع المثل يوم تكون رجالا فتكون الأخلاق فِعالا، إنَّه العادل إنْ ذكر العادلون، هو من سهر لينام الناس، وجاع ليشبع الناس، هو من جعل كبير المسلمين أبًا، وأوسطهم أخًا وأصغرهم ولدًا، هو من لا تأخذه في الله لومة لائم، هو قائل الحق ولو كان مرًّا، إنَّه من اشترى أعراض المسلمين من أحد الشعراء بثلاثة آلاف درهم، حتى قال ذلك الشاعر:
وأخذت أطراف الكلام فلم تدعْ *** شَتْمًا يضر ولا مديحًا ينفعُ
ومنعتني عِرض البخيل فلم يَخَفْ *** شتمي وأصبح آمنا لا يفزعُ
زلزل عروش الظالمين، ودكَّ قلاع الأكاسرة والقياصرة، وخضعت لعدالته الجبابرة والأباطرة، وهَوَت عناكب الظلم أمام رايات عدله الخفَّاقة وفتوحاته المظفرة، فَأَرْغَم أنوف الروم، وحطم كبرياء الفرس، وأخرج المغضوب عليهم –اليهود- من جزيرة العرب بغدرهم ونقضهم العهود، أخرجهم أذلةً صاغرين، إنَّه الزاهد العالم العابد الغيور الخائف من الله، وكفى أظنكم قد عرفتموه، إنَّه [عمر بن الخطاب] -رضي الله عنه وأرضاه-، ولعنة الله على من أبغضه وعاداه، نور أضاء سطور التاريخ، وغرة في جبين الزمان، أُمَّة في رجل، إمام همام، مميت الفتن، ومحيي السُّنَنَ. عمر الذي لا يجهله أحد، وفي نفس اللحظة قلَّ أن يعرفه أحد في هذا العصر. يعرف بعضهم بعض أخباره، ونتفًا من نسبه وأعماله ، أما روح تلك الأخبار فلا يدركها إلا من تأملها من الأخيار، وإني لأرجو الله أن نكون وإياكم من أولئك الأبرار.
مراكبُ أهل الهوى أتخمت *** نزولا ومركبنا صاعدُ
إذا عدد الناس أربابهم *** فنحن لنا ربنا الواحدُ
إلى صور ذات عبر من حياته، وعذرًا لن نفيه حقه في هذه العُجالة
فأعلامُه في كل أرض خوافقُ *** يدين بها شرقٌ ويخضع مغربُ
لكن حسبنا أن نقف عند بعض صور من حياته؛ وقفة عظة وتدبر واقتداء، ولأهل الهوى ردع وزجر، هاهي محطتنا الليلة محطة عُمَريَّة ، فهل أنتم نازلون؟ وهذه مائدتنا فهل أنتم إليها مائلون؟ أم أنكم لا ترغبون، معذرة لأصحاب البطون؛ أعني من لأجل رفع مستواهم المعيشي يكدون، ويقلقون في الكلام عن المسكن والسيارة والأثاث والراتب لا يملون، وعلى هامش الحياة بلا رسالة، يعيشون بهائم في مسالخ البشر وهم لا يشعرون، هتافهم دائمًا وأبدًا أين الصُحُون، مائدتنا تعتذرهم ثم تعتذرهم وتقول: إلىَّ إليَّ أيها المتيقظون العاملون المتدبرون، ومن بِسَلَف الأمة يقتدون، ومن عن التُرَّهات يترفَّعون، أنتم جميعًا مدعوون، وأنتم إن شاء الله رابحون. (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مما يَجْمَعُونَ)
يا ربُ أنت العليم بظاهري وبباطني *** بالسر بل أخفى وبالإعلانِ
أنت السميع لمنطقي وحروفه *** أنت الخبير بموقفي ومكاني
إن لم أكن أهلا لتوفيقٍ فمُن *** فلأنت أهل المَنِّ والإحسانِ
يا ربُ أنت المُرتجى والمُبتَغَى *** وأنا الفقير بذلتي وهواني
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحَزَنَ إذا شئت سهلا.

الصورة الأولى: علم عمر- رضي الله عنه- أنَّ الخلافة أمانة لا استعلاء، وتكليف لا تشريف، وغُرْمٌ لا غُنْم، فقام يمشي في الأسواق بلا مواكب ولا مراكب، يطوف الطرقات يقضي حاجات الناس ويقضي بينهم، يَخْلُفُ الغزاة في أهلهم، يتفقد أحوال رعيته، همُّهم همُّه، وحزنهم حزنه، لينٌ، قوي، حازم، رحيم، راعٍ أمين، يقول تحت وطأة المسئولية كما روى [مجاهد] عن [عبد الله بن عمر] يقول: لو مات جَدْيٌ بطرف الفرات لخشيتُ أن يحاسب الله به عمر يوم القيامة. وفي رواية: لو عثرت دابة بضفاف دجلة لخشيتُ أن يسألني الله عنها لِمَ لمْ تُمهِّد لها الطريقَ يا عمر؟ يا لله! كلمات تدعو للتأمل في شخصية ذلك الرجل الذي ضربت به الأمثال في العدل والزُّهد والحرص على رعاية الأمة بالليل والنهار. فلا عبقري يفري فريه في ذلك العهد وفي ذلك الزمن. وبالمناسبة يذكر المؤرخون أن حمامة باضت في فسطاط [عمرو بن العاص] والي مصر آنذاك، فلما عزم على الرحيل أمر عماله أن يخلعوا الفسطاط، فلفت أنظارهم عش حمامة فيه بيض لم يفرخ بعد، فلم يُزْعِجُوا الحمامة، ولم ينتهكوا حرمة جوارها، بل أوقفوا العمل، وذهبوا إلى عمرو –رضي الله عنه- يعرضون عليه الأمر، ويأخذون رأيه فيها، فقال: لا تُزْعِجُوا طائرًا نزل بجوارنا، وحلَّ آمنًا في رحالنا، أجِّلُوا العمل حتى تَفْرُخَ وتطير. فيا للعظمة! ويا للرحمة! حتى الطير ينعم في ظل الأمن والعدل! مع العدول- رضوان الله عليهم- أيها الأحبة: إن المسلم وهو يستعرض مثل هذه المواقف ليأسى ويحزن يوم يصبح المسلم في عالمنا الإسلامي يتمنى أن يحظى بالاهتمام الذي كان يحظى به الحيوان والطير، في زمن عمرو، وعمر- رضي الله عنهما وأرضاهما- وأعود فأقول وأكرر مرارًا وتكرارًا: كل ذلك بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير، من هادن الأفعى تجرع سمها يومًا ما، ثم أثَنِّي فأقول: هنيئًا ثم هنيئًا لمن اكتحلت عيناه برؤية ذلك المجمع وذلك الجيل، الذي عمَّ عدله الطير والحيوان، اللهم وقد حرمنا رؤيتهم في الدنيا فلا تحرمنها في الآخرة؛ في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

صورة أخرى: كان يرى مسئوليته عن كل فرد في سربه وأيِّمًا في بيتها ورضيع في مهده هو القائل: ما مثلي ومثل هؤلاء إلا كقومٍ سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفق علينا، فهل له أن يستأثر منها بشيء؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين، قال: فكذلك مَثَلِي ومَثَلُكُم.
في عام الرَّمادة؛ وهو عام شديد القحط والجدب، ما قُدِمَت له لقمة طيبة فأكلها بل كان يؤثر بها الفقراء والمساكين، يوم زار الشام جِيء له بطعامٍ طيب، فنظر إليه وقال: يا لله! كل هذا لنا، وقد مات إخواننا لم يشبعوا من خبز الشعير؟! والله لا أطعمه.
إن جاع في شدةٍ قومٌ شَرَفْتَهُم *** في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها
جوع الخليفة والدنيا بقبضته *** في الزهد منزلة سبحان مُوليها
يتغير لونه في عام الرمادة من أبيض حتى يصبح مسودًّا من شدة الهمِّ بأمر المسلمين، يأكل الخبز بالزيت، ويمسح بطنه ويقول- كما رواه [ الإمام أحمد] بإسناد صحيح – :والله لتمرننَّ أيها البطن على الخبز والزيت مادام السمن يباع بالأسواق، والله لا تشبع حتى يحيى الناس. عجزت نساء الأرض أن يُنْجِبْنَّ مثلك يا عمر. يقول أسلم -كما في تاريخ عمر [لابن الجوزي]-: كان يقوم يصلي من الليل، فيذكر ما حلَّ بالمسلمين فلا يدري ماذا يصلي، يقول: إني لأفتتح السورة فما أدري أنا في أولها أم في آخرها، لما أعلم مما يلاقي المسلمون من الشدة. وحدث [الواقدي] قال: حدثنا [هشام] عن [سعد عن زيد بن أسلم] عن أبيه قال: لما كان عام الرَمَادَة جاءت وفود العرب من كل ناحية فقدموا المدينة، فأمر عمر رجالا يقومون بمصالحهم، فسمعته يقول ليلة من الليالي: أحصوا من يتعشى عندنا، فأحصوهم في القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، أما المرضى والعيال الذين لا يحضرون تلك المائدة فقد بلغوا أربعين ألفًا، فكان يرسل إليهم عشاءهم في بيوتهم. فما برحوا حتى أرسل الله السماء. فوكل عمر بهم من يخرجهم إلى البادية ويعطيهم قوتًا، وحملانًا، ومتاعًا، وكان قد وقع الموت فيهم فأراه قد مات ثلثاهم، وقد كانت قدور عمر -رضي الله عنه وأرضاه- يقوم لها العمال من وقت السحر ليعملون الطعام، ونفذ ما في بيت المال، فلم يبق منه قليل ولا كثير. يروي [ابن كثير] في تاريخه: أن عمر عس ذات ليلة في ذلك العام، وقد بلغ بالناس الجهد كل مبلغ فلم يسمع أحدًا يضحك، ولم يسمع متحدثًا في منزله كالعادة، ولم يرَ سائلا يسأل، فتعجب وسأل فقيل: يا أمير المؤمنين قد سألوا فلم يجدوا فقطعوا السؤال؛ فهم في همٍّ وضيق، لا يتحدثون ولا يضحكون، ولا يمزحون، فيا لله! ماذا يفعل عمر؟ قد نفد كل ما في بيت المال، فألزم نفسه ألا يأكل سمينًا؛ فكان يبث له في الخل بالزيت حتى اسودَّ لونه، وتغير جسمه، وخشي عليه خشية عظيمة – رضي الله عنه وأرضاه – وتبلغ الأمور ذروتها، وحينها يلجأ مضطرًا إلى الله عالمًا علم يقين أن رفع البلاء بالتوبة والاستغفار، لا بفصاحة المتشدقين، وتصدي المتبجحين، فعن [أبي وِجْزة السعدي] عن أبيه قال: رأيت عمر خرج بنا يوم الرمادة إلى المصلى يستسقي فكان أكثر دعائه الاستغفار حتى قلت: لا يزيد عليه، ثم دعا الله وأوصى الناس بتقوى الله- عز وجل- فقال: اتقوا الله في أنفسكم، وما غاب عن الناس من أمركم، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، فما أدري السَّخطة عليّ دونكم أو عليكم دوني، أو قد عمَّتكم وعمتني، فهلمُّوا فلندعُ الله أن يصلح قلوبنا، وأن يرحمنا، وأن يرفع عنا البلاء، فرُئِيَ يومها رافعًا يديه يدعو الله ويبكي، والناس يدعون وراءه ويبكون، ثم نزل فلم يزلْ هذا شأنه حتى جاءت الرحمة من الله، وأذن الله للناس بالغياث والفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، فله الحمد أولا وآخر، وظاهرًا وباطنًا. أيها الأحبة: هذه مؤهلات الفرج، وهذه مؤهلات الغوث من رب العالمين؛ الجباه الساجدة لله، والعيون الدامعة من خشية الله، والأيدي المتوضئة المرتفعة يا رب يا رب ، ومطعمها حلال ومشربها حلال ، وتغذيتها حلال فأنى يرد من هذا حاله؟ يقول [أسلم]: فلو لم يرفع الله المحل عام الرمادة؛ لظننا أن عمر يموت همًا بأمر المسلمين رحم الله عمر ورضي عن ذلك النموذج. قد عرف مسئوليته تجاه رعيته، وراقب الله فيمن تحت ولايته، فأحبهم وأحبوه ورضي عنهم ورضوا عنه ، عفَّ فعفوا وصدق فصدقوا ولو رتع لرتعوا
ما كان إلا الشمس يسطع ضوؤها *** والخصب في أرض الضلال الماحلِ
قف أيها التاريخ سجل صفحةً *** غراء تنطق بالخلود الكاملِ
حَرِّك بسيرته القلوب وقد قست *** وعدت بقسوتها كصُمِّ جنادلِ

صورة أخرى: روى [الإمام أحمد] بإسناد حسن في الفضائل ، قال: عن [زيد بن أسلم] عن أبيه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى <حرة واقم>، حتى إذا كنا بمرتفع إذ بنار بعيدة فقال عمر: يا أسلم إني لأرى هناك ركْبًا حبسهم الليل والبرد فانطلق بنا، قال: فخرجنا نُهَرْوِلُ حتى دنونا منهم، فإذا هي امرأة معها صبية صغار، وإذا بِقِدْر منصوبة على النار، وصبيانها يتضاغون، فقال: السلام عليكم يا أهل الضوء - وقد كره أن يقول: يا أهل النار- قالت: وعليكم السلام، قال عمر: أأدنو؟ قالت: ادْنُ بخير أو دع. فدنا فقال: ما بكم قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: فمالِ هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: فأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ماء أُسْكِتَهُم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر. كلمات يهتز لها قلب وجنان كل مؤمن، فما بالك بعمر؟ يقول: أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا، ثم يغفل عنا، الله بيننا وبينه. قال [أسلم]: فأقبل عليَّ عمر به ما به، يقول: انطلق، فأتينا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلا من دقيق، وكبَّة من شحم، ثم حملها عمر على ظهره، فقلت: أحملها عنك يا أمير المؤمنين، قال: لا أمَّ لك، أتحمل عني وزري يوم القيامة؟! قال: فانطلقنا حتى أتيناها، فألقى العدل عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، وجعل يقول: دُرِّي عليّ وأنا أُحرِك، وجعل ينفخ تحت القدر، والدخان يتخلل لحيته، فلو رأيته لرأيت عجبًا، ثم أنزل القدر فأتته بصحفة فأفرغ فيها الطعام، ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم، فلم يزل كذلك حتى شبعوا، ثم ترك عندها فضل ذلك الطعام، ثم قام وهي تقول: جزاك الله خيرًا. كنت أولى بهذا الأمر من عمر، قال: قولي خيرًا قولي خيرًا، ثم تنحى عنهم ناحية واستقبلهم وقد رَبَضَ مَرْبَضًا يراقبهم، يقول أسلم: فقلت إن له لشأنًا وهو لا يكلمني حتى رأى الصبية يصطرعون، ثم ناموا، فقال يا أسلم: ما أسهرهم إلا الجوع، فأحببت ألا أنصرف حتى أرى ما رأيت. يا لها من كلمة تكشف عن رهافة الحس ونقاء الضمير! كل ذلك قبل أن يعرف العالم حقوق الطفولة، وقبل أن تُنْشأ لها المنظمات العالمية، سبق الإسلام إلى تقري حقوق الطفولة والأسرة فرضي الله عن عمر وعن صحبه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قرر مثل هذه الحقوق.

أيها الأحبة: إن هذه الصورة لتذكرنا بصورة أخرى مضيئة في حياة عمر- رضي الله عنه وأرضاه- يذكر [الأوزاعي] أن عمر خرج في سواد الليل، فرآه طلحة فتبعه، فذهب عمر حتى دخل بيتًا، ثم خرج منه وطلحة يراقبه، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يتعهدني منذ كذا وكذا يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فجزاه الله عني خيرًا. فيقول طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتتبع؟ يا لله! هل يفعل الواحد منا مع أهله ما يفعله عمر مع رعيته؟ لا، إنه الإيمان الذي وقر في القلب وصدقه العمل، فلا والله لا ينساه الأيامى والثكالى واليتامى مادام في الأرض أيْمٌ أو ثكلى أو يتيم، ولا والله ما تنساه البطون الجائعة والأكباد الظامئة ما دام في الأرض بطن جائع أو كبد ظمأى.
فمن يباري أبا حفصٍ وسيرتَه *** ومن يحاول للفاروقِ تشبيها
ومن رآه أمام القدر منبطحًا *** والنارُ تأخذ منه وهو يُزْكِيْهَا
وقد تخلل في أثناء لحيته *** منها الدخان وغاب فُوهُ فِي فِيهَا
رأى هناك أمير المؤمنين على *** حالٍ تروع لعَمْرِ الله رائِيْهَا
يستقبل النارَ خوف النارِ في غَدِه *** والعَيْنُ من خشيةٍ سالت مآقِيها

صورة أخرى: كان- رضي الله عنه- عظيم التواضع للخلق والحق، وكل الصور تدل على ذلك. رفعه الله بتواضعه درجات في الجنة. فعن [الفضل بن عميرة] أن [الأحنف بن قيس] قدم على عمر في وفد من العراق في يومٍ صائفٍ شديد الحر وهو محتجز بعباءة، يهنأ بعيرًا من إبل الصدقة، فقال: يا أحنف ضع ثيابك، وهلم فَأَعِنْ أمير المؤمنين على هذا البعير؛ فإنه من إبل الصدقة، فيه حق لليتيم والمسكين والأرملة، فقال رجل من القوم: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين، هلا أمرت عبدًا من عبيد الصدقة يكفيك هذا، قال عمر: ثكلتك أمك، وأُيُ عبدٍ هو أعبد مني ومن الأحنف. إنه من ولي أمر المسلمين فهو عبد المسلمين، يجب عليه ما يجب على العبد لسيده من النصيحة وأداء الأمانة، فيا لله! ورب عمر إن مشهدًا كهذا خير من الدنيا وما فيها. يقول [عبد الله بن عمر بن حفص]: إن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- كان يحمل القِرْبَة على عنقه، فيقال له في ذلك. فيقول: إن نفسي أعجبتني فأردتُ أن أذلها. بل إنه لربما أخذ بيد الصبي يلقاه، فيقول: له ادْعُ لي؛ فإنك لم تذنب قط. بل إن [ابن عباس] –رضي الله عنه- دخل عليه يوم طُعِنَ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، أسلمت حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله حين خذله الناس، وتوفيَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك رجلان. فقال عمر: أعد، أعد. فأعاد. فقال عمر: المغرور مَنْ غُرَّ. ولو أن لي ما على ظهرها من بيضاءَ وصفراءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطلع، وددتُ أني أنجو كَفافًا لا أجر لي ولا وزر. (تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) وكان متواضعًا للحق يقبله في السر والعلن، لقد كان بينه وبين رجل كلام في شيءٍ – كما أورد [ابن الجوزي] في تاريخه – فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين. فقال له رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟! فقال له عمر على الفور: دعه، فليقلها لي، نِعْمَ ما قال. لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم. يا ليت هذه الكلمة تكون عنوانا ولجامًا يلجم به نفسه كل من ولي من أمر المسلمين شيئًا صَغُر أو كَبُر إذًا لصلح الحال، وتغيرت الحال، وكسدت سوق النفاق. ولكن أشد عيوبنا أنَّا إذا ما نُصِحْنَا خَدَّرتْنَا الكبرياء.
كان خوفه من الله عظيمًا بل ما قاده وحاده لتلك الأعمال المُشْرِقَة الخالدة إلا خوفه من الله – عز وجل – كان يمر بالآية فيغلبه البكاء وهو يصلي بالناس، حتى يقول ابنه عبد الله: إني لأسمع حنينه من وراء ثلاثة صفوف، وإنَّه لينشج حتى أقول: اختلفت أضلاعه. بل ذُكِر أنَّه خرج يعس ليلة من الليالي فمر بدار رجل من الأنصار، فوافقه قائمًا يصلي، يوم كانت دور المسلمين تعمر بالقرآن لها دوي كدوي النحل، وقف يستمع لقراءته فقرأ (وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مسْطُورٍ) حتى بلغ (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ*مَا لَهُ مِن دَافِعٍ) فقال عمر: قسم حق ورب الكعبة، ثم نزل عن حماره، واستند إلى حائط فمكث مليًا به ما به، ثم رجع إلى منزله فعاده الناس، لا يدرون ما مرضه؟ هذه حاله مع آية من آيات القرآن. فما حالنا مع كتاب الله ؟
عُمْيٌ عن الذكر والآيات تَنْدُبُنَا *** لو كلَّم الذِّكْر جُلْمُودًا لأبكاهُ
كان شديد المحاسبة لنفسه، يقول أنس: خرجت مع عمر فدخل حائطًا، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر أمير المؤمنين بخٍ بخٍ والله لتتقين الله أو ليعذبنك الله ، فهلا خلا أحدٌ منَّا بنفسه يعاتبها ويحاسبها، علها أن تذكر الله فتسبل دمعة يستحق بها أن يكون ممن يستظل بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، نشكو إلى الله قسوة قلوبنا وغفلتنا، ونسأله بعزته وقدرته أن يلين قلوبنا فيه حتى تكون ألين من الزبَد. هو ولي ذلك والقادر عليه.

صورة أخرى أيها الأحبة: إن الزهد في الدنيا، والإعراض عن طلب زينتها، والعزوف عن شهواتها، من كمال الإيمان، ورجاحة العقول. إذ الدنيا حقيرة، وزينتها خداع وسراب، شهواتها آلام تدفع بآلام، عرف ذلك الفاروق فركلها وقد أناخت عند قدميه. وذلك –والله- هو الزهد بعينه. ذكر [السيوطي] في كتابه تاريخ الخلفاء الراشدين أن [ابن سعد] أخرج أن [حفصة] [وعبد الله] ابني عمر كلموا عمر فقالوا له: لو أكلت طعامًا طيبًا كان أقوى لك على الحق. قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم ، قال: قد علمت نصحكم لي، ولكني تركته، لقد تركني صاحباي على جادة؛ يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل.
له أمنياتٌ قَدَّسَ الله سِرَّها *** لتحقيقها في الأرض يرسو ويبحرُ
يَكِلُّ جناح النسر دون بلوغها *** وفي دربها الخيل الأصيلة تعثرُ
يذكر [القرطبي] في تفسيره عن [قتادة] أنه قال : ذُكِرَ لنا أن عمر-رضي الله عنه-قال : لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعامًا وألينكم لباسًا ولكني أستبقى طيباتي للآخرة. قال: ولما قدم الشام صُنِعَ له طعامٌ لم يُرَ مثله، قال: هذا لنا! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير؟ فقال [خالد بن الوليد]: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر بالدموع، وقال: لإن كان حظنا من هذه الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حظهم بالجنة، لقد باينونا بونًا بعيدًا، ثم أجهش بالبكاء
يهفو إليهم لعل العيش يهنأ له *** ما بين صحب وأرحام وإخوان.

ورد المنى
12-03-2003, 05:51 PM
لقد تلَقَّى الزهد دروسًا عملية تربوية من سيد الزاهدين محمد – صلى الله عليه وسلم – فاسمع يوم يروى [مسلم] فيقول: دخل عمر على النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو في مشربة له، فالتفت في بيت رسول الله – صلى الله عليه – وسلم فلم يجد شيئًا يَرُدُّ البصرَ إلا جلودًا قد سطع ريحها، ورسول الله مضطجع قد أثرت حبال السرير في جنبه الشريف – صلى الله عليه وسلم – فتدمع عينا عمر-رضي الله عنه –فيقول – صلى الله عليه وسلم -: ما بك يا [عمر]ٍ؟ فيقول: أنت رسول الله وخِيرته من خلقه على هذا، [وكسرى] [وقيصر] في الديباج والحرير وما تعلم؟! فاستوى – صلى الله عليه وسلم – جالسًا وقال: "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك أقوام عُجِلَت لهم طيباتهم في الدنيا. أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الأخرى"؟ أو كما قال: صلى الله عليه وسلم (وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)
تموت الأُسْد في الغابات جوعًا *** ولحمُ الضأن تأكله الكلابُ
وعبد قد ينام على حرير *** وذو نسب مفارشه الترابُ
بمثل هذا الدرس النبوي الشريف تشبعت روح عمر بمعاني الكمال، وأصبح في ذلك نعم المثال. يدخل بيته ذات يوم وقد أصابه الجوع، فقال: أعندكم شيء؟ فقالت امرأته: نعم ما تحت السرير، فتناول وعاءً من تحت السرير فيه تمر فأكل ثم شرب من الماء ثم مسح على بطنه، وقال: الحمد لله، ويل لمن أدخله بطنه النار! ويل لمن أدخله بطنه النار! ونهدي هذه المقالة للذين لا يتورعون، أأكلوا من حلال أو حرام؟ ويل لمن أدخله بطنه النار! هاهو عمر والرهط المؤمنون معه أمام غنائم كسرى من الفرس؛ بساط كسرى وسواريه وجواهره وحلله وأمواله، وبينما هو كذلك إذ بعينه تذرف الدموع حَرَّى يكفكفها بطرف ثوبه. ويدهش الصحابة، ويقولون: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فينهد باكيًا، قائلا: فدت نفسي رسول الله وهو الأحب إلى الله منا، فدت نفسي أبا بكر وهو عند الله خير منا، والَهْفَ نفسي! مَضَوا إلى الله وخلفونا، ولم يَرَوا من زهرة الدنيا شيئًا، ثم فُتِحَ علينا من الدنيا ما ترون، وأخشى أن تكون طيبات عجلت لنا. فضج المسجد بالبكاء فما تسمع إلا النشيج والحنين. إيه يا عمر ! قد عشت عمرك زاهدًا في كل ما جمع البشر، أتعبت من سيجيء بعدك في الإمارة يا عمر.

صورة أخرى: أورد [ابن كثير] في تاريخه عن [قيس بن الحجاج] قال: لما فُتِحَت <مصر> أتى أهلها إلى [عمرو بن العاص] حين دخل بؤونة شهر من أشهر العجم فقالوا له: أيها الأمير؛ إن لنيلنا هذا سُنَّةٌ لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ فقالوا: إذا كانت اثنتي عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أباها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل، فقال لهم عمرو –رضي الله عنه-: إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، ومنعهم فأقاموا ثلاثة أشهر والنيل لا يجري منه قليل ولا كثير فتنة وابتلاء من الله حتى هموا بالجلاء من مصر، فلما رأى عمرو بن العاص ذلك الأمر وما حل بهم، كتب إلى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- بذلك فكتب إليه عمر: لقد أصبت بالذي فعلت والإسلام يهدم ما قبله، ثم كتب بطاقة داخل كتابه، وقال لعمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل إذا أتاك الكتاب، فلما قدم كتاب عمر أخذ البطاقة فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد، فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأله أن يجريك. فألقى عمرو البطاقة في النيل، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها؛ لأنها لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا وقد أجراه الله ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة فقطع الله عادة السوء تلك عن أهل مصر إلى اليوم. الله أكبر من أطاع الله وصدق وأخلص مع الله طَوَّعَ الله له كل شيءٍ طَوَّع له الجبال والأنهار والقلوب والأرواح وأتته الدنيا راغمة.
فتقوى الله خير الزاد زخرًا *** وعند الله للأتقى مزيدُ

صورة أخرى: لقد كان عمر -رضي الله عنه- فقيهًا متأدبًا بأدب الخلاف، وكذلك كان صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رضوان الله عليهم، فالخلاف عندهم لا يفسد الود. لِمَ ؟ لأن الهدف عندهم هو إحقاق حق وإبطال باطل، فليظهر الحق على أي لسان. يقول [ابن مسعود] –رضي الله عنه-: لقد اختلفت مع عمر- رضي الله عنه- في مسائل تربو على مائة مسألة ،والسؤال الذي يفرض نفسه، هل أنقص هذا من حب عمر عند ابن مسعود أو العكس؟ لا والله، والشواهد تشهد بذلك، يقبل ابن مسعود يومًا على عمر –رضي الله عنه- وهو جالس ، فلما رآه عمر هشَّ له وبشَّ وقال: كَنِيف مُلئ علمًا وفقهًا، هكذا كانت نظرة عمر- رضي الله عنه- لأخيه نظرة تجردت عن الهوى والشهوة، فالحق مقصدها والصدق غايتها، فما نظرة ابن مسعود لعمر الذي اختلف معه فيما يربو على مائة مسألة . اسمع أخي الكريم: يأتي ابن مسعود اثنان أحدهما قد قرأ على عمر والآخر على صحابي آخر فيقول ابن مسعود للأول: من أقرأك القرآن؟ قال: أقرأنيه عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فيجهش ابن مسعود بالبكاء حتى ابتلت الحصى بدموعه، ويقول: اقرأ كما أقرأك عمر؛ فإنه كان للإسلام حصنًا حصينًا يدخل فيه الناس ولا يخرجون، فلما أُصِيْبَ عمر انْثلم الحصن. لا غرابة في هذا القول من ابن مسعود- رضي الله عنه-؛ فهو القائل بعد وفاة عمر -كما روى [الإمام أحمد] في فضائله بسند حسن-: لقد أحببتُ عمر حبًّا حتى لقد خفت الله، والله لو أني أعلم كلبًا يحبه عمر لأحببته، ولوددت أني كنت خادمًا لعمر حتى أموت، ولقد وَجَد فَقْده كل شئ حتى العِظَاه. إن إسلامه كان فتحًا، وهجرته نصرًا، وسلطانه رحمة، ثم يقول أخرى -كما أخرج الطبراني-: لمجلس واحد من عمر أوثق عندي من عمل سنة، لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر- رضي الله عنه- بعلمهم، ولقد ذهب بتسعة أعشار العلم.

أيها الأحبة: إن هذه الصور المضيئة من تاريخنا لتذكرنا بصفحات أخرى من صفحات سلفنا الكرام في أدب الخلاف فإليكُمُوها فَعُوها واسمعوها، يتناظر ذات يوم [يونس بن عبد الأعلى] [والشافعي] -عليهما رحمة الله- فاختلفا في مسألة، وانفضت المناظرة، ولم يتفقا. يقول يونس: فوالله -الذي لا إله إلا هو- ما رأيت أعقل من الشافعي، جاءني في بيتي، وطرق بابي ودخل وسلَّم عليَّ، ثم أمسك بيدي بحنان وتحنان، وقال: يا [أبا محمد] ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟ ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟ لا ريب أن يقول ذلك الشافعي -رحمه الله- وهو القائل: ما جادلت أحدًا إلا وتمنيت أن يكون الحق بجانبه. هذا الكلام المضيء نهديه إلى الذين تضج بهم الساحة الإسلامية هذه الأيام، ممن يخيل لأحدهم أنه أعلم العلماء وأحكم الحكماء، فلا يعرف توقيرًا لكبير، ولا يجلُّ عالمًا، ولا ينظر إلى أحد أنه يستحق الاحترام إلا نفسه، فيقع في عِرْض هذا، ويُعَجِّلُ هذا، ويَجْرَح هذا.
وليس جراحهم في الجسم لكن *** جراح النفس تفتك بالرجالِ
زيادة على أنْصِبَاء العلم *** كواو عمرو أو كنون الملحق
تجد الواحد منهم يفكر بعقل غيره، ويسمع بأذن غيره، ويرى بعين غيره، ما قاله فلان هو الحق وما عداه فهو الباطل.
فلو لبس الحمارُ ثياب خَزٍ *** لقال العمى يالك من حمارِ

ونقول لهم وللكل: ألا نكون إخوة إلا إذا اتفقنا تمامًا في كل مسألة؟ منذ متى اتفق الناس؟ هاهم صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قادة الناس، ومعادن العلم، وأولى الناس بكل فضيلة، يختلفون لكن انظر إلي اختلافهم وهم الأسوة والقدوة؛ تجده رفيعًا لا يفسد ودًا، ولا يكسر قلبًا، ولا يخدش عرضًا، إنما يحق حقًا ويبطل باطلا، يا طالب العلم، يا أخي الكريم: أتفرقني عنك مسألة؟ فترفع عقيرتك عليَّ، ولا تجمعني بك ألف مسألة اتفقنا عليها! هل هذا من العدل؟ هل هذا من الإحسان؟ (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ) هلا جمعتنا أخوة الإيمان؟ كل شيءٍ بعد ذلك يأتي، ستكون الأخوة أقوى فتطغى، وكلنا ينشد الحق والحق أحق أن يتبع، والتجرد عن الهوى مطلب، لكنه عزيز المنال صعب المدرك، وما يلقَّاه إلا الصابرون. هاهو الإمام [مالك بن أنس]- عليه رحمة الله- دخل المسجد ذات يوم وجلس، فغضب عليه أحد الغلمان قائلا له: قُم فَصَلِّ ركعتين، فقام وصلى ركعتين، فأنكر عليه بعض شياطين الإنس قائلا: أتسمع لغلام وأنت الإمام؟ فقال الإمام مالك: خشيت أن أكون ممن قال الله فيهم: (وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ) الله أكبر، أين نحن -طلبة العلم -من هذا الفقه، وأولئك الفقهاء الذين بطريقتهم تلك استصغروا أنفسهم في الحق فاستعظمهم الناس، وتحركت بأعمالهم عوالم بأسرها وما زالت تتحرك؟ إن من طلبة العلم اليوم من يتسرب إلى نفسه الكمال الزائف، فيرى في نفسه العلم كله والحكمة كلها، ويحصد فيها الهداية الكاملة، ويستفقد كل ذلك في الآخرين.
أوردها سعد وسعد مشتمل *** ما هكذا تورد يا سعد الإبل
إن دعاة الأمة وعلماءها المخلصين الصادقين هم الذين يلتزمون منهج القرآن في كل شيء، يلتزمونه في الحوار، وفي الرد، ولا ينساقون وراء حب الظهور والانتصار للنفس والتشفي، ولا يفرون من مرارة الصبر على الاعتراف بالخطأ الذي يمثل عاملا مُهِمًّا في تأهيل أئمة يهدون بأمر الله. (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)

صورة أخرى: أورد [ابن الجوزي] في مناقب عمر خطبة عظيمة، وأوردها [ابن سعد] في طبقاته، قال فيها: أيها الناس؛ ألا إنما كنا نعرفكم إذ بين أظهرنا النبي –صلى الله عليه وسلم- وينزل الوحي وينبئنا الله أخباركم، ألا وإن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قد انطلق وانقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما تقولون، مَن أظهر خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه، ومن أظهر شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا وإنه قد أتى عليَّ حين وإنما أنا أحسب أن مَن قرأ القرآن يريد الله وما عنده، ثم خُيِّل إليَّ بآخرة أن رجالا قد قرؤوه يريدون ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم، ألا وإني –والله- ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلتهم ليعلِّموكم دينكم وسننكم، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إليَّ، فوالذي نفسي بيده إذًا لأقصنَّه؛ أي لأجرين عليه حكم القصاص، فوثب [عمرو بن العاص] فقال: يا أمير المؤمنين؛ أفرأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، أكنت مقصَّه منه، قال: إي والذي نفسي بيده لأقصنه، كيف لا أقصه وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقص من نفسه.
ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم المهالك فتضيعوهم، فإن رجلا من المسلمين أحب إليَّ من مائة ألف دينار. يا للكلام!
كلام ذوي الألباب أهوى وأشتهي *** كما يشتهي الماءَ المبردَ شاربُه
الله أكبر، إنه الحق والسكينة ينطقان على لسان عمر -رضي الله عنه وأرضاه-. هذه رسالة من عمر موزَّعة إلى ثلاثة أصناف؛ أما الأولى فمَنْ وليَ من أمر المسلمين شيئًا صَغُر أو كَبُر تُبَيِّن أن مهمتهم تعليم الدين والسنن، لا إذلال المسلمين، ومنعهم حقوقهم، وضربهم، وإنزالهم المهالك. وهي كذلك رسالة إلى حملة كتاب الله أن يريدوا الله بقراءته. فليسائل حملة كتاب الله أنفسهم ماذا زرع القرآن في قلوبهم ونفوسهم؟ وهي أول الرسالة إلى من يحكم على النيَّات بالفساد، فيظن بكلمات المسلمين شرًا وهو يجد لها في الخير محملا .
تعمى بصائرهم عن كل منحرف *** ويرصدون ذوي التقوى بمرصاد

والرسالة الأخيرة: هذه تذكر برسالة أخرى، وبصفحة أخرى مضيئة في تاريخ هذه الأمة. يوم يدخل [الربيع بن سليمان] على [الشافعي] وهو مريض يعوده، فيقول من ضمن دعائه له: قوَّى الله ضعفك يا إمام، فقال الشافعي: يا ربيع لو قوى ضعفي لقتلني، قال الربيع على الفور: والله -الذي لا إله إلا هو- ما قصدت ذلك يا إمام، فقال الشافعي: يا ربيع؛ والذي لا إله إلا هو لو شتمتني صراحًا لعلمت وتيقنت أنك لم تقصد ذلك. يا لله ! نهدي هذا الكلام مع التحية لبعض الذين يقفون على عبارة لها في الخير ألف محمل وفي الشر محمل، ثم يحملونها على الشر. والله إن الحسرة والألم ليعتريان المسلم يوم يرى الفُرْقَة بين ما ينتسبون لعقيدة واحدة، ومنهج واحد إلى عقيدة أهل السنة والجماعة ومنهجهما. ويحزن أخرى يوم يرى الشيطان وحضور النفس تؤزُّ المسلم أزًّا للفرقة والتنازع والتباغض، وعدوهم واحد يحارب الإسلام وأهله أيًّا كانوا. أهل السنة لا ننكر أنهم لا يختلفوا، قد يقع بينهم الاختلاف حول بعض المسائل التي يجوز فيها الاختلاف، لكن هذا لا يؤدي إلى اختلاف القلوب أبدًا. يا طلاب العلم المخلصين، يا دعاة الحق المبين، ألا من رجعة صادقة إلى الله نرتفع بها على ذواتنا وأشخاصنا وأغراضنا الدنيوية، ألا من رجل رشيد يفكر بعمق المأساة وخطرها على الأمة الإسلامية بأسرها. والله إن لم نسعَ لرَأْبِ الصَّدْع، وبذل الولاء والمحبة لكل مؤمن فإن هناك فتنة وفسادًا كبيرًا سيحل بنا إن لم يتداركنا الله برحمة من عنده، يجمع الله بها شتات القلوب وتتوحد بها كلمات دعاته المخلصين (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) فأي خير إن صدر من أخيك ما لم يمكن حمله على الخير فليُتَعذَّر عنه. ولن يعدم قاصد الخير أن يجد لإخوانه ما يبقي صدره سليمًا، ونفسه رَضِيَّه، فإن لم يكن ولم تستطع ذلك فما كافأ عبد من عصى الله فيه بمثل أن يطيع الله فيه.
فوالله ما مال الفتى بذخيرة *** ولكن إخوانَ الثقات الذخائرُ

صورة أخرى أورد [ابن الجوزي] في مناقبه عن [سعيد بن أبي بردة] قال كتب عمر إلى [أبي موسى الأشعري] قائلا أما بعد فإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته وإن أشقى الرعاة من شقيت به رعيته إياك أن تزيغ فيزيغ عمالك فيكون مثلك في ذلك مثل البهيمة نظرت إلى خضرة الأرض فرعت فيها ترجو بذلك السمن وإنما حسبها في سمنها بمعنى أنها إذا سمنت ذبحت والسلام عليك يا للكلام المزين بالفعال قولوا لمن تشدق بالعدل أين العدل يا متشدق نصيحة توجه إلى من ولي ولاية صغيرة أو كبيرة فهو الناصح رضي الله عنه والمؤمنون من طبعهم النصح والمنافقون من طبعهم الغش وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها والخادم مسؤول في مال سيده ومسؤول عن رعيته وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته وما من راع استرعاه الله رعية فبات غاش لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة.

صورة أخرى: أتمَّ عمر الشوط الكبير الذي بدأه أبو بكر، فأخذ يعدُّ العدَّة لفتح العراق وبلاد فارس بعد أن اطمأن على سلامة الجيش الإسلامي في بلاد الشام، وعرف أن الروم ارتدوا على أعقابهم بعد <اليرموك>. والمسلمون في عهده من نصر إلى نصر. رغب عمر أن يقود الجيوش بنفسه، تَاقَت نفسه إلى الجهاد في سبيل الله، لكن جمهرة المسلمين أشاروا عليه بسعد ابن أبي وقاص -رضي الله عنه وأرضاه- فوافقهم على ذلك، فكانت وقعة القادسية التي ظهرت فيها عزة المسلمين، وذل وهزيمة الكافرين، وقتل عشرات الآلاف من عُبَّاد النار من المجوس، وأيَّد الله دينه ورفع كلمته، وهاب الكفرُ الإسلامَ، فانتشر الإسلام، وتقلَّص الظلام، وفُتِحت المدائن، وعُبِرت الأنهار بفضل الله الواحد القهار. أكرمهم الله بأن يسيروا على الأنهار كما نسير على البيداء، وحاز المسلمون كنوز كسري وقيصر، ولبس سراقة سواري كسري، وتحققت نبوءة الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- في ذلك.
كنا جبالا في الجبال وربما *** صرنا على البحار بحارا
أرواحنا يا رب فوق أكُفِّنا *** نبغي ثوابك مَغْنَمًا وجوارا
ندعو جهارًا لا إله سوى الذي *** خلق الوجود وقدَّر الأقدارا
ومن <القادسية> إلى <نهاوند>.
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به *** نَظْمٌ من الشعر أو نثر من الخطب
وأُطْفئت نار المجوس، وتمزق مُلْك كسري، ولم تقم للمجوس قائمة، وفتحت الشام، وفتح مصر، وفتح بيت المقدس، وتسلم مفاتيحه عمر -رضي الله عنه وأرضاه- وهو يخوض مخاضة في الطين، ويقول: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. وسلمها عمر أمانة لكل من يَخْلُفه، فأين الأمانة يا مسلمون؟ ما الخبر بعد عمر؟ إنه الذل والهوان المكتوب على الأمة متى حادت عن دينها. لقد ابتعد المسلمون عن مصادر عزهم فزلُّوا وحادوا عن رشدهم، فضلوا وألغوا عقولهم، فهانوا، عصوا الله وهم يعرفونه فسلط عليهم من لا يعرفه، فكان الهوان والضياع. وضاعت القدس، ضاعت يوم أميتت في القلوب آل عمران والأنفال وبراءة، ضاعت يوم أُصِمَّت الآذان، واسْتُغْشِيت الثياب عن أصوات الناصحين الصادقين، ضاعت يوم ذُلَّ الأتقياء، وعُزَّ الأشقياء، وأغمدت سيوف الحق، ورفعت سيوف الباطل، يومها فُجِعْنَا بضياعه؛ لأننا أمة لا تستحق أن تُنْصَر.
لكل فاجعة في الدهر سُلْوان *** وما لنكبة أرض القدس سلوان
هذى مآذنه خرساء ذاهلة *** فلا آذان ولا في الناس آذان
بيت مشى أمس في ساحاته عمر *** فكيف يمرح فيه اليوم شيطان
ورفع الله الأتقياء بعمر، وسقط المجرمون، وشرَّق الإسلام في عهده وغرَّب، وأُدِيلت دول، وفُتِحت بلاد، ومُصِّرت أمصار.
يا من يرى عمر تكسوه بردته *** والزيت أُدْمُ له والكوخ مأواه
يهتز كسري على كرسيه فَرَقًا *** من خوفه وملوك الروم تخشاه
أيها الأحبة إن السؤال الذي يطرح نفسه في ثنايا تلك الانتصارات ما التوجيه التي كانت تتلقاه الجيوش المؤمنة في ذلك العهد؟ إنه ولا شك قراءة سورة الأنفال تحت كل راية من رايات المسلمين، فتهشُّ لها القلوب والعيون المؤمنة، وتتنزل معها السكينة والطمأنينة، فيكون النصر. والسؤال الآخر: ما ليل جند الله في جيش عمر؟ يقول [سعد بن أبي وقاص]: لقد كانوا يدوُّون بالقرآن إذا جن الليل، كدويِّ النَّحل، وهم أساد في النهار لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقيَ إلا بالشهادة إذ لم تكتب لهم.
تحيا بهم كل أرض ينزلون بها *** كأنهم في بقاع الأرض أمطارُ
عُبَّاد ليل إذا جنَّ الظلام بهم *** كم عابدٍ دمعه في الخدِّ أجراهُ
وأُسْدُ غاب إذا نادى الجهاد بهم *** هبوا إلى الموت يستلقون لقياه
فاسألوا عن كل نصر خالدا *** واسألوا عن كل عدل عمرا
يا رجال الليل قد طال المدى *** بلغ السَّيل الرُّبا وانحدرا
اصبروا إن عظم الخطب *** فما يدرك النصر سوى من صبرا
وانصروا الله يهبكم نصره *** واشكروه يعطي من شكر

ونحن في ثنايا انتصارات عمر علينا أن ندرس بعض الصور فيها من داخلها. ففي القادسية صور مضيئة جديرة بأن نقف عندها وقفة تأمل واعتبار واقتداء، ومنها: أنها ضمت في صفوفها ما يربو على ثلاثمائة صحابي، منهم تسعون بدري، فهي تتميز بذلك عن غيرها من المعارك. ثم انظر بعين بصيرتك إلى عمر يوم يقول لسعد موصيًا ومودعًا -وتأمل الوصية وانظر وتفكر- يقول: يا سعد -[سعد بن وهيب]- لا يغرنَّك إن قيل: خال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه ليس بين الله وأحد نسب إلا بالتقوى. وتأملوا الميزان والمعيار التي قد تختلف عليه الأشكال، لكن الحقيقة واحدة، الحقيقة واحدة في <اليرموك>، وفي بدر وأحد، وفي زمن [قتيبة]، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. النسب واحد؛ هو التقوى، والمعيار والميزان هي التقوى، عَضُّوا عليها. وإن كان سعد خال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وإن كان سعد مبشرًا بالجنة، وإن كان ممن جمع له الرسول –صلى الله عليه وسلم- أبويه، وإن كان من قيل فيه: هذا خالي فليرني امرؤ خاله. نعم حذار يا سعد من الاغترار، توجيه عمريٌ، لا تغتر بكلام الناس والتقوى فالزم فهي المؤهَّل (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) كيف لو أن عمر –يا أيها الأحبة- يرى وينظر إلى وسائلنا وسائل الأمة المسلمة هذه الأيام لرأى عجبًا وهي تدمر المسئولين في الأمة المسلمة، وتحوِّلهم من بشر يصيب ويخطئ ويُحاسَب إلى أناس لا يأتيهم الباطل من بين يديهم ولا خلفهم، بل لا يسألون عما يفعلون.
ويُرْفع شأن مختلس وغاوي *** ويُجْفى كل ذي عقل رزين
لرأى عجبًا والله. أيها الأحبة يوم يدخل المرء داخل معركة القادسية وغيرها يعرف ماذا كان يجري في جيش المسلمين، وفي جيش الكافرين، يعرف حينها عوامل النصر، ومؤهلات العز، وعوامل الهزيمة. فادخل معي إلى المعركة، واسمع. كما تعلمون تبدأ المعارك غالبًا بالمبارزة، وبدأت المبارزة بين الصفين؛ بين صف يقول: لا إله إلا الله، وبين صفٍّ يعبد النار من دون الله، فقام عَلَجٌ من الفرس ما عرف الله لحظة من اللحظات، ودخل الساحة، فخرج إليه رجل من المسلمين، فتجاولا وتصاولا، فلم يلبث العلج الفارسي أن قتل المسلم. والمبارزة كما تعلمون لها تأثير نفسي غالب على الجيش، وعلى مستقبل المعركة، فخرج إليه رجل آخر من المسلمين وبدأت المبارزة مرة أخرى، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، ففتَّ ذلك في عَضُد المسلمين، ثم خرج ثالث من المسلمين –يتهاوون على الموت، يريدون ما عند الله- وتجاولا، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، فوهن ذلك في عزم المسلمين وهنًا شديدًا، كافر يقتل ثلاثة من المسلمين في تلك اللحظة الحرجة. كان في جيش المسلمين شيخًا كبيرًا قد بلغ ما يربوا على ثمانين عامًا، لا يزال يجاهد والمؤمن في جهاد حتى يلقى الله ممتثلا قول الله تعالىوَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) خرج هذا الشيخ الكبير على فرسه لسان حاله:
أخي ظمئتْ للقتال السيوفُ *** فأورد شَبَاها الدمَ المُصْعَدَ
فإمَّا حياة تسرُّ الصديق *** وإمَّا مماتٌ يغيظ العدا
ويصاول هذا العلج الذي انتفخ ريشه وتكبر؛ لأنه قتل ثلاثة من المسلمين، فتطاول معه زمن طويل، لكن هذا الشيخ المسلم ما لبث أن قفز من خيله إلى خيل ذلك الفارسي فصارا على خيل واحدة، ثم حمل هذا الفارس بيده وهو مدجج بالسلاح والدروع فرفعه بيديه، ثم أنزله على ركبتيه فكسر ظهره نصفين، ثم رمى به، وقال: هذا علج خبيث، لا يستحق أن يضرب بالسيف. فكبر المسلمون ودارت المعركة فكان النصر لمن ينصرون الله.
هذا هو الإيمان درب نجاتنا *** فما بالنا عن دربنا نتنكَّب
ما بالنا نرنوا إلى أعدائنا *** وسهامهم نحو الصدور تُصَوَّب
ما بالنا نرنوا إلى أعدائنا *** والله للإنسان منهم أقرب
صعب طريق الموت مرٌّ طَعْمُه *** حقًا ولكن الدَّنيَّة أصعب
أين تربى ذلك الشيخ أيها الأحبة الذي عمره فوق ثمانين؟ إنه –ولا شك- في رياض كتاب الله، وسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. ومن تربى عليهما عرف مهمته في الحياة؛ وهي إعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله. بذل كل شئ في حياته لتحقيق هذه المهمة، وهكذا كان الواحد من سلفنا، عنده بصيرة يتحرك بها على الأرض، ويعرف كيف ينصر دينه، ويفكر كيف ينصر دينه، وبالتالي نُصِرُوا.
من يتق الله وينصر دينه *** لابد في ساح المعارك يُنْصَرُ
هذه صفحة في ثنايا القادسية التي ما هي والله -الذي لا إله إلا هو- إلا جزء من جهاد في ثنايا جهاد عمر وصحبه -رضوان الله عليهم- الذين أرهبوا أعداء الله، ومكنوا لدين الله في الأرض، فما الحال، وما الواقع اليوم والأمة تدَّعى الصلة بذلك الجيل وتلك الطائفة؟ إن الواقع مرير، ويجب أن نعلم مرارته، لعلنا نرفع هذه المرارة، وإن الأمة ممزقة، وإن التكالب على المسلمين ورميهم عن قوس واحدة حاصل، وإن الغفلة عظيمة، وما أشبه ليلة القدس بأندلس البارحة.
أين اللواء وخيل الله يبعثها *** عمرو ويصرخ في آثارها عمر
هذا هو الأقصى يُهَوَّدُ جهرةً *** ولبؤسه تتحدث الأخبار
هذا هو الأقصى يهود جهرة *** وجموعنا يا مسلمون نِدَار
أليس لكم قلب يفيء لربه *** أليس لكم عين أليس لكم فم
المال مقتسم والعرض منتهك *** والقَدْرُ محتقر والدم طوفان
لا راية لبني الإسلام ظاهرة *** إذا تداعى خنازير وصُلْبَان
أين الجيوش التي تزهو بقوتها؟ *** كأنها في نهار العَرْضِ بركان
أين الملايين من أموال أمتنا؟ *** فما لها في مجال الفعل برهان
هل عندكم نبأ مما يُعَدُّ لكم *** أم خدَّر القومَ لعَّابٌ وفنَّانُ؟
هل عندكم نبأ من أهل أندلس *** فقد سرى بحديث القوم رُكْبَان؟
واليوم مسرى نبي الله ضجَّ وقد ***غشاه مرٌ من التنكيل ألوان
ذل وضعف وتمثيل ومَلْحَمَة *** ما ذاقها في مدار الدهر إنسان
الخمر تُشْرب والأوتار صاخِبَة *** وللرياضة فينا القَدْرُ والشَّان
أَمَا لنا في كتاب الله من عظة *** فقد دعانا لنصر الحق قرآنُ
أَمَا لنا في طلوع الفجر من أملٍ *** أما تبدد عنا الشك والرَّانُ
يا أمتي مزقي الأغلال وانتفضي *** فالمجدُ لا يمتطيه اليومَ وَسْنَانُ
عودي إلى الله فالأبواب مُشْرَعةٌ *** وعزَّة الله للأوَّابِ عُنْوانُ
واستبشري فشعاع الفجر منتشرٌ *** وإن تجاهل نورَ الفجرِ عُمْيَانُ
وإن تراكم غَيْمُ الظلم واحتجبت *** شمسُ النَّهار فللإشراق إبَّانُ
أيها الأحبة؛ ألا نملك مثل هذه الطاقات التي كانت في صفوف القادسية من أبناء العشرين إلى الثمانين إلى المائة ؟ بلى والله، إنَّا لنملك بعضًا منها، والقصور عن السلف أمر لابد منه، لكننا لا نحسن التعامل معه. تهينها الأمة وتمتهنها وتقتلها ولا تنتفع بها وهي أحوج ما تكون إليها.
كالعِيسُ في البيداء يقتلها الظما *** والماء فوق ظهورها مَحْمُولٌ
والله -الذي لا إله إلا هو- لا نُنْصر ما دام هذا دَيْدَن الأمة مع طاقاتها. إنه حين تُدمَّر النفوس، ويُهَان المخلصون، ويرفع المجرمون إلى مرتبة الأتقياء، ولا يُسمع الناصحون، والله لا تنفع عندها لا دبابات، ولا طائرات، ولا أساطيل، لأنه أمر الله بالتدمير، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
من أين يرعى الله أمتنا التي *** ذُلَّ التقي بها وعُزَّ المُذْنب
من أين يأتيها السلام وقلبها *** خاوٍ وفيها الغاشِم المستكلب
ومع ذلك فوالله -الذي لا إله إلا هو- إنَّا لمتفائلون كثيرًا، فلا يأس، ولا قنوط، ولا خشية من نصارى ولا مجوس ولا يهود، العهد من الله –تعالى- لنا بالنصر.
ديننا الحق، والكفر ذا دينهم *** كل دين سوى ديننا باطل
يا قدس مهما باعدوا بيننا *** ففي غدٍ جيش الهدى يزحف
لابد من يوم يزول الخَنَا *** عهد من الله لا يُخْلف
لابد من يومٍ لنطق الحجر *** وعْدٌ من الله لا يُكْذَب
ولو أن كل مسلم بصق بصقة فقذف اليهود بها لغرقوا، أو نفخ نفخة مؤمن حق لطاروا.
طريقنا واضح كالشمس تعرفه *** أجيالنا بابه عزم وإيمان
آمالنا لم تزل خضراء يانعة *** في القلب مُنْتَجَع منها وبستان
وللباطل مهما اشتدَّ وطغى ساعة، وللحق وأهله زمان آخر لا ينتهي إلى قيام الساعة شريعة الله رغم الكفر خالدة والزيف يفنى ويفنى من له عبد ولينا الله ولينا الله لا نرضى به بدلا وكيف ييأس من مولاه رحمن

صورة أخرى: روى [ابن سعد] في طبقاته أن عمر -رضي الله عنه- كان في سفر، فلما كان قريبًا من الروحاء سمع صوت راعٍ في جبل، فعدل إليه ونادى عمر: يا راعي الغنم، فقال له الراعي وقد عرفه: نعم يا راعيها؛ يعني يا راعي الأمة، قال عمر: لقد مررت بمكان هو أخصب من مكانك، هذا هو المكان الفلاني، وإن كل راع مسؤول عن رعيته، ثم مضى عمر في طريقه. الله أكبر يوم ترى خليفة المسلمين ينصح راعي غنم، ويدلَّه على مكان هو أخصب من المكان الذي هو فيه، ويذكِّره بأن كل راع مسؤول عن رعيته أن يختار لها ما هو أنفع، وأن يؤثر مصالحها في كل موقف. عمر ينادي الراعي: يا راعي الغنم، والراعي يجيبه بقوله: نعم يا راعيها؛ أي يا راعي الأمة، لا فرق في التزام المسؤولية بين هذا وذاك. مسلمون حقًا، ومؤمنون صدقًا، " يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" إن سيرة عمر -رضي الله عنه- شاهدُ صدقٍ على أن الوالي المسلم راع مشفق، وناصح أمين، ورائد لا يكذب أهله. عمر هو الذي كان يعالج البعير الأجرب ويقول للبعير: إني لخائف أن أسأل عما بك، ما أروعها من كلمات يستضيء بها كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين صغر الأمر أو كبر. فالمسئولية تحتِّم على كل من ائتمنه المسلمون على مصلحة من مصالحهم أن يتقي الله فيها، وأن يُحسن القيام بها؛ لينجو من العقاب غدًا. هكذا كان الراعي مشفقًا على الرعية، شديدًا على نفسه، لعله يلقى العيش الرَّضي في دار الخلود.
من لي بجيل مستجدٍّ لم يرث *** إلا عن الجد القديم الأبْعَدِ
يرث ابن حفص في أصالةِ رأيه *** أو خالدًا في عزمه المتوقِّد
جيل إذا سِيمَ الهوان أَبَى *** وإن يطلب إليه البذل لم يتردد
يهوى الحياة عقيدة، ويعافها *** فوضى ويُدْعى للفداء فيفتدي

صورة أخرى: أخرج [ابن أبي حاتم] من طرق عن [ابن عباس] -رضي الله عنهما- أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديًا، فدعاه اليهودي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليحكم بينهما؛ لأن هذا اليهودي يعلم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- صادق، وأن ما جاء به هو الحق، ولكنهم قوم يستكبرون، فقضى النبي –صلى الله عليه وسلم- لليهودي، فلم يرضَ المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فذهبا إليه، وقال اليهودي لعمر: لقد قضى لنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فلم يرضَ هذا بقضائه، وجئنا لتقضي بيننا، فقال عمر لهذا المنافق: أكذلك؟ قال: نعم، قال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر، واشتمل على سيفه، ثم خرج إليهما، فضرب عنق المنافق بالسيف حتى برز، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم-. ما أحوج الأمة إلى هذا السيف العمريُ ليضرب ضربته فيمن يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ليضربها فيمن إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله والرسول رأيتهم يصدون، ليضربها فيمن إذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون، ليضربها في الذين يرفضون التحاكم إلى شرع الله إذا كان الحق عليهم، ويرضون بالتحاكم إليه إذا كان الحق لهم، إلى أولئك جميعًا (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

الصورة الأخيرة: ويحج عمر –رضي الله عنه- فلم يضرب في طريقه فسطاطًا، وإنما كان يلقي الرداء على شجرة فيستظل بشجرتها، أو بظل تلك الشجرة، وينتهي من حجِّه ولما نفر من مِنَى رفع يديه قائلا: اللهم قد كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فأخذني إليك غير مفرِّط ولا مضيع. اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك أخرجه [البخاري]. ويتقبل الله من المتقين. ويرجع إلى المدينة النبوية، ويخطب يوم الجمعة، ويذكر نبي الله- صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر -رضي الله عنه- تعلوه الكآبة والحزن، ثم يقول: رأيت كأن ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قومًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين الستة الذي توفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض. يقول [ابن مسعود] -رضي الله عنه-: فلم أر يومًا أكثر باكيًا ولا حزينا من ذلك اليوم، وفي صباح يوم من أيام الله بعدها يصلي بالناس صلاة الفجر، ويكبر ويبدأ في القراءة يبكي، وبينما هو كذلك إذ تقدمت إليه يد من أيدي الأعداء التي لا تتسلل إلا في الظلام، يد آثمة، يد مجوسية ما سجدت لله سجدة، ولا عرفت الله، لتمزق الأديم الطاهر، فيهوي صريعًا والدماء تثعب منه، فما راع الناس إلا تكبير [عبد الرحمن بن عوف] -رضي الله عنه- إذ أخذه عمر -رضي الله عنه- بيده فقدمه، فصلوا صلاة الفجر صلاة خفيفة، وأما ذلك العلج فما كان منه إلا أن قتل نفسه، وحُمِل عمر إلى بيته وهو في دمه، لم يصل صلاة الفجر، فقيل: يا أمير المؤمنين الصلاة الصلاة، قال: ها ، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ثم وثب ليقوم، فانبعث جرحه دمًا، فقال: هاتوا لي عمامة، فعصب بها جرحه ثم صلَّى، لم يمنعه ما هو فيه من أداء الفريضة - فلا نامت أعين من يترك الصلاة- ولما سلَّم من صلاته قال: أيها الناس هل كان هذا على ملأ منكم؛ أي كان طعنه على ملأ منكم؟ قال [علي]: والله لا أدري من الطاعن من خلق الله، أنفسنا تفدي نفسك، ودماؤنا تفدي دمك، لوددنا لو أن الله زاد في عمرك من أعمارنا. ثم علم أن طاعنه عدو الله [أبو لؤلؤة المجوسي]؛ غلام المغيرة، فقال عمر: قاتله الله لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها قط. كان على فخذ ابنه [عبد الله] فقال: يا بني ضع خدي على التراب؛ علَّ الله أن يرحمني، فلم يفعل عبد الله فأعادها قائلا: ضع خدي على التراب لا أمَّ لك يا عبد الله، يقول عبد الله: فوضعت خده إلى الأرض حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خارجة من بين أضغاث التراب، وبكى حتى التصق الطين بعينيه، وأصغيت إليه لأسمع ما يقول، فإذا به يقول: ويل عمر إن لم يتجاوز الله عنه، ويل عمر إن لم يتجاوز الله عنه، ويدخل الصحابة يعودونه ومن بينهم عليّ يقول: هنيئًا لك الشهادة؛ لطالما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك، فبكى وقال: ليتني أنجو كفافًا لا لي ولا عليّ، أو كما قال، ثم قال لابنه: انظر كم عليّ من الدين، قال: فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا، فقال: يا عبد الله، إن وَفَى لها مال آل عمر فأدِّها من أموالهم، وإن لم تفِ فاسأل فيها بني عدي، وإن لم تفِ فاسأل فيها قريشًا، ولا تعدهم إلى غيرهم. يا لله! خليفة المسلمين ميزانية الأمة تحت يديه ويموت ودينه يربو على ثمانين ألفًا! إن قدوته رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من لو أراد أن تجري الجبال له ذهبًا لكان، مات ودرعه مرهونة عند يهودي في أصوع من شعير، فلا ريب ولا غرابة.
أولئك أقوام ما إن ذكرتهم *** جرت عَبَرات الدمع حَرَّى تصبَّبُ
هاهو عمر على فراش الموت في حالة ارتحال من دار الفناء إلى دار البقاء ولا زال يعطي الدروس للأمة. يدخل عليه مسبلا من الشباب فيعوده ويدعو له ويخرج، ثم يقول أعيدوه عليَّ، فيرجع الشاب فيقول: ارفع إزارك فهو أتقى لربك، وأتقى وأبقى لثوبك. رضي الله عن عمر، لم يشغله ما هو فيه عن أن يقول، أو عن أن يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر -رضي الله عنه وأرضاه-ويختم حياته بأهم مالديه و هو أن يدفن بجوار قدوته الحبيب الكريم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجوار أخيه أبى بكر -رضي الله عنه وأرضاه-. يحدث الإمام [البخاري] عن [عمرو بن ميمون] أن عمر -رضي الله عنه- قال: يا عبد الله بن عمر انطلق إلى [عائشة] أم المؤمنين -رضي الله عنها- فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين؛ فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم عبد الله على عائشة واستأذن ودخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فجهشت بالبكاء، وقالت: كنت أريد ذلك المكان لنفسي، ولأوثرنَّ به عمر اليوم على نفسي، ورجع عبد الله، فلما أقبل على عمر قيل له: هذا عبد الله قد جاء، قال: اسندوني، ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال لعبد الله: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، قد أذنت لك، وتهلل وجهه، لسان حاله وافرحا واطربا.
الآن ألقى الأحبَّة *** محمدًا وحزبه
أما لسان مقاله فالحمد لله ما كان من شئ أهم إليّ من ذلك المضجع، ثم قال: يا عبد الله إذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلِّم على عائشة أخرى وقل: يستأذن عمر، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن لم تأذن فردني إلى مقابر المسلمين. وأسلم عمر الروح إلى بارئها. وحمل فكأن المسلمين لم تصبهم مصيبة إلا يومئذ، فما أصابهم حزن مثل حزنهم إلا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر. ودفن حيث أكرمه الله مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه-. تقول عائشة- رضي الله عنها- بعد ذلك: كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي وأضع ثوبي وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة علي ثيابي؛ حياءً من عمر. فإلى السَّافرات، إلى الكاسيات العاريات نهدي هذا الكلام. دفن عمر ولم تدفن سيرته ولا أعماله، وإنما هي باقية بقاء هذا الدين لكل مقتد من المسلمين.
فلقاه ربي في الجنان تحية *** ومن كسوة الفردوس ما لم يمزق
نِلْتَ الشهادة فاهنأ أيها العمر *** بمثل عدلك تُبْنَى ما انتهت دول
أمامك الجنة الخضراء فاهنأ بها*** لا يُرْتَجَى العمر يومًا إن دنا الأجل
انْعَم بخلدك في أبهائها فرحًا *** إنَّ الخلود جزاء أيها البطل
فالآن تهنأ يا عمر بجوار من أهدى البشر
فسقى رفاتك وَابِلٌ من ماء غيث مُنْهَمِر
رحم الله عمر، وجمعنا به في دار كرامته؛ فقد عظم شخصه، وقوى خطره على أعداء الدين. كان شديدًا في سبيل إعزاز ورفعة العقيدة والدين، وفي ذات الوقت كان رقيق المشاعر، مرهف الحواس، تُشْجِيه أنَّات طفل صغير، أو نَشِيج فقير بائس، أو زفرات مهموم مغموم مكروب، لقد كان بدرًا يستضاء بنوره، فأضحى رهينًا في المقابر ثاويًا .
لقد كان بدرًا يستضاء بنوره *** فأضحى رهينًا في المقابر ثاويًا
تغمده الرب الكريم بفضله *** ولا زال هَطَّالا من العفو هاميًا
على قبره يهمي عشية وبكرة *** وبوَّأه قصر من الخلد عاليًا

أحبتي في الله؛ هذه بعض صور من حياة السلف وأخلاقهم ومناهجهم وتوجيهم وتربيتهم وثقافتهم وجهادهم، فما أحوالنا؟ وما أخلاقنا؟ وما ثقافتنا؟ وما توجيهنا؟ وما تربيتنا؟ أين نحن من هذه الأخلاق السامية الجليلة؟ إن المتأمل لأحوال المسلمين اليوم يجد البَونَ شاسع بيننا وبين أولئك الصَّحْب، ولكن المحب لهم بحق يسعى للتأسِّي بهم، ويجاهد نفسه ليقترب من خيامهم. وعندما يعلم الله -سبحانه- صدق التوجه في الوصول إلى هذه الأخلاق العظيمة، فإنه سبحانه يعين مَنْ هذه حَالُهُ، ويأخذ بيده ويهديه سبيله المستقيم (وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) ومع أن القصور عن السلف الصالح ملازم لمن جاء بعدهم، ولكن حسبنا أننا نحبهم ونجلُّهم وإن قصرت أخلاقنا وأعمالنا عنهم، ونحتسب عند الله –جل وعلا الكريم- أن يجعلنا معهم، ويحشرنا في زمرتهم كما جاء هذا الوعد على لسان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه [البخاري] عن [أنس] –رضي الله عنه-: "أن رجلا سأل النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الساعة، فقال: متى الساعة، قال: وماذا أعددت لها، قال: لا شئ إلا أني أحب الله ورسوله، فقال –صلى الله عليه وسلم-: أنت مع من أحببت، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بذلك. " ثم قال: فإني أحب النبي –صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي لهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم. فاللهم إنَّا نشهدك على حبنا لنبيك محمد –صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، والتابعين لهم بإحسان.

اللهم ألحقنا بهم، اللهم احشرنا في زمرتهم وإن قصرت آمالنا وأخلاقنا عنهم. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. اللهم ارحم هذه الأمة رحمة عامة، تعزُّ فيها أولياؤك، ويُذَلُّ فيها أعداؤك. اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك، وأفقر عبادك إليك. اللهم أغننا عمن أغنيته عنا، اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحدًا سواك. يا ذا الجلال والإكرام، لك الحمد أولا وآخر، وظاهرًا وباطنًا، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. الحمد لله، ثم الحمد لله.
الحمد لله الذي من فضله *** ألقى علىَّ السِّتْر ثم كساني
وهدى فؤادي كي يصوغ حديثه *** بصور تفيد الشِّيب والشُّبَّان
يا رب فاجعلها لوجهك كلها *** متكرمًا ثقِّلْ بها ميزاني
واغفر لكل المسلمين وآلهم *** يوم النشور ودورة الأجفان
واشمل بفضلك والديَّ برحمة *** وأَجِرْهُمَا من حمأة النيران
ثم الصلاة على النبي وآله *** ما صاح صدَّاح على الأفنان
والصحب والأتباع من ساروا *** على سبل الهدى والخير في البلدان
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

ورد المنى
13-03-2003, 12:15 PM
الوقاية من الطاعون :-



إذا كنت حاكماً على مدينة و أصيبت تلك المدينة بمرض وبائي خطير أو ما يسمى بالطاعون ، فماذاتفعل ؟

التصرف الآمن في هذه الحالة هو أن تأتي بالجنود و تضرب حصاراً على المدينة لمنع الدخول إليها و الخروج منها .



أما أن تمنع الدخول إليها فقد علمناه ، و لكن لماذا تمنع الخروج ؟

لأن الدراسات في الفترة الأخيرة من العلم كشفت لنا أنه عندما يكون الطاعون منتشراً في مدينة من المدن أو منطقة من المناطق فإن عدد الذين يظهر عليهم أعراض المرض تتراوح نسبتهم ما بين (10 ـ30 % ) .



و الباقون من سكان المدينة ما بالهم ؟

هؤلاء الباقون يحملون الجرثومة في أجسادهم لكن جهاز المناعة عندهم يتغلب على الجراثيم فتبقى في الجسم و لكنها لا تضره ، فإذا بقي هذا الصحيح في البلدة التي فيها الطاعون فلا خوف عليه لأنه ملقح و لأن عنده مقاومة من جهاز الناعة تدفع عنه المرض ، أما لو خرج من هذه المدينة أو البلدة فإنه يخرج حاملاً لهذه الجرثومة فينقل ذلك المرض إلى مدينة جديدة ، و قد ينشأ عن ذلك هلاك الملايين من البشر بسبب خروج هذا المصاب بالجرثومة من بين أهل هذه المدينة المصابين بالطاعون .



إلى متى يستمر هذا الحصار المضروب على هذه المدينة ؟

إلى وقت يسير حتى يتغير سلوك الجرثومة بإضافة خاصية وراثية جديدة تذهب فيها خاصية العدوى التي تنتشر و تنقل المرض للآخرين .



التعليق : صدق الذي لا ينطق عن الهوى في فرض هذا الحجر الصحي على مريض الطاعون قبل 1400 عام .

يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا منها ) [ متفق عليه و اللفظ للبخاري ]



الفرق بين الكلب و القط :-



هل يعد الكلب من الحيوانات الناقلة للأمراض المعدية ؟

الكلب يحمل الكثير من الأمراض المعدية فهو يحمل ما يقارب خمسين مرضاً طفيلياً ، و كثير منها يوجد في لعابه .

و ماذا عن القط ؟ هل يشترك مع الكلب في هذه الخاصية ؟

يعد القط من أطهر الحيوانات من الناحية الطبية إذ هو لا يحمل من الجراثيم و الميكروبات ... إلا ما يسبب مرضاً واحداً فقط .

و ما هو هذا المرض ؟

إنه مرض إذا أصيب به الشخص عمي .

كيف يحدث ذلك ؟

يوجد هذا المرض في براز القط ، فإذا أكل حيوان آخر هذا البراز انتقل هذا المرض إلى جسم هذا الحيوان ، و عندما يذبح ذلك الحيوان و يؤكل لحمه ينتقل المرض بدوره إلى الإنسان فيصاب به .



التعليق : سبحان من جبل هذا الحيوان على دفن برازه حتى لا تأكله الحيوانات الأخرى ، و بذلك يخلي مسؤوليته ؛ و لهذا كان مستثنى دون الكلب في قوله صلى الله عليه و سلم عن القطط : ( إنها ليست بنجس ، إنها من الطوافين عليكم ) [ رواه الخمسة و قال الترمذي حديث حسن صحيح ، و صححه البخاري و غيره ]

نجم الساحة
14-03-2003, 09:37 AM
بارك الله فيك أختي الكريمة ورد المنى على هذا المجهود الطيب وجعله في ميزان حسناتك .

ورد المنى
15-03-2003, 05:18 PM
file://D:/الموسوعة المنوعة/أناشيد/دستورنا القرآن.rm

ورد المنى
15-03-2003, 05:42 PM
http://www.uae88.com/mixx/shaheed.htm

ورد المنى
15-03-2003, 05:51 PM
http://www.uae88.com/mixx/mix14.htm

البواشق
16-03-2003, 11:42 AM
بارك الله فيكِ أختي الكريمة ورد المنى، وجعل كل ما تقومين به في ميزان حسناتك

ورد المنى
16-03-2003, 01:02 PM
http://www.uae88.com/mixx/al_7md.htm

ورد المنى
16-03-2003, 01:06 PM
http://mohammmed.jeeran.com/ham.swf

ورد المنى
16-03-2003, 01:19 PM
أدلة إثبات وجود الله كما عرضها القرآن الكريم ‏

تمهيد: ‏

‎‎ لقد جاءت الأدلة العقلية في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على إثبات وجود الله وربوبيته، وهي كثيرة ومتنوعة وسهلة وواضحة؛ لأن الناس أحوج ما يكونون إلى معرفة ربهم وخالقهم، وحاجتهم إلى معرفته أشد من حاجتهم للماء والهواء والطعام والشراب. ‏

‎‎ ويمكننا أن نقول ابتداء: إن كل شيء يدل على وجود الله سبحانه وتعالى، إذ مامن شيء إلا وهو أثر من آثار قدرته سبحانه، وما ثم إلا خالق ومخلوق، وقد نبه القرآن الكريم إلى دلالة كل شيء على الله تعالى، كما في قوله عز وجل: {قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء }

[الأنعام: 164]. ‏

‎‎ وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. ‏

‎‎ وقد سئل أحد الأعراب سؤالاً موجهاً إلى فطرته السليمة، فقيل له: كيف عرفت ربك؟ فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، وجبال وأنهار، أفلا يدل ذلك على السميع البصير؟ ‏

‎‎ وقد ذكر لنا القرآن استدلالات لأنبياء الله ورسله حين كانوا يناظرون ويجادلون بعض الملاحدة الذين ينكرون وجود الله، وإن كانوا في قرارة أنفسهم ليسوا كذلك، وإنما كانوا يقولون هذا تكبراً وعناداً واستعلاءً في الأرض. وإليك هذين المثالين من كتاب الله جل وعلا: ‏

‎‎ المثال الأول: إبراهيم عليه السلام مع الطاغية النمرود بن كنعان. ‏

‎‎ قال عز وجل: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين } [البقرة: 258]. ‏

‎‎ فقوله {ربي الذي يحي ويميت } أي: أن الدليل على وجوده سبحانه حدوث هذه الأشياء ووجودها بعد عدمها. ‏

‎‎ المثال الثاني: موسى عليه السلام مع الطاغية فرعون مصر، وماكان بينهما من المقاولة والجدل، ومااستدل به موسى على إثبات وجود الله تعالى. وقد جاء ذلك في مواضع من القرآن. ‏

‎‎ قال تعالى: {قال فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } ‏

‏[طه: 49-50]. ‏

‎‎ أي أنه قد ثبت وجود وخلق وهداية للخلائق، ولابد لها من موجد وخالق وهاد، وذلك الخالق والموجد والهادي هو الرب سبحانه، ولا رب غيره. ‏

‎‎ وفي موضع آخر قال سبحانه: {قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن حوله ألا تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأولين. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } [الشعراء: 23-28]. ‏

‎‎ والمقصود أن منهج الأنبياء في الاستدلال على ربوبية الله ووجوده هو استشهاد هذا الكون بأجمعه، واستنطاق الفطرة بما تعرفه وتقر به من حاجة الخلق إلى خالق، وافتقار البرية إلى بارئ. وما أجمل ما قاله الإمام الخطابي حول هذه القضية، يقول رحمه الله: ‏

‎‎ ‏"إنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك، واعتبرتها بفكرك، وجدته كالبيت المبني المعد فيه ما يحتاج إليه ساكنه، من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدوة كالبساط، والنجوم مجموعة والجواهر مخزونة كالذخائر، وأنواع النبات مهيئة للمطاعم والملابس والمشارب، وأنواع الحيوان مسخرة للراكب مستعملة في المرافق، والإنسان كالملك للبيت المخول فيه، وفي هذا كله دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام، وأن له صانعاً حكيماً تام القدرة بالغ الحكمة ".‏

‎‎ مظاهر دلالة المخلوقات على الخالق: ‏

‎‎ أ-دلالة الخلق والإيجاد والاختراع بعد العدم.‏

‎‎ إن وجود الموجودات بعد العدم، وحدوثها بعد أن لم تكن، يدل بداهة على وجود من أوجدها وأحدثها. ‏

‎‎ وليس شرطاً أن يقف كل أحد على حدوث كل شيء حتى يصدق بذلك؛ بل إن ذلك غير ممكن كما قال عز وجل: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً } [الكهف: 51]. ‏

‎‎ ومما يدل على أن وجود الخلق دليل على وجود الله سبحانه عز وجل: {أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خَلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون } [الطور: 34-36]. ‏

‎‎ ‏"هذا تقسيم حاصر، يقول: أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع في بدائه العقول، أم هم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعاً، فعلم أن لهم خالقاً خلقهم، وهو الله سبحانه. وإنما ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليتبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس، لا يمكن إنكارها، فلا يمكن لصحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: هو أحدث نفسه ". ‏

‎‎ قال عز وجل: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً } [مريم: 67]. ‏

‎‎ فدلت الآيات على حاجة المخلوق إلى خالق ضرورة. ‏

‎‎ ب- دلالة العناية المقصودة بالمخلوقات. ‏

‎‎ والمراد: ما نشهده ونحس به من الاعتناء المقصود بهذه المخلوقات عموماً، وبالإنسان على وجه الخصوص. قال عز وجل: {ألم نجعل الأرض مهاداً * والجبال أوتاداً * وخلقناكم أزواجاً } [النبأ: 6-8]. ‏

‎‎ وقال عز وجل: {تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً } [الفرقان: 61]. ‏

‎‎ وهذه العناية المقصودة ماثلة في العالم كله، فإذا نظر الإنسان إلى ما في الكون من الشمس والقمر وسائر الكواكب والليل والنهار، وإذا تأمل في سبب الأمطار والمياه والرياح، وسبب عمارة أجزاء الأرض، ونظر في حكمة وجود الناس وسائر الكائنات من الحيوانات البرية، وكذلك الماء موافقا للحيوانات المائية، والهواء للحيوانات الطائرة، وأنه لو اختل شيء من هذا النظام لاختل وجود المخلوقات التي هاهنا. إذا تأمل الإنسان ذلك كله؟ عَلِم عِلم اليقين أنه ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة التي في جميع أجزاء العالم للإنسان والحيوان والنبات بالاتفاق، بل ذلك من قاصد قصده، ومريد أراده، وهو الله سبحانه، وعلم يقيناً أن العالم مصنوع مخلوق، ولا يمكن أن يوجد بهذا النظام والموافقة من غير صانع وخالق مدبر. ‏

‎‎ ج- دلالة الإتقان والتقدير.‏

‎‎ قال عز وجل: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون } [النمل: 88]. ‏

‎‎ وقال عز وجل: {الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور } [الملك: 3]. ‏

‎‎ وقال عز وجل: {الذي أحسن كل شيءٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين } [السجدة: 7]. ‏

‎‎ فهذه الآيات وأمثالها تلفت نظر المستدل إلى دلالة المخلوقات على باريها، من خلال ما يشاهد فيها من الانضباط والالتزام التام بنظام في غاية الدقة، ما كان له أن يوجد على هذه الحال دون قيّم ومدبر، وفي هذا أعظم دليل على بطلان الخرافة القائلة بحدوث العالم عن طريق المصادفة. ‏

‎‎ د- دلالة التسخير والتدبير.‏

‎‎ إذا نظرنا إلى هذا العالم وجدناه بجميع أجزائه مقهوراً مسيراً مدبراً مسخراً، تظهر فيه آثار القهر والاستعلاء لمسيِّره ومدبره، وتتجلى فيه شواهد القدرة لمُخضعه ومذللـه سبحانه، بما لا يدع مجالاً للشك في وجود مدبر يدبره وقدير يمسك بمقاليده، كما قال عز وجل: {له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون } [الزمر: 63]. ‏

‎‎ وقال عز وجل: {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } [النحل: 79]. ‏

‎‎ صور الاستدلال بالمخلوقات على الخالق: ‏

‎‎ قال عز وجل: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } [فصلت: 53]. ‏

‎‎ فصور الاستدلال نوعين: ‏

‎‎ ‏1. ‎ في الأنفس. 2. في الآفاق. ‏

‎‎ 1. صور الاستدلال بخلق الإنسان على الخالق (في الأنفس ).‏

‎‎ إن الاستدلال بخلق الإنسان لقي عناية خاصة وبالغة في القرآن، والدليل على هذا أنه ذكر في أول آيه أنزلها الله على نبيه الكريم، فقال عز وجل: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق } [العلق: 1-2]. ‏

‎‎ وقد أنكر الله على من ترك التبصر والتفكر في خلق النفس الإنسانية، فقال عز وجل: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [الذاريات: 21]. ‏

‎‎ بل قد صرح بعض العلماء بوجوب النظر في خلق الإنسان أخذاً من قوله عز وجل: {فلينظر الإنسان مم خلق } [الطارق: 5]. ‏

‎‎ ويقول العلماء رحمهم الله: "الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامـة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها "، ولعل أكثر ما يلفت النظر في ذكر دلالة خلق الإنسان في القرآن كثرة الاستدلال بأطوار خلقه ومراحل نشأته وحياته إجمالاً وتفصيلاً، فقد جاء ذكرها إجمالاً كما في قوله عز وجل: {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلماتٍ ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون } [الزمر: 6]. ‏

‎‎ وقال أيضا: {ما لكم لا ترجون لله وقاراً * وقد خلقكم أطواراً } [نوح: 13-14]. ‏

‎‎ وجاء مفصلاً كما قال عز وجل: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طين * ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين } [المؤمنون: 12-14]. ‏

‎‎ إن نفس كون الإنسان حادثاً بعد أن لم يكن، ومولوداً ومخلوقاً من نطفة، ثم من علقة، هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم، سواء أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أم لم يخبر. وهذا الدليل يعلمه الجاهل والعالم، أنه دليل على وجود خالق لهذا الإنسان ومكوّن له في جميع مراحل نشأته وحياته وهو الله سبحانه. ‏

‎‎ 2. الاستدلال بخلق السموات والأرض على وجود الله (في الآفاق ). ‏

‎‎ دلالة خلق السموات والأرض على الخلق لا تقل أهمية عن دلالة خلق الإنسان، بل صرح القرآن بتفوقهما في الكبر والشدة على الإنسان كما في قوله عز وجل: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [غافر: 57]. ‏

‎‎ فرفع السماء وإمساكها يتجلى فيه العناية والتسخير والتقدير من قبل مدبر خالق مسخر، قال عز وجل: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً } [فاطر: 41]. ‏

‎‎ وقال سبحانه: {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم } [الحج: 65]. ‏

‎‎ وقال عز وجل: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } [الرعد: 2]. ‏

‎‎ قال ابن الوزير رحمه الله تعالى: ‏

‎‎ ‏"هذه حجة أجمع عليها الكفرة مع المسلمين، فإن الجميع اتفقوا على أن العالم في الهواء لا يكون إلا بممسك، وأن هذا الإمساك الدائم المتقن لا يكون من غير رب عظيم قديـر علـيم مدبر حكيم ". ‏

‎‎ ومن الأوصاف التي تكررت كثيراً في القرآن على أنها من الدلائل الكبرى على ربوبيته سبحانه وعلى البعث كذلك: إحياء الأرض بعد موتها، وجعلها صالحة للإنبات، وفتق السماء بالماء، وشق الأرض بأنواع الزرع والنبات، قال عز وجل: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون. سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } [يس: 33-36]. ‏

‎‎ يقول الإمام القاسمي رحمه الله تعالى: "ومن أظهر البراهين على وجوده تعالى: الحياة على الأرض، سواء نباتية أو حيوانية، فإن الحي لا يتولد إلا من حي، وبه يستدل على نفي القول الذاتي: يعني أن الشيء يخلق نفسه، وهو زعم تولد الحي من المادة، وذلك لأن المادة خالية من الحياة ساكنة، خاضعة للنظام الذي وضعه لها خالقها، ويستحيل أن تولد حياة في ذاتها أو غيرها، لا سيما العقل الإنساني بجميع قواه وغرائزه، فإنه لابد له من خالق عالم حكيم، إذ المواد لا تولد عقلاً، ولا تستطيع أن تخرج كائناً جهازياً متصفاً بأوصاف مباينة لنظام المادة ".‏

قصة عجيبة للإمام أبي حنيفة: ‏

‎‎ احتج طائفة من الملاحدة الذين ينكرون وجود الله وقالوا للإمام أبي حنيفة: "ما دليلك على وجود خالق صانع لهذا الكون ؟" ‏

‎‎ فقال لهم: "دعوني فخاطري مشغول، لأني رأيت أمراً عجباً ". ‏

‎‎ قالوا: وما هو ؟ ‏

‎‎ قال: بلغني أن في نهر دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة، وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها. وأرى الأمتعة تصعد وتنزل من على السفينة من غير أن يحملها وينزلها أحد . ‏

‎‎ فقالوا له: أمجنون أنت ؟ ‏

‎‎ قال: ولماذا ؟ ‏

‎‎ قالوا: إن هذا لا يصدقه عاقل، ولا يمكن أن يكون . ‏

‎‎ قال: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف والحوادث العجيبة، وهذا الفلك الدوار السيار يجري، وتحدث هذه الحوادث بغير محدث، وتتحرك بغير محرك، وتوجد في الكون بغير موجد وخالق ؟ ‏

‎‎ فرجعوا وعلموا أنهم على باطل. ‏

‎‎ مراجع موضوع (إثبات وجود الله): ‏

‎‎ - الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد، (رسالة ماجستير ) تأليف: سعود بن عبد العزيز العريفي. ‏

‎‎ - معارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي. ‏

‎‎ - كيف عرفت ربك؟ للشيخ عبدالرحمن السعدي

نجم الساحة
17-03-2003, 02:16 PM
ولا زالت المكتبة الاسلامية العامرة تتجدد بالجديد والمفيد ، وآن الأوان لننهل من غزير علمها الذي لا ينضب .

شكرا ورد المنى على التواصل وعسى أن يكون صنيعك المبارك في ميزان حسناتك يوم القيامة .

ورد المنى
17-03-2003, 05:25 PM
اخي المسلم
اختي المسلمه


إلى متى يقف المسلمون في طوابير السحرة والدجالين والمشعوذين وبين يديهم كتاب الله الكريم وحصنه الحصين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
بالأمس كان المسلمون في جهل عظيم وظلام دامس لا يعلمه إلا الله فخرجوا يتطببون لأدوائهم وعلاتهم فوقعوا في حبائل الشرك بالله عن طريق صرف عباداتهم لغير خالقهم ورازقهم فاستغاثوا بغير ربهم وذبحوا لغيره ووقفوا على باب عدوه وعدوهم من شياطين ومردة الإنس والجن فباؤا بالخسران المبين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

واليوم والحمد لله انتشر العلم الشرعي وكثر العلماء واستطاع القاصي والداني على اختلاف معارفهم ومشاربهم أن يسألوا عن أمور دينهم فيجدوا من يفتيهم ويعلمهم بالراديو والتلفزيون والتلفون والإنترنت وغيرها من وسائل الإتصال الحديثة، فأين حجة من يشرك بالله العظيم بعد اليوم وماذا هو قائل لربه غدا إن أصبح المسؤول لا السائل والله المستعان.

فوالله ثم والله لن يستقيم حال المسلمين ولن تقوى شوكتهم أو يظهروا على أعدائهم ما داموا على أبواب الشياطين يصطفون ، ولغيره يذبحون ، ولقبور الصالحين يتقربون ، وعليها يطوفون ،ولغير هدي الله ورسوله يستحسنون.

إن الله أغنى الشركاء عن الشرك به ، ولا يتقبل الأعمال إلا إذا كانت خالصة لوجهه الكريم كما ورد في الحديث القدسي




ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين

ورد المنى
17-03-2003, 05:32 PM
ما معنى " سبحان الله " ؟

بسم الله الرحمن الرحيم .

الحمد لله على ما أنعم و له الشكر على ما ألهم .

و أفضل الصلاة و أزكى التسليم على خير الخلائق أجمعين محمد و آله الطاهرين .

و اللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .



- معاني الأخبار- الشيخ الصدوق – عليه الرحمة - باب ( معنى سبحان الله ) :

1 - حدثنا أبي - رحمه الله - قال : حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن محمد بن عيسى ابن عبيد ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن هشام بن عبد الملك قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن معنى " سبحان الله " فقال : أنفة الله ( أ ) . { أنف - بكسر النون - أنفا - بفتحها - ترفع وتنزه والاسم " الأنفة " بالفتحات . يعنى تنزيه لذاته الأحدية عن كل ما لا يليق به } .

2 - حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد - رضي الله عنه - قال : حدثنا محمد بن الحسن الصفار ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن علي بن أسباط ، عن سليم مولى طربال ، عن هشام الجواليقي ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " سبحان الله " ما يعني به ؟ قال : تنزيه .

3 - حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب قال : أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة الشعراني العماري من ولد عمار بن ياسر ، قال : حدثنا أبو محمد عبيد الله بن يحيى بن عبد الباقي الاذني بأذنة قال : حدثنا علي بن الحسن المعاني ، قال : حدثنا عبد الله بن يزيد ، عن يحيى بن عقبة بن أبي العيزار ، قال حدثنا محمد بن حجار عن يزيد بن الأصم قال : سأل رجل عمر بن الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين ما تفسير " سبحان الله " ؟ قال : إن في هذا الحائط رجلا كان إذا سئل أنبأ ، وإذا سكت ابتدأ . فدخل الرجل فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام فقال : يا أبا الحسن ما تفسير " سبحان الله " ؟ قال : هو تعظيم جلال الله عز و جل وتنزيهه عما قال فيه كل مشرك ، فإذا قاله العبد صلى عليه كل ملك .

**************************************

مفتاح الفلاح- الشيخ البهائي – عليه الرحمة - ص 63 :

و معنى سبحان ربي العظيم و بحمده أنزه ربي العظيم عما لا يليق بعز شأنه تنزيها و أنا متلبس بحمده على ما وفقني له من تنزيهه و عبادته كأن [لأن‏] المصلي لما أسند التنزيه إلى نفسه خاف أن يكون في هذا الإسناد نوع تبجح بأنه مصدر لهذا الفعل العظيم فتدارك ذلك بقوله و أنا متلبس بحمده على أن صيرني أهلا لتسبيحه و قابلا لعبادته فسبحان مصدر كغفران و معناه التنزيه. و نصبه على أنه مفعول مطلق و عامله محذوف سماعا و الواو في و بحمده واو الحال و بعض النحاة يجعلها عاطفة و هو من قبيل عطف الجملة الاسمية على الفعلية.

**************************************

ملحوظة : ( سبحان ) مصدر بمعنى التسبيح و هولا يستعمل إلا مضافاً . و يعرب مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف أي سبحته تسبيحاً.

ورد المنى
18-03-2003, 03:08 PM
محاضرة للشيخ/ عبد الهادي حسن وهبي
أمين وقف البخاري الخيري في عكار - شمال لبنان



شهر رمضان شهر كريم ، ورد ذكره في القرآن، وخصه الله سبحانه وتعالى بعبادة عظيمة القدر، عظيمة الأجر، فيها ليلة عظيمة شريفة، نزل فيها أشرف الملائكة على أشرف الخلق بأشرف كتاب: قال الله سبحانه وتعالى: (إنّا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلامٌ هي حتّى مطلع الفجر)

شهر رمضان، شهر القرآن، شهر الصيام: قال الله تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينّات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه)

إنّ مقدار الأجر الذي قد يفوت الإنسان من ترك صيام هذا الشهر كبير ، ففي الحديث القدسي قال الله سبحانه وتعالى (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا:إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ).متفق عليه.

في هذا الشهر يمن الله على عباده بأسر ألدّ أعدائه له، الشيطان، فيصبح العبد مقبلاً على طاعة ربه من غير صادٍّ يمنعه عن الخير غير النفس الأمّارة بالسوء، فإن زكّى هذه النفس فقد أفلح وأنجح، ومن أتبعها شهواته فقد خاب وخسر. فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :(إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)رواه البخاري ومسلم.

ومع تسهيل الربّ عزّ وجلّ لنا سبل الطاعات، نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يرغبّنا في الإكثار من الباقيات الصالحات بقوله وفعله، فكما ورد في صحيح البخاري فيما يرويه عنه حبر هذه الأمة وابن عمّه: ابن عباس رضي الله عنه فيقول :(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)

أخي المسلم، يبعث الله في أول ليلة من هذا الشهر المبارك منادياً ينادي ويرشد إلى ما يحبّه الله ويرضاه كما جاء في الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ . وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ)

ولا يسعنا إلا أن نذكّر الأخوة أن الكرام أن أحد أبواب الجنة الثمانية قد خصه الله بالصائمين فقط لا يدخله غيرهم. فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لاَ يَدْخُلُهُ إِلاَّ الصَّائِمُونَ)رواه البخاري.

وأنهي هذه الكلمة بذكر ثلاث غنائم قد خصها الله تعالى لطائفة من الناس في هذا الشهر الكريم، هذه الطائفة قد بينّها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث ثلاثة متفقٌ على صحتها فقد رواها البخاري ومسلم في صحيحهما:

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)

وعنه أيضاً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)

وأخيراً عنه أيضاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :(مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)

فهذه الطائفة هي من صام أو قام رمضان أو قام ليلة القدر إيماناً بالله مخلصاً له العمل والنية، واحتساباً للأجر عند الله بهذا العمل. هذه الطائفة هي التي تغنم بغفران ما سبق لها من المعاصي والذنوب في الماضي فيخرج المؤمن المحتسب من رمضان كحال المولود الجديد في هذه الدنيا.

وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

ورد المنى
18-03-2003, 03:13 PM
محاضرة للشيخ/ أبو جهاد الزغبي

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونصلّي ونسلّم عَلَى نبيّه وحبيبه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

أختي المسلمة: فِي كلّ مكان، السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاته.

اعلمي أيّتها الأخت فِي الله –أنّكِ شقيقة للرّجل ومثيلة له، وأنّك شطر لبني الإنسان كافّةً، فأنت أمّ، وزوجة، وبنت، وأخت، وعمّة، وخالة، وحفيدة، وجدّة، فلقد قَالَ رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم : ( إنّما النّساء شقائق الرّجال )

ثمّ أنتِ -أيّتها الأخت المسلمة- تنتمين إِلَى أمّةٍ جليلة عظيمة، ألا وهيَ ملّة الإسلام؛ وليس من شكّ أنّ نساء هذه الأمة السالفات كنّ من أعظم الأسباب التي بوّأت هذه الأمة مكانتهَا العليَّة العظيمة.

واعلمي –أيّتها الأخت الطيّبة- أنّ الله عزّ شأنهُ قَدْ جعل للمرأة منزلة عظيمة فِي التكليف والتّشريف، فقال جلّ جلاله: ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم إنّ الله عزيز حكيم)) [التوبة: 71]

أُختاه: إنّ أعداء الإسلام –أينما كانوا- يريدون أن يصرفوكِ عن مهمّتك الشريفة وجهودك المنيفة، فِي خدمة الدين وبناء الأمّة فنراهم يقدّمون لكِ الإغراءات الدنيويّة المثيرة والزخارف الفانية، وموديلات جذّابة كذّابة ونماذج فاضحة فادحة، كلّه من صنع الكفرة وتصميماتهم، يريدونك بلا شريعة إلاّ شريعة أهوائهم الرديئة وشهواتهم الدنيئة ومبادئهم الوبيئة.

أُختاه: هؤلاء الذين يَسْعَوْنَ بكلّ وسيلة لإفساد مجتمع المسلمين لَمْ يجدوا سلاحاً لبلوغ أهدافهم أمضى من إفساد المرأة وذلك بإخراجها من حصن عفافها وسياج حيائها بأن تخلع حجابها، فتثور الغرائز وتزول الحشمة وتشيع الفاحشة، أفترضين لنفسكِ أن تكوني أداةً فِي مخطّطهم ووسيلة من وسائلهم وعوناً لهم لتحقيق مآربهم؟!!

أُختاه: هؤلاء الذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: (( إنّ الذين يحبّون أن تشيعَ الفاحشة فِي الذين آمنوا لهم عذابٌ أليم فِي الدُنْيَا والآخرة)) [النور: 19]. إنّهم هم الذين قالوا : " لَنْ تستقيم حالة الشرق مَا لَمْ يُرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطّى بِهِ القرآن"- قَالَ ذَلِكَ (جلادستون) رئيس وزراء إنكلترا سابقاً-. وهم الذين قالوا : " إنّ التأثير الغربي الَّذِي يظهر فِي كلّ المجالات، ويقلب رأساً عَلَى عقب المجتمع الإسلامي، لاَ يبدو فِي جلاء أفضل مما يبدو فِي تحرير المرأة"-قَاله (جان بول) فِي كتابه "الإسلام فِي الغرب"-.

واللهُ تَعَالَى يَعِدُكِ: ((ومن يعمل صالحاً من ذكرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مؤمن فأولئك يدخلون الجنّة يرزقون فِيهَا بغير حساب)) [غافر: 40]. فإلى أيّ النّدَاءَيْنِ تستجيبين: إِلَى نداء الشيطان وجنده أم إِلَى نداء الرّحمن؟؟ وإلى أيّ الفريقين تريدين: (( فريق فِي الجنّة وفريق فِي السّعير)) [الشورى].

أُختاه: إنّ مَا يفجع القلوب أن نرى نساءً مسلمات خلعن حجابهن وتبرّجن تبرّج الجاهليّة الأولى، يقلّدن الكافرات فِي لباسهنّ وقد أُمِرْنَ أن يتّخذنهنّ أعداءً إِلَى يوم الدين، ونرى نساءً مسلمات لَمْ يعرفن من الحجاب سوى أنّه غطاء لشعر الرأس فقط وما عدا ذَلِكَ فلا حرج فيه، فيغطّين شعرهُنّ ويلبسن البنطال والملابس الضيّقة والشفّافة والمثيرة للنّظر (( وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً )) [الكهف: 100]. إِلَى هؤلاء جميعاً وإلى الرّجال الذين ولاّهم الله مسؤوليّة أزواجهن وبناتهن -كَمَا قَالَ تَعَالَى: ((الرّجال قوّامون عَلَى النّساء)) [النّساء]. وكما أخبر النّبي صلى الله عليه وسلم: ( الرّجل راعٍ فِي بيته ومسؤول عن رعيّته ) أن يعلموا أنّ الحجاب الَّذِي أمر الله بِهِ ستراً وصوناً للمرأة ورفعةً لها بقوله: (( يَا أيّها النّبي قل لأزواجك وبناتِك ونساء المؤمنين يُدْنِينَ عليهنّ من جلابيبهنّ، ذَلِكَ أدنى أن يُعْرَفْنَ فلا يُؤذَيْنَ، وكان الله غفوراً رحيماً )) [الأحزاب:59]. لاَ بدّ أن تتوفّر فيه شروط حتّى يكون حجاباً كَمَا يحبّ الله ويرضى.

الشرط الأوّل: ( استيعاب جميع البدن )
لقوله تَعَالَى: (( وقل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهنَّ ويحفظنَ فروجهنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زينَتَهنَّ إلاّ مَا ظهرَ منها وليضْربن بخُمُرِهنّ عَلَى جُيوبهنّ وَلاَ يُبدين زينتهُنَّ إلاّ لبعولَتِهنّ أَوْ آبائهِنَّ أَوْ آباء بعولتهنّ أَوْ أبنائهنّ أَوْ أبناء بعولتهنّ أَوْ إخوانهنّ أَوْ بني إخوانهنّ أَوْ بني أخواتهنّ أَوْ نسائهنّ)) ... الآية. وقد استثنى بعض العلماء الوجه والكفّين، ولكن مَا تفعله بعض النسوة من وضع "الإشارب" بحيث يصف موديل الشعر وَلاَ يغطّي الرقبة والعنق أَوْ يظهر منه الشعر من مقدّمة الرأس، فإنّ ذَلِكَ من المنكرات التي يجب التّنبّه لها. وكذلك لبس "التّنورة" إِلَى الركبتين أَوْ أكثر قليلاً لاَ يكون بِهَا البدن مستوراً لظهور السّاقين وإن أدخلتهما "بالجراب" وسيأتي بيان ذَلِكَ إن شاء الله تَعَالَى.

الشرط الثاني: (أن لاَ يكون زينة فِي نفسه )
لقوله تَعَالَى: ((وقَرْنَ فِي بيوتكنّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تبرج الجاهلية الأولى)). والتبرّج: أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها مَا يجب عليها ستره مما تستدعي بِهِ شهوة الرّجل. والمقصود من الأمر بالجلباب إنّما هُوَ ستر زينة المرأة فلا يعقل حينئذٍ أن يكون الجلباب نفسه زينة.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قَالَ: جاءت أميمة بنت رقيقة إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه عَلَى الإسلام، فقال :(أبايعك عَلَى أن لاَ تشركي بالله شيئاً، وَلاَ تسرقي وَلاَ تزني وَلاَ تقتلي ولدك وَلاَ تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، وَلاَ تنوحي وَلاَ تتبرّجين تبرّج الجاهليّة الأولى).

الشرط الثالث: (أن يكون صفيقاً لاَ يشفّ )
أنّ الستر لاَ يتحقق إلاّ به، وأمّا الشفّاف فإنّه يزيد المرأة فتنة وزينة وفي ذَلِكَ يقول صلى الله عليه وسلم(سيكون فِي آخر أمّتي نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ عَلَى رؤوسهنّ كأسنمة البخت، العنوهن فإنّهنّ ملعونات). قَالَ ابن عبد البر: "أراد النّساء اللّواتي يلبسن من الثّياب الشيء الخفيف الَّذِي يصف وَلاَ يستر، فهنّ كاسيات بالاسم عاريات فِي الحقيقة".

الشرط الرابع: (أن يكون فضفاضاً غير ضيّق فيصف شيئاً من جسمها)
لأنّ الغرض من الثوب إنّما هُوَ رفع الفتنة وَلاَ يحصل ذَلِكَ إلاّ بالفضفاض الواسع، وأمّا الضّيّق فإنّه وإن ستر لون البشرة فإنّه يصف حجم جسمها أَوْ بعضه، ويصوّره فِي أعين الرّجال، وفي ذَلِكَ من الفساد والدّعوة إليه مَا لاَ يخفى، فوجب أن يكون واسعاً، وقد قَالَ أسامة بن زيد رضي الله عنه: كساني رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي، فقال:(مالك لَمْ تلبس القبطيّة؟) قلت: كسوتها امرأتي، فقال: (مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإنّي أخاف أن تصف حجم عظامها).فَقَدْ أمر صلى الله عليه وسلم بأن تجعل المرأة تحت القبطيّة غلالة -هي شعار يلبس تحت الثّوب- ليمنع بِهَا وصف بدنها، فليتأمّل فِي هَذَا مسلمات هَذَا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثّياب الضّيّقة التي تصف أعضاءهن …، ثمّ ليستغفرنّ الله تَعَالَى وليتبن إليه وليذكرن قوله صلى الله عليه وسلم: (الحياء والإيمان قُرِنَا جميعاً، فإذا رُفِعَ أحدهما رفع الآخر).

ملاحظة: مَا سبق من الشّروط وما سيأتي هو من كتاب " جلباب المرأة المسلمة " للعلاّمة الألباني حفظه الله، وعلّق عند هَذَا الشرط فِي الحاشية مَا نصّه: "وبهذه المناسبة أقول: إنّ كثيراً من الفتيات المؤمنات يبالغن فِي ستر أعلى البدن –أي الرأس- فيسترن الشّعر والنّحر ثمّ لاَ يبالين بِمَا دون ذَلِكَ فيلبسن الألبسة الضّيقة والقصيرة التي لاَ تتجاوز نصف السّاق: أَوْ يسترن النّصف الآخر بالجوارب اللّحميّة التي تزيده جمالاً، وقد تصلّي بعضهنّ بهذه الهيئة، فهذا لاَ يجوز، ويجب عليهنّ أن يبادرن إِلَى إتمام الستر كَمَا أمر الله تَعَالَى".

الشرط الخامس: ( أن لا يكون مبخّراً مطيّباً )
لأحاديث كثيرة تنهى النّساء عن التّطيّب إِذَا خرجن من بيوتهن: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ( أيّما امرأة استعطرت فمرّت عَلَى قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية).

ويقول صلى الله عليه وسلم: (إِذَا خرجت إحداكنّ إِلَى المسجد فلا تقربن طيباً). قَالَ ابن دقيق العيد: وفيه حرمة التّطيّب عَلَى مريدة الخروج إِلَى المسجد لما فيه من تحريك شهوة الرّجل. وقال العلاّمة الألباني: قُلْتُ: فإذا كَانَ ذَلِكَ حراماً عَلَى مريدة المسجد فماذا يكون الحكم عَلَى مريدة السّوق والأزقّة والشّوارع؟ لاَ شكّ أنّه أشدّ حرمة وأكبر إثماً، وقد ذكر الهيثمي فِي "الزواجر" أنّ خروج المرأة من بيتها متعطّرة متزيّنة من الكبائر ولو أذن لها زوجها.

الشرط السادس: (أن لا يشبه لباس الرّجال )
لما ورد من الأحاديث الصحيحة فِي لعن المرأة التي تتشبّه بالرّجل فِي اللّباس وغيره: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: ( لعن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الرّجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرّجل). قَالَ الذّهبيّ: فإذا لبست المرأة زيّ الرّجال من المقالب والفرج والأكمام الضيّقة فَقَدْ شابهت الرّجال فِي لبسهم فتلحقها لعنة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ولزوجها إِذَا أمكنها من ذَلِكَ. وتتفطّر القلوب ونحن نرى مسلمات يلبسن "الإيشارب" و "البنطلون" والقميص الضيّق أَوْ "البيجاما" وهنّ يحسبن أنّهنّ متحجّبات!! فأي حجاب موضة هَذَا وقد اشتمل عَلَى كلّ هَذَا المنكر لاَ سيّما التّشبّه بزيّ الكفّار من الرّجال "كالبنطلون" وغيره مما هُوَ أقبح؟!!

الشرط السابع: (أن لا يشبه لباس الكافرات )
لما تقرّر فِي الشرع أنّه لاَ يجوز للمسلمين –رجالاً ونساءً- التّشبّه بالكفّار سواء فِي عباداتهم أَوْ أعيادهم أَوْ أزيائهم الخاصّة بهم. وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنّة فِي تأكيد وبيان هذه القاعدة العظيمة، وقد قَالَ النّبي صلى الله عليه وسلم: ( من تشبّه بقوم فهو منهم).وخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: ( يَا معشر الأنصار! حمّروا وصفّروا، وخالفوا أهل الكتاب).قَالَ: فقلنا: يَا رَسُول الله! إنّ أهل الكتاب يتسرولون وَلاَ يأتزرون. فقال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم :(تسرولوا وائتزروا، وخالفوا أهل الكتاب)، قَالَ: فقلنا: يَا رَسُول الله! إنّ أهل الكتاب يتخفّفون وَلاَ ينتعلون. قَالَ: (فتخفّفوا وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب)، قَالَ: فقلنا: يَا رَسُول الله! إنّ أهل الكتاب يقصّون عثانيتهم ويوفرون سبالهم. قَالَ:(قصّوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب).

فكيف بالمسلمات –إلاّ من رحم ربّي- يتسابقن لاقتناء أحدث مَا سوّدته أيدي هؤلاء الكفّار من أزياء وتصاميم ويتفاخرون بذلك؟!!

الشرط الثامن: ( أن لاَ يكون لباس شهرة )
وَهُوَ كلّ ثوب يقصد بِهِ الاشتهار بين النّاس سواءً كَانَ الثوب نفيساً يلبسه تفاخراً بالدّنيا وزينتها أَوْ خسيساً يلبس إظهاراً للزهد والرياء. وذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لبس ثوب شهرة فِي الدُنْيَا ألبسه الله ثوب مذلّة يوم القيامة ثمّ أُلهب فيه ناراً).

فيا من تريدين الدّار الآخرة.. ويا من تتشوّقين إِلَى جنّة خالدة… ويا من تخافين من عذاب القبر وعذاب الجّحيم: كوني فخورة بانتمائكِ إِلَى هَذَا الدّين فلا نجاة إلاّ بِهِ، وَلاَ فكاك من النّار إلاّ بِهِ، وَلاَ قبول للأعمال إلاّ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وَهُوَ فِي الآخرة من الخاسرين)) [آل عمران].

واعلمي أن أيديهم الماكرة الخبيثة الخادعة قَدْ امتدّت إليكِ فِي هذه الفتنة لتنزلك من علياء كرامتك وتهبط بك من سماء مجدك وتخرجك من دار سعدك؛ فاقطعيها بسرعة وبقوّة، فإنّها يد مجرمة ظالمة وقولي كَمَا قالت أختك من قبل:

بيد العفاف أصون عزّ حجابي *** وبعصمتي أعلو عَلَى أترابي

وكما قالت:

أيّها القوم أصلحوا أنفسكم *** بُرقعي وسط محيطي شرفي

الطوفان
18-03-2003, 04:02 PM
شكرا لكِ أختي الكريمة على جهودك المثمرة

وتنبهي أختي عند نقلك من فائدة ما تنقلين وصحته ، مع ذكر المصدر

واعلمي أنه ليس كل ما يقرأ يصح نقله أو عرضه على الآخرين

وجزاكِ الله خيرا

ورد المنى
20-03-2003, 09:38 AM
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة:الطوفان

شكرا لكِ أختي الكريمة على جهودك المثمرة

وتنبهي أختي عند نقلك من فائدة ما تنقلين وصحته ، مع ذكر المصدر

واعلمي أنه ليس كل ما يقرأ يصح نقله أو عرضه على الآخرين

وجزاكِ الله خيرا
السلام عليكم ورحمة الله
ونأسف لكل ما نقلناة بالخطأ هل تقصد هذا
وسلم: ( من تشبّه بقوم فهو منهم).وخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: ( يَا معشر الأنصار! حمّروا وصفّروا، وخالفوا أهل الكتاب).قَالَ: فقلنا: يَا رَسُول الله! إنّ أهل الكتاب يتسرولون وَلاَ يأتزرون. فقال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تسرولوا وائتزروا، وخالفوا أهل الكتاب)، قَالَ: فقلنا: يَا رَسُول الله! إنّ أهل الكتاب يتخفّفون وَلاَ ينتعلون. قَالَ: (فتخفّفوا وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب)، قَالَ: فقلنا: يَا رَسُول الله! إنّ أهل الكتاب يقصّون عثانيتهم ويوفرون سبالهم. قَالَقصّوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب).

ورد المنى
20-03-2003, 09:50 AM
فتاوي واحكام

يجيب عليها سماحة الشيخ

أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة

س/ اراد رجل ان يضحي بشاة في حرم مسجد من المساجد ثم يوزعها على من حضر من الفقراء والمساكين بالتساوي. فهل يجوز ذبح الاضيحة في حرم المساجد؟

ج / يجب تنزيه المساجد من كل ما يلوثها فلا يجوز الذبح في حرمه والله اعلم.

س / بالنسبة للكفارة المغلظة صوم شهرين متتابعين هل يصومها متواصلين ام يفصل بينهما بيوم؟

ج/ يجب التتابع في صيام الكفارة ولا يجوز الفصل ولو بيوم والله اعلم.

س/ جماعة في بلدة طلب منهم جمع تبرعات لبناء مكتبة تكون تابعة لها وتم جمع هذه التبرعات ولكن حدثت بعض الامور التي ادت الى تأخر بناء هذه المكتبة فعرض بعض الاخوة فكرة بتطوير غرفة تابعة للمسجد لتقام عليها المكتبة في الوقت الحاضر الى ان تتيسر تلك الامور ويتم بناء المكتبة... هل هذا المبلغ الذي جمع هل يصح لنا استخدامه في هذا دون ان نعلم من تبرع بذلك علما انه قد يقع حرج بفعل ذلك اي باخبار كل من تبرع؟

ج/ ليس له ذلك الا ان وافق المتبرعون جميعا على تحويل ما تبرعوا به الى هذه الغرفة الموقوتة والله اعلم.

س/ ما حكم الاسلام في تعليق اعلانات المعاهد التدريبية وحملات العمرة والحج على ابواب المساجد بغرض جلب الزبائن؟

ج/ المساجد هي بيوت الله ولا يجوز فيها الا ما اذن الله به قال تعالى (في بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه) فالمأذون به فيها عبادة الله من صلاة وذكر وتلاوة ودعوة الى الحق وتعلم وتعليم اما الاعلانات المذكورة فهي بعيدة عن المأذون به والله اعلم.

س/ سماحة الشيخ افتونا في رجل اشترى منزلا من رجل ابكم وان هذا الابكم بكامل قواه العقلية ويعمل في الحكومة اشتري المنزل عن طريق بنك الاسكان العماني بواسطة شخص وسيط بين البائع والمشتري واخذ الوسيط من المشتري مبلغ 200 ر.ع كعربون وسلمها للبائع وسلم البائع الملكية الاصلية الى المشتري لكي يخلص الاجراءات المتعلقة ببنك الاسكان وبعد ذلك تم ابرام اتفاقية بين المشتري والبائع تنص على ان اي منهما ان اراد فسخ البيع عليه دفع مبلغ 2000 ر.ع للآخر ويشهد على ذلك شاهدان عدلان. لقد تم الكشف الهندسي على المنزل بواسطة مهندس من بنك الاسكان العماني وت مت الموافقة على شراء المنزل عن طريق البنك وبعد ذلك وقع البائع امام بنك الاسكان وامام شهود من البنك على عقد البيع وبعد ذلك كان المفترض ان يذهب البائع الى وزارة الاسكان ليتم التنازل عن ملكية المنزل للمشتري وهنا تدخل اخو البائع الاكبر وارغمه على فسخ البيع. لقد اشترى المشترى هذا المنزل بموجب قرض من بنك الاسكان وفقدانه لهذا المنزل يعني الغاء القرض الذي يصعب الحصول عليه مرة اخرى.

افتونا في هذا الامر حفظكم الله ورعاكم انه سميع مجيب الدعاء؟

ج/ بما ان هذه الاتفاقية كانت بينهما بعد عقد البيع فالبيع صحيح ثابت والاتفاقية لا تعتبر شيئا فلا يلزم احدهما ان يقبل فسخ العقد وان اراد الفسخ فحسب ما يتفقان عليه من جديد سواء تراضيا ان يكون بعوض او لا.

س/ رجال بنو رقاد يقدمون السؤال اليك لانهم قد خرجوا قطعة ارض من املاكهم وهي وقفت بين جميع المشتركين في الارض المذكورة في هذه الرسالة وقد قالوا الجماعة لانهم يريدون الارض لتحويلها الى مقبرة وانهم سكان او المواطنين قدموا دعوة الى البلدية فقالوا ما نقبل ان تتحول الى مقبرة لانها بالقرب من منازلنا ونرفق لكم رسالة من البلدية ومحافظة بوشر و انه قد وقف مجلس البلدية وولاية بوشر بتاريخ 5/8/1997م وقال مسئول البلدية: ممنوع المقابر الحديثة الا المقابر التي تعملها البلدية فقط وان اصحاب الارض المذكورين خاطبوا لجنة الاراضي بمسقط فقالوا: نرجو الافادة من سماحة الشيخ مفتي عام السلطنة وهم من بلدة غلا.

ج/ اما من الناحية الادارية فمرد ذلك الى جهة الاختصاص ولها تنظيم ما يرجع اليها حسب المصلحة التي تراها واما من الناحية الشرعية فلا تمنع المقبرة ان تكون بجوار البيوت ان لم تترتب على ذلك مضرة على الناس او على المقبرة والله اعلم.

ورد المنى
20-03-2003, 09:52 AM
فتاوى وأحكام يجيب عليها سماحة الشيخ

أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة

س ـ ما حكم قراءة الحائض للقرآن كالمعوذتين مثلا إذا احست بالخوف؟
ج ـ إن خافت فلها أن تقرأ ما يؤنس وحشتها. والله أعلم.

س ـ ما قولكم في دخول الحائض مدرسة تقع تحت المسجد؟
ج ـ ليس للحائض أن تدخل المسجد إلا لضرورة كالفرار من عدو أو نحو ذلك، وعليه فإن كانت عندما تأتي إلى المدرسة تجتاز داخل المسجد فإن ذلك لا يجوز لها، وإن كانت لا تلج المسجد فليس عليها في ذلك حرج، والله أعلم.

س ـ فيمن خرجت مع زوجها وهي حائض فحضرت الصلاة فدخل الزوج المسجد لأداء الصلاة فهل يصح أن تدخل معه أو تنظره عند مدخل قسم النساء؟
ج ـ إن كان ذلك في أفنية المسجد لا حيث تقام الصلاة فلا حرج. والله أعلم.

س ـ هل يباح للمدرسات والطالبات قراءة القرآن وحفظه وهن حائضات؟
ج ـ الذي أراه وأعتمد عليه وجوب تجنب ذي الحدث الأكبر حيضا أو نفاسا أو جنابة قراءة القرآن الكريم لقدسية كلام الله تعالى وهو الذي يدل عليه ما رواه الإمام الربيع عن أبي عبيده عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة (لا يقرأون القرآن ولا يلمسون مصحفا بأيديهم حتى يكونوا متوضئين) أي متطهرين الطهور المشروع للعابدة، وهو وإن كان مرسلا فإن لمراسيل جابر حكم الوصل على أنه معضود بروايات أخرى منها ما اخرجه الخمسة وصححة الترمذي وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبزار والدارقطني والبيهقي وصححه ايضا كل من ابن حبان وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة عن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولا يحجبه ـ وربما قال ـ ولا يحجزه من القرآن شيء ليس من الجنابة) ولفظه الترمذي كان يقرؤنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا) وقد بالغ أهل العلم في تعظيم هذا الحديث حتى قال ابن خزيمة: هذا الحديث ثلث رأس مالي: وقال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه، ومن المعلوم أن الحيض والنفاس لا يختلفان عن الجنابة فكل منهما حدث أكبر كالجنابة ولا يقال إنه مجرد ترك من النبي صلى الله عليه وسلم ـ لا يستدل به على حكم كيف وراوي الحديث ـ وهو الإمام علي ـ يصرح أن الجنابة هي الحاجز بينه وبين قراءة القرآن وليس من المعقول أن يقول ذلك الإمام علي اعتباطا فإنه ليس ممن يرمي الكلام على عواهنه خصوصا فيما يتعلق بالأحكام الشرعية وقد روى أبو يعلى عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب أما الجنب فلا ولا آية) وهو نص في الموضوع وأخرج أبو داود والترمزي وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن) ومهما قيل في إسناده فإن ابن سيد الناس ـ وهو من كبار أئمة الحديث صحح بعض طرقه وروى الدار قطني عن جابر ـ ضي الله عنه ـ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئا.. وهذه الروايات لم يثبت ما يعارضها وذلك يقتضي عدم جواز إسقاطها واذا علمتم ذلك فعليكم أن تعلموا أن قراءة الطالبات والمدرسات القرآن أيام حيضهن لأجل الامتحانات ليس له مبرر فالصوم فرضه موقوف وقفه الله في القرآن وقد عذرت الحائض والنفساء منه وأمرتا بتأخيره إلى وقت طهرهما فما بالكم بشيء وقته البشر وإنما على المسؤولين أن لا يضيقوا وقت الامتحان بل الأحرى أن تكون له فتران.. والله أعلم وبه التوفيق.

ورد المنى
20-03-2003, 09:59 AM
هو العالم العلامة والبحر الحبر الفهامة سماحة الشيخ أحمــد بن حمـــد بن سليمان الخليلي حفظه الله تعالى .

سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد بن سليمان بن ناصر الخليلي شخصية علمية بارزة من ولاية بهلا احدى ولايات السلطنة بالمنطقة الداخلية من أسرة فاضلة ومعدن عربي خروصي ، فقد كان أبوه رجلا معروفا بصلاحه وفضله، وجده قاضيا في ولاية بهلا، سافر أبوه الى زنجبار في شرق افريقيا وهناك ولد له سماحته في يوم الاثنين الثاني عشر من رجب الحرام 1361هـ الموافق 27/يوليو/1942 فأنشأه والداه على الفضيلة وحب العلم مما جعل له بالغ الأثر في حياة الشيخ لاحقا، التحق في أول عمره بالكتاتيب (مدارس القرآن الكريم) لمدة عامين ليتخرج منها في التاسعة من عمره حافظا لكتاب الله سبحانه وتعالى.

ثم التحق بحلقات بعض المشايخ منهم الشيخ عيسى بن سعيد الاسماعيلي والشيخ حمود ابن سعيد الخروصي والشيخ أحمد بن زهران الريامي ليتعلم مبادىء الفقه والعقيدة والنحو والصرف والحساب وحضر حلقات العلامة أبي اسحاق ابراهيم اطفيش عند زيارته لزنجبار، ولم يلتحق بمدرسة نظامية حتى يتفرغ بنفسه للتعمق العلمي والأدبي والفكري في طلبه للعلم من خلال مطالعاته وقراءاته بنفسه وساعده على ذلك علو همته وقوة ذاكرته وذكاؤه الوقاد فتفجرت ينابيع الحكمة في صدره وانطلق بيان الحجة من لسانه ووعى صدره مختلف فنون العلم والمعرفة ورزق حب الناس وتأثرهم بما يصدر عنه من العلم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.

عمل في زنجبار الى جانب طلبه للعلم في التجارة مساعدا لوالده وفي عام 1384هـ الموافق 1964م شاءت حكمة الله تعالى أن يثور الانقلاب الشيوعى في زنجبار ليرجع سماحته مع والده وأسرته الى وطنه الأصلي عمان لينـزل ولاية بهلا وهناك يتعرف عليه أفاضلها ثم يطلبونه للتدريس، فقام سماحته بالتدريس بجامع بهلا لمدة عشرة أشهر ثم طلب من قبل مشايخ العلم في مسقط بناءا على شهادة العلامة الشيخ ابراهيم بن سعيد العبري بسعة علومه ومقدرته العلمية الفذة ولذلك عين مدرسا بمسجد الخور بمسقط حتى 1391هـ وفي هذه السنة طلب كقاض في محكمة الاستئناف فواصل تدريسه مع التزامه بالقضاء.

ثم عين مديرا للشؤون الاسلامية بوزارة العدل والأوقاف والشؤون الاسلامية ، وفي عام 1395هـ الموافق 1975م صدر مرسوم سلطاني بتعيينه مفتيا عاما للسلطنة بعد وفاة العلامة الشيخ ابراهيم بن سعيد العبري.
وفي 1987م أوكل اليه ادارة المعاهد الاسلامية مع منحه درجة مرتبة وزير.

انتاجه العلمي والدعوي:ـ
أيقن سماحته بما آتاه الله من علم وأيده من توفيق منذ مقتبل عمره بضرورة الدعوة الى الله سبحانه وتعالى واصلاح الخلل الحادث في المجتمع وايقاظ افراده من الجمود واثارة الحس الديني في الأمة ، فكان سماحته بحق مجدد العصر، فنظر سماحته الى المجتمع العماني خاصة والأمة عامة نظرة سداد فأخذ يبث الوعي عن طريق المحاضرات والخطب الجمعية والمشاركة في الندوات والمؤتمرات في داخل السلطنة وخارجها فاشتهر بين الأمة الاسلامية قاطبة وشهد بعلمه ووعيه القاصي والداني وأثنى عليه قادة الفكر وفطاحل علماء هذا الدين الحنيف.

واذا أردنا أن نحصر انتاجه العلمي والدعوي فلايسعنا الا القول أن جميع حياة الشيخ علم ودعوة، ولكن أحاول أن اذكر بعضا من نشاطه:ـ
ا ـ الوعظ والارشاد: عن طريق المحاضرات والخطب الجمعية والنصح المباشر لعامة الناس وله اشرطة مسجلة كثيرة ويعمل المهتمون بالعلم الشريف على طباعتها في كتيبات على هيئة رسائل.
2 ـ الفتاوي: حيث ساعده مركزه كمفت عام للسلطنة على تلقي الأسئلة الكثيرة التي لايحصى عددها والاجابة عليها ، ويكاد تغطي جميع مناحي الحياة وتأتي على كل مشكلات العصر والناس تسأله أينما حل وارتحل.
وكثير من فتاويه محفوظة في مكتب الافتاء بالسلطنة.
3 ـ المشاركة في المؤتمرات والندوات الاسلامية: والمحور الأساس لالتقاء سماحته بأخوانه العلماء في هذه المؤتمرات هو العمل على كيفية الوصول بالأمة الاسلامية الى الوحدة، وما انفك سماحته يحث الأمة من خلال هذه المنابر على الوحدة،حتى أصبح علما من أعلامها وغدا المذهب الاباضي معلما من معالمها.
4 ـ دروس التفسير: حيث يلقي سماحته هذه الدروس على أبنائه طلبة معهد القضاء الشرعي بجامع روي، ثم يعمل بعد ذلك على سبكها في تفسيره العظيم (جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل) وقد صدر الى الآن الجزء الثالث.
5 ـ دروس في أصول الفقه: حيث شرح سماحته على طلبة العلم بعضاً من شمس الأصول للامام نور الدين السالمي رحمه الله ‎، وهذه الدروس مسجلة في أشرطة سمعية.
6 ـ المشاركة في المنتديات العلمية: بالقاء محاضرات معمقة عن الشخصيات الاسلامية والقضايا العلمية والتأريخية والأدبية وأخص بالذكر مشاركته في ندوة من أعلامنا والمنتدى الأدبي والنادي الثقافي وسلسلة محاضرات عام التراث 1994م.
7 ـ دروس في العقيدة والفكر: ويلقيها سماحته على طلبة جامعة السلطان قابوس، وهي مسجلة وهناك نية لاخراجها في رسائل من قبل الجامعة ، وهناك أيضا سلسلة محاضرات في الجامعة يلقيها سماحته على طالبات الجامعة بين الحين والآخر.
8 ـ الردود العلمية: حيث يقف سماحته بالمرصاد للطاعنين في الاسلام وله ردود علمية مسجلة، وكذلك قام سماحته بالرد على الطاعنين في مذهب أهل الحق والاستقامة وشرح حقيقة هذا المذهب، وله في ذلك رد على الشيخ عبدالعزيز بن باز عندما كفر الاباضية وحكم عليهم بالقتل، ورد على عبد الرحيم الطحان عندما طعن في القرآن الكريم ، وله رد على أحد نصارى العرب الطاعنين في الاسلام.
9 ـ الحق الدامغ : ويأتي في نفس نسق الردود العلمية وهو يبين بأسلوب علمي رصين وهادىء ثلاث مسائل من عقائد المذهب ويرد على المخالفين فيها وهي عدم رؤية الباري جل وعلا وخلود مرتكب الكبيرة في النار وخلق القرآن الكريم ويحتوى هذا الكتاب أيضا على مقدمة تبين تسامح أصحاب هذا المذهب تجاه اخوانهم المسلمين وخاتمة ذكر فيها اشادة بعض علماء الفكر الاسلامي بهذا المذهب العظيم
10 ـ ولسماحته رسائل وكتب مهمة أخرى منها: شرح غاية المراد للامام نور الدين السالمي ورسالة بعنوان وحي السنة في خطبتي الجمعة.

ويمكن أيضا في هذه الأسطر أن أسرد المناصب التي تبوءها سماحته سردا سريعا:ـ
- أولا : المناصب الوظيفة التي يشغلها داخل السلطنة:ـ
ا ـ المفتي العام للسلطنة.
2 ـ رئيس مجلس ادارة معاهد السلطان قابوس للدراسات الاسلامية.
3 ـ رئيس معهد القضاء الشرعي والوعظ والارشاد.
4 ـ عضو لجنة التظلمات (أعلى هيئة قضائية في السلطنة).
5 ـ رئيس لجنة المطبوعات وتحقيق الكتب بوزارة التراث القومي والثقافه.
- ثانيا : المناصب التي يشغلها خارج السلطنة:ـ
ا ـ عضو مجمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي.
2 ـ عضو مؤسسة آل البيت (المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية).
3 ـ عضو مجلس أمناء جامعة آل البيت بالمملكة الأردنية الهاشمية.
4 ـ عضو مجلس أمناء الجامعة الاسلامية العالمية في اسلام أباد بباكستان.
هذا ما أمكن كتابته هنا واعترف بعجز قلمي عن ايفاء الموضوع حقه ولكن مالا يدرك جله لايترك كله وأسأل الله تعالى المغفرة والهداية.



وأهم إنتاجاته


_كتاب الحق الدامغ

مناهج التشريع الإسلامي

جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل :وهوتفسير للقرآن العظيم

المدخل العام لدراسة العقيدة الإسلامية .

كتاب الإخلاص روح العبادة

وللشيخ عدد كبير من المحاضرات السمعية والبصرية يربو عددها على

الخمسمائة شريط.

ورد المنى
20-03-2003, 10:10 AM
http://www.mara.gov.om/library/Books/Alakat.html

ورد المنى
20-03-2003, 10:12 AM
http://www.mara.gov.om/library/book/kursi.html

ورد المنى
20-03-2003, 10:15 AM
http://www.mara.gov.om/library/book/ahkamalhaid.html

ورد المنى
21-03-2003, 11:22 AM
http://216.221.185.71/audio/woman/khliliwomenfatwa2-1.ram

ورد المنى
21-03-2003, 11:43 AM
ترجمة الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي رحمه الله

هو الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري الفقيه المشهور. كان طود المذهب الأشم وبحر العلم الخضم صحب أبا عبيدة فنال وأفلح وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح. نزل البصرة فتعلم وعلم ثم انتقل إلى عمان وسكن غضفان من أرض الباطنة. قال أبو عبدالله: "الربيع من فراهيد من غضفان من عمان" وهذا يدل على أن أصله كان من غضفان وكونه في البصرة مشهور فكأنه انتقل إليها لأخذ العلم ثم رجع بعد ذلك إلى بلاده بعدما ذهب أكثر عمره هنالك طالبا ومطلوبا. قال أبوعبدالله: "أدرك الربيع جابر بن زيد والربيع شاب." وقيل ما قل ما حمل عنه وأكثر ما حمل من العلم عن ضمام عن جابر وكان الربيع يقول أخذت الفقه من ثلاثة: أبي عبيدة وأبي نوح وضمام. وقال أناس من أهل البصرة انظروا لنا رجلا ورعا قريب الإسناد حتى نكتب عنه ونترك ما سواه فنظروا فلم يجدوا غير الربيع بن حبيب فطلبوا منه ذلك وكان يروي لهم عن ضمام عن جابر بن زيد عن ابن عباس رحمهم الله فلما خاف أن يشيع أمره أغلق بابه على نفسه دونهم إلا من أتاه من إخوانه المسلمين. وقد اعتنى بتدوين رواياته عن ضمام الشيخ أبو صفرة عبدالملك بن صفرة رحمة الله عليه.



شيوخ الإمام الربيع

قال البدر الشماخي: "وسأذكر أشياخا يروي عنهم الربيع ويروون عن

جابر أي في غير المسند قال لكنهم مجاهيل" أي لم يطلع على تراجمهم وأنسابهم كما يدل عليه قوله: "ما رأيت من عرف بهم." منهم يحيى بن أبي قرة، عباس بن الحارث، قتادة، سعيد، عبدالله بن الحارث، الوليد بن يحيى، سري بن سالم، كعب بن سوار، يحيى بن نافع، حبيب بن أبي حبيب، عمرو بن هرم، محارب بن يزيد، أبان بن يزيد بن جريج، ضمام بن يحيى، عمرو بن أبي قرة، سلام بن مسكين، عمار بن حبيب أبو خليل، أبو عوانة بن جعفر، إلياس، خداش بن عبدالحميد، حماد بن سلمة، القاسم بن الفضل وحسان العامري.

قال: "وأما جابر بن عمارة فمن شيوخ أهل الدعوة بصري وإن عده أبو يعقوب في المجاهيل." قال: "كذا أبو المهاجر الكوفي وإسماعيل بن القديد وأبو محمد عبدالرحمن بن سلمة المدنيان وعبدالسلام بن عبدالقدوس رحمهم الله.

قال وأما رجال حديث مسند الربيع فقد ذكرهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم فلا أتعرض لذكرهم.



حملة العلم عن الإمام الربيع

حمل العلم عن الربيع من أهل عمان:

* أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني من عقر نزوى وكان يسمى الشيخ الكبير وهو المراد بالشيخ عند الإطلاق في الأثر المشرقي وكان من بني نافع من بني سامة بن لؤي بن غالب وهو جد بني زياد

* ومنير بن النير الجعلاني وهو رجل من بني ريام.

* وموسى بن أبي جابر الإزكوي وهو رجل من بني ضبة من بني سامة بن لؤي بن غالب وهو الذي عقد الإمامة لل بن كعب وهو جد موسى بن علي لأمه.

* ومحمد بن المعلى الفشحي وهو من كندة.

* ومحبوب بن الرحيل القرشي البصري وقيل أن محبوبا انتقل إلى عمان في آخر زمانه مع الربيع.

وحمل عنه من أهل حضرموت أبو أيوب وائل بن أيوب وكان قد انتقل إلى البصرة وسكن فيها وكان أبو عبيدة الصغير عبدالله بن القاسم إذا سئل عن شيء قال عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربيع.

وحمل عنه من أهل خراسان هاشم بن عبدالله الخراساني والله أعلم.

وحمل عنه من أهل العراق الجم الغفير ذكرهم البدر الشماخي في (السير) في أهل طبقة الربيع.



ما وقع من خلاف في عهد الإمام الربيع

خالف الربيع رحمه الله تعالى في زمانه في بعض المسائل سهل بن صالح وأبو المعروف شعيب بن معروف وعبدالله بن عبدالعزيز وأبو المؤرج وحمزة الكوفي وعطية وغيلان وهؤلاء الثلاثة أخذوا بقول أهل القدر وكان خلافهم في أيام أبي عبيدة وكذلك خلاف من قبلهم كان في أيامه أيضا لكنهم أظهروا التوبة فردهم المسلمون إلى المجالس ثم أظهروا الخلاف في أيام الربيع وتمادوا عليه فنفاهم المسلمون من أماكنهم وطردوهم من مجالسهم ولم يخالفوا في العقيدة ولا في شيء من أمور الدين وإنما خالفوا في مسائل مخصوصة خالفوا فيها قول المسلمين ولهم في الفقه أقوال وأسانيد يأخذ بها أصحابنا.

وسئل الإمام أفلح رضي الله عنه عن أبي المؤرج وابن عبدالعزيز فقال: "وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل وأما غيرها فما فيه اختلاف من رأي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف فقهاؤنا فلا يدفع إسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين." قال: "وأما البراءة، فلم يكن ابن عبدالعزيز عند المسلمين محمودا وهو إلى البراءة أقرب." إنتهى جواب الإمام.

قال البدر: "وأما حيان بن حاجب فإلى الولاية أقرب وأما ابن عباد المصري ففي الولاية وابن عباد المتكلم كذلك." وذكر رحمه الله تعالى من جملة المحدثين الحارث وصالح بن كثير. قال: "وكان من المتكلمين، إلا أنه أحدث أشياء قلاه المسلمون بها وكذلك عبدالله بن يزيد وتلميذه عيسى بن عمير.

نجم الساحة
24-03-2003, 02:40 PM
تشكري أختي ورد المنى على التواصل وبارك الله فيك .

ورد المنى
27-03-2003, 09:12 AM
http://www.alnadwa.net/alkhalili/wasktalkna.htm

ورد المنى
27-03-2003, 09:21 AM
برير‏:‏ هو أبو ذر الغفارى واسمه جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال ابن قتيبة‏:‏ قال أبو اليقظان‏:‏ أبو ذر اسمه جندب بن السكن ولقبه برير‏.‏

بريدة‏:‏ الأسلمى يقال‏:‏ اسمه عامر بن الحصيب بضم الحاء والصاد المهملتين وقد تقدم تقييده ويكنى أبا عبد الله وكان من أصحاب الشجرة نزل البصرة ومات بمرو في خلافة يزيد بن معاوية جصين‏:‏ بالجيم والصاد المهملة المكسورة المشددة‏.‏

حدثنا أبو عمر النمرى خلف بن القاسم قال‏:‏ نا أبو على بن السكن قال‏:‏ حدثني احمد بن عمر بن بسطام المروزى قال‏:‏ نا الفضل بن عبد الجبار قال‏:‏ سمعت أحمد بن عثمان الطوسى يقول‏:‏ بريدة اسمه عامر بن الخصيب قال ابن السكن‏:‏ أحمد بن عثمان من كبار أصحاب ابن المبارك‏.‏



الباقر‏:‏ هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ويقال له‏:‏ باقر العلم كما حدثنا حكم بن محمد بن حكم قال‏:‏ نا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل قال‏:‏ نا أبو الحسن الأنصاري قال‏:‏ سمعت الزبير بن بكار القاضي يقول‏:‏ كان يقال لمحمد بن علي بن الحسين‏:‏ باقر العلم وذكر عمر الزاهد المطرز صاحب ثعلب قال‏:‏ إنما سمى محمدا باقرا لأنه شق العلم وفتحه وأظهره وبينه‏.‏

ببه‏:‏ هو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب بن هاشم روى له البخاري ومسلم عن العباس بن عبد المطلب روى عنه عبد الملك ابن عمير وعامر بن سعد‏.‏

حدثنا حكم بن محمد قال‏:‏ نا أبو بكر بن إسماعيل قال‏:‏ حدثنا الأنصاري نا الزبير بن بكار قال عبد الله بن الحارث الذي يقال له‏:‏ جبة أمه هند بنت أبي سفيان اصطلج عليه أهل البهنى‏:‏ هو عبد الله بن يسار مولى مصعب بن الزبير معدود في الطبقة الأولى من الكوفيين وروى الفضل بن عثمان العلاني عن يحيى ابن معين أنه قال‏:‏ البهنى اسمه عبد الله بن يسار يكنى أبا محمد نزل الكوفة مولى الزبير بن العوام رضي الله عنه يروى عن عروة بن الزبير روى عنه خالد بن سلمة وإسماعيل بن أبي خالد والسرفى وروى أيضا عن عائشة وفاطمة بنت قيس‏.‏

البُطين‏:‏ هو مسلم بن أبي عمران أبو عبد الله الكوفى عن سعيد بن جبير رويا له‏.‏

بندار‏:‏ محمد بن بشار بن عثمان أبو بكر العيدى حدث عنه مسلم والبخارى والناس‏.‏

حدثنا أحمد بن عمر نا أبو ذر نا أبو الحسن الدارقطني قال‏:‏ كان بندار من الحفاظ الأثبات‏.‏

بحشل‏:‏ هو أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخى عبد الله ابن وهب يكنى أبا عبيد الله‏.‏

قال أبو سعيد بن يونس‏:‏ في تاريخه في أهل مصر والمغرب أحمد بن عبد الرحمن بن وهب يلقب بحشل حدث عن عمه وغيره لا تقوم بحديثه حجة توفى في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين‏.‏

حدث عنه مسلم بن الحجاج عن عمه في مواضع يسيرة ويذكر أن البخاري قد حدث عنه في الجامع‏.‏



أبو تراب‏:‏ هو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه وقال سهل بن سعد الساعدي‏:‏ ما كان لعلى اسم أحب إليه من أبي تراب وإن كان ليفرح إذا دعي به‏.‏

التل‏:‏ هو محمد بن الحسن بن الزبير أبو جعفر الأسدي حدث البخاري عن ابنه عمر بن محمد عنه عن إبراهيم بن طهمان وحفص ابن غياث‏.‏

حدثنا أبو عمر قال‏:‏ نا ابن قاسم قال‏:‏ نا ابن السكن قال‏:‏ نا الحسين ابن اسماعيل المحاملي قال‏:‏ نا عمر بن محمد بن الحسين الأزدي قال‏:‏ نا أبى قال‏:‏ نا إبراهيم بن طهمان في حديث ذكره منكرا قاله الأزدي‏.‏


جردقة‏:‏ هو عبد الرحمن بن عبد الله أبو سعيد مولى بنى هاشم روينا عن أبي بكر أحمد بن محمد بن بيان الأثرم قال‏:‏ سئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل عن أبي سعيد مولى بني هاشم‏:‏ ما كان اسمه فقال‏:‏ عبد الرحمن بن عبد الله فقال رجل‏:‏ كان يلقب جردقة فقال أبو عبد الله برأسه‏:‏ أبى نعم‏.‏



حمدان‏:‏ هو محمد بن سعيد الأصبهاني أبو جعفر كوفى من شيوخ البخارى روى عنه حديثا واحدا في الجامع عن ابن المبارك عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنما سمى الخضر لأنه على فروة بيضاء‏.‏

‏)‏ الحديث‏.‏

حمدان آخر‏:‏ هو حمدان بن عمرو اسمه أحمد أبو جعفر البغدادي حدث عنه البخارى في تفسير سورة المائدة حديثا واحدا ليس له غيره‏.‏

حمدان آخر‏:‏ هو أحمد بن يوسف السلمى الأزدي نيسابوري يكنى أبا الحسن‏.‏

قال أبو عبد الله الحاكم النيسابورى‏:‏ سمعت أبا أحمد الحافة يقول‏:‏ سمعت مكى بن عبدان يقول‏:‏ قال لنا أحمد بن يوسف‏:‏ أنا أزدى وكانت أمى سلمية‏.‏

حمدوية‏:‏ محمد بن أبان البلخي مستملى وكيع بن الجراح يكنى أبا بكر روى عنه البخارى عن محمد بن جعفر غندر في الصلاة قاله أبو نصر قد تقدم في الجزء الذي قبل هذا أن مستملى وكيع لا يروى عنه البخاري‏.‏

ابو حرزة‏:‏ اسمه يعقوب بن مجاهد يكنى أبا يوسف وأبو حرزة لقب له وكان قاصا‏.‏

حي‏:‏ هو جد الحسن وعلى ابنا صالح بن حي اسمه حيان وحي لقب‏.‏

حدثنا حكم نا أبو بكر نا أبو البشر نا إبراهيم ين يعقوب الجوجانى قال‏:‏ نا إسحاق

ورد المنى
28-03-2003, 01:03 PM
http://www.mara.gov.om/library/book/lamaeh.html

ورد المنى
30-03-2003, 03:32 PM
عبدالله الخليلي
فــــارس الضـــاد
نصوص شعرية قيد الإصدار

أحمد درويش (أستاذ النقد الادبي والأدب المقارن بجامعة القاهرة،
مستشار جامعة السلطان قابوس)


--------------------------------------------------------------------------------


لاشك أن الانتاج الشعري الغزير الذي فاضت به قريحة الشاعر العمانى الكبير الراحل عبدالله الخليلي (1922- 2000م) لم يصل كاملا الى قراء الشعر العربي رغم الدواوين التي صدرت في حياته: "من نافذة الحياة" و "وحي العبقرية" و "وحي النهى" و "بين الفقه والادب" و "على ركاب الجمهور" الى جانب بعض القصائد التي نشرت متفرقة في الصحف والمجلات ولم تتضمنها هذه الدواوين.

وقد كان الشاعر- رحمه الله- غزير الانتاج، وازداد هذا الانتاج غزارة وتنوعا في السنوات الاخيرة بعد طبع دواوينه التي أشرنا اليها، ولم تكن رحلة المرض التي مر بها في أخريات حياته عائقا له عن مواصلة انتاجه بل انها على العكس دفعته الى الانغماس فى بحور الشعر وكأنه يتداوى به ويرسل من خلاله دعاءه وزفراته وأناته وتأملاته، ولقد ظل يقظ القريحة متوقد الذهن حريصا على أن يدون قصائده ومقطوعاته ولمحاته ويتأنق في كتابتها بيديه ما ساعدته الظروف على ذلك، ويملي على جلسائه حين يشق عليه الامر، ويودع هذه الفيوضات أجهزة التسجيل حين يخلو به المجلس ويراجع ما كتب او ما أملى أو ما سجل، ويطمئن الى الصورة الاخيرة ويستبقيها دون ما عداها إلا ما ند عنه انطلاقا من حرص المحيطين به على الاحتفاظ ببعض مسوداته. وسلوك كهذا يؤكده خلطاؤه وابناؤه، يبعث على الاطمئنان الى امكانية الحصول على جل تراثه ان لم يكن كله، وعلى امكانية حفظه مم الضياع ومحاولة اخراجه بطريقة ملائمة تساعد على التمتع به ودراسته والافادة منه واثراء التراث العربي عامة والعماني خاصة بهذا العطاء الشعري المتميز. لكن ذلك الهدف لا يكفي للوصول اليه حسن النوايا، وانما يتطلب قدرا كبيرا من الحذر ومن الجهد، ومن اسهام المؤسسات الاكاديمية والثقافية العمانية، ومن جهد الباحثين المتخصصين حتى يظهر ذلك النتاج بصورة مناسبة.

ان جانبا من هذا العطاء الثري، ضمته مجموعة كبيرة من الأوراق، وحملت عنوان "ديوان فارس الضاد عبدالله بن علي الخليلي" وهي ما تزال قيد الاصدار، وقد أتيح لي أن ألقي نظرة عليها وانا بصدد اعداد هذا المقال وأود أن أتوقف أمامها قليلا، لفتح الحوار حول الطريقة المناسبة للعناية بالتراث الشعري لرواد من أمثال عبدالله الخليلي.

وأول ما ينبغي تسجيله في هذا الصدد هو الاشارة الى الأهمية القصوى لها ثم القيام به حتى الآن من جمع للاوراق المتناثرة، وتفريغ للأشرطة المسجلة، ورقم هذا كله على الآلة الكاتبة، ثم جمعه في أوراق يضمها غلاف، او حفظه على أقراص ممغنطة، فتلك كلها خطوات اساسية، يمكن ان تبنى عليها الجهود التالية، ولم يكن من الممكن في غيابها القيام بأي جهد أكاديمي أو تحقيقي او تصنيفي او طباعي لاحق، والقيام بهذا الجهد ومتابعته سنوات وشهورا يؤكد توافر ذلك الحس الحضاري والفني الراقي عند من تصدوا له وادراكهم أنهم يحافظون على تراث عام لأمة وليس على ميراث خاص لأسرة.

والاوراق التي تحمل عنوان "فارس الضاد" كثيرة، تشكل سفرا كبيرا، وهي تضم أكثر من مئتي قصيدة او مقطوعة، وقد حملت كل منها رقما مسلسلا، وتحمل القصيدة الاخيرة منها رقم 204، وحمل بعض منها "عناوين" للقصائد او المقطوعات، أو إشارات الى المناسبة التي قيلت فيها، وذيل بعضها بالتاريخ الذي كتبت فيه من خلال تسجيل التأريخين الهجري والميلادي أو احدهما، وتركت نحو مئة وخمسين قصيدة او مقطوعة دون اشارة الى تاريخ كتابتها. وكذلك كان الشأن في مكان الكتابة الذي كانت تتم الاشارة اليه أحيانا، كأن يشار الى ان القصيدة كتبت في مسقط او سمائل او باريس او لندن أو القاهرة أو لبنان، ولكن الاشارة المكانية تهمل في معظم الأحايين، وقد يكون في ذلك اشارة الى أن القصيدة ولدت في مهدها الطبيعي، في بيت الشاعر. وتبلغ صفحات هذا السفر أكثر من خمسمائة صفحة مكدسة السطور لا يفصل فيها بين القصيدة وتاليتها أي فراغ في الصفحة الواحدة، ومعنى ذلك أنها لو حولت بلغة الطباعة الحديثة الى صفحات شعرية لتجاوزت ألف صفحة بالتأكيد، وربما فاقت ذلك ببعض المئات، وذلك كله يعطي انطباعا أولا، مؤداه، انه مع جودة المادة الشعرية وأهميتها في هذا السفر، إلا انه ينبغي التريث قبل طبعها في مجلد واحد، مراعاة لمقتضيات الطباعة الحديثة ولذوق القارئ العصري، ولحق الشعر على طابعه وقارئه في ان تجد القصائد مجالا للتنفس، وحدا أدنى من التلاؤم بين الوحدات الشعرية التي يضمها ديوان واحد، وهو حد لا يكفي فيه أن تكون القصائد كلها منسوبة الى مؤلف واحد كما سيتضح ذلك فيما بعد. أما العنوان الذي يتصدر الأوراق وهو "فارس الضاد" فهو عنوان قديم اختمرت فكرته في ذهن الشاعر في حياته وتجسدت في بعض قصائده التي تضمها هذه المجموعة ومنها قصيدة: "شاعر الضاد" التي تبين مدى احساس الشاعر بمتعة الفروسية فوق صهوات خيل اللغة الشموس:

شاعر الضاد قد ركبت من الضا

د جموحا يهوى بغرم ضروس

شاعر الضاد قد لطفت ورقت

من حواشيك طرة الملبوس

شاعر الضاد كم عقرت على الضا

د خميسا يرمى بقلب خميس

وركبت الفصحى الى الله فانقا

دت سيوفا تهوى بوجه عبوس

انما الضاد للذي يركب الضا

د جريئا على جنان تبيس

وخبير بالضاد طردا وعكسا

عالم عن مكيلها والمقيس

شاعر الضاد قد نبغت فجرد

ك جوادا في شعرك الملموس


وهذا الشاعر الذي تجرد جوادا هو الفارس الذي تجلت فروسيته في كثير من قصائد هذه المجموعة وغيرها، وظهر عشقه للغة في ذاتها وللشعر في ذاته وتمكنه من وسائلهما والعدو في مضمارهما مؤهلا له لحمل لقب "فارس الضاد".

واذا كانت القصيدة التي تحمل هذا اللقب "شاعر الضاد" غير مؤرخة في الديوان، فان النية في اطلاق لقب "فارس الضاد" على مجموعة شعرية للخليلي يعود فيما يبدو الى أوائل العقد الأخير من القرن العشرين الميلادي عقد التسعينات، الموازي للعقد الثاني من القرن الخامس عشر الهجري.

ففي هذه الفترة بدأ التأهب، فيما يبدو، لطباعة ديوان يحمل هذا العنوان "فارس الضاد" وكتبت بعض المقدمات وكلمات التقريظ على هذا الاساس، ومن بينها كلمة سماحة مفتي السلطنة، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي والتي كتبت في رجب الأصم 1414هـ وجاءت فيها اشارة واضحة الى العنوان المقترح حين قال "وقد سبق لشاعرنا اصدار دواوين من شعره أهمها "وحي العبقرية" الذي جمع فأوعى من أغراض الشعر المختلفة ما يشفي غليل كل ذي بغية في الأدب، وها هو ذا يقدم من جديد الى عشاق الأدب ورواد المعرفة ديوانه "فارس الضاد" الذي يضم بين دفتيه من زاد الثقافة وسليل الأدب ما يكفي كل سائب ويروي كل ظامئ".

وكذلك كان الشأن في مقدمة أخرى كتبها الشيخ سليمان بن خلف الخروصي وأرخها بعام 1415هـ/ 1994م، وأشار خلالها الى الخليلي بأنه "فارس الضاد" وهو أعرف من أن يعرف وأجل من أن يذكر" ثم ختم المقدمة بقوله: "وفي هذه الصفحات من الديوان (فارس الضاد)، يطلع القارئ على شعر رائع، وأدب بارع، وحكم باهرة، وأمثال سائرة... الخ)).

وكذلك كان الشأن في كلمة تقريظية للشيخ ابراهيم الكندي، حملت تاريخ شعبان 1413هـ (فبراير 1994م) وتمت الاشارة فيها الى "الديوان، ذلك النجم الوقاد "فارس الضاد". فالتسمية إذن تعود الى الفترة التي اتجهت فيها النية الى اصدار ديوان "فارس الضاد" وجرى تجميع مادته وكتابة مقدماته، ثم توقف الاصدار لأمر ما، وتراكم على الانتاج بعد ذلك ما خلفته نحو سبع سنين من الحصاد الشعري فتضاعف الحجم وتداخلت القصائد، ومن هنا فان التريث قد يكون مطلوبا مرة أخرى، قبل أن يطلق على الكل ما كان يراد اطلاقه على الجزء.

×××

إن التواريخ المسجلة في ذيل بعض القصائد تعطي مؤشرا واضحا على اتساع المدة الزمانية التي كتبت خلالها قصائد هذه المجموعة وهي مدة، تكاد تبلغ ثلاثين عاما تمتد من أوائل السبعينات الى أواخر التسعينات في القرن العشرين الميلادي، فهناك مثلا قصيدة "قاعة الأفكار":

ودعيه من قاعة الأفكار

ودعيه لقسوة التذكار

ودعيه فانه في ذهول

يتهاوى كفاقد الابصار

ودعيه عساه يسترجع الرشد

وإن كان شارد الأفكار


وقد كتب في آخر القصيدة "سمائل: 1972"

والى حقبة السبعينات أيضا تنتمي قصيدة ة "وحي تونس":

دعاني على هذى الربوع أهيم

فثمت تأثير الجمال عظيم

ويرتع بي بين الحدائق شاعر

وطائر فكري كيف شاء يحوم


وقد ذيلت القصيدة بتاريخ 8/8/1974، وقد وضعت هذه القصيدة في مجموعة فارس الضاد تحت رقم 100، ويلفت النظر أن تكون احدى القصائد السابقة عليها وهي قصيدة "اخوانى"، والتي تحمل رقم 98، قد كتبت في 5/11/1990م، أي بعد هذه القصيدة بنحو ستة عشر عاما، وان تكون احدى القصائد التالية لها وهى قصيدة "الشأو والشأن" والتي تحمل رقم 103، يعود تاريخها الى 26/9/1992م، أي بعد قصيدة "وحي تونس " بنحو ثمانية عشر عاما، وهذا يدل على ان ترتيب المقطوعات والقصائد فى "الديوان المقترح" لم يتم الالتفات فيه الى التناسق الزمني على الاطلاق، ولا الى التناسق الموضوعي، كما يمكن ان يفهم من عناوين هذه القصائد ذاتها.

وهناك قصائد تنتمي الى أوائل حقبة الثمانينات مثل القصيدة الموجهة الى الاستاذ احمد الفلاحي أيام كان يعمل مستشارا ثقافيا في البحرين:

سلام يرتدى حلل الفلاح

يوجه وجهه نحو الفلاحي

كأن أريجه بالمسك يسري

ونغمته بحي على الفلاح


وخلال القصيدة ترد أبيات موجهة الى شاعر البحرين الشيخ احمد بن محمد آل خليفة صاحب ديوان "العناقيد الاربعة" والذي كان قد أهدى ديوانه للشاعر عبر صديقهما المشترك، أحمد الفلاحي.

ويمتد تاريخ ما اثبت من قصائد ليغطي معظم سنوات العقود الثلاثة، اضافة الى قصائد كتبت غفلا من التاريخ وهي تمثل نحو ثلث الديوان، وقد يساعد التعرف على تواريخها في تصنيف بعض مراحل الشاعر الفنية.

×××

فى الدواوين السابقة للشيخ عبدالله الخليلي كان هنالك لون من الحرص على وجود تناسق "موضوعي" بدرجة أو بأخرى بين القصائد المتجاورة، سواء ضمها ديوان مستقل، او جزء من ديوان، ولا شك أن السمة الواضحة لديوان مثل "على ركاب الجمهور" هي سمة القصائد القصصية الطويلة المكتوبة على شعر التفعيلة، وان النصائح والمواعظ والحكم تغلب على "وحي النهى" وان "وحي العبقرية" على تنوع موضوعاته النسبي حرص على ان يضم القصائد التي تنتمي الى حقل واحد، الى بعضها البعض، مثل "الوطنيات" و "القوميات" و "الآلهيات "... الخ، ومع ان الحدود ليست فاصلة دائما في الشعر، فإن هذا النوع من التبويب الذي درجت عليه بعض الدواوين الكلاسيكية يساعد الى حد ما على تشكيل وحدة المذاق.

والاوراق التي تحمل عنوان "فارس الضاد" تتداخل فيها هذه الحقول وغيرها الى أبعد مدى، وتحتاج دون شك الى لون من اعادة النظر في تنسيقها وتبويبها ووضع بعضها في دواوين مستقلة أو أجزاء متميزة من ديوان، قبل ان يدفع بها الى الناس في كتاب مطبوع.

ومن أهم المجالات التي تلفت النظر في الديوان مجال الاهتمام بالشاعرية والخيال في ذاتهما، وتأمل الشاعر في مواهبه وادواته وعالمه الخاص، وهو تأمل تتضح من خلاله الفروق منذ الوهلة الاولى بين "الشاعر" و"الناظم " ويثبت الخليلي قدمه بجدارة في أرض الأول منهما، وان كان يجنح بين الحين والحين الى بعض مجالات الثاني، في قصيدته "الزوراء" تأتي هذه السبحات في عالم الشعر:

أرؤى ما ينتابني أم تراء

أم خفايا يتيه فيها الخفاء

شق جنح الدجى كما فلق الفجـ

ـر وخاض الصلاة منه نداء

واجتلاني عليه ومضة نور

وحداني ونفثتي لألاء

أيها الشعر كم تلطفت باسمى

ولكم قد تلطف الشعراء

وحدوت اليراع وهو بكفي

فاذا باليراع وهو حداء

واذا بالسطور مثنى فمثنى

قسمة الضاد والبيان اجتلاء

وأنا تحت نير تلك القساما

ت جواد قد هده الاعياء


إن هذا اللون من النشوة الشعرية، كثيرا ما يعتري الشعراء المبدعين، فيحلقون في آفاقهم ويحملون على أجنحتهم من يجيد الاصغاء الى ترانيمهم، وفي قصيدته "الحمول " يكشف الخليلي عن لحظة من لحظات الشاعرية المجنحة:

وأنا امتطي الزمان وان كنـ

ـت أعاني من شفرتيه ندوبي

أركب الجد فيه رحلين رحليـ

ـن أقاسيم شاعر موهوب

رحلة الصيف والشتاء ومهري

موغل في شمالها والجنوب

وكأن الدنيا حوالي سطر

من حروف توحي بكل عجيب

وكأن السماء وهي نجوم

تتجلى عنها عيون الرقيب

وكأن الفضاء خيمة عرس

عرست حولها حداة القلوب

وكأن النسيم في حافيتها

نفحة من رداء غير لعوب

وكأن المياه تنساب فيها

نفس الروح او جلاء الكروب

وكأن الأرض التي تعتليها

قبضة من محاسن وعيوب

وكأن الحسان بين رباها

طيب عرف أو لمسة من طيب

وكأني والكون مد وجزر

زورق بات موجه يرتمي بي


وتستمر الصورة على هذا النحو من التدفق الغنائي الجميل، وتتكرر أداة التشبيه "وكأن" في صدر الأبيات، زهاء عشرين مرة متتالية وهي تغرس مجموعة من المرايا الناصعة التي يرى من خلالها الشاعر روعة الكون ويرينا إياها. والى جانب هذه النزعة الغنائية الصافية التي توجد في عدد طيب من قصائد الديوان وخاصة في مجالات الشكوى والانين والمناجاة الروحية والتجليات الصوفية والرثاء والتي تمثل نمطا شعريا متميزا، يمكن افراده والتمتع به في اطار ديوان معقول الحجم، الى جانب هذه النزعة، توجد نزعة درامية واضحة في عدد لا بأس به من قصائد الديوان، والنزعة الدرامية في شكلها القصصي او الملحمي او المسرحي ليست غريبة على طموحات عبدالله الخليلي الادبية عامة، والشعرية خاصة، فكتاباته النثرية تحتفي من بين ما تحتفي به بالمقامات، وله فيها نتاج جيد، وتلم بين الحين والحين بالاقاصيص، ودواوينه الشعرية السابقة ضمت قصائد قصصية كثيرة بل ان واحدا منها وهو: "على ركاب الجمهور" يتسم كله بالطابع القصصي.

وفي مجموعة "فارس الضاد" توجد قصائد قصصية كثيرة، بعضها يحتل اكثر من عشرين صفحة متتالية، مثل قصة "الملك ووزيراه " والتي تتعدد فيها الشخصيات بين الملك والوزير الكبير والوزير الصغير، وزوجة الملك الاولى وزوجة الملك الثانية، الى جانب شخصيات ثانوية تتناثر هنا وهناك مثل "بائع الحكمة" وخدم القصر، ووالد الزوجة الثانية، وافراد من قبيلته، ويدور فيها الحوار الشعري ساعيا لتشكيل قصة لها عقدة وتبحث عن حل، وفيها جوانب مشوقة، وجوانب غامضة تنجلي شيئا فشيئا، ويدور بناء القصة الشعرية على مقاطع متتالية من بحر الخفيف تتغير فيها القافية في كل مقطع، لكن الاصوات لا تتداخل ولا تتقاطع اثناء الحوار وانما يرد كل صوت على حدة ثم يعقبه بعد ان ينتهي صوت آخر يعقب عليه موافقا او معارضا، ويعطي الشاعر للمقاطع عناوين جانبية مثل: الملك يحدث نفسه، الملك يحدث وزيريه، الوزير الكبير يستأذن الملك في السفر لبعض شؤونه، الوزير الكبير يحدث نفسه... الخ ومن نماذج حواراتها بين الوزير والشيخ "بائع الحكمة":

الشيخ: أنا شيخ ولي تجارة مثلى

فادن مني لمتجر الحكماء

الوزير: أي شيء تبيع، قل لي، فاني

لا أرى قط ما يراه الرائي

الشيخ: أنا في متجري أبيع كلاما

جملا أحكمت به احكاما

جمل حشوها سلامة عقبا

ك وان انت لم تعرها اهتماما

قيمة الجملة الفريدة ألف

من نقود البلاد فابتع كلاما


والى جانب هذا النمط من القصص الشعرية الحوارية توجد القصة الشعرية السردية وبعضها يشكل حكايات واقعية معاصرة ترد فيها كلمات مثل "المدير" و"المكتب" بل وترد فيها اسماء بعض المعاصرين التي يتم التعريف بها في الهامش، مثل قصة "سراب بقيعة" وبعضها الآخر يستمد مادته من اعماق التاريخ ومن التراث الديني مثل قصة "المسيح والخائن"، او التراث العربي قبل الاسلام مثل قصة "هند والكاهن"، واحيانا تختار القصة السردية وضع عناوين داخلية تتغير معها القافية ولكن يظل المتحدث الراوي هو الشاعر كما حدث في قصة "أخت الزليخا" التي تمتد نحو مئتي بيت تتخللها عناوين مثل: "خطاب في السر، الاب يوصي بولديه خالهما" ويتم اختيار اسماء عصرية مثل نجاة زوجة الخال، وعبلة، والمختار للأبناء، نجاة تناجي قلبها، نجاة تبدأ المهمة:

فسآتيك في ثياب الشذاء

يا حبيبي أجر فضل الرداء

وأدير المصراع للباب غلقا

كالزليخا في حسنها الوضاء


وتستمر القصة على هذا النحو من العناوين الداخلية مازجة بين الموروث الديني في قصة "زليخا ويوسف" وبين احداث عصرية مشابهة.

وتتتابع القصص الشعرية السردية في المجموعة على هذا النحو تارة تستمد من أحداث التاريخ مثل قصة "ايمان الفاروق" وتارة تنسج من خيال الحاضر، كما في قصة "البائسة" وأخرى تستلهم حكايا البادية كما هو الشأن في حكاية "مضل البعير" او تقود مرة أخرى الى استلهام فكرة القصور ومكائد النساء كما في قصة "الغار الرهيب " التي تستخدم طريقة العناوين الداخلية.

ولا تتوقف أنماط الشعر الدرامي في هذه المجموعة على ما يمكن ان يسمى بالقصة الشعرية، سواء منها الحوارية او السردية وانما تمتد الى أنماط أخرى يقترح الخليلي منها نمطا يسميه "الصورة الشعرية" التي تشتمل على مشاهد متعددة، كما حدث في قصة "جذيمة والاحداث" التي قدم لها الشاعر بقوله: "صورة شعرية تشتمل على عشرين مشهدا في عصر ما قبل الاسلام" ويمهد لها الشاعر بمقطوعتين قصيرتين، تحمل الأولى عنوان "تقديم" والثانية عنوان "توطئة"، ثم تتوالى المشاهد، المشهد الاول، المشهد الثاني... الخ، ويحتفظ الشاعر فيها بدور الراوي مع مزج بين الطريقة الحوارية والطريقة السردية، ولعل هذا هو ما دفع الشاعر لان يطلق عليها صورا ومشاهد تصل أبياتها الى نحو مئة وثلاثين بيتا من بحر الخفيف.

ومن الأنماط التي تقدمها المجموعة ايضا نمط يطلق عليه "شبه الملحمة" ويتمثل هذا في قصيدة "ذبذبات الاثير" وهي قصيدة يقول الشاعر في مقدمتها انها "أشبه ما تكون بملحمة تاريخية فى ستة ادوار وفي مئة وعشرين بيتا" ويلاحظ استخدام كلمة "الدور" هنا في مقابل المشهد في الصورة القصصية السابقة، والواقع ان القصيدة استعراض تاريخي لامجاد الخليج، ودعوة الى نهضة أبنائه.

ان وجود هذه الانماط من الشعر القصصي او الدرامي في مجموعة "فارس الضاد" يكاد يجعل منها قسما خاصا، له مذاقه وطرائق التمتع به، ويمكن ان يستقل بديوان خاص، يشكل في ذاته حجما ملائما للحجم المعتاد في الدواوين العصرية، ويقدم فرصة للدارسين للوقوف أمام خصائص هذا اللون الفني عند الخليلي ولمتذوقي الشعر في ان يستقبلوا طائفة متناسقة المذاق.

×××

الى جانب هذين الفنين الرئيسيين في مجموعة "فارس الضاد" وهما اللون الغنائي، واللون القصصي الدرامي. واللذان يمكن ان يشكل كل منهما مجموعة مستقلة، توجد طائفة أخرى من "المقطوعات" أو القصائد القصيرة التي تحمل مذاقا متميزا، وفن المقطوعات فن دقيق لا يستطيع النهوض به الا المتمرسون في فنون القول، لانه ينشد الى الكثافة والتكامل، ويحاول ان يقدم في أبيات قليلة، ما تقدمه القصيدة الطويلة، ويذكر في نفس الوقت بشعر الحكمة والابيات السائرة وبيت القصيد وغيرها من المصطلحات التي كانت تطلق على الابيات الشائعة التي تستحسن وتجري على ألسنة الناس، ومقطوعات الشيخ الخليلي تأخذ أحيانا شكل الحكمة والعظة مثل:

إن شئت ان تعرف الانسان معرفة

صحيحة في كريم الخلق والنسب

ففي ثلاث من الأحوال تعرفه

في أخذه النوم او في الضيف والغضب


او اللمحة الغزلية مثل:

طاف بي طائف الهوى فتمنيت

جمالا يلفه تذكاري

فاذا بالمنى تنزل سيبا

واذا بالجمال في أزراري

فتمتعت من هواه ولكن

لحظات قصيرة الاعمار


وقد تشكل المقطوعة قصة شعرية قصيرة:

ومشوق بات يشتاك الهوى

حسكا والليل يغريه به

صاح بالنجم أما تنقذني

قال من بعدي على مصعبه

فتولى واذا من خلفه

هازئ يضحك في ملعبه

وينادي من يرد عيش الهوى

يهنى الهون على مركبه


وهذه المقطوعات شائعة في مجموعة "فارس الضاد" شيوعا يجعلها تشكل حيزا معقولا يسمح لها ان تتجمع في ديوان صغير او في جزء من ديوان. وهنالك قصائد أخرى في المجموعة تنتمي الى فنون شعرية قديمة يعزف الشاعر على ايقاعها، مثل فن الموشحات، وفن التخميس الذي يلجأ اليه الشاعر مرات عديدة في مواجهة قصائد تراثية او معاصرة وفن المشترك اللفظي الذي يتناوله الشاعر بين الحين والحين كأن يلجأ الى كلمة مثل "العجوز" فيستخدمها في قصيدة واحدة اثنتين وسبعين مرة في اثنتين وسبعين معنى مختلفا، وكذلك الشأن في كلمة "الخال" وفن المطارحات الشعرية الذي ترد منه نماذج متعددة في الديوان، وغالبا ما يعود الشعراء اذا طبعت دواوينهم في حياتهم الى أمثال هذه المطارحات فيفرقون فيها بين ما كتب لساعته استجابة لمكاتبة صديق وأدى مهمته في حينه، وبين ما يستحق ان يثبت في تاريخ المطارحات الشعرية، وفي هذا الاطار أيضا تدخل قصائد "الألغاز" التي أصبحت فنا من الفنون التي تنسب الى تاريخ "النظم" أكثر من نسبتها الى الشعر وينطبق هذا التصور ايضا على قصائد "الأسئلة والاجابات" التي كانت شائعة بين الفقهاء- الشعراء في مرحلة سابقة، وهي- على أهميتها من الناحية الفقهية- لا تعد مما يدخل في باب "الامتاع الشعري". إن الخطوة الهامة التي اتبعت في تقييد مجموعة "فارس الضاد" ينبغي ان تتلوها خطوات مماثلة في تمحيصها وتصنيفها وتوزيعها على مجموعة من الدواوين تلائم ذوق القارئ العصري، وتعطي للتراث الشعري للشيخ عبدالله الخليلي مزيدا من فرص الانتشار والامتاع على مستوى الوطن العربي.


--------------------------------------------------------------------------------

ورد المنى
30-03-2003, 03:57 PM
http://www.nizwa.com/volnav.html

ورد المنى
01-04-2003, 03:53 PM
اخي المسلم
اختي المسلمه


إلى متى يقف المسلمون في طوابير السحرة والدجالين والمشعوذين وبين يديهم كتاب الله الكريم وحصنه الحصين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
بالأمس كان المسلمون في جهل عظيم وظلام دامس لا يعلمه إلا الله فخرجوا يتطببون لأدوائهم وعلاتهم فوقعوا في حبائل الشرك بالله عن طريق صرف عباداتهم لغير خالقهم ورازقهم فاستغاثوا بغير ربهم وذبحوا لغيره ووقفوا على باب عدوه وعدوهم من شياطين ومردة الإنس والجن فباؤا بالخسران المبين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

واليوم والحمد لله انتشر العلم الشرعي وكثر العلماء واستطاع القاصي والداني على اختلاف معارفهم ومشاربهم أن يسألوا عن أمور دينهم فيجدوا من يفتيهم ويعلمهم بالراديو والتلفزيون والتلفون والإنترنت وغيرها من وسائل الإتصال الحديثة، فأين حجة من يشرك بالله العظيم بعد اليوم وماذا هو قائل لربه غدا إن أصبح المسؤول لا السائل والله المستعان.

فوالله ثم والله لن يستقيم حال المسلمين ولن تقوى شوكتهم أو يظهروا على أعدائهم ما داموا على أبواب الشياطين يصطفون ، ولغيره يذبحون ، ولقبور الصالحين يتقربون ، وعليها يطوفون ،ولغير هدي الله ورسوله يستحسنون.

إن الله أغنى الشركاء عن الشرك به ، ولا يتقبل الأعمال إلا إذا كانت خالصة لوجهه الكريم كما ورد في الحديث القدسي

ورد المنى
01-04-2003, 04:26 PM
أسئلة يجيب عليها سماحة الشيخ العلامة الجليل المحقق / أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله تعالى -

س1 : ما حكم الدين في دفع العربون عند خياطة الملابس ؟

ج: بيع العربون من جملة الأشياء التي ممكن أن نتحدث عنها في المستقبل ، جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع العربون ، وقد أخذ بهذا جمهور العلماء فأصحابنا والشافعية والمالكية والحنفية بمنع العربون بينما يجيزه الحنابلة 0

س2 : ما رايكم في المعاملات التالية :

أ- يعطي بائع الذهب القديم وقبل أن يستلم ثمنه يشتري صاحب الذهب القديم ذهباً جديداً ويدفع الفارق في حالة الزيادة أو يستلم الباقي في حالة النقصان ؟

يستلم الثمن أولاً ثم بعد ذلك ينتقل إلى الصفقة الثانية 0

ب- يشتري الشخص شيئاً يسيراً ولا يكون في يده إلا عملة خمسون ريالاً والبائع لا يملك ما يرده للمشتري في تلك اللحظة فيأخذ البائع الخمسين ريالا فيقول للمشتري تعال لأخذ ما تبقى في وقت آخر ؟

ج هذه المعاملة غير جائزة إن الصرف يجب ان يكون يداً بيد ، الصرف لا يكون الا يداً بيد كما جاء في حديث طلحة بن عبد الله عند ما كان يريد أخذ ذهب مقابل فضة عند رجل وأخذ يقلب الذهب بيده ويقول حتى يأتي خازني من الغابة ،فأنكر ذلك عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وقال: لا ابرح مكانكما فإني سمعت رسول الله e يقول : ( الذهب بالورق رباً الإ هاء وهاء )) أي خذ وأعطي ، وفي رواية أن عمر رضي الله تعالى عنه . قال لطلحة : لتردن إليه ذهبه ولتأخذن ورقك فإني سمعت رسول الله e يقول : (( الذهب بالورق رباً الإ هاء وهاء )) فلا بد من ان يكون الصرف يداً بيد وبما أن هذه البيع فيه بيع وصرف فلابد من ان يكون الصرف يداً بيد ، فإما أن يأخذ المشتري الخمسين التي يريد أن يدفعها إلى أن يجد البائع ما يرده إليه مما تبقى عن القيمة . وإما أن يترك الخمسين أمانة في يده ثم ينصرف وعندما يأتي فيما بعد يرد إليه الخمسين كاملة التي دفعها إليه ثم يقع عندئذ دفع الثمن مع استيفاء ما تبقى من حقه .

س4: هل القروض الإنتاجية التي تمنح للأفراد وتؤخذ عليه الفائدة تعتبر ربوية؟

إن كان المقترض يدفع ما أقترض من غير زيادة فلا ربا وأما إن كان زيادة فكل قرض جر نفعاً فهو ربا .

س5: ما حكم الزواج بمبلغ من المال أقترض بدين الربا ؟

الزواج لا يترتب عليه فسخ ولكن ما كان بطريق المحرم وما كان بمهر محرم فإن الله لا يبارك فيه 0

س6 : أراد رجل الخلاص من قرضه الربوي وكان يملك عقاراً فأراد بيع ذلك العقار واشترته زوجته ولكنها أخذت قرضاً ربويا لشراء ذلك العقار علماً بأن زوجها على علم بذلك القرض فهل يأثم على ذلك ؟

نعم إن أقرها بذلك فإقراره إياها على الحرام هو الحرام 0

س7 : رجل أقترض من البنك خمسة وعشرين ألفاً بغرض شراء منزل فعندما ردها ردها خمسين آلفا فإذا تاب هذا الرجل وقضى الدين فهل عليه بيع المنزل ؟

الصفقة المحرمة ليست في شراء المنزل حتى يقال بأنه عليه أن يتخلص من ذلك المنزل لا، المنزل لا يحرم وإنما تحرم هذه المعاملة 0

س8 : من يأتيه راتبه الشهري عن طريق البنك هل يصيبه الربا مع العلم بأنه يقوم بسحبه عند طلوعه مباشرة ؟

إن كان يأخذ حقه فقط من غير زيادة بحيث لا يتمكن البنك من الاتجار بالطرق الربوية بذلك الراتب فلا مانع 0

س9 : هل يجوز للإنسان أن يصلي بثوب لم يستر ذراعيه ؟

الواجب المتفق عليه في الصلاة هو ستر العورة وعورة الرجل من السرة الى الركبة فإذا ستر الإنسان من سرته الى ركبته فقد ستر عورته وأختلف هل عليه مع ذلك أن يستر بطنه وظهره وعضديه ؟ قيل بوجوب ستر هذه المواضع وقيل بإستحسان سترها وعلى كل فإنه لو صلى في ثوب لم يستر ذراعيه فصلاته صحيحة تامة بالإجماع 0

س10 : ماذا يقول المستدرك عندما يقوم لإدراك ما فاته من الصلاة هل يكتفي بقراءة الفاتحة وسورة أو يعمل شيئا آخر كالإقامة أو النية ؟

يقضي ما سبقه به الإمام من قراءة إن كانت الصلاة جهرية قرأ الحمد وسورة وإن كانت سرية قرأ الحمد وحدها وأتى بجميع ما فاته أما الإقامة فلا تلزمه لان إقامة المؤذن تكفي جميع المصلين والله أعلم 0

س11 : ما حكم صلاة المأموم اذا فاتته الفاتحة مع الإمام ولم يقرأها بل لم يقضيها بعد تسليم الإمام على أن هناك من يقول بأن الإمام يحمل عن المأموم قراءة الفاتحة ؟

قراءة الفاتحة واجبة على الجميع ولا يعذر منها مأموم ولا غيره ولا تصح بدونها صلاة والله أعلم 0

س12 : ما قولكم في من كان قادراً على السعي الى الجمعة في بلد تقام فيه ولم يسع وصلى الظهر إماما بمن معه ما حكم صلاتهم جميعا ؟

من كان قادرا على السعي ولم يسع فلا صلاة له ولا لمن صلى خلفه والله اعلم 0

س13 : رجل ترك الصلاة في مقتبل عمره عدة سنوات لا يعرف عددها فماذا يلزمه ؟ وكيف يقضي الصلوات الذي ضيعها ؟

على من أضاع الصلوات في شبابه أو مشيبه أن يتحرى مقدارها ويقضيها وليحتط في هذا التحري واختلف في الكفارة وعلى القول بوجوبها فقيل هي خمس كفارات وقيل واحدة وقيل لكل صلاة كفارة والله أعلم 0

س14 : إذا سها الإمام وسجد سجود السهو هل يسجد المأموم الذي سبح للإمام مع أنه متأكد أنه غير ساه أو يختلف عن الإمام في عدم لزوم سجود السهو ؟

إن سجد الإمام للسهو قبل التسليم سجد المأمومون معه لارتباط صلاتهم بصلاته ووجوب متابعتهم له وإن سجد بعد الصلاة لم يكن عليهم سجود وإنما ذلك جائز لهم إن أرادوا والله اعلم 0

س15 : سماحة الشيخ : ما تعلمناه وجرى به العمل عندنا أن ناتي بتوجيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم نأتي بتوجيه سيدنا إبراهيم عليه السلام فهل هذا هو الأفضل أو الأفضل أن نقدم توجيه النبي إبراهيم عليه السلام على توجيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفتنا ولك الأجر ؟

التوجيه المشروع هو توجيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لثبوته في الأحاديث ، وإنما نقدم توجيه أبينا إبراهيم عليه السلام استحبابا ولا ضير أن تقدم أو تأخر والله أعلم 0

س16 : هل يجوز أن يؤذن لصلاة الفجر أذانين ؟

ليس في الأذانين لصلاة الفجر ما يستنكر فقد كان لصلاة الفجر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أذانان وكان يقول لهم في رمضان ( إذا أذن بلال فكلوا فإنه يؤذن بليل وإذا أذن ابن ام مكتوم فكفوا ) وفي رواية ( فإنه رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت ) هذا ولا يزال أصحابنا من أهل المغرب يلتزمون الأذان مرتين للفجر الى يومنا هذا عملا بالسنة وهكذا في المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف وهذا كله يؤكد أنه ليس في تكرار الأذان ابتداع والله اعلم 0

س17 : هل هناك آيات من القرآن الكريم ورد فيها نهي عن قراءتها في الصلاة ؟

لا يمنع من قراءة شيء من القرآن في الصلاة لعموم قوله تعالى ( فاقرءوا ما تيسر منه ) وهذا مما لا خلاف فيه والله اعلم 0

س18 : ما قولكم في رجل أم جماعة لصلاة العصر وبعد انتهاء الصلاة اختلفت الجماعة فمنهم من يقول صلينا أربعا ومنهم من يقول صلينا خمسا والذين قالوا خمسا سبحوا للإمام ولم يلتفت إليهم بل استمر في صلاته حتى أتمها فما حكم صلاتهم ؟

إذا كان الإمام أو غيره مطمئنا الى أنه لم يزد في صلاته على أربع ركعات فلا يلتفت الى تشكيك من أراد تشكيكه في صلاته وكذلك إن شك نفسه في هذه الزيادة بعد خروجه من الصلاة فلا يلتفت الى الشك والله أعلم 0

س19 اذا أتى رجل على جماعة يصلون فوجد الإمام ومعه واحد الى يمينه فهل له أن يصف بجنب الرجل الواقف عن يمين الإمام أم يلزمه أن يجر المأموم الى الخلف ليكونا صفا وراء الإمام ؟ وإذا جر المأموم ألا يؤثر ذلك نقصا في صلاته ( أي صلاة المجرور ) 0؟

عليه أن يجر المأموم الى الخلف ولا يؤثر ذلك في بطلان صلاة المجرور والله اعلم 0

وأجاب سماحته على سؤال مشابه بما نصه : إن كانوا في مسجد فله أن يدفع الإمام الى المحراب وله ان يجذب المأموم نحوه والله أعلم 0

س20 : ما حكم صلاة من أدرك الصلاة مع الإمام في التشهد الأخير ؟ وإذا انتقل الماموم من مكانه بعد ان سلم الإمام ليكمل صلاته فهل عليه شيء ؟

دخوله على الإمام بعد أن صار في التشهد الأخير مختلف فيه والراجح جوازه لعموم حديث ( ما أدركتم فصلوا ) وأما انتقاله عن مكان صلاته بعد تسليم الإمام فهو مبطل لصلاته وعليه أن يستأنفها من جديد بعد أن أبطلها

الربيع
02-04-2003, 09:04 AM
ما شاء الله

فعلا إنها مكتبة اسلامية بمعنى الكلمة

ولكن هل سيقرأ احد هذا الكم الهائل من المعلومات والموضوعات المفيدة ؟؟؟

أتمنى ذلك ...

وشكرا لك أختنا ورد المنى ... واستمري على بركة الله

ورد المنى
04-04-2003, 12:32 PM
فتاوى الصوم

هل يجوز لها الإفطار

س1: إمراة كبيره في السن عقدت النية على صيام شهر رجب كاملا .. وصامت الأيام العشر الأولى فلم تستطع ان تكمل . فهل يجوز لها ان تفطر وهل عليها كفارة إذا لم تكمل الشهر الذي نوت ان تصومه كله ؟

ج:ان كان هذا الصيام الذي نوته نفلا فلا يلزمها إتمام غير اليوم الذي لصبحت فيه صائمة وفيما عدا ذلك فهى أميره نفسها ان شاءت صامت وان شاءت أفطرت والله اعلم .

قطور العين ناقض

س2:ما قولكم في استعمال القطور للعين في الصيام والسواك والقيء؟

ج : أما قطور العين فناقض وما عداه غير ناقض الا ان تعمد التقيؤ .والله اعلم .

س3:عن المتوفى وقد أوصى بان يصام عنه عشرين رمضان ولم بوجد من يصوم عنه فهل يصح الإطعام بدلا من الصوم .

ج:ان لم بتبسر من يصوم عن الميت من الأجراء فلا مانع من الإطعام عنه عن كل يوم مسكين واحد لان الله تعالى جعل إطعام المسكين كفارة للعاجز عن الصيام من الأحياء .

في المسألة خلاف

س4:ما قولكم في الصائم إذا تسحر بعد طلوع الفجر وهو يظن انه لم يطلع بعد وتبين ذلك فيما بعد فهل عليه قضاء أم لا؟

ج:من ظن بقاء الليل فأكل فاتضح له انه أكل فجرا قيل يلزمه قضاء يومه وقيل لا يلزمه شىء والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها ان الأصل في تلك بقاء النهار والأصل في هذه بقاء الليل ورجح الإمام نور الدين السالم رحمه الله عدم وجوب القضاء في الذي يأكل ظنا بقاء الليل واستدل له بقوله تعالى ((وكلوا واشربوا حتى ييتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ))وهذا لم يتبين له وهو دليل واضح والله اعلم .

س 5:هل العبث بالذكر تلذذا دون الإنزال يفسد الصوم ؟

نعم هو ناقض للصوم لأنه معصيه وهوطريق الامناء الذي هو الغايه من الجماع والله اعلم .

س6: ماتقول في الصيام ببدل الكفارات هل جائز ذلك ام لا لان الصيام يحتاج الى خمسين ريالا عمانيا عن الشهر الواحد ومع ذلك لا يوجد الأمين وهل الكفارات بقدر الصيام على حسب قيمه الشهر ام غير ذلك.وفيمن اوقف ماء ونخل لصيام كما ان الواقف مجهول لا يدرى اسمه وانما وجد هكذا يؤجر للصيام هل فيه رخصه ان يبدل بكفارات بدل الصيام.

ج: اذا لم يوجد الامين الذي يصوم عن الهالك او وجد بكلفه بالغه ومشقه عظيمه فلا مانع من العدول عن الصيام الى الاطعام والاطعام هو طعام يوم عن كل مسكين والاصل في هذا قول الله سبحانه (( وعلى الذين يطيقونه فديه طعام مسكين ))فاذا كانت الايه محكمه منسوخه كما ذهب اليه طائفه من المفسرين وعلى رأسهم حبر الامه وترجمان القران ابن عباسرضي الله عنهما-وهي في الأحياء الذين من يتكلفون الصوم كالمريض الذي لا يرجى برؤه وألمرأه العجوز والشيخ الكبير إذا كان الصوم يجهدهما والحامل والمرضع اذا خافتا على ولديهما فما بالك بالصيام عن الهالك فلا ريب انه اجدر ان يترخص فيه بإباحه العدول عنه الى الإطعام إذا كان متعذرا ومتعسرا وقد ذهب بعض العلماء الىجواز العدول عن الصيام عن الهالك الى الإطعام عنه حتى في حالات فما يؤثر عن غير واحد من العلماء ان الميت إذا أوصى بالصيام .

س7: ما قولكم فيمن زنا في شهر رمضان هل تجزيه التوبه ام عليه البدل والكفاره فعلى هذه هل بدل صومه او ما مضى من شهره وهل الكفاره صوم او إطعام ؟ افدنا ولكم الاجر .

ج: ان كان زناه بالليل فلا ينقض صومه بالنهار وانما الزمه بعض اهل المغرب من اصحابنا كفاره لهتك حرمه رمضان وكفاره لهتك حرمه الدين بارتكابه المعصيه ولا دليل على ذلك وانما عليه ان يتوب الى الله ويستغفره والله اعلم .

كيف يكون الصيام في هذه البلدان؟

س8:بعض الاقطار في شمال اوربا يقصر فيها الليل كثيرا ويطول فيها النهار كثيرا حيث تصل ساعات الصيام في بعض البلدان الى عشرين ساعه او تزيد وكثير من المسلمين يجدون مشقه زائده في الصيام فهل يجوز اللجوء في هذه البلدان الى التقدير وما نوع التقدير الذي يمكن اعتماده اذا كان جائزا وهل يكون التقدير بساعات الصيام في مكه او في ساعات النهار في اقرب البلدان اعتدالا او بماذا؟

ج: الاصل في الصيام ان يكون جميع نهار رمضان لقوله تعالى ((ثم اتموا الصيام الى الليل ))وانما يستثنى من ذلك ما اذا بلغ قصر الليل وطول النهار الى قدر مالا يحتمل معه صوم جميع النهار عاده فيرجع في هذه الحاله الى تقدير وقت الصوم بالساعات والاولى اتباع اقرب بلد يتيسر فيه صوم النهار كله .

عليك صوم رمضان الحاضر .

س9: حضر شهر رمضان ولم أتمكن من صيامه لشده المرض الذي أّلم بي كما لم أتمكن من بدله لاستمرار المرض بي و هذا الشهر رمضان الثاني وقد أستطيع صيامه ولكن ماذا بالنسبه الى رمضان الماضي؟

ج:عليك ان تصوم رمضان الحاضر ان استطعت ثم تقضي دينك من العام الماضي بعد استطاعتك والله اعلم.

عليه اعاده صيام يومه .

س10: ما قولكم إذا افطر الصائم نهارا ظنا منه ان وقت الفطر قد حضر وذلك ان الجو كان غائما ، فهل عليه القضاء؟

ج: إذا غام الجو فظّن الصائم حضور وقت الفطر فأفطر واتضح له انه اكل نهارا لزمه القضاء واختلف فيه قيل قضاء يومه وقيل ما مضى من صومه ونشأ الخلاف هل رمضان فريضة أم فرائض ؟ والله اعلم .

له الإطعام بدل الصيام .

س11: ما قولكم بمن أوصى بصوم عما أ فسده من شهر رمضان وقد تعذر من يصوم عنه فهل يصح الإطعام بدلا من الصيام ؟

ج: يصح الإطعام عن الميت الذي أوصى بصيام وخصوصا مع تعذر أو تعسّر من ينوب عنه في الصوم .

س12: ما القول فبمن سار الى بريطانيا في صيامه إذ أن الشمس من طلوعها الى غروبها ثماني عشره ساعه ونصف ومن الناحية الثانية يقيم مع عائله متفق معها ان تعمل له طعاما في أوقات مخصوصة وإذا أراد ان يصوم ولم يعمل له طعام لسحوره وفطوره هل يحل له الإفطار؟

ج: أما بخصوص الصيام لأمثالكم في أوربا وما تلاقونه معه من عنت ومشقه فيمكنكم ان تفطروا شريطه القضاء عند عودتكم لقول الحق سبحانه (( ومن كان مريضا أو على سفر فعده من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ))والدين ولله الحمد سمح لا عنت فيه والله اعلم.

س13:رجل افطر نهار رمضان بأمر من الطبيب ثم راجع الطبيب في اليوم الثاني وهو صائم فقال له مثل ذلك الطبيب فأفطر هل يلزمه شئ أم لا ؟وإذا كان الطبيب مسلم أم غير مسلم ؟

وإذا كان به مرض يتضرر معه بالصوم فلا مانع من الفطر أخذا برخصه الله في قوله }فمن كان مريضا او على سفر فعده من أيام أخر {ومعرفه الضرر تكون بالتجربة أو بنصح الطبيب يطمأن الى صدقه شريطه ان يكون مسلما فليس له ان يفطر بقول إلا إذا عززت قوله قرائن تدل على صدقه وإذا سارع الى الفطر فيخرج الخلاف في لزوم الكفارة عليه عليه ويعجبني انه لا تلزمه الكفارة للشبهة.. والله اعلم .

س14: هل يجوز للرجل ان يقبل زوجته او يعانقها في نهار رمضان ؟

ج:ذلك مكروه خشيه الإثارة التي تؤدي الى المحرم أما إذا كان ضابطا لغريزته مهيمنا على نفسه فلا مانع من ذلك والله اعلم.

عليها بدل الصيام فقط

س15: هل يلزم الحائض والنفساء البدل في الصلاه والصوم ؟ج: يلزمها بدل الصوم دو ن الصلاه والله اعلم.

هل على العاجز الصيام ؟

س16:ما قولكم في العاجز عن صيام رمضان بسبب الأمراض وكبر السن هل له تأجير الصيام عنه ؟

ج:لا يؤجر العاجز عن صوم شهر رمضان غيره وانما يطعم عنكل يوم مسكينا إن كان لا يقوى على الصوم ولا على القضاء بعد مضي وقته ولا يرجو حاله يقدر فيها عليه والأصل في ذلك قوله تعالى (( وعلى الذين يطيقونه فديه طعام مسكين . والله اعلم .

س17: في الصوم عمن مات وعليه صوم هل يصح ان يصوم عنه أحد ؟

يصوم ال عن موروثة إذا مات وعليه صيام تحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من مات وعيه صيام صام عنه وليه )) والحديث في الصحيحين والله تعالى اعلم .

لا مناص لك

س 18:إذا كان علّي صيام فهل لي ان أؤجر من يصوم عني أو أتصدق على مساكين ؟

ج: لامناص لك عن الصيام والله اعلم .

س19: ما قولكم فيمن توفي وعليه صيام شهرين من رمضان أي مضى عليه سنتان لم يستطع الصيام للمرض الذي به هل يلزم ال ان يصوم عنه كل قدر حصته في الميراث أو يكفر عنه؟ افتنا ولك الأجر.

ج: روى البخاري في صحيحه عن ام المؤمنين عائشه رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه )) وتعزز هذه الرواية أحاديث أخرى لذلك أرى ان يصوم الورثة عن موروثهم الذي مات وفي ذمته صيام وان لا يعدلوا عن الصيام الى غيره إلامع تعذر الصوم والله اعلم .

س20:ما قولكم في امرأة لم تتمكن من صيام شهر رمضان لمرض الم بها وأرادت ان تقضي ذلك الشهر ولكنها لا تجد في نفسها القدرة الا اذا قطعت الشهر لانها تخشى عى نفسها المرض فهل لهل ذلك ؟

ج:ان لم تستطع قضاءه متتابعا فلتقضه متفرقا ولا جناح عليها (( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )) والله اعلم .

س21: ماقولكم فيمن اوصى بصيام إلا ان الوصي لم يجد من يصوم عنه فهل له ان يطعم ؟واذا اراد ان يدفع نقدا بدل الإطعام للمساكين فكم المبلغ المستحق لكل مسكين ؟ افدنا ولك الأجر.

ج: اذا لم يوجد من يصوم عنه فلا مانع من العدول عن الصيام الى الإطعام وهو إطعام مسكين عن كل يوم وإذا أراد ان يدفع نقدا فليدفع ريالا عمانيا لكل مسكين والله اعلم .

س22: ما القول في فطرة شهر رمضان إذا لم يوجد لها من يفطر بها هل يعمر بها المسجد اوتفرق على الفقراء ؟

ج: يجب تفطير الصائمين من وقف فطرة رمضان حسبما يقتضيه الوقف ما دام يوجد من يطعمها من الصائمين أما إذا تعذر وجود من يخضر للإفطار منهم فلأولى توزيعها على ففقراء الصائمين ولو في بيوتهم والله اعلم.

س23:رجل أصابه مرض في النصف الأول من شهر رمضان وعجز عن صوم النصف الباقي بسبب المرض فماذا عليه؟

ج: عليه القضاء عندما يمن الله عليه بالعافية ولا يلزمه غير ذلك والله اعلم .

س24:اذا اراد احد ان يسافر من بلده الى بلاد اخرى في ايام رمضان فنوى بأن يصبح فاطرا فذهب من بلدته في الساعة الثانية عشرة ظهرا فهل عليه ان يمسك؟

ج:من سافر في رمضان فأفطر في سفره ثم رجع الى بلده وهو في حاله الإفطار فما عليه حرج ان أكل في سائر يومه والله اعلم.

س25: ماقولكم في رجل عقد صوم شهر رمضان في عمان وفي اخر الشهر سافر الى الإمارت وفي يوم ثمانيه وعشرين أعلنت الإمارات بالفطر وعندما رجع الى عمان وجدهم صائمين وندم الرجل على ما فعل؟

ج:ان كانت الرؤية من البلد التي انتقل اليه ثابته شرعا فعليه ان يفطر ويقضي يوما مكان يوم والله اعلم.

س26: ماذا على الشيخ العاجز الذي لا يستطيع الصوم ؟

ج: عليه ان يطعم عن كل يوم افطر فيه من رمضان مسكينا واحدا فطورا وسحورا والله اعلم .

س27:مسجد له فطره موقوفة وفي الوقت الحاضر لم يجد من يفطر فيه فهل يصح ان يعمر به السجد حيث المسجد لا مال له ؟

ج:ان لم يوجد من يفطر من الفطرة الموقوفة واتفق جماعه المسجد الموقوف له على عمارته بغلتها فلا مانع من ذلك والله اعلم.

س28:هل يصح للمرأة الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد ان تفطرا في رمضان ؟

ج: الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد خافت الحامل سقوط جنينها او خافت على نفسها لمرض الحمل والمرضع إذا خافت على الولد الجوع لقله اللبن بسبب الصوم فلهما الفطر. وعليهما قضاء ما أفطرتاه.

س29: هل القيء ينقض الصوم و خاصة إذا خرج طعام من المعدة ؟

ج:القيء لا ينقض الصيام إلا إذا رد المتقيء الى جوفه شيئا مما خرج بعد استطاعته على إبانته هذه بالنسبة الى من ذرعه القيء اما من تعمد المتقيا في انتقاض صومه خلاف. والله اعلم.

س30: ما قولكم في من جامع زوجته في نهار رمضان هل تجزيه التوبة التوبة و الكفارة أم لا ؟

ج: من جامع في نهار رمضان لزمه القضاء والكفارة لما جاء في حديث أبي هريرة من ايجاب الكفارة على المفطر في رمضان والله أعلم .

قطور العين ناقض :

س31: ما قولكم في استعمال القطور للعين في الصيام والسواك والقيء ؟

ج: أما قطور العين فناقض وما عداه غير ناقض الا أن تعمد التقيؤ . والله أعلم .

س32: في من عليه صوم شهر رمضان فصام بعضه وفي خلال صومه عرض عليه عيد الاضحى فهل يواصل الصيام أيام التشريق أم ينتظر و يصوم بعدها ؟

ج: من كان عليه صيام قضاء رمضان فعليه أن يتحرى الزمن العادي من القواطع لوجوب تتابع صوم قضاء رمضان عند ألا كثرين منهم إلا لعذر شرعي كمرض أو سفر و منهم من لا يرى السفر عذرا أما أيام التشريق فالصوم فيها مكروه و العبادة يشرع أداؤها و قضاؤها في غير الزمن المكروه فيه والله أعلم .

س33: ما تقول في رجل غاب سمعه و بصره كيف يكون صيامه ؟

ج: من غاب سمعه وبصره ينبه بحضور شهر الصوم بما يمكن فان تعذر انتباهه فالتكليف ساقط عنه و الله أعلم .

س34: حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :" ما تزال أمتي على سنتي ما قدموا الفطر و أخروا السحور". فهل يحتاج تقديم الفطور فعلا كما ذكر الحديث و كم يحتاج هذا التقديم من الدقائق عن الوقت العادي ؟

ج: نعم يقدم الفطور بعض الدقائق بعد التيقن من غروب الشمس و ذلك يفهم بإقبال الظلام من الشرق وأدبار النهار في الغرب وفي ذلك الوقت العادي الذي يؤذن فيه للمغرب و الله أعلم .

س35: ما قولكم في رجل نذر الصوم لمده شهر هل جائز له صوم الشهر متقطع بمعنى يصوم يومين أو ثلاث ويفطر ثم يصوم مره أخرى حتى تتم المدة علما بان الرجل صحته جيده ؟

ج: من نذر أن يصوم شهرا لزمه صيامه متتابعا إلا ان نذره متفرقا أو عجز عن التتابع فليصمه حسب قدرته و الله أعلم .

س36: هل مرض الباسور يمنع الصيام ؟ و هل خروج الدم ينقضه ؟

ج: مرض الباسور لا يمنع من الصيام و خروج الدم لا ينقضه إلا إذا كان كثره خروج الدم يضعفه فعلا و لا يقدر على صيام رمضان فدين الله يسر لا عسر فيه فليفطر وليطعم عن كل يوم مسكينا فطورا و سحورا ثم إذا عافاه الله تعالى فليقض ما عليه من الصيام .. و الله أعلم .

س37: فيمن رأت الطهر بعد تمام أيام عدتها فاغتسلت ثم رأت دما بعد الاغتسال فهل لها أن تصوم أم لا ؟

ج:إذا رأت الطهر بعد تمام عدتها فاغتسلت ثم رأت دما بعد الاغتسال فليس ذلك بدم حيض فلتصل ولتصم ، و الله أعلم .

س38: أراد رجل ان يصوم عن أبيه شهرا كاملا من ذات نفسه ليصل الثواب الى روح أبيه المتوفى فهل يجوز له ذلك ؟

ج: نعم ذلك جائز ويؤجر الابن على عمل البر لأبيه أو غيره من أقاربه كاملا مثلا ويصل الثواب الى الميت ان كان من أهل الوفاء و ينتفع بما يعمله له ولده و الله أعلم .

س39: رجل لم يسمع عن هلال رمضان ، و لم يره في قريته فماذا عليه ؟

ج: ما لم تقم عليه حجه الصيام عند دخول رمضان و حجه الفطر عند خروجه فعليه ان يستصحب الأصل الواجب عليه و لا شيء عليه سوى ذلك .. والله أعلم .

س40: هل يجوز قضاء رمضان غير متتابع ؟

ج: لا يجوز قضاء رمضان إلا متتابعا و الله أعلم ؟

س41: ما قولكم في صبي بالغ أراد صيام يومين قبل دخول شهر رمضان عن طريق التجربة أيقدر على صيام شهر رمضان أم لا يقدر فهل له ذلك .

ج: على ولي الصبي كان أبا أو غيره ان يأمر الصبي ان يصوم قبل بلوغه عندما يراه يتحمله لتتهذب نفسه وتتعود على أداء فعل العبادات فإذا بلغ رشده وجب عليه الصوم حتما لا تتخير فيه والله اعلم .

س42: فيمن رأت دما في أثناء حملها و ذلك في شهر رمضان فهل عليها الغسل و الصوم أم لا ؟

ج: ما تراه الحامل من دم أثناء حملها فليس ذلك بدم حيض ما جعـــــــــل الله حيضا مع حمل فان رأت ذلك فعليها الغسل أى الاستنجاء والصوم .. و الله أعلم .

س43: رجل سمع من المذياع هلال رمضان ، ولكن لم يصدق لأنه لم يره بنفسه في بلده و لم يصبح صائما فماذا عليه ؟

ج: إذا منادي الحاكم أعلن الصوم والإفطار وجب على الرعايا قبوله صومـــــــــــا وإفطارا ، و ذلك إذا نادى منادي الحاكم أو أذاع ذلك في الراديو و التلفاز .. والله أعلم .

س44: إذا اصبح المسافر في بلده وقد نوى الإفطار من الليل فماذا عليه ؟

ج: عليه ان يمسك عن مفطرات الصيام كلها الى غروب الشمس وحل الفطر للصائم ثم عليه قضاء يومه ذلك .. والله اعلم .

س45: عمن عليه أيام رمضان وقد نصح من قبل الطبيب باستعمال الدواء نهارا كل يوم وآلا تضاعف المرض فما عليه ان يفعل ؟

ج: إذا تعذر الصوم على الإنسان لضرورة استعمال الدواء ولم يكن يرجو لذلك نهاية فعليه ان يطعم عن كل يوم مسكينا والله أعلم .

س46: ما قولكم في امرأة أكلت من شهر رمضان المبارك أياما لمانع شرعي من الصوم و لكنها لم تبدلها لجهلها بما يترتب في ذلك فمرت سنين فجاءت تسأل ألان عما يلزمها شرعا ،أفتونا في ذلك ولكم الأجر .

ج: يلزمها صيام ما افطرته وعليها مع ذلك ان تكفر عن لتأخيرها القضاء ، والكفارة هي إطعام مسكين عن كل يوم ويدل على ذلك حديث أبى هريرة الذي رواه عنه البخاري موقوفا ورفعه غيره .. والله أعلم .

س47: رجل معزوم للفطور في شهر رمضان المبارك عند صديق له فذهب عنده وافطر كما كان رجل آخر اعجب بتمر عند جاره فاستحب ان يفطر منه فهل يسير الأجر للصائم أم للذي تصدق على هذا الرجل ؟افتنا ولك الأجر

ج: من فطر صائما كان له مثل اجره من غير ان ينقض ذلك من أجور الصائمين شيئا هكذا دلت السنه النبوية على صاحبها افضل الصلاة والسلام عليه والله أعلم.

س48: ما رأيكم فيمن اخذ حقن ابره علاج في أحد المستشفيات في يوم هو فيه صائم ؟ وهل يكره الطبيب في أيام الصيام ؟

ج:حقنه العلاج تحت الجلد لا تنقض الصوم ،و إنما تنقضه الحقنة المغذية والطبيب لا بأس به للصائم و الله أعلم .

س49: عن رجل يصوم اياما بدلا من التي يصومها من التي افطر فيها في شهر رمضان لمرض اضطره الى الافطار فمرض الرجل في نصف الايام التي عليه واضطره المرض الى الافطار فهل ترون سماحتكم الى اكمال ايام البدل بعد شفائه ام ان عليه صيام البدل من جديد ؟

ج: لا ينهدم صيامه لافطاره لضرورة المرض وما عليه لا ان يواصل صومه بعد ان برئه من المرض والله أعلم .



س50: في مال اوقف لتنفيذ غلته في فطره صائم شهر رمضان في مسجد من المساجد في هذا الوقت لم يوجد من يستفيد بهذا الموقوف فكيف العمل بحاصل غلتها ؟

ج: اما ما اوصى به لفطره يطعمونها في مسجد ما فلم يوجد من يحضر في ذلك المسجد للفطور فانه يحول الى مسجد آخر من المساجد المجاورة له وان لم يوجد تجمع في شيء من المساجد اعطي الطعام لجماعه المسجد الصائمين ليأكلوه ولو في بيوتهم و الله اعلم .

س51: ما قولكم فيمن جامع زوجته ولم يغتسل بل ناك وهو يظن انه سيقوم قبل الفجر

ولكنه نهض بعده ؟

ج من نام وهو جنب قبل الفجر فاسيقظبعدما بزغ الصبح وهو صائم لزمه اعاده يومه لقوله صلى الله عليه وسلم (( من اصبح جنبا اصبح مفطرا ))والله اعلم .

س52 ما هي افضل ايام الصوم في شهر شعبان ؟

ج:ليس في السنه تحديد ايام معلومه يستحب فيها الصوم من شهر شعبان وما ورد في صوم اليوم الخامس عشر غير صحيح وانما صح عن عائشه رضي الله ان النبي صلى الله عليه وسلم اكثر ما يصوم بعد رمضان كان في شهر شعبان .

س53:ما قولكم في من نذر ان يصوم شهرا غير معين مثلا يقول ان رجع فلان على نذر ان اصوم شهرا ولم يعين الشهر فهل يمكنه ان يبأ بالصوم من نصف الشهر الى نصف الشهر الثاني كأن يبدأ من يوم العشرين من الشهر الحالي مثلا الى يوم التاسع عشر من الشهر المقبل ام يلزمه ان يبدأ من اول يوم في الشهر الى آخره ؟ افتنا ولك الاجر .



ج: لا مانع من ابتداء الصوم من اول يوم في الشهر او وسطه ولكن ان ابتداء من اوله فعليه صيامه سواء كان تسعه وعشرين او ثلاثين يوما اما من اعترض ايامه فعليه ان يكمل الثلاثين والله اعلم.

س53: فيمن عليه فيمن عليه صوم رمضان فصام بعضه وفي خلال صومه عرض عليه عيد الاضحى فهل يواصل الصيام ايام التشريق ام ينتظر ويصوم بعدها ؟

ج :من كان عليه قضاء رمضان فعليه ان يتحرى الزمن العادي من القواطع لوجوب تتابع صوم قضاء رمضان عند الاكثرين اللهم لعذر كمرض او سفرومنهم من لا يرى السفر عذرا .

س54 :ما الذي يباح للرجل من امرأته حال صومه اوحال حيضها ؟

ج:يباح للرجل ما عدا ما يدعوه الى الجماع أو الانزال من امراته فى حال صومه ومع ذلك فان عليه ان يحتاط فان الملاعبه المفضيه الى الانزال غير ممنوعه حال اليض وهي ممنوعه حال الصوم والله اعلم .

س55: ان قال الرجل اني نذرت لله ان صوم هذا الرجب ان عوفي ولدي .فعوفي ولده ولكن مرضه هو اعاقه عن الصيام في ذلك الشهر فماذا عليه؟

ج: من خصص يوما او شهرا للصوم نذرا ففات عامدا او لعذر قيل بوجوب قضائه وقيل بعدم لزومه ولكن باثم ان كان التفويت لغير عذر والخلاف مبني على الخلاف في القضاء هل هو امر ثاني غير الامر بالاداء او نفس الأمر بالأداء ؟وممن قال انه بنفس الأمر اوجب قضاءه ومن قال انه بأمر جديد لم يلزم القضاء القضاء لعدم ورود الامر والله اعلم .

س56: ما قولكم فيمن احتلم في نهار رمضان ؟

ج: من إحتلم في نهار رمضان فليواصل صومه وليغتسل فورا والله اعلم .

س57:هل يفطر الدم الذي يخرج من الفم بدون سبب مع ان هذا الرجل لايستطيع الإمتناع عن ابتلاعه مع الريق ؟

ج :لا يضير الصائم ما خرج من دم الفم إلا إذا بلع منه شيئا منه مع إمكان الإحتراز عنه واذا لم يمكن الإحتراز فلا يكلف الله وسعها والله اعلم .



س58: ما قولكم في رجل من عمان الداخل ومقيم بمسقط وحينما يهل شهر رمضان يفطر بدعوى انه يصعب عليه الصيام وهويعمل بمسقط وعندما يأتي فصل الشتاء يصوم فهل شهرا كاملا بدله ..فهل يصح له ذلك ؟ افتنا ولك الاجر .

ج: ان كان مقيما بمسقط إقامه استيطان فلا يصح له ذلك وعليه الكفاره عن كل شهر يفطر فيه اللهم إلا ان يكون مريضا مرضا يباح له معه الفطر وذلك بان يتعذر عليه الصوم اويشق عليه مشقه ظاهره او يخشى منه زيادة مرض اوابطاء برء ففي هذه الحالات كلها يباح له الإفطار شريطه القضاء لقوله تعالى (( ومن كان مريضا او على سفر فعده من ايام اخر ))ام تأخير الصوم من الصيف الى الشتاء لسبب الحر نفسه مع قدرته على التحمل فلا يصح بحال والله اعلم .

س59:ما قولكم فيمن اوصى انه يعين نخلات مخصصه لفطرة شهر رمضان وبعد سنين صار العكس فما ترون في هذه القله اين توضع افتونا ولكم الأجر ؟

ج:اذا لم يوجد من يفطر في شهر رمضان في المساجد حسب الوصيه اعطيت الفطره المخصوصه بالصائمين لفقرائهم ليفطروا بها ولو في بيوتهم والله اعلم.

س 60:ما قولكم فيمن لم يتمكن من صيام رمضان لمرض الم به فأراد ان يقضيه ولكنه لا يستطيع ان يصومه تتابعا فهل يحق له ان يفصل فيه ؟

ج:من شق عليه ان يقضي رمضان متتابعا فلا حرج عليه ان يقضيه متقطعا والله اعلم.

س61:ما قولكم في صوم الإثنين والخميس ؟

ج:في صوم يوم الإثنين والخميس فضل ووردت الاحاديث في الترغيب في صومه جاء في الجامع الصغير للسيوطي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس فأحب ان يعرض عملي وانا صائم .

س62: كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستقبل رمضان؟

كان صلوات الله وسلامه عليه يستقبله بالبشر ورحابه الصدر وكان اذا اقبل رمضان اطلق كل اسير واعطى كل سائل ولم يأت فراشه حتى ينسلخ .وكان اذا دخل رمضان تغير لونه وكثرت صلاته ودعاؤه قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان صلىالله عيله وسلم اذا دخل شهر رمضان يقول اتاكم رمضان شهلر مبارك تحط فيه الخطايا ويستجاب فيه الدعاء وينظر الله فيه الى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من انفسكم خيرا فإن الشقي فيه من حرم رحمه الله عزوجل .وكان صلى الله عليه وسلم يعلم الناس هذه الكلمات اذا جاء رمضان ((اللهم سلمني لرمضان وسلم رمضان لي وتسلمه مني متقبلا. والله اعلم.

س63: ما السنه في صيام السته ايام من شوال هل يشترط فيها التتابع وهل هي من اول الشهر ام من آخره؟

ج: يجوز فيه الوصل والفصل فلك ان تفصلها ثلاثا ثلاثا وجاز صيامها في العشر الاوائل وفي الاوسط وفي الاواخر والمعمول به وصلها بعد يوم العيد مباشرة والله اعلم.

س64: رجل هلك وعليه صوم رمضان بسبب مرضه فهل على الورثه ان يصوموا عنه او يطعموا عنه ؟

ج: اذا اوصى بصيام لزم انفاذ وصينه وتم لم يوص فلا يلزم ورثته الا ان يطوعوا .والله اعلم واذا شاء الورثه التطوع فلهم ان يصوموا وان يطعموا والإطعام افضل ..والله اعلم

س65:صيام البدل هل يجب ان يكون متتابعا في ايام الصيام ؟

ج: نعم يجب التتابع في صيام قضاء رمضان وفي الكفاره والنذور.. والله اعلم.

س66: رجل مسافر في رمضان فلما رجع من سفره كان على نيه إفطار لكن لم يأكل خارج الاميال في ذلك اليوم فدخل وطنه وهو لم يأكل في سفره في ذلك اليوم والله اعلم .

ج: اذا بيت الفطر في سفره ثم دخل وطنه ولم يأكل خارج الفرسخين فأكثر القول ان عليه الإمساك ذلك اليوم فلا يأكل في وطنه وهو لم يأكل في سفره في ذلك اليوم والله اعلم .

س67:رجل ادركه رمضان وعليه ايام من العام الماضي لم يصمها فماذا عليه ؟

ج:عليه ان يطعم عن كل يوم افطر مسكينا .ويصوم الحاضر ثم عليه قضاء ما افطر بعد خروج رمضان الحاضر .. والله اعلم.

س68:رجل صائم وأراد ان يذهب الى ملعب كرة القدم ليشاهد المباراة فهل ينقض صومه علما بأن اللاعبين مكشوفوا الساقين؟

ج:الساقان ليستا من العورة في الرجال وانما الافخاذ من عورتهم ومن نظر الافخاذ العاريه عامدا ففي انتقاض صومه قولان مبنيا ن على اختلاف في المعصيه هل ينقض الصيام ام لا والله اعلم.

س69: هل يفطر الصائم قلع الاسنان ؟

ج:لا يفطر قلع الاسنان ان لم يبتلع الدم والله اعلم.

س70: ما قولكم فيمن عليه صيام يومين متتاليين من شهر رمضان المبارك فصامهما متفرقين ؟

ج: لا حرج عليه في ذلك والله اعلم .

س71: ما يلزم المرأة الصائمة اذا وقع عليها زوجها في نهار رمضان وجامعها وهي نائمة سواء بعد ان مضت يوما او 15 يوما؟

ج: ان كانت مكرهة او نائمة ولم تساعده ولم تمكنه بشيء فليس عليها شيء والله اعلم .

س72: اذا كان الرجل لم يصل التراويح في شهر رمضان هل يجوز له صوم ؟

ج:الصيام لا يرتبط بصلاة التراويح فمن لم يصلها فليصم وله اجر صيامه والله اعلم .

س73:ما قولكم في رجل اراد ان يبحث عن عسل النحل في وقته وصادف شهر رمضان .فهل له الإفطار ان جاوز اميال السفر ام لا؟

من اراد جني عسل النحل من مكان يبعد فرسخين عن وطنه وذلك في شهر ركضان وقت الحر الشديد فله ان يفطر بشرطين الاول ان يبيت الفطر من الليل .ةالثاني يخرج من عمران بلده قبل الفجر .اما اذا بيتّ الصوم فليس له ان يفطر لانه ابطال لعمله .والله يقول (( ولا تبطلوا اعمالكم )) والله اعلم .

س74: هل يجب على الرجل ان يصوم شهرين متتابعين بدون موجب شرعي؟

ج: تصدر من المكلف اخطاء كثيرة في حق ربه كالابوين والارحام وكالايمان التي يحنث فيها من حيث لا يدري اوينسى انه حنث في يمين فإنه يؤمر بصيام شهرين متتابعين ان قدر يكفر بهما اخطاءه الصادرة منه وان لم يقدر اوصى بها . والله اعلم .

س75: هل يصح صوم(27) من رجب وصوم يوم المولد النبي صلى الله عليه وسلم؟

ج: صوم يوم (27)رجب مستحب .اما صوم يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يستحب لانه من اعياد المسلمين .والله اعلم.

ورد المنى
04-04-2003, 12:57 PM
هل النظر إلى المرأة ينقض الوضوء ؟ وما القول في امرأة زوجها لا يصلي ما حكم هذا الزواج ؟ وماذا تفعل ؟

الجواب / لا ينقض النظر إلى المرأة الوضوء ، وعلى المرأة التي لا يصلي زوجها أن تنصحه بأي طريقة حتى يتوب إلى رشده . والله أعلم .

هل يجوز القراءة فوق الفاتحة من القرآن في صلاة الظهر والإمام يقرأ من الفاتحة وسألناه وقال لنا يجوز ذلك أفدنا في ذلك ؟ جزاكم الله خيرا .

الجواب / الذي ذهب إليه علماؤنا الاقتصار في صلاة الظهر على قراءة الفاتحة عملا بدليلين أولهما : ما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل أكان رسول صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال : لا . فقيل له : لعله كان يقرأ ني نفسه . فقال هذه أشد من الأولى فكان عبدا مأمورا أبلغ ما أرسل به قال ذلك خمسا. ثانيهما . قياس صلاة النهار على ركعات السر في صلاة الليل وقد رأى أصحاب المذاهب الأخرى خلاف ذلك اعتمادا على بعض الروايات وترجيحا للثبات على النفي منها ولك أجيب عن ذلك بأن رواية ابن عباس جازمة فهي أجدر بالقبول بخلاف الروايات الأخرى فإنها جازمة فقط وبالجملة فإن المسألة تحتاج إلى بحث لا يتسع لها المقام ومن أراد الفائدة فعليه بالمطاولات كنثار الجوهر ومعارج الآمال . والله أعلم.

متى يجب جمع الصلاتين ؟

الجواب / لا يجب جمعهما إلا في موضعين : 1 – في يوم عرفة . 2- في المزدلفة في يوم النحر للحاج .

هل يجوز جمع الصلاة مع القدرة على أدائها في وقتها ؟

الجواب / أما المستقر في مكان فينبغي له أن يصلى كل صلاة في وقتها ، والجمع جائز للجاد في السير . والله أعلم

نلاحظ أن الكثير يجمعون الصلاتين في الوقت الذي بينهما ، فهل هذا يجوز ؟

الجواب / من أول وقت الأولى إلى آخر وقت الثانية موضع للجمع . والله أعلم .

ما معنى تفرقة المضجع بين الذكر والأنثى ؟ وما الحكمة في ذلك ؟

الجواب / معنى التفرقة في المضجع بأن لا يترك للأولاد إذا بلغوا سن المراهقة - سن العاشرة ، أي كادوا يبلغون سن الاحتلام - المبيت في فراش واحد ، والحكمة بادية ظاهرة ، ففي ذلك الوقت قد توسوس لأحدهم نفسه بأن يفعل شيئا يلام عليه ، فلذلك يؤمر بالتفريق بين الذكر والأنثى وقيل حتى ما بين الذكور أنفسهم وما بين الإناث أنفسّهن . والله أعلم .

صليت يوما فريضة ثم تذكرت أني لم أقرأ سورة مع الفاتحة فماذا عليّ ؟

الجواب / ما عليك إلا أن تسجد لسهوك . . والله أعلم .

هل يجوز أن تصلى النوافل والسنن والوتر بفاتحة الكتاب فقط دون سورة ؟

الجواب / أما الوتر والسنن المؤكدة فلا ، وأما ما عداها فنعم . . والله أعلم .

هل يجوز الجهر بالتلاوة في قيام الليل إذا كنت تصلي بنفسك منفردا ولا تؤذي أحدا بقراءتك ؟

الجواب / نعم لا مانع من ذلك .. والله أعلم .

ما حكم من لم يقم الركوع والسجود في الصلاة ؟

الجواب / جاء في الحديث الشريف عن النّبي صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده ) و حديث المسيء صلاته أن النّبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يركع حتى يطمئن راكعا وأن يسجد حتى يطمئن ساجدا ، فعليه من لا يتم ركوعه وسجوده بالطمأنينة فصلاته باطلة . . والله أعلم .

هل تجوز الزيادة في الركوع والسجود ؟

الجواب / أما زيادة الركوع أو السجود في الصلاة عما شرع فلا . وأما زيادة التسبيح فيهما على الثلاث فلا مانع منه . . والله أعلم .

إذا كان الإمام تطول في مدة الركوع والسجود ، فهل يصح للمأموم أن يزيد في التسبيح عن ثلاث مرات ؟

الجواب / لا مانع من ذلك ، وإنما الثلاث هي أقل ما يجزي ، كما يفيده حديث أخرجه النسائي وعلق عليه العلامة نور الدين السالمي رحمه الله في جوهر النظام حيث قال : أقل ما يجزي من التسبيح .. ثلاث مرات على الصحيح .. والله أعلم .

ماذا تقول فيمن يصلي ويضع كفيه على نصف ساقيه عند ركوعه أي تحت ركبتيه ، وقد أمر أن يضع كفيه على ركبتيه ، أتنتقض صلاته أم لا ؟

الجواب / إذا سوى ظهره معتدلا فصلاته تامة . لعل له عذرا في عدم جعل يديه بركبتيه عند الركوع فله عذره . . والله أعلم .

عند القيام من الركوع هل يقال شيء بعد قول : ( سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ) ؟

الجواب / نعم يجوز بل يستحب أن يقال بعد ذلك . ( حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ). . والله أعلم

هل يجوز للمصلي بعد قوله : ( سمع الله لمن حمده ) أن يقول : ربنا ولك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ) ؟

الجواب / الأولى أن يقول ( ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى ) حسبما جاء في الحديث . . والله أعلم .

ما حكم السجود الذي يأتي به كثير من الناس عقب فريضتي الظهر والعشاء وعقب سنة الفجر . علما بأنهم يزعمون أن هذا مما عهدوه عن علمائنا السابقين ؟

الجواب / السجود بعد الفريضة لم تثبت فيه سنة قولية ولا فعلية عن النّبي صلى الله عليه وسلم إلا في .حالة السهو في الصلاة ، وإنما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما بغير إسناد متصل . وقد استحب جماعة من علمائنا السجود احتياطا عن السهو وشكرا لله تعالى على إتمام الصلاة ، وذهب بعض علمائنا المتأخرين إلى ترك السجود مخافة أن يعتقده العوام من نفس الصلاة وعلى هذا استقر العمل عندنا .. والله أعلم .

ما قولكم في رجل قصد أحد الجوامع الكبيرة لتأدية فريضة من الفرائض فوجد الجماعة يصلون فدخل الجامع وهو مستقبل القبلة ووجه وأحرم واستعاذ وقرأ الفاتحة وهو يمشي ووص صف الجماعة وهم يركعون فركع حتى أتم صلاته ، هل صلاته تامة لأنه مشى لأجلها أم باطلة لأنه مشى بعد الإحرام ؟

الجواب / قد فعل ذلك أحد أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( زادك الله حرصا ولا تعد ، فالعودة إلى صنع ذلك مخالفة لنهي النّبي صلى الله عليه وسلم فمن صنع ذلك فصلاته باطلة وعليه أن يعيدها .. والله أعلم .

ما قولكم في رجل مسافر صلى خلف إمام مقيم فانتقضت عليه صلاته أعني المسافر فكيف يعيدها ؟

الجواب / اختلف العلماء في ذلك قيل يعيدها أربعا مطلقا أي في الوقت وبعده وعليه كثير من المحققين ، وقيل يعيدها ركعتين في الوقت وأربعا بعد خروج الوقت ، وقيل يعيدها ركعتين مطلقا وهذا هو الصحيح عندي وذلك لأنة قد وجبت عليه الركعتان لكونه مسافرا ثم وجب عليه الإتمام لضرورة تبعية الإتمام فلما انتقضت صلاته وجب عليه أن يرجع إلى الأصل وهو الركعتان وليس له أن يصليها أربعا وذلك لأنه إنما شرعت له الأربع عندما كان يصلي خلف الإمام لعلة متابعة الإمام المقيم فلما زالت تلك العلة وجب عليه أن يرجع إلى الأصل . . والله أعلم

ما قولكم في رجل صلى الجمعة ثم انتقضت صلاته . فكيف يعيدها ؟

الجواب / يعيدها ظهرا على الصحيح لما تقدم في الجواب الأول ،ولأن الجماعة واجبة بل شرط في صلاة الجمعة وقيل يعيدها جمعة وقيل إن أعاد في الوقت أعادها ظهرا وإن أعادها بعد الوقت أعادها جمعة . . والله أعلم .

ما قولكم في صلاة الجمعة إذا انتقضت وعلموا بنقضها في الوقت هل يعيدوها جمعة أو ظهرا ؟

الجواب / يعيدوها جمعة إن كان ذلك في الوقت . . والله أعلم .

ما رأيكم في قول كثير من الناس : حق لا إله إلا الله . وذلك عندما يسمعون المؤذن أو المقيم يقول : لا إله إلا الله ؟

الجواب / هذا الكلام غير مشروع بل لا ينبغي الإتيان به وإنما المشروع قول لا إله إلا الله فقط كما ثبت في حديث ( إذا سمعتم المؤذن فقالوا مثل ما يقول ) هذا .. أو لا يمكن أن يستدل بكون لا إله إلا الله حقا أنه يشرع أن يقال قبلها كلمة حق وذلك لأن متابعة الأذان أمر تعبدي لا ينبغي أن يزاد فيه ما لم يكن مشروعا فيه ثم أنه لا ينبغي أن يقال قبل كل كلام حق ، حق كذا وإلا قيل ذلك قي أشياء كثيرة فالله أكبر حق ، وأشهد أن لا إله إلا الله حق ، وأشهد أن محمدا رسول الله حق ، وحي على الصلاة حق ، وهكذا . . فهل يمكن أن يقال قبل هذه المذكورات حق كذا فلا إله إلا الله كذلك .. والله أعلم .القنوبي

كم مرة ينادى بالصلاة جامعة لصلاة الخسوف والكسوف ؟

الجواب / لا يوجد دليل على تعيين العدد في ذلك ، وإنما يكون ذلك بحسب الحاجة . . والله أعلم

ما هو الأفضل أن يقال عندما يقول المقيم . قد قامت الصلاة ؟

الجواب / ذهب بعض العلماء إلى أن يقال : قد قامت الصلاة . بدلالة حديث إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ومن المعلوم أن الإقامة لها حكم الأذان بدليل بين كل أذانين صلاة . وذهب آخرون إلى أنه يقال : أقامها الله وأدامها ، واحتجوا لذلك بحديث شهر بن حوشب عن أبى إمامة أو عن بعض أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم أن بلالا أخذ لما قال قد قامت الصلاة قال النّبي صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها ، إلا أن هذا الحديث ضيف إذ أن له ثلاث علل . . الأولى : أن في إسناده راويا مبهما . والثانية : ضعف شهر بن حوشب أحد رجال إسناده . والثالثة : ضعف محمد بن ثابت أحد رجال إسناده أيضا . وبذلك يتبين لكم أن هذا القول هو القول الصحيح . . والله أعلم .القنوبي

هل حديث أن بين كل أذانين صلاة إلا المغرب صحيح أو لا ؟

الجواب / الحديث صحيح بلفظ بين كل أذانين صلاة ، وأما زيادة إلا المغرب فهي منكرة من جهة إسنادها ومن جهة متنها . . والله أعلم .القنوبي

ما قولك فيمن دخل المسجد سواء كان مفردا أو جماعة ووجد الجماعة الأولى قد سلموا من الصلاة إلا أن الصفوف لا زالت في مكانها هل تشرع لهم - أعنى الداخلين - الإقامة أو أنهم يكتفون بإقامة الجماعة الأولى ؟

الجواب / ذهب كثير من العلماء إلى أنهم يكتفون بإقامة الجماعة الأولى ، والصحيح عندي خلاف ذلك وذلك لأن هذه الجماعة لا علاقة لها بالجماعة الأولى وكذا يقال في المفرد ولما كان الأمر كذلك كانوا مخاطبين بإقامة بأنفسهم . . والله أعلم .

الطوفان
06-04-2003, 11:32 AM
شكرا لكِ أختي الكريمة على تواصلك ِ

بالنسبة للفتاوى الأخيرة فبعضها أشرتي إلى أن العالم الذي افتى فيها هو فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ـ حفظه الله تعالى ـ

وأغلبها لم تشيري إلى من قام بالإفتاء بها

فليتكِ تشيرين إليه إن أمكن ذلك

وجزاكِ الله خيرا

نجم الساحة
07-04-2003, 04:42 PM
بارك الله فيك أختي الكريمة ورد المنى على المتابعة والاستمرار في اثرائك الملموس لساحة الشريعة بكل ما هو جديد ومفيد ، نسأل الله أن يجعل صنيعك المبارك في ميزان حسناتك .

ورد المنى
08-04-2003, 03:23 PM
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة:ورد المنى

فتاوى الصوم

هل يجوز لها الإفطار

س1: إمراة كبيره في السن عقدت النية على صيام شهر رجب كاملا .. وصامت الأيام العشر الأولى فلم تستطع ان تكمل . فهل يجوز لها ان تفطر وهل عليها كفارة إذا لم تكمل الشهر الذي نوت ان تصومه كله ؟

ج:ان كان هذا الصيام الذي نوته نفلا فلا يلزمها إتمام غير اليوم الذي لصبحت فيه صائمة وفيما عدا ذلك فهى أميره نفسها ان شاءت صامت وان شاءت أفطرت والله اعلم .

قطور العين ناقض

س2:ما قولكم في استعمال القطور للعين في الصيام والسواك والقيء؟

ج : أما قطور العين فناقض وما عداه غير ناقض الا ان تعمد التقيؤ .والله اعلم .

س3:عن المتوفى وقد أوصى بان يصام عنه عشرين رمضان ولم بوجد من يصوم عنه فهل يصح الإطعام بدلا من الصوم .

ج:ان لم بتبسر من يصوم عن الميت من الأجراء فلا مانع من الإطعام عنه عن كل يوم مسكين واحد لان الله تعالى جعل إطعام المسكين كفارة للعاجز عن الصيام من الأحياء .

في المسألة خلاف

س4:ما قولكم في الصائم إذا تسحر بعد طلوع الفجر وهو يظن انه لم يطلع بعد وتبين ذلك فيما بعد فهل عليه قضاء أم لا؟

ج:من ظن بقاء الليل فأكل فاتضح له انه أكل فجرا قيل يلزمه قضاء يومه وقيل لا يلزمه شىء والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها ان الأصل في تلك بقاء النهار والأصل في هذه بقاء الليل ورجح الإمام نور الدين السالم رحمه الله عدم وجوب القضاء في الذي يأكل ظنا بقاء الليل واستدل له بقوله تعالى ((وكلوا واشربوا حتى ييتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ))وهذا لم يتبين له وهو دليل واضح والله اعلم .

س 5:هل العبث بالذكر تلذذا دون الإنزال يفسد الصوم ؟

نعم هو ناقض للصوم لأنه معصيه وهوطريق الامناء الذي هو الغايه من الجماع والله اعلم .

س6: ماتقول في الصيام ببدل الكفارات هل جائز ذلك ام لا لان الصيام يحتاج الى خمسين ريالا عمانيا عن الشهر الواحد ومع ذلك لا يوجد الأمين وهل الكفارات بقدر الصيام على حسب قيمه الشهر ام غير ذلك.وفيمن اوقف ماء ونخل لصيام كما ان الواقف مجهول لا يدرى اسمه وانما وجد هكذا يؤجر للصيام هل فيه رخصه ان يبدل بكفارات بدل الصيام.

ج: اذا لم يوجد الامين الذي يصوم عن الهالك او وجد بكلفه بالغه ومشقه عظيمه فلا مانع من العدول عن الصيام الى الاطعام والاطعام هو طعام يوم عن كل مسكين والاصل في هذا قول الله سبحانه (( وعلى الذين يطيقونه فديه طعام مسكين ))فاذا كانت الايه محكمه منسوخه كما ذهب اليه طائفه من المفسرين وعلى رأسهم حبر الامه وترجمان القران ابن عباسرضي الله عنهما-وهي في الأحياء الذين من يتكلفون الصوم كالمريض الذي لا يرجى برؤه وألمرأه العجوز والشيخ الكبير إذا كان الصوم يجهدهما والحامل والمرضع اذا خافتا على ولديهما فما بالك بالصيام عن الهالك فلا ريب انه اجدر ان يترخص فيه بإباحه العدول عنه الى الإطعام إذا كان متعذرا ومتعسرا وقد ذهب بعض العلماء الىجواز العدول عن الصيام عن الهالك الى الإطعام عنه حتى في حالات فما يؤثر عن غير واحد من العلماء ان الميت إذا أوصى بالصيام .

س7: ما قولكم فيمن زنا في شهر رمضان هل تجزيه التوبه ام عليه البدل والكفاره فعلى هذه هل بدل صومه او ما مضى من شهره وهل الكفاره صوم او إطعام ؟ افدنا ولكم الاجر .

ج: ان كان زناه بالليل فلا ينقض صومه بالنهار وانما الزمه بعض اهل المغرب من اصحابنا كفاره لهتك حرمه رمضان وكفاره لهتك حرمه الدين بارتكابه المعصيه ولا دليل على ذلك وانما عليه ان يتوب الى الله ويستغفره والله اعلم .

كيف يكون الصيام في هذه البلدان؟

س8:بعض الاقطار في شمال اوربا يقصر فيها الليل كثيرا ويطول فيها النهار كثيرا حيث تصل ساعات الصيام في بعض البلدان الى عشرين ساعه او تزيد وكثير من المسلمين يجدون مشقه زائده في الصيام فهل يجوز اللجوء في هذه البلدان الى التقدير وما نوع التقدير الذي يمكن اعتماده اذا كان جائزا وهل يكون التقدير بساعات الصيام في مكه او في ساعات النهار في اقرب البلدان اعتدالا او بماذا؟

ج: الاصل في الصيام ان يكون جميع نهار رمضان لقوله تعالى ((ثم اتموا الصيام الى الليل ))وانما يستثنى من ذلك ما اذا بلغ قصر الليل وطول النهار الى قدر مالا يحتمل معه صوم جميع النهار عاده فيرجع في هذه الحاله الى تقدير وقت الصوم بالساعات والاولى اتباع اقرب بلد يتيسر فيه صوم النهار كله .

عليك صوم رمضان الحاضر .

س9: حضر شهر رمضان ولم أتمكن من صيامه لشده المرض الذي أّلم بي كما لم أتمكن من بدله لاستمرار المرض بي و هذا الشهر رمضان الثاني وقد أستطيع صيامه ولكن ماذا بالنسبه الى رمضان الماضي؟

ج:عليك ان تصوم رمضان الحاضر ان استطعت ثم تقضي دينك من العام الماضي بعد استطاعتك والله اعلم.

عليه اعاده صيام يومه .

س10: ما قولكم إذا افطر الصائم نهارا ظنا منه ان وقت الفطر قد حضر وذلك ان الجو كان غائما ، فهل عليه القضاء؟

ج: إذا غام الجو فظّن الصائم حضور وقت الفطر فأفطر واتضح له انه اكل نهارا لزمه القضاء واختلف فيه قيل قضاء يومه وقيل ما مضى من صومه ونشأ الخلاف هل رمضان فريضة أم فرائض ؟ والله اعلم .

له الإطعام بدل الصيام .

س11: ما قولكم بمن أوصى بصوم عما أ فسده من شهر رمضان وقد تعذر من يصوم عنه فهل يصح الإطعام بدلا من الصيام ؟

ج: يصح الإطعام عن الميت الذي أوصى بصيام وخصوصا مع تعذر أو تعسّر من ينوب عنه في الصوم .

س12: ما القول فبمن سار الى بريطانيا في صيامه إذ أن الشمس من طلوعها الى غروبها ثماني عشره ساعه ونصف ومن الناحية الثانية يقيم مع عائله متفق معها ان تعمل له طعاما في أوقات مخصوصة وإذا أراد ان يصوم ولم يعمل له طعام لسحوره وفطوره هل يحل له الإفطار؟

ج: أما بخصوص الصيام لأمثالكم في أوربا وما تلاقونه معه من عنت ومشقه فيمكنكم ان تفطروا شريطه القضاء عند عودتكم لقول الحق سبحانه (( ومن كان مريضا أو على سفر فعده من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ))والدين ولله الحمد سمح لا عنت فيه والله اعلم.

س13:رجل افطر نهار رمضان بأمر من الطبيب ثم راجع الطبيب في اليوم الثاني وهو صائم فقال له مثل ذلك الطبيب فأفطر هل يلزمه شئ أم لا ؟وإذا كان الطبيب مسلم أم غير مسلم ؟

وإذا كان به مرض يتضرر معه بالصوم فلا مانع من الفطر أخذا برخصه الله في قوله }فمن كان مريضا او على سفر فعده من أيام أخر {ومعرفه الضرر تكون بالتجربة أو بنصح الطبيب يطمأن الى صدقه شريطه ان يكون مسلما فليس له ان يفطر بقول إلا إذا عززت قوله قرائن تدل على صدقه وإذا سارع الى الفطر فيخرج الخلاف في لزوم الكفارة عليه عليه ويعجبني انه لا تلزمه الكفارة للشبهة.. والله اعلم .

س14: هل يجوز للرجل ان يقبل زوجته او يعانقها في نهار رمضان ؟

ج:ذلك مكروه خشيه الإثارة التي تؤدي الى المحرم أما إذا كان ضابطا لغريزته مهيمنا على نفسه فلا مانع من ذلك والله اعلم.

عليها بدل الصيام فقط

س15: هل يلزم الحائض والنفساء البدل في الصلاه والصوم ؟ج: يلزمها بدل الصوم دو ن الصلاه والله اعلم.

هل على العاجز الصيام ؟

س16:ما قولكم في العاجز عن صيام رمضان بسبب الأمراض وكبر السن هل له تأجير الصيام عنه ؟

ج:لا يؤجر العاجز عن صوم شهر رمضان غيره وانما يطعم عنكل يوم مسكينا إن كان لا يقوى على الصوم ولا على القضاء بعد مضي وقته ولا يرجو حاله يقدر فيها عليه والأصل في ذلك قوله تعالى (( وعلى الذين يطيقونه فديه طعام مسكين . والله اعلم .

س17: في الصوم عمن مات وعليه صوم هل يصح ان يصوم عنه أحد ؟

يصوم ال عن موروثة إذا مات وعليه صيام تحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من مات وعيه صيام صام عنه وليه )) والحديث في الصحيحين والله تعالى اعلم .

لا مناص لك

س 18:إذا كان علّي صيام فهل لي ان أؤجر من يصوم عني أو أتصدق على مساكين ؟

ج: لامناص لك عن الصيام والله اعلم .

س19: ما قولكم فيمن توفي وعليه صيام شهرين من رمضان أي مضى عليه سنتان لم يستطع الصيام للمرض الذي به هل يلزم ال ان يصوم عنه كل قدر حصته في الميراث أو يكفر عنه؟ افتنا ولك الأجر.

ج: روى البخاري في صحيحه عن ام المؤمنين عائشه رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه )) وتعزز هذه الرواية أحاديث أخرى لذلك أرى ان يصوم الورثة عن موروثهم الذي مات وفي ذمته صيام وان لا يعدلوا عن الصيام الى غيره إلامع تعذر الصوم والله اعلم .

س20:ما قولكم في امرأة لم تتمكن من صيام شهر رمضان لمرض الم بها وأرادت ان تقضي ذلك الشهر ولكنها لا تجد في نفسها القدرة الا اذا قطعت الشهر لانها تخشى عى نفسها المرض فهل لهل ذلك ؟

ج:ان لم تستطع قضاءه متتابعا فلتقضه متفرقا ولا جناح عليها (( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )) والله اعلم .

س21: ماقولكم فيمن اوصى بصيام إلا ان الوصي لم يجد من يصوم عنه فهل له ان يطعم ؟واذا اراد ان يدفع نقدا بدل الإطعام للمساكين فكم المبلغ المستحق لكل مسكين ؟ افدنا ولك الأجر.

ج: اذا لم يوجد من يصوم عنه فلا مانع من العدول عن الصيام الى الإطعام وهو إطعام مسكين عن كل يوم وإذا أراد ان يدفع نقدا فليدفع ريالا عمانيا لكل مسكين والله اعلم .

س22: ما القول في فطرة شهر رمضان إذا لم يوجد لها من يفطر بها هل يعمر بها المسجد اوتفرق على الفقراء ؟

ج: يجب تفطير الصائمين من وقف فطرة رمضان حسبما يقتضيه الوقف ما دام يوجد من يطعمها من الصائمين أما إذا تعذر وجود من يخضر للإفطار منهم فلأولى توزيعها على ففقراء الصائمين ولو في بيوتهم والله اعلم.

س23:رجل أصابه مرض في النصف الأول من شهر رمضان وعجز عن صوم النصف الباقي بسبب المرض فماذا عليه؟

ج: عليه القضاء عندما يمن الله عليه بالعافية ولا يلزمه غير ذلك والله اعلم .

س24:اذا اراد احد ان يسافر من بلده الى بلاد اخرى في ايام رمضان فنوى بأن يصبح فاطرا فذهب من بلدته في الساعة الثانية عشرة ظهرا فهل عليه ان يمسك؟

ج:من سافر في رمضان فأفطر في سفره ثم رجع الى بلده وهو في حاله الإفطار فما عليه حرج ان أكل في سائر يومه والله اعلم.

س25: ماقولكم في رجل عقد صوم شهر رمضان في عمان وفي اخر الشهر سافر الى الإمارت وفي يوم ثمانيه وعشرين أعلنت الإمارات بالفطر وعندما رجع الى عمان وجدهم صائمين وندم الرجل على ما فعل؟

ج:ان كانت الرؤية من البلد التي انتقل اليه ثابته شرعا فعليه ان يفطر ويقضي يوما مكان يوم والله اعلم.

س26: ماذا على الشيخ العاجز الذي لا يستطيع الصوم ؟

ج: عليه ان يطعم عن كل يوم افطر فيه من رمضان مسكينا واحدا فطورا وسحورا والله اعلم .

س27:مسجد له فطره موقوفة وفي الوقت الحاضر لم يجد من يفطر فيه فهل يصح ان يعمر به السجد حيث المسجد لا مال له ؟

ج:ان لم يوجد من يفطر من الفطرة الموقوفة واتفق جماعه المسجد الموقوف له على عمارته بغلتها فلا مانع من ذلك والله اعلم.

س28:هل يصح للمرأة الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد ان تفطرا في رمضان ؟

ج: الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد خافت الحامل سقوط جنينها او خافت على نفسها لمرض الحمل والمرضع إذا خافت على الولد الجوع لقله اللبن بسبب الصوم فلهما الفطر. وعليهما قضاء ما أفطرتاه.

س29: هل القيء ينقض الصوم و خاصة إذا خرج طعام من المعدة ؟

ج:القيء لا ينقض الصيام إلا إذا رد المتقيء الى جوفه شيئا مما خرج بعد استطاعته على إبانته هذه بالنسبة الى من ذرعه القيء اما من تعمد المتقيا في انتقاض صومه خلاف. والله اعلم.

س30: ما قولكم في من جامع زوجته في نهار رمضان هل تجزيه التوبة التوبة و الكفارة أم لا ؟

ج: من جامع في نهار رمضان لزمه القضاء والكفارة لما جاء في حديث أبي هريرة من ايجاب الكفارة على المفطر في رمضان والله أعلم .

قطور العين ناقض :

س31: ما قولكم في استعمال القطور للعين في الصيام والسواك والقيء ؟

ج: أما قطور العين فناقض وما عداه غير ناقض الا أن تعمد التقيؤ . والله أعلم .

س32: في من عليه صوم شهر رمضان فصام بعضه وفي خلال صومه عرض عليه عيد الاضحى فهل يواصل الصيام أيام التشريق أم ينتظر و يصوم بعدها ؟

ج: من كان عليه صيام قضاء رمضان فعليه أن يتحرى الزمن العادي من القواطع لوجوب تتابع صوم قضاء رمضان عند ألا كثرين منهم إلا لعذر شرعي كمرض أو سفر و منهم من لا يرى السفر عذرا أما أيام التشريق فالصوم فيها مكروه و العبادة يشرع أداؤها و قضاؤها في غير الزمن المكروه فيه والله أعلم .

س33: ما تقول في رجل غاب سمعه و بصره كيف يكون صيامه ؟

ج: من غاب سمعه وبصره ينبه بحضور شهر الصوم بما يمكن فان تعذر انتباهه فالتكليف ساقط عنه و الله أعلم .

س34: حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :" ما تزال أمتي على سنتي ما قدموا الفطر و أخروا السحور". فهل يحتاج تقديم الفطور فعلا كما ذكر الحديث و كم يحتاج هذا التقديم من الدقائق عن الوقت العادي ؟

ج: نعم يقدم الفطور بعض الدقائق بعد التيقن من غروب الشمس و ذلك يفهم بإقبال الظلام من الشرق وأدبار النهار في الغرب وفي ذلك الوقت العادي الذي يؤذن فيه للمغرب و الله أعلم .

س35: ما قولكم في رجل نذر الصوم لمده شهر هل جائز له صوم الشهر متقطع بمعنى يصوم يومين أو ثلاث ويفطر ثم يصوم مره أخرى حتى تتم المدة علما بان الرجل صحته جيده ؟

ج: من نذر أن يصوم شهرا لزمه صيامه متتابعا إلا ان نذره متفرقا أو عجز عن التتابع فليصمه حسب قدرته و الله أعلم .

س36: هل مرض الباسور يمنع الصيام ؟ و هل خروج الدم ينقضه ؟

ج: مرض الباسور لا يمنع من الصيام و خروج الدم لا ينقضه إلا إذا كان كثره خروج الدم يضعفه فعلا و لا يقدر على صيام رمضان فدين الله يسر لا عسر فيه فليفطر وليطعم عن كل يوم مسكينا فطورا و سحورا ثم إذا عافاه الله تعالى فليقض ما عليه من الصيام .. و الله أعلم .

س37: فيمن رأت الطهر بعد تمام أيام عدتها فاغتسلت ثم رأت دما بعد الاغتسال فهل لها أن تصوم أم لا ؟

ج:إذا رأت الطهر بعد تمام عدتها فاغتسلت ثم رأت دما بعد الاغتسال فليس ذلك بدم حيض فلتصل ولتصم ، و الله أعلم .

س38: أراد رجل ان يصوم عن أبيه شهرا كاملا من ذات نفسه ليصل الثواب الى روح أبيه المتوفى فهل يجوز له ذلك ؟

ج: نعم ذلك جائز ويؤجر الابن على عمل البر لأبيه أو غيره من أقاربه كاملا مثلا ويصل الثواب الى الميت ان كان من أهل الوفاء و ينتفع بما يعمله له ولده و الله أعلم .

س39: رجل لم يسمع عن هلال رمضان ، و لم يره في قريته فماذا عليه ؟

ج: ما لم تقم عليه حجه الصيام عند دخول رمضان و حجه الفطر عند خروجه فعليه ان يستصحب الأصل الواجب عليه و لا شيء عليه سوى ذلك .. والله أعلم .

س40: هل يجوز قضاء رمضان غير متتابع ؟

ج: لا يجوز قضاء رمضان إلا متتابعا و الله أعلم ؟

س41: ما قولكم في صبي بالغ أراد صيام يومين قبل دخول شهر رمضان عن طريق التجربة أيقدر على صيام شهر رمضان أم لا يقدر فهل له ذلك .

ج: على ولي الصبي كان أبا أو غيره ان يأمر الصبي ان يصوم قبل بلوغه عندما يراه يتحمله لتتهذب نفسه وتتعود على أداء فعل العبادات فإذا بلغ رشده وجب عليه الصوم حتما لا تتخير فيه والله اعلم .

س42: فيمن رأت دما في أثناء حملها و ذلك في شهر رمضان فهل عليها الغسل و الصوم أم لا ؟

ج: ما تراه الحامل من دم أثناء حملها فليس ذلك بدم حيض ما جعـــــــــل الله حيضا مع حمل فان رأت ذلك فعليها الغسل أى الاستنجاء والصوم .. و الله أعلم .

س43: رجل سمع من المذياع هلال رمضان ، ولكن لم يصدق لأنه لم يره بنفسه في بلده و لم يصبح صائما فماذا عليه ؟

ج: إذا منادي الحاكم أعلن الصوم والإفطار وجب على الرعايا قبوله صومـــــــــــا وإفطارا ، و ذلك إذا نادى منادي الحاكم أو أذاع ذلك في الراديو و التلفاز .. والله أعلم .

س44: إذا اصبح المسافر في بلده وقد نوى الإفطار من الليل فماذا عليه ؟

ج: عليه ان يمسك عن مفطرات الصيام كلها الى غروب الشمس وحل الفطر للصائم ثم عليه قضاء يومه ذلك .. والله اعلم .

س45: عمن عليه أيام رمضان وقد نصح من قبل الطبيب باستعمال الدواء نهارا كل يوم وآلا تضاعف المرض فما عليه ان يفعل ؟

ج: إذا تعذر الصوم على الإنسان لضرورة استعمال الدواء ولم يكن يرجو لذلك نهاية فعليه ان يطعم عن كل يوم مسكينا والله أعلم .

س46: ما قولكم في امرأة أكلت من شهر رمضان المبارك أياما لمانع شرعي من الصوم و لكنها لم تبدلها لجهلها بما يترتب في ذلك فمرت سنين فجاءت تسأل ألان عما يلزمها شرعا ،أفتونا في ذلك ولكم الأجر .

ج: يلزمها صيام ما افطرته وعليها مع ذلك ان تكفر عن لتأخيرها القضاء ، والكفارة هي إطعام مسكين عن كل يوم ويدل على ذلك حديث أبى هريرة الذي رواه عنه البخاري موقوفا ورفعه غيره .. والله أعلم .

س47: رجل معزوم للفطور في شهر رمضان المبارك عند صديق له فذهب عنده وافطر كما كان رجل آخر اعجب بتمر عند جاره فاستحب ان يفطر منه فهل يسير الأجر للصائم أم للذي تصدق على هذا الرجل ؟افتنا ولك الأجر

ج: من فطر صائما كان له مثل اجره من غير ان ينقض ذلك من أجور الصائمين شيئا هكذا دلت السنه النبوية على صاحبها افضل الصلاة والسلام عليه والله أعلم.

س48: ما رأيكم فيمن اخذ حقن ابره علاج في أحد المستشفيات في يوم هو فيه صائم ؟ وهل يكره الطبيب في أيام الصيام ؟

ج:حقنه العلاج تحت الجلد لا تنقض الصوم ،و إنما تنقضه الحقنة المغذية والطبيب لا بأس به للصائم و الله أعلم .

س49: عن رجل يصوم اياما بدلا من التي يصومها من التي افطر فيها في شهر رمضان لمرض اضطره الى الافطار فمرض الرجل في نصف الايام التي عليه واضطره المرض الى الافطار فهل ترون سماحتكم الى اكمال ايام البدل بعد شفائه ام ان عليه صيام البدل من جديد ؟

ج: لا ينهدم صيامه لافطاره لضرورة المرض وما عليه لا ان يواصل صومه بعد ان برئه من المرض والله أعلم .



س50: في مال اوقف لتنفيذ غلته في فطره صائم شهر رمضان في مسجد من المساجد في هذا الوقت لم يوجد من يستفيد بهذا الموقوف فكيف العمل بحاصل غلتها ؟

ج: اما ما اوصى به لفطره يطعمونها في مسجد ما فلم يوجد من يحضر في ذلك المسجد للفطور فانه يحول الى مسجد آخر من المساجد المجاورة له وان لم يوجد تجمع في شيء من المساجد اعطي الطعام لجماعه المسجد الصائمين ليأكلوه ولو في بيوتهم و الله اعلم .

س51: ما قولكم فيمن جامع زوجته ولم يغتسل بل ناك وهو يظن انه سيقوم قبل الفجر

ولكنه نهض بعده ؟

ج من نام وهو جنب قبل الفجر فاسيقظبعدما بزغ الصبح وهو صائم لزمه اعاده يومه لقوله صلى الله عليه وسلم (( من اصبح جنبا اصبح مفطرا ))والله اعلم .

س52 ما هي افضل ايام الصوم في شهر شعبان ؟

ج:ليس في السنه تحديد ايام معلومه يستحب فيها الصوم من شهر شعبان وما ورد في صوم اليوم الخامس عشر غير صحيح وانما صح عن عائشه رضي الله ان النبي صلى الله عليه وسلم اكثر ما يصوم بعد رمضان كان في شهر شعبان .

س53:ما قولكم في من نذر ان يصوم شهرا غير معين مثلا يقول ان رجع فلان على نذر ان اصوم شهرا ولم يعين الشهر فهل يمكنه ان يبأ بالصوم من نصف الشهر الى نصف الشهر الثاني كأن يبدأ من يوم العشرين من الشهر الحالي مثلا الى يوم التاسع عشر من الشهر المقبل ام يلزمه ان يبدأ من اول يوم في الشهر الى آخره ؟ افتنا ولك الاجر .



ج: لا مانع من ابتداء الصوم من اول يوم في الشهر او وسطه ولكن ان ابتداء من اوله فعليه صيامه سواء كان تسعه وعشرين او ثلاثين يوما اما من اعترض ايامه فعليه ان يكمل الثلاثين والله اعلم.

س53: فيمن عليه فيمن عليه صوم رمضان فصام بعضه وفي خلال صومه عرض عليه عيد الاضحى فهل يواصل الصيام ايام التشريق ام ينتظر ويصوم بعدها ؟

ج :من كان عليه قضاء رمضان فعليه ان يتحرى الزمن العادي من القواطع لوجوب تتابع صوم قضاء رمضان عند الاكثرين اللهم لعذر كمرض او سفرومنهم من لا يرى السفر عذرا .

س54 :ما الذي يباح للرجل من امرأته حال صومه اوحال حيضها ؟

ج:يباح للرجل ما عدا ما يدعوه الى الجماع أو الانزال من امراته فى حال صومه ومع ذلك فان عليه ان يحتاط فان الملاعبه المفضيه الى الانزال غير ممنوعه حال اليض وهي ممنوعه حال الصوم والله اعلم .

س55: ان قال الرجل اني نذرت لله ان صوم هذا الرجب ان عوفي ولدي .فعوفي ولده ولكن مرضه هو اعاقه عن الصيام في ذلك الشهر فماذا عليه؟

ج: من خصص يوما او شهرا للصوم نذرا ففات عامدا او لعذر قيل بوجوب قضائه وقيل بعدم لزومه ولكن باثم ان كان التفويت لغير عذر والخلاف مبني على الخلاف في القضاء هل هو امر ثاني غير الامر بالاداء او نفس الأمر بالأداء ؟وممن قال انه بنفس الأمر اوجب قضاءه ومن قال انه بأمر جديد لم يلزم القضاء القضاء لعدم ورود الامر والله اعلم .

س56: ما قولكم فيمن احتلم في نهار رمضان ؟

ج: من إحتلم في نهار رمضان فليواصل صومه وليغتسل فورا والله اعلم .

س57:هل يفطر الدم الذي يخرج من الفم بدون سبب مع ان هذا الرجل لايستطيع الإمتناع عن ابتلاعه مع الريق ؟

ج :لا يضير الصائم ما خرج من دم الفم إلا إذا بلع منه شيئا منه مع إمكان الإحتراز عنه واذا لم يمكن الإحتراز فلا يكلف الله وسعها والله اعلم .



س58: ما قولكم في رجل من عمان الداخل ومقيم بمسقط وحينما يهل شهر رمضان يفطر بدعوى انه يصعب عليه الصيام وهويعمل بمسقط وعندما يأتي فصل الشتاء يصوم فهل شهرا كاملا بدله ..فهل يصح له ذلك ؟ افتنا ولك الاجر .

ج: ان كان مقيما بمسقط إقامه استيطان فلا يصح له ذلك وعليه الكفاره عن كل شهر يفطر فيه اللهم إلا ان يكون مريضا مرضا يباح له معه الفطر وذلك بان يتعذر عليه الصوم اويشق عليه مشقه ظاهره او يخشى منه زيادة مرض اوابطاء برء ففي هذه الحالات كلها يباح له الإفطار شريطه القضاء لقوله تعالى (( ومن كان مريضا او على سفر فعده من ايام اخر ))ام تأخير الصوم من الصيف الى الشتاء لسبب الحر نفسه مع قدرته على التحمل فلا يصح بحال والله اعلم .

س59:ما قولكم فيمن اوصى انه يعين نخلات مخصصه لفطرة شهر رمضان وبعد سنين صار العكس فما ترون في هذه القله اين توضع افتونا ولكم الأجر ؟

ج:اذا لم يوجد من يفطر في شهر رمضان في المساجد حسب الوصيه اعطيت الفطره المخصوصه بالصائمين لفقرائهم ليفطروا بها ولو في بيوتهم والله اعلم.

س 60:ما قولكم فيمن لم يتمكن من صيام رمضان لمرض الم به فأراد ان يقضيه ولكنه لا يستطيع ان يصومه تتابعا فهل يحق له ان يفصل فيه ؟

ج:من شق عليه ان يقضي رمضان متتابعا فلا حرج عليه ان يقضيه متقطعا والله اعلم.

س61:ما قولكم في صوم الإثنين والخميس ؟

ج:في صوم يوم الإثنين والخميس فضل ووردت الاحاديث في الترغيب في صومه جاء في الجامع الصغير للسيوطي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس فأحب ان يعرض عملي وانا صائم .

س62: كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستقبل رمضان؟

كان صلوات الله وسلامه عليه يستقبله بالبشر ورحابه الصدر وكان اذا اقبل رمضان اطلق كل اسير واعطى كل سائل ولم يأت فراشه حتى ينسلخ .وكان اذا دخل رمضان تغير لونه وكثرت صلاته ودعاؤه قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان صلىالله عيله وسلم اذا دخل شهر رمضان يقول اتاكم رمضان شهلر مبارك تحط فيه الخطايا ويستجاب فيه الدعاء وينظر الله فيه الى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من انفسكم خيرا فإن الشقي فيه من حرم رحمه الله عزوجل .وكان صلى الله عليه وسلم يعلم الناس هذه الكلمات اذا جاء رمضان ((اللهم سلمني لرمضان وسلم رمضان لي وتسلمه مني متقبلا. والله اعلم.

س63: ما السنه في صيام السته ايام من شوال هل يشترط فيها التتابع وهل هي من اول الشهر ام من آخره؟

ج: يجوز فيه الوصل والفصل فلك ان تفصلها ثلاثا ثلاثا وجاز صيامها في العشر الاوائل وفي الاوسط وفي الاواخر والمعمول به وصلها بعد يوم العيد مباشرة والله اعلم.

س64: رجل هلك وعليه صوم رمضان بسبب مرضه فهل على الورثه ان يصوموا عنه او يطعموا عنه ؟

ج: اذا اوصى بصيام لزم انفاذ وصينه وتم لم يوص فلا يلزم ورثته الا ان يطوعوا .والله اعلم واذا شاء الورثه التطوع فلهم ان يصوموا وان يطعموا والإطعام افضل ..والله اعلم

س65:صيام البدل هل يجب ان يكون متتابعا في ايام الصيام ؟

ج: نعم يجب التتابع في صيام قضاء رمضان وفي الكفاره والنذور.. والله اعلم.

س66: رجل مسافر في رمضان فلما رجع من سفره كان على نيه إفطار لكن لم يأكل خارج الاميال في ذلك اليوم فدخل وطنه وهو لم يأكل في سفره في ذلك اليوم والله اعلم .

ج: اذا بيت الفطر في سفره ثم دخل وطنه ولم يأكل خارج الفرسخين فأكثر القول ان عليه الإمساك ذلك اليوم فلا يأكل في وطنه وهو لم يأكل في سفره في ذلك اليوم والله اعلم .

س67:رجل ادركه رمضان وعليه ايام من العام الماضي لم يصمها فماذا عليه ؟

ج:عليه ان يطعم عن كل يوم افطر مسكينا .ويصوم الحاضر ثم عليه قضاء ما افطر بعد خروج رمضان الحاضر .. والله اعلم.

س68:رجل صائم وأراد ان يذهب الى ملعب كرة القدم ليشاهد المباراة فهل ينقض صومه علما بأن اللاعبين مكشوفوا الساقين؟

ج:الساقان ليستا من العورة في الرجال وانما الافخاذ من عورتهم ومن نظر الافخاذ العاريه عامدا ففي انتقاض صومه قولان مبنيا ن على اختلاف في المعصيه هل ينقض الصيام ام لا والله اعلم.

س69: هل يفطر الصائم قلع الاسنان ؟

ج:لا يفطر قلع الاسنان ان لم يبتلع الدم والله اعلم.

س70: ما قولكم فيمن عليه صيام يومين متتاليين من شهر رمضان المبارك فصامهما متفرقين ؟

ج: لا حرج عليه في ذلك والله اعلم .

س71: ما يلزم المرأة الصائمة اذا وقع عليها زوجها في نهار رمضان وجامعها وهي نائمة سواء بعد ان مضت يوما او 15 يوما؟

ج: ان كانت مكرهة او نائمة ولم تساعده ولم تمكنه بشيء فليس عليها شيء والله اعلم .

س72: اذا كان الرجل لم يصل التراويح في شهر رمضان هل يجوز له صوم ؟

ج:الصيام لا يرتبط بصلاة التراويح فمن لم يصلها فليصم وله اجر صيامه والله اعلم .

س73:ما قولكم في رجل اراد ان يبحث عن عسل النحل في وقته وصادف شهر رمضان .فهل له الإفطار ان جاوز اميال السفر ام لا؟

من اراد جني عسل النحل من مكان يبعد فرسخين عن وطنه وذلك في شهر ركضان وقت الحر الشديد فله ان يفطر بشرطين الاول ان يبيت الفطر من الليل .ةالثاني يخرج من عمران بلده قبل الفجر .اما اذا بيتّ الصوم فليس له ان يفطر لانه ابطال لعمله .والله يقول (( ولا تبطلوا اعمالكم )) والله اعلم .

س74: هل يجب على الرجل ان يصوم شهرين متتابعين بدون موجب شرعي؟

ج: تصدر من المكلف اخطاء كثيرة في حق ربه كالابوين والارحام وكالايمان التي يحنث فيها من حيث لا يدري اوينسى انه حنث في يمين فإنه يؤمر بصيام شهرين متتابعين ان قدر يكفر بهما اخطاءه الصادرة منه وان لم يقدر اوصى بها . والله اعلم .

س75: هل يصح صوم(27) من رجب وصوم يوم المولد النبي صلى الله عليه وسلم؟

ج: صوم يوم (27)رجب مستحب .اما صوم يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يستحب لانه من اعياد المسلمين .والله اعلم.
لسماحة الشيخ أحمد الخليلي

ورد المنى
08-04-2003, 03:29 PM
جميع الفتاوي الباقية للشيخ أحمد الخليلي

ورد المنى
08-04-2003, 03:32 PM
1- ما قولكم في رجل أراد أن يتزوج ببنت عمه ، ولكن أخ البنت قد رضع سابقا من أم الرجل الذي يريد الزواج . .. فهل يصح له أم لا ؟

الجواب / لا مانع من ذلك لأن رضاع أخيها من أمه لا يصيرها أختا له من الرضاع نعم يحرم على أخيها أن يتزوج بأي واحدة من بنات المرأة التي أرضعته أو بنات زوجها . والله أعلم .

2 - لم يرض والدي أن يزوجني بشاب تقي لأنه لم يستطع أن يؤدي له ما طلب منه من مهر فهل يجوز أن أرفع أمري إلى القضاء ؟ وما نصيحتك لي . .؟؟

الجواب / نعم لك الحق- أن ترفعي أمرك إلى القضاء الشرعي لأن والدك خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي الحديث الصحيح عن النّبي صلى الله عليه وسلم ( إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه ) فليست العبرة بكثرة المال والقدرة على توفيره وإنما العبرة بالاستقامة على تقوى الله تبارك وتعالى إذا كان الإنسان منهيا أن يؤتي السفيه ماله فمن باب أولى أن يؤتي السفيه ولده فكيف يرضى الأب أن يسلم فلذة كبده وثمرة قلبه لرجل سفيه ليربط مصيرها .بمصيره إن عليه أن يختار لها الكفؤ الصالح من الأتقياء البررة الذي يعينها على أمر دينها ودنياها فلكي أن ترفعي أمرك إلى القضاء الشرعي والله يعينك على الخير . والله أعلم .

3 - فتاة تسأل . علمنا أن الزواج بمجرد انعقاد عقد النكاح تثبت له جميع الحقوق الزوجية حتى الدخول ، إلا أن العرف يستقبح مسألة الدخول قبل الزفاف لأنه ثبت من بعض الرجال فعل ذلك ثم إنكاره عند الزفاف فتفضح الفتاة عندئذ . أ - هل تعتبر الفتاة ناشزا إذا امتنعت عن رغبة زوجها العاقد في ما دون الدخول من مسائل ؟ ب – ما حكم الشرع في مسالة العرف السالفة ؟

الجواب / إن عقد عليها النكاح وساق إليها الصداق وجب عليها تمكينه من نفسها متى أرادها ولكن إن خشيت من ذلك محذورا إن باشرها سرا فلها أن تشترط عليه بأن يزفها إليه علانية وهذا العرف الشائع إن أريد به اتقاء محذور كسوء الأحدوثة عن المرأة بعد أن يستبين بها حمل مثلا . والله أعلم .

4 - هل يكفي ذكر اسم المرأة واسم أبيها في عقد الزواج ؟

الجواب / يكفي ذكر اسم المرأة واسم أبيها في عقد زواجها إلا كان ثم لبس لمشابهتها غيرها في اسمها واسم أبيها مع عدم وجود القرينة المانعة من قصد غيرها ففي هذه الحالة يتعين ذكر ما يميز المرادة منهما كاسم الجد أو النسب لدفع اللبس . والله أعلم

5 - هل تزويج المتعة يورث بالشرع أم لا ؟

علما بأن المرأة لا توجد عندها ورقة غائب ، أفدنا ولك الشكر ؟

الجواب / لقد ثبت عندنا بالأدلة التي تغيب الشك إن نكاح المتعة منسوخ جوازه وإذا فلا يثبت به إرث . والله أعلم .

6 - ما رأي سماحتكم في امرأة أرادت التزوج بشخص هو كفؤ لها ولكن أخاها الشقيق ( وهو وليها ) رفض تزويجها بذلك الشخص وهي تصر على ألا تريد غيره، لها أخ شقيق آخر يبلغ الثالثة عشر من العمر ، هل يمكن أن يأمر بالعقد طالما أن الشقيق الأول رفض ذلك أو يجبر الشقيق ؟. . . أفتنا مأجورا .

الجواب / لا مانع من أن يزوجها الأخ البالغ ولو مع وجود من هو أكبر منه والله أعلم .

7 - ما قولكم في امرأة اشترطت على زوجها السكون في بلدها ؟ أيثبت هذا .الشرط إذا التزم به الزوج وإن علم بصحته أيكون قبل العقد أم بعده ؟ افتنا . ..

الجواب / المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وأحق الشروط بالوفاء ما استحلت به الفروج لذلك لا أجد مناصا عن الشرط السكني للمرأة والشرط المقبول ما كان عند العقد أو قبله مع الاستمرار عليه إلى وقت العقد ، وأما ما كان بعد العقد فليس بشرط . والله أعلم .

8 - ما حكم لبس دبلة الخطوبة في الزواج ؟

الجواب / الإسلام دين الفطرة أنزله الله ليوجهها في طريقها الصحيح ولذلك جاءت أحكامه متفقه مع مقتضياتها ملبية لحاجاتها ومن الأمور الواضحة بديهيا أن لكل من الرجل والمرأة خصائص فطرية تستلزم اختلاف أحكامها نظرا إلى اختلاف أحوالهما نفسيا وجسميا واجتماعيا ولذلك حرم الإسلام على كل منهما أن يتلبس بخصائص الجنس الآخر كما نجده في قوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ) . لأن في ذلك خروجا عن الفطرة واصطداما بنواميس الحياة اعتداء على خصائص الغير ولا ريب أن الرجل الباقي على سلامة الفطرة تأبى عليه شهامة الرجولة أن يتحلى بالذهب لمخالفة ذلك سمات الرجولة وخشونة الذكورة وملاءمة لليونة الأنوثة وغنجها ومن ثم نجد في صحائف السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من قوارع الإنكار و روادع الوعيد على لباس الذهب للرجال . ما لا يدع لأحد مجالا للتردد في قبول هذا الحكم وكثير منها جاء نصا في الخاتم واليك نماذج من ذلك تستبصر بنورها في سبيل المعرفة . روى الإمام الربيع رحمة الله عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال : نهاني رسول الله عليه وسلم عن لبس المعصفر وعن خاتم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود وأخرجه النسائي وكذلك الترمذي ما عدا ذكر القراءة في الركوع والسجود وقال حديث صحيح . - أخرجه البخاري ومسلم وكذلك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله وسلم نهى عن تختم ا لذهب . - روى مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فترعه وطرحه وقال : ( يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيطرحها في يده . . فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك انتفع به .. فقال لا آخذه أبدأ وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا قدم من نجران إلى رسول الله صلى الله علية وسلم وفي يده خاتم من ذهب فأعرض عنه رسول الله صلى عليه وسلم وقال : إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار ) . روى النسائي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رجلا كان جالسا عند النّبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من ذهب وفي يد النّبي صلى الله عليه وسلم مخصرة فضرب بها إصبع الرجل فقال الرجل : مالي يا رسول الله ؟ قال : ( ألا تطرح هذا الذي في إصبعك فأخذه الرجل فرمى به فرآه النّبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فقال : ما فعلت بالخاتم ؟ قال : رميت به . قال : ما بهذا أمرتك إنما أمرتك أن تبيعه فتستعين بثمنه . ومهما قيل في الحديث فإنه يعتضد بغيره من الصحاح . روى النسائي عن أبي ثعلبه الخشني رضي الله عنه أن النّبي صلى الله عليه وسلم أبصر في يده خاتما من ذهب فجعل يفرغه بقضيب معه فلما غفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقاه قال : ما أرانا إلا قد أوجعناك أو أغرمناك . إن هذه الروايات كافية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد في ردعه عن التختم بالذهب واستعماله (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا )) . وإذا ثبت أن خام الذهب حرام على الرجل بهذه النصوص القاطعة فإن الدبلة تتضاعف حرمتها لما فيها من تقليد المشركين والتأسي بهم وذلك مالا يصدر إلا من مرضى القلوب الذين تزلزلت نفوسهم وتقلص إيمانهم . فإن التشبه بهم ترجمة عملية عما وقر في قلوب في المتشبهين من إكبارهم والإعجاب بعاداتهم وحب الانخراط في سلكهم وتلك عين موالاة الكفار التي حذر الله منها عباده المؤمنين . وهل أدلكم على أصل الدبلة ؟ إن أصلها خرافة رومانية ساذجة فقد كان الرومان يعتقدون أن إلباس الرجل المرأة والعكس إبان الخطبة خاتم حديد في البنصر اليسرى له أثر في حفظ المودة بينهم لما يعتقدون بين البنصر اليسرى والقلب فكأنهما بذلك يأسر كل منهما قلب صاحبه ثم تطورت هذه العادة في أوروبا فأصبح الذهب بدلا من الحديد وقد فتن بها كثير من مرضى القلوب في بلاد الإسلام ( وتعظم في عين الصغير صغارها ) وأصبحت في عناوين التقدم وشارات الرقي وما هي لعمري إلا دلائل التأخر وشواهد الانحطاط ، ما بال المسلمين والأوهام التي أفرزتها الجاهلية الرومانية القديمة ورثتها الجاهلية الأوروبية الحديثة ؟

وقد أثبت الواقع بطلانها فكم من زواج كان معه تبادل الدبلة بين الزوجين حال الخطبة وانقلب إلى مصدر شقاء لهما وظلا يصطليان حر مشاكل لا تنتهي وشقاق لا يطاق وما أكثر السعادة التي صاحب حياة كثير من الأزواج مع عدم اتباع هذه العادة الجاهلية . ليت شعري إلى متى يظل المحسوبون على الإسلام أذنابا للآخرين يقلدونهم في جميع توافه العادات وسفاسف الأمور ؟

هذا وطريقة أكثر الناس اليوم في التختم مخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يتختمون في البنصر اتباعا لعادات الآخرين وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك فالروايات تدل على أنه كان يتختم في الخنصر وروى مسلم عن على كرم الله وجهه قال : ناب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أجعل خاتمي في هذه أو التي تليها وأشار إلى الوسطى ، ونحوه عند أبي داود والنسائي والترمذي فلينتبه المسلم لهذه الدقائق وليحذر مزالق الأقدام ومذلات الإفهام والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



9 - امرأة أرضعت ابن ابنها مع إحدى بناتها ، فهل يصح له الزواج من بنات أعمامه وعماته الآخرين ؟

الجواب / لا يجوز . وذلك لأنه يكون ابنا لتلك المرضعة ، فلا يصح له أن يتزوج من إحدى بناتها لأنهن بنات أخواته ، ولا بنات أبنائها لأنهن بنات إخوانه .

10- طالبة تسأل عن قضية زواجها من شاب رضيت دينه وخلقه ، وقد تقدم إليها ، وهو من أقاربها ، ورضى بذلك أهلها ، واستخارت الله ورأت ما يشرح صدرها ، إلا أمها لم ترض بذلك ؟

الجواب / تتوكل على الله .. إن الله يحب المتوكلين .. ولا تتأخر عن الزواج به . والله أعلم .

11 - إذا عقد القرآن بين الرجل والمرأة فما حكم رؤية شيء منها كالشعر أو وقوع ملامسه أو تقبيل ، علما بأنه لم يسق إليها الصداق؟

الجواب / عقد القرآن يجعل المرأة زوجة للرجل ، يحل له منها ما يحل للرجل من امرأته ، فما دام العقد قد وقع مع استكمال جميع الشروط التي هي : رضاء المرأة . . إذن الولي .. والصداق ( ولو لم يسق ) ولكن لا بد من دفعه حاضرا أم مستقبلا ، فإن المرأة حلال عليه . واللهأعلم .

12 - ما حكم الإسلام في الرجل الذي تدفعه الغريزة الجنسية إلى التفكر في المرأة ؟

الجواب/ لماذا لا يتزوج ما دام يفكر في المرأة فليتزوج .. ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج وأضبط للفكر أيضا . . ومن لم يستطع فعليه بالصوم . والله اعلم .

13 - ما نصيحتكم في الزواج المبكر بالنسبة للطلاب الذين ما زالوا في سن الدراسة ؟

الجواب / الزواج المبكر فيه حصانة وفيه تنمية للنسل . . وفيه تلبية للرغبة الجامحة . . فالزواج به خير كثير ولا ينبغي أن يقال بالمنع . . من الزواج ما دام الطالب لم يتخرج . والله أعلم .

14 - أردت أن أخطب امرأة فلما استشرت أمي في ذلك لم توافق بسبب أن هذه المرأة من قبيلة ( كذا ) فحاولت جاهدا لأقنعها كون أن المرأة التي أرغب فيها امرأة صالحة وموافقة لنا في المذهب ، فأحسست أن أمي موافقة عليها ولكن دون أن تصرح بذلك . فهل اعتبر ذلك موافقة منها وأقدم على هذا الزواج ؟ بينوا لي الطريق جزاكم الله خيرا .

الجواب / عليك أن تبر أمك بطاعتها فيما تأمرك به وعليها هي أن تعينك على برها فرحم الله والدا أعان ولده على بره ، لذلك أرى أن تحاول جهدك بأن تقنعها – أي أمك – بقبول زواجك من هذه المرأة ما دامت برة مستقيمة ، فإن العبرة بالاستقامة على التقوى لا بالأنساب و الأحساب فالله تعلى يقول . (( يا أيها الذين أمنوا إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ) وأما الزواج فقد حث فيه عليه الصلاة والسلام باختيار ذات الدين فقد قال . ( تنكح المرأة لدينها وحسبها ومالها وجمالها فاظفر بذات الدين تربت يداك ) والله أعلم

15 - ما قولكم فيمن أكره على الزنا بامرأة ، هل يجوز له الزواج بها ؟

الجواب / لا إكراه على الزنا في الرجل لاستحالة الانتشار بدون رغبة ، ومن زنا بامرأة حرمت عليه إلى الأبد .. والله أعلم .

16 - فيمن أرادت الزواج ولها عم فامتنع عن تزويجها فهل يصح لأخيها الذي يبلغ عمره أربعة عشرة سنة أن يلي تزويجها ؟

الجواب / الأخ أقرب من العم : وأولى بتزويجها . . والله أعلم .

17 - ما قول شيخنا فيما يفعله كثير من الناس عند تمام الأربعين يوما من ولادة المولود عادة ، وبالتحديد عند طهر النفساء من نفاسها ، وهو قيامهم بغسل جميع ما في المنزل من الفراش والآنية والأرضية والأطفال وتطهير كل شيء حتى الجو ( بخوصة ) يقلبونها فيه أو نحو هذا ، وهم يفعلون كل هذا اعتقادا منهم أن النفساء قد نجست كل شيء لامسته فيجب تطهره من نجاسة نفاسها ؟

الجواب / هذه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فالنفساء لا ينجس منها نجاسة حسية إلا مخرج الدم فقط وسائر جسمها طاهر من النجاسة وكذلك ثيابها وما هذا التشديد إلا غلو في الدين لم يأذن به فليتق الله من صدر منه ذلك .. والله أعلم .

18 - هل يصح أن أتزوج امرأة رضعت أمها من أمي ؟

الجواب / هي بنت أختك ولا تحل لك .. والله أعلم .

19 - فيمن زنا بامرأة فهل يحل له الزواج بها وإن قضى بينهما ولد فلمن ينسب ؟

الجواب / لا تحل له أبدا فإن زناه بها يحرمها عليه إلى الأبد ، والولد ولد أمه فإن الولد للفراش والعاهر الحجر . . والله أعلم .

20 - وجدت في باب النكاح من كتاب تلقين الصبيان . على أنه يجوز للرجل أن يزوج نفسه من امرأة متى استكمل الشروط والأركان المطلوبة شرعا . فهل هذا الحكم ينطبق على الثيبات والأبكار من النساء أم لا ؟

الجواب / إن كان وليا للمرأة فلا مانع من أن يزوج بها نفسه برضاها سواء كانت ثيبا أم بكرا ، وإن كان وليها غيره وأذن له أن يزوج بها نفسه فلا حرج في ذلك . . والله أعلم

ورد المنى
08-04-2003, 03:37 PM
فتاوى الطلاق



1- ما قولكم في رجل طلق زوجته طلاق الثلاث بحضرة أبيه وأمه وعمه و أخيه فشهدوا كلهم أنه طلقها بالثلاث بحضرتهم فأنكر هو الطلاق ، والمرأة لم تدع عليه أنه طلقها . ماذا ترى في ذلك ؟ أفدنا ولك الأجر .

الجواب / إذا ثبت الطلاق بالبينة العادلة حكم به القاضي ولو لم تطالب الزوجة بثبوته إذ لا يصح إقرار الزوجين بعد الطلاق على العشرة المحرمة شرعا له . والله أعلم

2 - امرأة مات زوجها وهي حامل في شهرها التاسع ، وولدت له ولدا ، فهل يؤثر ذلك في عدتها ؟

الجواب / هذه مسألة خلافية. . هل المرأة المعتدة بعدة الوفاة تعتد بأبعد الأجلين – إن كانت مدة حملها أطول من أربعة أشهر وعشر فتعتد بالحمل ، وإن كانت عشرة أشهر وعشر هي أطول مدة للحمل فتعتد بذلك – أو أنها تعتد بوضع الحمل . والراجح أنها تعتد بوضع الحمل والدليل على ذلك حديث أم سلمة – رضى الله عنها – فقد وقع اختلاف بين ابن عباس وأبي سلمة عبد الرحمن بن عوف ، كان ابن عباس يقول أنها تعتد بأبعد الأجلين ، وأبو سلمة يقول تعتد بوضع الحمل ، فإذا وضعت حملها انتهت عدتها ولو بعد يوم واحد ، بل ولو بعد ساعات ، فأرسل الاثنان رسولا إلى أم سلمة – رضي الله عنها – ليسألها عن حكم القضية ، فأجابت أن سبيعة الأسلمية وضعت حملها بعد موت زوجها بأيام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( حللت فأنكحي )) . والله أعلم .

3- ما رأيكم فيمن حدث بينه شجار بينه وبين زوجته فقال لها : تجهزي لأحملك إلى أهلك ، فوقفت أمه أمامه لكي تمنعه فقال لها : أوسعي لي الطريق وإلا بالثلاث فأخذ زوجته إلى أهلها، وقال لهم . إن ابنتكم مطلقة . ظنا منه أنه قد وقع منه الطلاق في المرة الأولى . فما حكم الطلاق في كل مرة ؟

الجواب / بئس ما فعله هذه الأرعن السفيه الذي لم يرع حق أم ولا زوجة ، هذا . . وأما قوله بالثلاث من غير ذكر للطلاق فلا يقع به الطلاق فإن قصد بقوله : ابنتكم مطلقة . هذا الذي قاله أي قصد حكاية ما جرى فليس ذلك بطلاق وإن لم يقصد الحكاية طلقت بقوله : مطلقة . ولو لم يقصد به إنشاء طلاق .. والله أعلم .

4- ما قولكم فيمن قال لزوجته . إن شربت مسكرا فأنت طالق . فأتاها في اليوم الثاني وقد شرب مسكرا فأبعدته عنها . بينوا لنا الحق في ذلك ؟

الجواب / إن شرب مسكرا طلقت منه و لم تحل له مباشرتها إلا إن راجعها وقد أجادت المرأة عندما أبعدته عن نفسها . . والله أعلم .

5 - سبق أن طلقت زوجتي طلقة واحدة منذ سنوات ثم راجعتها ، ثم حدث شجار بيني وبينها فلفظت عليها الطلاق ست مرات وقد حرمتها وحللتها فهل لي مراجعتها ؟

الجواب / المحلل والمحرم هو الله تعالى وقد تطاولت على الله بتحليلك وتحريمك بدون هدى من الله ، وقد بانت منك امرأتك بالثلاث ، وما زاد فوزر عليك . . والله أعلم .

6 - فيمن قال لزوجته : طالق طالق فدخل السجن قبل أن يراجعها فأرادت المرأة المراجعة فكيف يتم ذلك ؟

الجواب / الذي يراجع هو الرجل لا المرأة ، فإن كانت لا تزال في عدتها وأراد مراجعتها فليشهد شاهدين على الرجعة ولو كان في السجن .. والله علم.

7 - ما قولك فيمن طلق زوجته مرة واحدة فراجعها ثم طلقها طلقة ثانية فراجعها كذلك ، ثم أنه طلقها طلقة ثالثة فلما رأى أنا خرجت عنه وأنه لا سبيل إليها تحايل في الفتوى حتى أرجعها فطلبه القاضي هو والمرأة واعترفا بالمعاشرة بعد وقوع الطلاق الثالث فقام القاضي بسجنه غير أن المرأة حملت منه بمعاشرته بعد الطلاق ، فلمن يكون هذا الولد هل لأمه أم ينسب للزوج ؟

الجواب / تستمر مدة اللحوق إلى عامين ، وعليه فالولد ولده لأن الولد للفراش ، وللعاهر الحجر . . والله أعلم .

8- ما قولكم فيمن قال لزوجته سوف أطلقك فهل تطلق بذلك ؟

الجواب / هذا وعد بالطلاق وليس إنشاء الطلاق له فلا يقع به طلاق .. والله أعلم .

9 - فيمن قال لزوجته إذا لم تحضري الحاجة الفلانية تكوني مطلقة فلم تحضرها فما الحكم في ذلك ؟

الجواب / إن لم تحضرها حسب طلبه وقع الطلاق . . والله أعلم .

10 - فيمن قال لزوجته إن خرجت تكوني طالقا بالثلاث فخرجت إلى خارج المنزل فمكثت مدة ثم عادت فما الحكم في ذلك ؟

الجواب / علق طلاقها بالثلاث على خروجها فإن خرجت طلقت بالثلاث . . والله أعلم .

ورد المنى
12-04-2003, 06:13 PM
الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي الخروصي



قال ابن رزيق :
وناظره المهنا في جهاد فما نظر العدو له ارتقابـا

إمام أمـة في كل عين يرى وبنابه السيف استنابا

وما هو سيفه سيف كهام ولا سـيفا لأهل البغي هابا

ولمـا آل مهرة خالفـوه وحادوا في عتوهم الصوابا

أتاح لهم قيودا عاثـقات وسجنا يوجس الأبصاربابا

ومذشهدوا التباب دنا فتابوا وكان يقيل ممن قيـل تابا

ففكهم وقد نصبـت بفرق أليهـم وهي سارية عقابا

فأدوا حولها مما عليهـم إليه أوجب الشرع النصابا

كساه هيبة رب البرايـا فما أبقى بها الأسد الغضابا

وأحسب لو عليها ينضوا نابا لما أبقى لها ظفرا ونابا

فمات بهيبة لم تنب حدا وعدل بالإضاءة ما تغابا

بيعته :-

هو الإمام المهنا بن جيفر الأزدي لقد عقدت له الإمامة في يوم الجمعة في شهر رجب سنة ست وعشرين ومائتين ، وهو اليوم الذي مات عبدالملك في ليلته ، بايعه موسى بن علي رحمه الله عن مشورة المسلمين على طاعة الله وطاعة رسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فوطأ آثار المسلمين وسار سيرتهم .وكان المهنا رجلا مهيبا وكان له حزم في رأيه وكان لا يتكلم احد في مجلسه ولا يعين خصما على خصم ، ولا يقوم أحد من أعوانه ما دام قاعدا حتى ينهض ، ولا يدخل أحد العسكر ممن يأخذ النفقة إلا بالسلاح ، وكان له ناب يفتر عنه إذا غضب فتظهر منه هيبة عظيمة ، واجتمعت له من القوة البرية والبحرية من شاء الله قيل إنه اجتمع له في البحر ثلاثمائة مركب مهيأة لحرب العدو ، وكان عنده بنزوى سبعمائة ناقة وستمائة فرس تركب عند أول صارخ ، فما ضنك بباقي الخيل والركاب في سائر ممالكه وكانت عساكره في نزوى عشرة آلاف مقاتل ، هؤلاء بنزوى خاصة فكيف بعساكر غيرها ، وكثرت الرعايا في زمانه حتى بلغ سكان سعال وهي محلة من نزوى أربعة عشر ألفاً.

سيره وأحكامه :-

كان الإمام رحمه الله في حياته قد استعمل على صدقة الماشية ليجمعها عبدالله بن سليمان وهو رجل من بني ضبة من أهل منح ، وكان يسكن عز فقيل أنه دخل ارض مهرة مصدقا ووصل إلى رجل منهم يقال له وسيم بن جعفر وهو من زعمائهم وقد وجبت عليه فريضتان ، فامتنع إلا أن يعطي فريضة واحدة وقال : إن شئت أن تأخذ فريضة واحدة وإلا فانظر إلى قبور أصحابكم ، ولعله يريد قبور ممن قتل هناك من الشراة أيام عبد الملك ، فقد وقع بين الامام وبعض مهرة حرب فأرسل إليهم السرايا حتى أذعنوا فسكت عنه عبدالله ورجع ، وكان عنده جمال فلما وصل إلى عز تأخر عبدالله في عز وأرسل الجمّال إلى الإمام فقدم عليه وهو في مجلسه ، فلما ارتفع عن مجلسه دعا بالجمال فسأله عن عبدالله وكيف كان سفره فأخبره بما كان من وسيم ، فقال الامام للجمّال: لا تخبر احدا بما اخبرتني واكتم ذلك فلما وصل عبدالله بن سليمان سأله الامام عن خبر وسيم فأخبره بمثل ما أخبره الجمال فكتب الامام من وقته إلى والي أدم ووالي سناو ووالي جعلان أن إذا ظفرتم بوسيم بن جعفر المهري فاستوثقوا منه واعلموني فكتب إليه والي أدم أني قد استوثقت منه وانه حصل فأنفذ إليه الامام يحيى اليحمدي المعروف بأبي المقارش مع جماعة من أصحاب الخيل ثم أنفذ كتيبة أخرى فلقوهم بالمنائف ، ثم أنفذ كتيبة أخرى فلقوهم في قرية عز ثم أنفذ كتيبة أخرى فلقوهم في قرية منح ، فلم تزل الكتائب تتراسل والرماح تحتمله حتى وصلو به إلى نزوى فأمر الامام بحبسه فمكث سنة لا يقدر أحد يذكر فيه ولا يسأل عن أمره حتى وصل جماعة من المهرة فاستعانو على المهنا بوجوه اليحمد فأجابهم على إطلاقه وشرط عليهم ثلاث خصال : أما أن يرتحلوا من عمان وإما أن يأذنوا بالحرب وإما أن يحضروا الماشية كل حول على عسكر نزوى وتشهد على حضورها العدول أنه لم يتخلف منها شيء ونعد ل الشهود المعدولون بأدم فقالوا : أما الارتحال فلا يمكننا وأما الحرب فلسنا نحارب الامام واما الأبل فنحن نحضرها ، فعند ذلك عدل الامام الشهود فكانوا يحضرون إبلهم في كل سنة تدور.

وفي زمانه تحرك بنو الجلندى ، ورأسهم يومئذ المغيرة بن روشن الجلنداني وشايعهم ناس من أهل الفتنة ، فدخلوا توام (البريمي ) وكان ابوا الوضاح واليا عليها للامام فقتلوه رحمه الله ، وأرسل الإمام إليهم جمعا ولى عليهم الصقر ابن عزان وكان أبو مروان واليا للامام على صحار فسار بمن عنده من الناس وسار معهم المطار الهندي ومن معهم من الهندي ، وبلغ الجش فيما قيل اثنا عشر ألفا ، فقتل من قتل من البغاة وهزم الله جمعهم وهرب من هرب فرق الله شملهم .

وفي زمانه وقع الكلام بعمان في خلق القرآن وهي مسألة جيء بها من البصرة فأنتشر الكلام فيها وعظمت بها البلية في عمان وغيرها ، وسببها شبهة ألقاها إلى أ÷ل الحديث في البصرة أبو شاكر الديصاني وكان ممن يقول بقدم الأشياء فحسد المسلمين على حسن الحال الذي رآهم فيه فأضهر الزهد والتقشف ، ثم ألقى إليهم أن القرآن قديم ليس بمخلوق فقبلها قوم وأ،كرها آخرون وانتشرت في الآفاق وتكلم فيها علماء الأمصار .

جاء في تحفة الأعيان أن الامام قد أسن وكبر حتى أقعد فاجتمع الى موسى بن علي جماعة من الناس ، وهو أي موسى بن علي قاض للامام المذكور ، وهو شيخ المسلمين يومئذ ومرجع الفتوى ورأس أهل الحل والعقد فقالوا له : إن هذا الرجل يعنون الامام قد أسن وكبر وضعف عن القيامن بذا الأمر ، يعنون الإمامة ، فلو اجتمع الناس إمام يقيمونه مكانه كان أضبط وأقوى على ذلك ، قال فخرج موسى الى الامام ، فلما دخل عليه جعل يسأله عن أحواله ، فعرف الامام معناه وفهم مراده بذلك ، فقال له : يا أبا علي الي والله لئن أطعت أهل عمان ما يريدون ، لا أقام إمام معهم سنة واحدة ، وليجعل لكل حين إمام ويولون غيره ارجع الى موضعك فما أذنت لك في الوصول إلي ، ولا استأذنتني فلا تقم بعد هذا القول ، وهذا مافهم الامام الشيخ الولي ، وأنه لحق لا يجهله من مارس الأمور وتنبه للمحذور .

وفاته :-

توفي الامام المهنا رحمه الله يوم الجمعة والناس في المسجد ، قد حضروا لصلاة الجمعة ، فبعد الأذان الأول جاءهم خبر وفاة الإمام ، فلم يقولوا في صلاتهم شيئا ، فصلوا جمعتهم ضهرا ، وقامو لتجهيز إمامهم وذلك لست عشرة خلون من ربيع الأخر سنة 237هـ.

ورد المنى
12-04-2003, 06:17 PM
الإمام الجلندى بن مسعود

بيعته:-

لما تحقق للعمانين صحة صلاحية الجلندى للإمامة العليا ، اجتمعوا عليه وطالبوه بأن يكون إماما قائما بأمورهم الدنيوية والدينية ، وكان أهل المذهب كلهم متحركين لنصب الإمامة وقد قام طالب الحق عبدالله ابن يحيى إماما لإباضية اليمن ، وفي نفس الوقت بايع إباضية المغرب أبا الخطاب المعافري ، وكانت البيعة للجلندى رحمه الله في سنة 133هـ .

وسبب البيعة حسبما ورد في تحفة الأعيان أن أبا العباس السفاح ولى أخاه أبا جعفر المنصور على العراق وولى المنصور على عمان جناح بن عبادة بن قيس الهنائي ثم عزله وولى ولده محمد ابن جناح فلان للمسلمين ووافقهم على ما يحبون حتى صارت ولاية عمان لهم ، فعند ذلك عقدوا الإمامة للجلندى ابن مسعود ، فكانت سببا لظهور الاسلام وقوة شوكته وكان عادلا مرضيا ، وكان الجلندى ممن حضر بيعة عبدالله ابن يحيى طالب الحق .

تنضيمه للشراة :-

لاريب أن الإمام بمنزلة مربي الأمة ، والأمير يضع مسالك الخير لمأموريه في جميع امورهم الدينية والدنيوية ، والقائد يرتب الجند ويدربهم على موارد حياتهم ومصادرها ،وكذلك كان الإمام الجلندي بن مسعود رحمه الله تعالى رتب الشراة مراتب إعدادية ، فجعل الشراة كتائب ، وجعل لهم مراتب ، فكانت كل كتيبة تتكون من مائتا رجل ، أو ثلاثمائة رجل أو أربعمائة رجل وهكذا ، وجعل على كل كتيبة قائدا كامل الشروط دينا وفقها وأدبا وأمانة . وهذا أمر لابد منه في الحياة الاسلامية الصحيحة ، كما أنه جعل لكل عشرة مؤدب من أهل الفقه يعلمهم الدين ، ويؤدبهم بالمعروف ، ويسددهم عن الزيغ ، ويقيمهم على الطريقة ، ويهديهم سبيل الرشاد.فيكون الإمام قد أدى واجبه نحو هؤلاء الشراة ، كما أدى واجبه نحو أمته المسلمة وشعبه المؤمن ، ويكون بذلك عند الله من الرجال الصالحين ، وهكذا كان الإمام الجلندى الذي هو أول إمام بعمان ، واول من أقام صروح الإسلام في هذا الوطن الخالد.وأول من اتخذ الشراة هو الإمام الجلندى رحمه الله ، فكانوا سهاما على العدو مسمومة ، ورماحا مهيأة لطعن العدو عندما يتحرك بسوء على المسلمين .

وفاته:

استشهد الإمام الجلندى في سنة 134هـ بعد إن مكث في الإمامة سنتين وشهرا وقد استشهد مع عشرة آلاف من جنوده على يد جنود السفاح العباسي أخزاه الله اذ سلط عليه الجدري فمات في الأنبار

منقوول

ورد المنى
12-04-2003, 06:21 PM
الإمام محمد بن أبي عفان





هو محمد بن عبدالله بن أبي عفان كان رجلا من أهل اليحمد إلا أنه نشأ في العراق فقدموا به إلى عمان وقامت دولته في أول يوم من شوال سنة سبع وسبعين ومائة وذكر بعضهم أن ذلك كان في رجب من سنة سبع وسبعين ومائة .

سبب البيعة :-

وسبب مبايعته أنه لما استشهد الإمام الجلندى بن مسعو تولى أمر عمان الجبابرة فأفسدوا فيها وكانو أهل ظلم وجور فمن هؤلاء الجبابرة محمد بن زائدة وراشد بن النظر الجلنديان ،فأصبح الأمر في عمان تسوده الفوضى والقتال ، فلما رآى المسلمون الحال على هذا الوجه ، تكاتبوا من بعيد وقريبب وتعاهدوا على القيام بالحق رغم ما يلاقون من نصب ، فتجمعوا وتواثـقوا على نصرة الحق فالتقوا براشد بن النظر وأعوانه بالمجازة من الظاهرة ودارت رحى الحرب بينهم ولم تضع أوزارها إلا بعد سحق جيش ابن النظر وأصحابه حتى انهزم المذكور وهرب شاردا على وجهه ، ولما تحقق ذلك للمسلمين رجعوا إلى قلب عمان ليجتمعوا الى إخوانهم أعمدة الأيمان ويناضروهم في ذلك الشأن فأنهم قاتلو راشدا بلا إمام وإنما كانوا يتبعون علمائهم , فنزلو منح حين رأو الخطب هان ، والفرصة قد حانت ، فتوجهت أنظارهم إلى مبايعة محمد بن عبدالله بن أبي عفان .

واختلف المؤرخين في صفة إمامته فقيل كان إمام دفاع حتى تضع الحرب أوزارها وقيل كان أمير جيش فأساء السيرة وبدل وغير .

عزله ووفاته:-

فعزله المسلمون حين لم يرضوا سيرته ولامذهبه وكان ذلك في النصف من ذي القعدة سنة 179 هـ وذلك في عهد هارون الرشيد الخليفة العام للمسلمين في بغداد ، فأنه تولى الأمر في سنةة 177هـ وتوفي سنة 193 هـ وكانت ولايته سنتين وشهرين.


منقوول

ورد المنى
12-04-2003, 06:27 PM
الإمام الــــ ـوا ر ث بن كعب الخروصي رضي الله عنه





بعد محمد بن ابي عفان بويع بالإمامة ال بن كعب الخروصي من أهل بلدة همار من وادي بني خروص ، ولا يخفى أن بني خروص في عمان حصيرة الإمامة ومنبت الزهد والورع ، وبيت القصيد في الفضل دينا وإيمانا وزهدا وورعا ، ومعدن فضل في عمان لا ينكره إلا جاهل ، وكيف يلحق عين الشمس نكران .وكان ال أول امام من هذه النبيلة ثم توالت الإمامة منهمزز.

مؤهلاته للإمامة وكراماته :

اشتهر ال بن كعب بالورع والزهد وتحذ بذلك عنه الناس في النوادي ،وشاعت كراماته حتى تحدث الكون معه بإمامته وخوطب من حيث لا يعلم ، بل يسمع صوتا ولا يرى شخصا ، فكان في أيام بني الجلندي سرا مخزونا خبأه الله لوقته .

وكان يرى الرؤيا في نومه تدل على ظهور الحق على يديه وأنه كان ذات يوم يحرث في زرع له فسمع صوتا يقول له : اترك حرثك وسر الى نزوى وأقم بها الحق ، ثم ناداه ثانية وثالثة بذلك فألهم ال أن يجيب القائل بقوله : ومن أنصاري وأنا رجل ضعيف ؟ فقيل له أنصارك جود الله ، فقال في نفسه ان يكن هذا حقا فلينبت مصاب مجزي هذا ينبت ويخضر من الشجرة التي أصله منها فنبت شجرة ليمون ويقال أن هذه الشجرة موجودة حتى الآن .ثم سار الى نزوى وهي في ايدي الجبابرة من أل الجلندي ، فلما وصل نزوى وجد خبازا يخبز وجنديا من جنود السلطان يأكل الخبز ، والخباز يستغيث بالله وبالمسلمين منه ، فلما رآه ال على ذلك الحال زجره ثلاثا فلم ينته فقتله فمضى مسرعا الى مسجد هناك على شاطئ الوادي قريبا والآن يسمى مسجد النصر ، فأسرعت إليه جنود السلطان لتقتله ، فلما وصلو قريبا منه رأو المسجد قد غص بالرجال المقاتلة فلم يصلوه .

وقد بويع بالإمامة في ذي القعدة سنة 179 على ما بويع عليه أئمة العدل وعلى الأمر بالمهروف والنهي عن المنكر وإضهار الحق وإخماد الباطل والجهاد في سبيل الله .

وفي أيامه أراد هارون الرشيد استرداد عمان وأن يضمها تحت ملكه وسلطانه فجهز جيشا على رأسه ابن عمه عيسى ابن جعفر المنصورمن غير أن يرسل للعمانيون بذلك أو يعرف ما عندهم فلم يرض العمانين بذلك فقاتلوهم حتى أمكنهم الله منهم وأسرو قائدهم .

وفاته:

بعد ما قضى ال بن كعب اثنتي شرة سنة وأشهرا في إمامته قائما لواجبات الله عز وجل جاء ما لابد منه لينتقل من دار الفناء إلى دار البقاء. وسبب وفاته أن حبس المسلمين كان في وادي كلبوه من نزوى تحت الشجر وأنه وقع مطر غزير وسالت الأودية وبالأخص وادي كلبوه وكان الإمام لما رآى الوادي يتزايد ويرتفع أمر بإطلاق سراحهم خوفا عليهم من اجتياح الوادي لهم لم يجسر أحد أن يصل إليهم ، فلما رآى الإمام ذلك عز عليه أن يصبح مساجينه ضحية الوادي وهو حي يرزق فقال: أمانتي وأنا مسئول عنهم غدا وارتمى إليهم لينجيهم مهما استطاع فطغى عليه السيل فحمله مع مسجانيه ، فكانت وفاته في سنة 192 هـ .

منقوول

ورد المنى
12-04-2003, 06:29 PM
الإمام غسان بن عبد الله الخروصي



وغسـان الهـمام إمـام عـدل بـنار وغـى أعـاديه أذابــا
وقد قطع البوارج عـن عمـان فمـا منهـم لهـا بالـشر آبـا

قضـى لا ناطـق عـنه بلعـن لـسان شـب فـي ثغر وشابا



لما مات الإمام الــــ ـوا ر ث بن كعب رحمه الله ورضى عنه بايعوا بعده غسان بن عبدالله يوم الاثنين لست خلون من جمادى الأولى سنة 192هـ في عهد هارون الرشيد ، وقد قام غسان الإمام بحقوق الاسلام ومراشد الأنام للصالح العام.

بعض أعماله وأخباره :-

ومن أهم أعمال الإمام غسان خروجه إلى صحار لتوطيد الأمور هناك وذلك ان بوارج الهند و فارس بدا منها على بحر عمان فساد ، فكانو يخرجون غزاة للبحر ، فرآى الإمام من الضروري تأمين البحر لأن طريق المسلمين في البحر كطريقهم في البر يجب أن يكون آ مناً فخرج الإمام من نزوى قاصدا صحاروذلك لخمسة بقين من جمادى الأخرة سنة 201 هـ ، فنظم لهم جندا يصادفهم في البر قطعا لفسادهم ، فاتخذ الزوارق وهو أول من اتخذها لتأمين البحر وحماية شطوط عمان من القرصان الهنود ، فغزا الجيش العماني قراصنة البحر أينما حلوا وأينما ضعنوا ، فألقى الله الرعب في قلوبهم ، فهربوا وانقطع فسادهم وزال بغيهم وعنادهم .

وفي زمانه عم الخصب وكثرت خيرات البلاد وكان الأمام غسان رحمه الله يخرج كل جمعة ليزور قبر الإمام ال رحمه الله ويمشي على الغيل في الوادي فيبقى هناك فيغتسل في ذلك الغيل ثم يعود إلى الجامع لأداء فريضة الجمعة ثم يرجع إلى الحصن وكان يتفقد الأحوال ويراعي بأحسيسه نعم الله تعالى ، فيرى الماء صافيا كأنما سال ذلك اليوم ، حتى رأى مرة بالماء طحلب فأقشعر جلده وتأوه وقال في نفسه : لعل حدثا وقع فتأثر منه هذا الماء ، فرراجع نفسه فلم يجد لديها شيء ، فأحضر أهل الأموال وقال لهم أنا أريد حرب الهند وبيت المال لا يكفي ، وأريد أن أجعل على التجار قرضا يكون أداء ه من بيت المال وأشاوركم في ذلك ، فقال أصحاب الأموال : التجار يسعون بالفائدة وإن قلت دراهمهم ضاعت المعاملة بيننا وبينهم ونحن أرباب الأموال والقرضة علينا بما تريد ، فقال في نفسه لا غير هاهنا ، ثم أحضر التجار وقال : اريد حرب الهند وخزانة بيت المال لا تكفي بمقاومة الحرب وأناظركم أريد أن اجعل قرضة لتقويم هذه الحرب من ارباب الأموال فما ترون ؟ فقال التجار : أصحاب الأموال أهل حرث وأكثر الحروث لا تكفي المغارم عليها ، وليس في أيديهم شيء مما يكفي لذلك ، ولكن نحن عندنا ما يريد الامام ، فقال الامام لا غير هاهنا ، ثم أحضر الوزراء وارباب الدولة فقال أريد أن أجعل قرضة على التجار وأراباب الاموال في بيت المال لحرب الهند فما ترون ؟ وهو يريد بهذا السؤال كشف ما عندهم ، فقالوا هذا شيء وقع في قلوبنا من قبل ، فقال في نفسه الغير من هاهنا فاستبدل بهم غيرهم ، فلما مر الجمعة الثانية على الغيل لم ير شيئا ورأى الماء زائدا عن أصله .

وللإمام غسان أعمالا اختص بها وجعلها من بعده حجة يستند عليها ، وقانونا يعتمد عليه ، فهو أول إمام قطع يد سارق بعمان تنفيذا لحدود الله وقياما بواجباته عزوعلا ، ومن أحكامه أيضا ما صار في فلج الخطم في منح وذلك أن السيل الذي غرق فيه الإمام ال بن كعب رحمه الله أتى على الفلج وأجتاحه ولم يعرف له أثر بعد انقطاع السيل ، فلم يجد أهل الفلج سبيلا لإخراج الفلج إلا في أموال أهل نزوى ، أي أن أهل نزوى كانت لهم حدائق وبساتين قرب الفلج ، فأمر الامام القاسم بن الأشعث وهو أحد زعماء الفلج أن يستر نفسه أي يختفي في مكان قريب من مجلس الإمام ، ثم أرسل الإمام إلى القاضي الوحيد في نزوى وهو العلامة سليمان بن عثمان ، فلما أتى إليه قال له يا أبا عثمان ما تقول في فلج القوم مثل فلج نزوى في أرض سمد وهي لبني أبي المعمر ، فأتى عليه السيل فاجتاحه فلم يقدروا إخراجه إلا في أموال الناس ، فهل لهم ذلك؟ فقال سليمان : نعم لهم ذلك ، فقال له الإمام : لهم ذلك بالثمن أم بغير الثمن ؟ فقال سليمان : لهم ذلك بالثمن ، فقال الامام الثمن يكون بما قال أرباب الأموال أم بقيمة العدول ؟ فقال له سليمان : بل بقيمة العدول . فلما عرف الامام غسان رأي سليمان بن عثمان في ذلك تمسك به فلما انصرف سليمان ارسل الى القاسم بن الاشعث فلما أتى قال الامام : اذهب فادع خصمائك فانطلق القاسم بن الاشعث ، فأتى بهم الى الإمام وهم بنو زياد ، فلما حضروا معه طلب القاسم بن الاشعث مجرى لفلجهم بالثمن ، فقال أهل نزوى ليس علينا ذلك ، فقال لهم الامام هذا رأي سليمان ابن عثمان القاضي ، فانطلق أهل نزوى الى القاضي سليمان وأخبروه بما قال لهم الامام وقالوا له : إنه قال هذا رأي سليمان بن عثمان ،وكان القاضي من أهل نزور وله فيهم مقام محترم ، فقال لهم غرني الامام فانطلق سليمان فأتى الامام فقال : لقد رجعت عن رأي ذلك ، فقال له الامام : فاني لا أقيل وتمسك بذلك الرأي .

وقال الامام لأهل نزوى اذهبو فأخرجو لهم مجرى لفلجهم بالثمن ، فأبو عن ذلك وامتنعو فقال الامام لأهل منح : اذهبوا فأخرجوا فلجكم فأن طلبو الحق كان لهم ذلك ورأي المسلمين أو كما قال . فانطلق أهل منح فأخرجوا ساقية لفلجهم في أرض أهل نزوى برأي الامام غسان ، ولم تكن برأي أهل نزوى وهم كارهون لذلك وهو فلج الخطم .

وفاته:-

عاش الامام غسان بن عبدالله الفجحي اليحمدي الازدي في إمامته بعمان خمس عشرة سنة وسبعة أشهر ومرض رحمه الله يوم الاربعاء لثمان بقين من ذي القعدة سنة 207 هـ ومات يوم الأحد بعد صلاة الفجر لأربع بقين من ذي القعدة من السنة المذكورة. فكان مرضه رحمه الله خمسة أيام فقضى الله عليه ، وبوفاته أصيب المسلمون أعضم مصاب ، إذ انهد طود عضيم من أطواد الاسلام الذي ملأ عمان هيبة تغمر الساحل والداخل ، ويخضع للحق بها كل جاهل وعاقل ولكن الدهر لا يسالم أحدا ولله من يقدم على الله مقدم هؤلاء القادة القوام في عباد الله بأمره تعالى .



منقوووول

الطوفان
16-04-2003, 02:14 AM
شكرا لكِ أختي الكريمة على ما تبذلين من جهود لإنماء هذه المكتبة واثرائها بكل جديد ومفيد

بارك الله فيكِ وسدد للخير خطاكِ

واستمري محفوفة بتوفيق الله ورحمته

ورد المنى
17-04-2003, 11:02 PM
وبارك فيكم جميعاً إن شاء الله
ولكني أتمنى من الأعضاء أن يساهموا هم أيضاً في بناء هذة المكتبة لكي تشمل كل مفيد والله الموفق

انسة نكتة
17-04-2003, 11:46 PM
لك جزيل الشكر والتقدير اختي ورد المنى

ورد المنى
18-04-2003, 11:31 AM
شكرا لك آنسة نكتة

ورد المنى
18-04-2003, 11:33 AM
ترجمة الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني رحمه الله

هو الشيخ الفاضل أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي والوارجلاني من أهل وارجلان (واد) بأرض المغرب فيه عمارة ينزلها أصحابنا خربها يحيى بن إسحاق الميروقي عام ستة وعشرين وستمائة وذلك بعد موت المرتب بست وخمسين سنة وكان قد أخبرهم بخرابها على يد المذكور فكان ذلك من سعة علمه بالنجوم رحمة الله عليه. وكان في شبابه ارتحل إلى الأندلس وسكن قرطبة وفيها حصل علوم اللسان الحديث والتنجيم وغيرها وفسر القرآن تفسيرا كبيرا فائقا جمع فيه من العلوم ما لم يذكره غيره. وصنف في أصول الفقه (العدل والإنصاف) في ثلاثة أجزاء وفي أصول الدين كتاب (الدليل والبرهان) في ثلاثة أجزاء ورتب مسند الربيع عن أبي عبيدة عن جابر وكان مشوشا وضم إليه بعض روايات الربيع عن ضمام عن جابر وروايات أبي سفيان عنالربيع وروايات الإمام أفلح عن أبي غانم وغيره ومراسيل جابر بن زيد وهذا المذكور كله مجموع في هذا الكتاب. وشرح أسماء رجال المسند في كراسة وألف (مرج البحرين) في علم الفلسفة: المنطق والهندسة الحساب. قال البدر الشماخي: "ولا أحصي ما رأيته له من الإجوبة لكثرتها."

قال: "وسمعت بعض الطلبة يذكر أنه رأى له تأليفا في الفقه." قال: "وله قصائد منها الحجازية في ثلاث مائة وستين بيتا تدل على غزارة علمه لما أودعها من فنون العلم. وتوفي عام سبعين وخمس مائة رحمة الله عليه

ورد المنى
18-04-2003, 11:35 AM
ترجمة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رحمه الله

هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي نسبة إلى قبيلة عظيمة من نزار. قال البدر الشماخي: كان مولى فيهم. توفي في ولاية أبي جعفر المنصور بعد وفاة حاجب رضي الله عنهما. تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث وأحكمها وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه. قال أبو عبدالله: كان أبو عبيدة أفقه من ضمام وأبي نوح وكان المقدم عليهما وعلى جعفر بن السماك ولكن جعفر كان أوضع للأدنى من أبي عبيدة وكان هو الحجة في الدين وكانوا كلهم أهل شرف وفضل.



من أخذ أبو عبيدة عنهم العلم

قيل أن أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر بن زيد رحمهما الله فروايته عن جابر رواية تابعي عن تابعي وقد روى عن جابر بن عبدالله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين وروايته عنهم بعضها موجود في هذا المسند الصحيح. أخذ العلم عمن لقيه من الصحابة وعن جابر بن زيد وصحار العبدي وجعفر بن السماك. قال أبو سفيان: "أكثر ما حمل أبو عبيدة عن جعفر بن السماك وعن صحار وكان من أئمة المسلمين وقادتهم.

تلامذة الإمام

لقد تفجرت ينابيع الحكمة من قلب أبي عبيدة وطلعت من لسانه شموس العلم وحمل عنه خلق كثير لا يحصى عددهم منهم:

* الإمام الربيع بن حبيب.

* حملة العلم إلى المغرب وهم الإمام الشهيد أبو الخطاب المعافري الإمام العادل عبدالرحمن بن رستم وعاصم السدراتي وإسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داود القبلي النفزاوي. وكان الإمام أبو الخطاب قد جاء من اليمن فوافق الأربعة من أهل المغرب فخرج معهم إلى بلادهم فنصبوه إماما عليهم عن أمر شيخهم أبي عبيدة عن أمره أيضا نصب الإمام طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي في أرض اليمن وجمعت إمارته اليمن والحجاز. وأقام حملة العلم عنده خمس سنين فلما أرادوا الوداع سأله إسماعيل بن درار عن ثلاث مائة مسألة من مسائل الأحكام. قال له أبو عبيدة: "أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار؟" قال: "أرأيت إن ابتليت بذلك." وقال أبوعبيدةلأبي داود القبلي: "لا تفت بما سمعت مني وما لم تسمع" وقال لإمام عبدالرحمن: "أفت بما سمعت وما لم تسمع" وقال لأبي الخطاب: "أفت بما سمعت مني" هذه فراسته في تلامذته وكان أبو داود بعد ذلك بمنزلة جليلة. كان الإمام عبدالوهاب مع كثرة علمه إذا جلس بين يديه كالصبي أمام المعلم.



الكرامة التي وقعت للإمام أبي عبيدة

قال حملة العلم يوما لأبي عبيدة: "يا شيخنا نريد منك أن تعلمنا بعض الكرامة تطمئن بها قلوبنا على هذا المذهب." فتوضا الشيخ وصلى ركعتين واجتهد في الدعاء حتى انفتح سقف الغار الذي كان يعلمهم فيه استخفاءا من الجابرة وانفتحت السماء الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة فبان لهم العرش بقدرة الله تعالى. هذه والله الكرامة التي تخلد لصاحبها جميل الذكر على صفحات الأيام وتدل على أنه من الله تعالى في شأن عظيم. وفضائل أبي عبيدة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
منقول

ورد المنى
18-04-2003, 11:38 AM
ترجمة الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي رحمه الله

هو الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري الفقيه المشهور. كان طود المذهب الأشم وبحر العلم الخضم صحب أبا عبيدة فنال وأفلح وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح. نزل البصرة فتعلم وعلم ثم انتقل إلى عمان وسكن غضفان من أرض الباطنة. قال أبو عبدالله: "الربيع من فراهيد من غضفان من عمان" وهذا يدل على أن أصله كان من غضفان وكونه في البصرة مشهور فكأنه انتقل إليها لأخذ العلم ثم رجع بعد ذلك إلى بلاده بعدما ذهب أكثر عمره هنالك طالبا ومطلوبا. قال أبوعبدالله: "أدرك الربيع جابر بن زيد والربيع شاب." وقيل ما قل ما حمل عنه وأكثر ما حمل من العلم عن ضمام عن جابر وكان الربيع يقول أخذت الفقه من ثلاثة: أبي عبيدة وأبي نوح وضمام. وقال أناس من أهل البصرة انظروا لنا رجلا ورعا قريب الإسناد حتى نكتب عنه ونترك ما سواه فنظروا فلم يجدوا غير الربيع بن حبيب فطلبوا منه ذلك وكان يروي لهم عن ضمام عن جابر بن زيد عن ابن عباس رحمهم الله فلما خاف أن يشيع أمره أغلق بابه على نفسه دونهم إلا من أتاه من إخوانه المسلمين. وقد اعتنى بتدوين رواياته عن ضمام الشيخ أبو صفرة عبدالملك بن صفرة رحمة الله عليه.



شيوخ الإمام الربيع

قال البدر الشماخي: "وسأذكر أشياخا يروي عنهم الربيع ويروون عن

جابر أي في غير المسند قال لكنهم مجاهيل" أي لم يطلع على تراجمهم وأنسابهم كما يدل عليه قوله: "ما رأيت من عرف بهم." منهم يحيى بن أبي قرة، عباس بن الحارث، قتادة، سعيد، عبدالله بن الحارث، الوليد بن يحيى، سري بن سالم، كعب بن سوار، يحيى بن نافع، حبيب بن أبي حبيب، عمرو بن هرم، محارب بن يزيد، أبان بن يزيد بن جريج، ضمام بن يحيى، عمرو بن أبي قرة، سلام بن مسكين، عمار بن حبيب أبو خليل، أبو عوانة بن جعفر، إلياس، خداش بن عبدالحميد، حماد بن سلمة، القاسم بن الفضل وحسان العامري.

قال: "وأما جابر بن عمارة فمن شيوخ أهل الدعوة بصري وإن عده أبو يعقوب في المجاهيل." قال: "كذا أبو المهاجر الكوفي وإسماعيل بن القديد وأبو محمد عبدالرحمن بن سلمة المدنيان وعبدالسلام بن عبدالقدوس رحمهم الله.

قال وأما رجال حديث مسند الربيع فقد ذكرهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم فلا أتعرض لذكرهم.



حملة العلم عن الإمام الربيع

حمل العلم عن الربيع من أهل عمان:

* أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني من عقر نزوى وكان يسمى الشيخ الكبير وهو المراد بالشيخ عند الإطلاق في الأثر المشرقي وكان من بني نافع من بني سامة بن لؤي بن غالب وهو جد بني زياد

* ومنير بن النير الجعلاني وهو رجل من بني ريام.

* وموسى بن أبي جابر الإزكوي وهو رجل من بني ضبة من بني سامة بن لؤي بن غالب وهو الذي عقد الإمامة لل بن كعب وهو جد موسى بن علي لأمه.

* ومحمد بن المعلى الفشحي وهو من كندة.

* ومحبوب بن الرحيل القرشي البصري وقيل أن محبوبا انتقل إلى عمان في آخر زمانه مع الربيع.

وحمل عنه من أهل حضرموت أبو أيوب وائل بن أيوب وكان قد انتقل إلى البصرة وسكن فيها وكان أبو عبيدة الصغير عبدالله بن القاسم إذا سئل عن شيء قال عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربيع.

وحمل عنه من أهل خراسان هاشم بن عبدالله الخراساني والله أعلم.

وحمل عنه من أهل العراق الجم الغفير ذكرهم البدر الشماخي في (السير) في أهل طبقة الربيع.



ما وقع من خلاف في عهد الإمام الربيع

خالف الربيع رحمه الله تعالى في زمانه في بعض المسائل سهل بن صالح وأبو المعروف شعيب بن معروف وعبدالله بن عبدالعزيز وأبو المؤرج وحمزة الكوفي وعطية وغيلان وهؤلاء الثلاثة أخذوا بقول أهل القدر وكان خلافهم في أيام أبي عبيدة وكذلك خلاف من قبلهم كان في أيامه أيضا لكنهم أظهروا التوبة فردهم المسلمون إلى المجالس ثم أظهروا الخلاف في أيام الربيع وتمادوا عليه فنفاهم المسلمون من أماكنهم وطردوهم من مجالسهم ولم يخالفوا في العقيدة ولا في شيء من أمور الدين وإنما خالفوا في مسائل مخصوصة خالفوا فيها قول المسلمين ولهم في الفقه أقوال وأسانيد يأخذ بها أصحابنا.

وسئل الإمام أفلح رضي الله عنه عن أبي المؤرج وابن عبدالعزيز فقال: "وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل وأما غيرها فما فيه اختلاف من رأي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف فقهاؤنا فلا يدفع إسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين." قال: "وأما البراءة، فلم يكن ابن عبدالعزيز عند المسلمين محمودا وهو إلى البراءة أقرب." إنتهى جواب الإمام.

قال البدر: "وأما حيان بن حاجب فإلى الولاية أقرب وأما ابن عباد المصري ففي الولاية وابن عباد المتكلم كذلك." وذكر رحمه الله تعالى من جملة المحدثين الحارث وصالح بن كثير. قال: "وكان من المتكلمين، إلا أنه أحدث أشياء قلاه المسلمون بها وكذلك عبدالله بن يزيد وتلميذه عيسى بن عمير.

ورد المنى
19-04-2003, 03:12 PM
pnm://www.albraa.net/falmanhla1.ra

ورد المنى
21-04-2003, 02:49 PM
http://alnadwa.net/alkhalili/mnahig-s.htm

ورد المنى
21-04-2003, 02:55 PM
البيت العباسي وشخصياته المميزة:
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بقي عقبه من كثير من أولاده، ولكن العدد الأكبر والجمهور العظيم كان من ولديه العباس وأبي طالب.
العباس بن عبد المطلب:
أمه نتيلة بنت جناب بن كليب من النمر بن قاسط إحدى قبائل ربيعة بن نزار، ولد قبل حادث الفيل بثلاث سنين، فهو أسن من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بثلاث سنين.
وأعقب من الولد الفضل وهو أكبر أولاده وكان يكنى، وعبد اللَّه وعبيد اللَّه وعبد الرحمن وقثم ومعبد وأم حبيبة، وأمهم جميعاً لبابة بنت الحارث بن حزن من بني هلال بن عامر من قيس عيلان.
وليس للفضل وعبد الرحمن وقثم وكثير وتمام عقب. وعقب العباس من سواهم، ولا سيما من عبد اللَّه فإنه هو الذي انتشر منه عقب العباس، وهو جد الخلفاء العباسيين.
عبد اللَّه بن العباس:
هو ثاني ولد العباس بن عبد المطلب. ولد قبل الهجرة بسنتين، فكانت سنة حين توفي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ثلاث عشرة سنة.
وعبد اللَّه هو الذي نما من نسله البيت العباسي لأن إخوته لم يكن لهم نسل باق. وعقب عبد اللَّه الذي نما إنما هو ولده علي بن عبد اللَّه بن العباس
علي بن عبد اللَّه بن العباس:
ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب سنة 40 من الهجرة، فسمي باسمه وكني بكنيته أبي الحسن. وقد أقطعه بنو أمية قرية اسمها الحميمة بالشراة وهي صقع بالشام في طريق المدينة من دمشق بالقرب من الشويك وهو من إقليم البلقاء فأقام بها وفيها ولد أكثر أولاده، وكانت وفاته سنة117.

وأعقب على اثنين وعشرين ولداً ذكراً وإحدى عشرة أنثى. وذكور أولاده هم محمد وداود وعيسى وسليمان وصالح أحمد وبشر ومبشر وإسماعيل وعبد الصمد وعبد اللَّه الأكبر وعبيد اللَّه وعبد الملك وعثمان وعبد الرحمن وعبد اللَّه الأصغر ويحيى وإسحاق ويعقوب وعبد العزيز وإسماعيل الأصغر وعبد اللَّه الأوسط. ستة منهم لا عقب لهم والباقون أعقبوا كثيراً. ومنهم انتشر البيت العباسي وكثر جداً وبيت الخلافة في محمد أكبر أولاده.
محمد بن علي:
هو والد إبراهيم الإمام وأبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور الذين هم مبدأ الخلافة العباسية. وهو الذي ابتدأت الدعوة على يديه، وكان ذلك في حياة أبيه علي، ولكن لم يكن لأبيه ذكر في هذه الدعوة
منقول

ورد المنى
21-04-2003, 03:44 PM
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة:ورد المنى

ترجمة الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي رحمه الله

هو الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري الفقيه المشهور. كان طود المذهب الأشم وبحر العلم الخضم صحب أبا عبيدة فنال وأفلح وتصدر بعده على الأفاضل فأنجح. نزل البصرة فتعلم وعلم ثم انتقل إلى عمان وسكن غضفان من أرض الباطنة. قال أبو عبدالله: "الربيع من فراهيد من غضفان من عمان" وهذا يدل على أن أصله كان من غضفان وكونه في البصرة مشهور فكأنه انتقل إليها لأخذ العلم ثم رجع بعد ذلك إلى بلاده بعدما ذهب أكثر عمره هنالك طالبا ومطلوبا. قال أبوعبدالله: "أدرك الربيع جابر بن زيد والربيع شاب." وقيل ما قل ما حمل عنه وأكثر ما حمل من العلم عن ضمام عن جابر وكان الربيع يقول أخذت الفقه من ثلاثة: أبي عبيدة وأبي نوح وضمام. وقال أناس من أهل البصرة انظروا لنا رجلا ورعا قريب الإسناد حتى نكتب عنه ونترك ما سواه فنظروا فلم يجدوا غير الربيع بن حبيب فطلبوا منه ذلك وكان يروي لهم عن ضمام عن جابر بن زيد عن ابن عباس رحمهم الله فلما خاف أن يشيع أمره أغلق بابه على نفسه دونهم إلا من أتاه من إخوانه المسلمين. وقد اعتنى بتدوين رواياته عن ضمام الشيخ أبو صفرة عبدالملك بن صفرة رحمة الله عليه.



شيوخ الإمام الربيع

قال البدر الشماخي: "وسأذكر أشياخا يروي عنهم الربيع ويروون عن

جابر أي في غير المسند قال لكنهم مجاهيل" أي لم يطلع على تراجمهم وأنسابهم كما يدل عليه قوله: "ما رأيت من عرف بهم." منهم يحيى بن أبي قرة، عباس بن الحارث، قتادة، سعيد، عبدالله بن الحارث، الوليد بن يحيى، سري بن سالم، كعب بن سوار، يحيى بن نافع، حبيب بن أبي حبيب، عمرو بن هرم، محارب بن يزيد، أبان بن يزيد بن جريج، ضمام بن يحيى، عمرو بن أبي قرة، سلام بن مسكين، عمار بن حبيب أبو خليل، أبو عوانة بن جعفر، إلياس، خداش بن عبدالحميد، حماد بن سلمة، القاسم بن الفضل وحسان العامري.

قال: "وأما جابر بن عمارة فمن شيوخ أهل الدعوة بصري وإن عده أبو يعقوب في المجاهيل." قال: "كذا أبو المهاجر الكوفي وإسماعيل بن القديد وأبو محمد عبدالرحمن بن سلمة المدنيان وعبدالسلام بن عبدالقدوس رحمهم الله.

قال وأما رجال حديث مسند الربيع فقد ذكرهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم فلا أتعرض لذكرهم.



حملة العلم عن الإمام الربيع

حمل العلم عن الربيع من أهل عمان:

* أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني من عقر نزوى وكان يسمى الشيخ الكبير وهو المراد بالشيخ عند الإطلاق في الأثر المشرقي وكان من بني نافع من بني سامة بن لؤي بن غالب وهو جد بني زياد

* ومنير بن النير الجعلاني وهو رجل من بني ريام.

* وموسى بن أبي جابر الإزكوي وهو رجل من بني ضبة من بني سامة بن لؤي بن غالب وهو الذي عقد الإمامة لل بن كعب وهو جد موسى بن علي لأمه.

* ومحمد بن المعلى الفشحي وهو من كندة.

* ومحبوب بن الرحيل القرشي البصري وقيل أن محبوبا انتقل إلى عمان في آخر زمانه مع الربيع.

وحمل عنه من أهل حضرموت أبو أيوب وائل بن أيوب وكان قد انتقل إلى البصرة وسكن فيها وكان أبو عبيدة الصغير عبدالله بن القاسم إذا سئل عن شيء قال عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربيع.

وحمل عنه من أهل خراسان هاشم بن عبدالله الخراساني والله أعلم.

وحمل عنه من أهل العراق الجم الغفير ذكرهم البدر الشماخي في (السير) في أهل طبقة الربيع.



ما وقع من خلاف في عهد الإمام الربيع

خالف الربيع رحمه الله تعالى في زمانه في بعض المسائل سهل بن صالح وأبو المعروف شعيب بن معروف وعبدالله بن عبدالعزيز وأبو المؤرج وحمزة الكوفي وعطية وغيلان وهؤلاء الثلاثة أخذوا بقول أهل القدر وكان خلافهم في أيام أبي عبيدة وكذلك خلاف من قبلهم كان في أيامه أيضا لكنهم أظهروا التوبة فردهم المسلمون إلى المجالس ثم أظهروا الخلاف في أيام الربيع وتمادوا عليه فنفاهم المسلمون من أماكنهم وطردوهم من مجالسهم ولم يخالفوا في العقيدة ولا في شيء من أمور الدين وإنما خالفوا في مسائل مخصوصة خالفوا فيها قول المسلمين ولهم في الفقه أقوال وأسانيد يأخذ بها أصحابنا.

وسئل الإمام أفلح رضي الله عنه عن أبي المؤرج وابن عبدالعزيز فقال: "وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل وأما غيرها فما فيه اختلاف من رأي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف فقهاؤنا فلا يدفع إسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين." قال: "وأما البراءة، فلم يكن ابن عبدالعزيز عند المسلمين محمودا وهو إلى البراءة أقرب." إنتهى جواب الإمام.

قال البدر: "وأما حيان بن حاجب فإلى الولاية أقرب وأما ابن عباد المصري ففي الولاية وابن عباد المتكلم كذلك." وذكر رحمه الله تعالى من جملة المحدثين الحارث وصالح بن كثير. قال: "وكان من المتكلمين، إلا أنه أحدث أشياء قلاه المسلمون بها وكذلك عبدالله بن يزيد وتلميذه عيسى بن عمير.
أنا آسفة لتكرار الموضوع أكثر من مرة

ورد المنى
22-04-2003, 03:42 PM
دعاء الوتر

في صلاة التراويح

لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي



سبحان الله والحمد لله والملك لله والعظَمة والكبرياء لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد عدد خلقه وَزِنَة عرشه ومِدَاد كلماته ورِضاء نفسه وكما ينبغي له وكما هو له أهل لا ينقطع ولا ينفد من أزل الأزل إلى أبد الأبد وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

ومرة يزيد عليه قول الله تعالى: }رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ{.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن تَوليت، واصرف عنا شرَّ ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يَذِل من واليت، ولا يَعِز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا رحمتك، ومن اليقين بك ما يهوِّن علينا مصائب الدنيا، ومتَّـعنا اللهم بأبصارنا وأسماعنا وعقولنا وقوانا أبداً ما أحييتنا، واجعل ذلك ال منا، وانصرنا على من ظلمنا وعادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافُك ولا يرحمنا.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب الصالحات، ورحمة المساكين، فإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد.

اللهم نسألك أن لا تجعل لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا عيباً إلا سترته، ولا غماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا عافيته، ولا غائباً إلا حفظته ورددته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا عدواً إلا كفيته، ولا دعاءً إلا استجبته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضاً ولنا فيها منفعة إلا قضيتها ويسرتها بيسر منك وعافية.

اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره، والقبر خير بيت نعمره، واجعل لنا ما بعده خيراً لنا منه.

اللهم إنا نسألك أن تهب كلاً منا لساناً صادقاً ذاكراً، وقلباً خاشعاً منيباً، وعملاً صالحاً زاكياً، وإيماناً خالصاً ثابتاً، ويقيناً صادقاً راجحاً، ورزقاً حلالاً واسعاً، ونسألك ربنا أن تهبنا إنابة المخلصين، وخشوع المخبِتين، ويقين الصديقين، وسعادة المتقين، ودرجة الفائزين، يا أفضل من قصد، وأكرم من سُئل، وأحلم من عُصي، يا الله يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك الخير كله فواتحه وخواتمه، ظواهره وبواطنه، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله فواتحه وخواتمه، ظواهره وبواطنه، ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم إنا نسألك الجنة وما يُقرِّب إليها، ونعوذ بك من النار وما يُقرِّب إليها، ونسألك من كل خير سألك منه عبدك ورسولك محمد r، ونعوذ بك من كل شرٍّ استعاذ منه عبدك ورسولك محمدr.

اللهم ما قضيت لنا من أمر فاجعل عاقبته لنا رشداً، وأصلح لنا شأننا كله، ولا تَكِلنا إلى أنفسنا، ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك إيماناً بك ووفاء بعهدك، وتصديقاً بكتابك، واتباعاً لسنة نبيك r.

اللهم إنا نسألك مُوجبات رحمتك، وعزائم قدرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار.

اللهم إنا نسألك الراحة عند الموت، والعفو والتيسير عند الحساب، والفوز بالثواب والنجاة من العذاب، يا كريم يا وهاب.

اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء، ومرافقة الأنبياء، والنصر على الأعداء، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ونعوذ بك من جهد البلاء، ونعوذ بك من درك الشقاء، ونعوذ بك من شماتة الأعداء، ونعوذ بك من غلبة الدين، ونعوذ بك من قهر الرجال، ونعوذ بك شر المآل في الدنيا والآخرة.

اللهم إنا نعوذ بك من الشك والشرك، ومن الشقاق والنفاق، وسوء الأخلاق، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد.

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ونعوذ بك من عذاب القبر، ونعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ونعوذ بك من المأثم والمغرم.

اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه.

اللهم اغفر لنا سيئاتنا كلها، وتقبل منا حسناتنا، وارفع درجاتنا، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، يا الله يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك أن تهدينا للهدى، وأن توفقنا للتقوى، وأن تأخذ بأيدينا إلى ما تحبه وترضاه.

اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا (ثلاث مرات) يا الله يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك (ثلاث مرات).

اللهم ربنا انصرنا وانصر جميع المسلمين على أعداء الدين، اللهم مزقهم كل ممزق، وشتتهم كل مشتت، واجعل الدائرة عليهم وانصرنا عليهم، وامح آثارهم، وأورثنا أرضهم وديارهم، واردد كيدهم في نحورهم، وأعنا من شرورهم، وافعل بهم كما فعلت بثمود وعاد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم صب عليهم سوط عذاب، وحل بينهم وبين ما يشتهون، وافعل بهم كما فعلت بأشياعهم من قبل.

اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت الذين من قبلنا من عبادك المخلصين، ومكِّن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا، وأبدلنا بخوفنا أمناً وبِذلنا عزاً، وبتفرقنا وحدة، وبفقرنا غنى، واجمعنا على كلمتك وألف بين قلوبنا بطاعتك.

اللهم إنا ضعفاء فقوِّنا، وإنا أذلاء فأعزنا، وإنا فقراء فأغننا، اللهم اغننا بحلالك عن الحرام وبطاعتك عن الآثام وبك عمن سواك، سبحانك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، نستغفرك ونتوب إليك ونعول في إجابة دعائنا عليك.

اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وجميع أعمال البر وتجاوز عن سيئاتنا، واجعلنا من عتقائك من النار، اللهم ربنا اعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وذرياتنا وجميع أحبابنا من النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، يا الله يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً طبقاً غدقاً نافعاً غير ضار رائباً غير عاجم تُدِر به الضرع وتنبت به الزرع وتحيي به الأرض بعد موتها.

اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم من الأهواء والجهل والضنك ما لا نشكوه إلا إليك فأدر لنا الضرع وأنبت لنا الزرع واسقنا من بركات السماء وأخرج لنا من بركات الأرض.

اللهم إنا نستغفرك استغفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً (ثلاث مرات)، اللهم جللنا سحاباً كثيفاً قصيفاً ذلوقاً ضحوكاً تمطرنا به رذاذاً قطقطاً سجلاً يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أغث عبادك واسق بهائمك وأحيي بلدك الميت، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم انشر فينا رحمتك، وأسبغ علينا نعمتك، ووفقنا لشكرها ولا تجعلنا من الكافرين، يا الله يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نعوذ بك من الرياء، ونعوذ بك من العُجب، ونعوذ بك من الكِبر، ونعوذ بك من الحسد، ونعوذ بك من الأشر، ونعوذ بك من جميع الخطايا ظاهرها وباطنها.

اللهم باعد بيننا وبين خطايانا كما باعدت بين المشرق والمغرب (ثلاث مرات).

اللهم اجعل في قلوبنا نوراً وفي أبصارنا نوراً، وفي أسماعنا نوراً، ومن فوقنا نوراً، ومن تحتنا نوراً، ومن أمامنا نوراً، ومن خلفنا نوراً، ومن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً، وأعظم لنا نوراً، يا ذا الجلال والإكرام.

ربنــا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

ربنــا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، سبحانك ربنا فقنا عذاب النار، ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار، ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً إنها ساءت مستقراً ومقاماً، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم، وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك نستغفرك ونتوب إليك ونعول في استجابة دعائنا عليك، ولا حول ولا قوة إلا بك وصلي اللهم وسلم على نبيك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان رب العزة على ما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

ورد المنى
22-04-2003, 03:44 PM
الكلمة التي ألقاها سماحة الشيخ الخليلي في الاحتفال بالمولد الشريف

بمسجد الرسول الأعظم

إن ذكريات الحبيب المصطفى عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام هي أعظم الذكريات قدرا وأعلاها شأنا وأولى بأن يهتم بها وأن يستفاد من عبرها وعظاتها فحياته عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام كانت حياة مثالية واقعية وواقعية مثالية. حياة يتجدد فيها الكمال البشري وكانت كلها نورا وعطاء.

وأعظم ما يمكن أن يقف عليه الإنسان من الثناء عليه والتعريف بفضله وقدر رسالته التي بعث بها صلوات الله وسلامه عليه كلام الله تعالى رب العالمين. فمن أولى بأن يذكر محامده صلوات الله وسلامه عليه من ربه سبحانه وتعالى الذي هو به خبير وقد وهبه هذه المكارم كلها واختصه بهذه الدرجات السامقة العالية فالله تعالى يقول في حقه عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.

أن الألسن لتنقطع وأن الحبر ليجف وأن الاقلام لتتكسر دون الوصول إلى أبعاد معاني هذا الثناء العظيم في هذا الاعلان الرباني الذي يسجل الله سبحانه وتعالى فيه عظم قدره عليه أفضل الصلاة والسلام فإنه تبارك وتعالى لم يقل وما أرسلناك إلا رحمة للعرب أو وما أرسلناك إلا رحمة للناس أو ما أرسلناك إلا رحمة لجزيرة العرب أو للأرض وإنما قال:{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} . والعالمون جمع عالم والعالم مشتق من العلامة فهو يدل على كل ما كان علامة ودليلا على وجود الخالق سبحانه وتعالى. ومعنى ذلك أن ذرات الكون بأسرها مغمورة بهذه الرحمة ومشمولة بهذه النعمة، فحري بالإنسان الذي جعله الله سبحانه وتعالى سيدا في هذا الكون وخليفة في هذه الأرض أن يقدر هذه النعمة العظيمة حق قدرها وأن يحرص على شكرها وحمد من أنعم بها وأن شكرها ليتجسد في اتباعه صلوات الله وسلامه عليه.

على أن حبه عليه أفضل الصلاة والسلام مما يجب أن يمتلك المشاعر ويستولي على الأحاسيس ويهيمن على كل خطرة من خطرات القلب، فإن الله سبحانه وتعالى أعلى شأنه ورفع قدره وجعله باب رحمته لخلقه، ولما كان الأمر كذلك فإن هذا الحب يجب أن يتجسد في اتباعه صلوات الله وسلامه عليه، والله تبارك وتعالى لم يجعل اتباعه صلوات الله وسلامه عليه تجسيدا لحبه فحسب بل جعله تجسيدا لحب الله سبحانه وسببا لنيل هذا الإنسان محبة الله تبارك وتعالى فإن الله عز وجل يقول:{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} فجعل متابعته صلى الله عليه وسلم مكتنفة بمحبتين محبة العبد لله سبحانه وتعالى التي يصدقها بهذه المتابعة ومحبة الله للعبد التي تنال بهذه المتابعة مع ما يترتب عليها من غفران الخطايا.

وقد جاء في الحديث الصحيح عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال:" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" وقال صلى الله عليه وسلم:" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" وفي رواية أخرى" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده".

على أن حبه صلى الله عليه وسلم ليس عاطفة تتأجج لواعجها بين جنبات النفس وإنما حبه صلى الله عليه وسلم عقدي بجانب كونه حبا عاطفيا فهو ليس عاطفة لا تكاد تثور حتى تغور كما يكون في حب غيره ولذلك كانت هذه المحبة مما يجب على الإنسان أن يجسدها تجسيدا من خلال متابعته عليه أفضل الصلاة والسلام.

على أن هذه المتابعة كانت سببا لإنقاذ هذه الإنسانية التي جاء إليها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي على شفا جرف هار تكاد تقع في مشتعل النار ولكن رحمة الله تعالى بهذه الإنسانية هي التي انقذتها من هذه النار. فخرج هؤلاء الناس من الظلمات إلى النور ومن الباطل الى الحق ومن الفساد إلى الصلاح ومن التشتت الى الاجتماع فكانت تلك النقلة البشرية كانت نقلة في الأفكار فإن رسالته صلى الله عليه وسلم جاءت لتحل ألغاز الوجود بعدما كانت معماة طوال القرون الماضية جاءت رسالته صلى الله عليه وسلم لتصل هذا الإنسان بالخالق ولتربط بين الدنيا والآخرة وبين المسير والمصير وبين العمل والجزاء وبين الفناء والبقاء حتى يكون هذا الإنسان مضطلعا بأمانته قائما بواجبه يعرف ما يأتيه وما يذره في هذه الحياة.

فأخرج عليه أفضل الصلاة والسلام من رعاة الغنم ودعاة الصنم خير جيل عرفه التاريخ أخرج جيلا خرج إلى فسيح هذه الأرض مستهدفا كل جبار عنيد وشيطان مريد وأنزل الاكاسرة والقياصرة من عليائهم وأذاق الانسانية طعم العدل. فكانت دورة تاريخية لم يعرف التاريخ لها مثيلا.

ولئن كنا نشتغل بالاحتفاء بذكرياته عليه أفضل الصلاة والسلام فإن ذلك يجب ألا يكون محصورا في هذه اللقاءات التي تلقى فيها الكلمات وتتلى فيها الآيات البينات وإنما يجب أن يكون ذلك متبوعا بمحاسبة النفس والحرص على إبلاغ هذه الدعوة إلى آفاق العالمين فإن رسالته صلى الله عليه وسلم لم تزل ولن تزال رحمة الله للعالمين والناس كلهم بحاجة إلى هذه الرحمة.

على أن دورة الزمن قد استدارت فعاد الزمن كما كان يوم بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم إذ انقلبت موازين هذه الحياة وأخذ الناس يتسكعون في مضائق الجاهلية من جديد كما كانوا من قبل.

على أن هذه الجاهلية في ضراوتها وبطشها لا تقل عن الجاهلية الأولى فكل مسلم اليوم في هذه الأرض مستهدف من قبل الطاغوت الجاهلي العالمي الحديث. ومن هنا كانت الضرورة إلى العودة من جديد إلى هذا المنبع الصافي لتطهير الفكر أولا حتى يكون هذه الفكر مستمدا من القرآن الكريم ولتكون الأمة أمة قرآنية أمة ربانية تعرف ما تأتيه وما تذره في هذه الحياة لتتولى قيادة الإنسانية من جديد وهذا أمر يستدعي التآلف والتآزر والتراحم والتلاحم حتى تكون الأمة أمة واحدة على أن ذلك لا يتم أبدا إلا بالاحتكام إلى الله وإلى رسوله فإن الله سبحانه وتعالى يقول:{ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} وهذا يعني أن تبنى هذه الحياة من جديد فتصاغ من جديد لتكون حياة قرآنية حياة محمدية تشرق عليها أنوار الهدى لتكون هذه الأمة أمة قيادة تكون متبوعة بعد أن ظلت هذه الفترة تابعة وتكون قائدة بعد أن ظلت فيها منقادة وهذا أمر يستدعي أن تتضافر الجهود وأن يتآزر المسلمون ويضع كل واحد منهم يده في يد الآخرين للتوحد هذه الأمة كما أرادها الله تبارك وتعالى أمة واحدة.

المستحيل
24-04-2003, 04:28 PM
:eek:

ورد المنى
26-04-2003, 05:58 PM
ماذا تعرف عن قصيدة البردة
نقلاً من كتاب"معلومات مهمة عن الدين"
للشيخ محمد جميل زينوا


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
هذه القصيدة للشاعر البوصيري مشهورة بين الناس ولا سيما بين الصوفيين.
ولو تدبرنا معناها لرأينا فيها مخالفات للقرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم !
يقول في قصيدته:
1- يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العمم
يستغيث الشاعر بالرسول صلى الله عليه وسلم ويقول له: لا أجد من ألتجئ إليه عند نزول الشدائد العامة إلا أنت، وهذا من الشرك الأكبر الذي يُخلد صاحبه في النار إن لم يتب منه، لقوله تعالى:
{ ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } [ يونس: 106].( أي المشركين ) لأن الشرك ظلم عظيم.
وقوله صلى الله عليه وسلم:{ من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار } رواه البخاري.
( الند: المثيل ).

2- فإن من جودك الدنيا وضرتها * * * ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا تكذيب للقرآن الذي يقول الله فيه: { وإن لنا للآخرة والأولى } فالدنيا والآخرة هي من الله ومن خلْقِهِ، وليست من جود الرسول صلى الله عليه وسلم وخلقه، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما في اللوح المحفوظ، إذ لا يعلم ما فيه إلا الله وحده، وهذا إطراء ومبالغة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول وأنه يعلم الغيب الذي في اللوح المحفوظ بل إن ما في اللوح من علمه وقد نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإطراء فقال: { لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله } رواه البخاري.

3- ما سامني الدهر ضيماً واستجرت به * * * إلا ونلت جواراً منه لم يُضَم
يقول: ما أصابني مرض أو همٌّ وطلبت منه الشفاء أو تفريج الهم إلا شفاني وفرَّج همي.
والقرآن يحكي عن إبراهيم عليه السلام قوله عن الله عز وجل: { وإذا مرضتُ فهو يشفين } [الشعراء: 80].
والله تعالى يقول: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17].
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: { إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله } رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

4- فإن لي منه ذمة بتسميتي محمداً * * * وهو أوفى الخلق بالذمم
يقول الشاعر: إن لي عهداً عند الرسول أن يدخلني الجنة، لأن اسمي محمداً، ومن أين له هذا العهد ؟
ونحن نعلم أن كثيراً من الفاسقين والشيوعيين من المسلمين اسمه محمد، فهل التسمية بمحمد مُبرر لدخولهم الجنة ؟ والرسول صلى الله عليه وسلم قال لبنته فاطمة رضي الله عنها:{ سليني من مالي ما شِئْتِ، لا أُغني عنك من الله شيئاً } رواه البخاري.

5- لعل رحمة ربي حين يقسمها * * * تأتي على حسب العصيان في القسم
وهذا غير صحيح، فلو كانت الرحمة تأتي قسمتها على قدر المعاصي كما قال الشاعر لكان على المسلم أن يزيد في المعاصي حتى يأخذ من الرحمة أكثر، وهذا لا يقوله مسلم
ولا عاقل ولأنه مخالف قول الله تعالى: { إن رحمت الله قريب من المحسنين } [الأعراف:56] .
والله تعالى يقول: { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } [الأعراف: 156].

6- وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من * * * لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
الشاعر يقول لولا محمد صلى الله عليه وسلم لما خُلقت الدنيا، والله يكذبه ويقول: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56].
وحتى محمد صلى الله عليه وسلم خُلق للعبادة وللدعوة إليها يقول الله تعالى: { وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين } [الحجر: 99].

7- أقسمت بالقمر المنشق إن له * * * من قلبه نسبة مبرورة القسم
الشاعر يقسم ويحلف بالقمر والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: { من حلف بغير الله فقد أشرك } حديث صحيح رواه أحمد.
ثم يقول الشاعر يخاطب الرسول قائلاً:

8- لو ناسبتْ قدرَه آياتُه عِظَماَ * * * أحيا اسمه حين يُدعى دَارِسَ الرِمَمِ
ومعناه: لو ناسبتْ معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم قدره في العِظَم، لكان الميت الذي أصبح بالياً يحيا وينهض بذكر اسم الرسول صلى الله عليه وسلم، وبما أنه لم يحدث هذا فالله لم يُعط الرسول صلى الله عليه وسلم حقه من المعجزات، فكأنه اعتراض على الله حيث لم يعط رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه!!
وهذا كذب وافتراء على الله، فالله تعالى أعطى كل نبي المعجزات المناسبة له، فمثلاً أعطى عيسى عليه السلام معجزة إبراء الأعمى والأبرص وإحياء الموت، وأعطى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة القرآن الكريم، وتكثير الماء والطعام وانشِقاق القمر وغيرها.
ومن العجيب أن بعض الناس يقولون: إن هذه القصيدة تسمى بالبردة وبالبُرأة، لأن صاحبها كما يزعمون مرض فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعطاه جبته فلبسها فبرىء من مرضه
- وهذا كذب وافتراء- حتى يرفعوا من شأن هذه القصيدة، إذ كيف يرضى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام المخالف للقرآن ولهديه صلى الله عليه وسلم وفيه شرك صريح.
علماً بأن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:ما شاء الله وشِئْتَ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : { أجعلتني لله نداً ؟ قل ما شاء الله وحده } رواه النسائي بسند جيد.
والند: المثل والشريك.
فاحذر يا أخي المسلم من قراءة هذه القصيدة وأمثالها المخالفة للقرآن، وهدي الرسول عليه الصلاة والسلام، والعجيب أن في بعض بلاد المسلمين من يُشَيع بها موتاهم إلى القبور، فيضمون إلى هذه الضلالات بدعة أخرى حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصمت عند تشييع الجنائز ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

منقول

ورد المنى
30-04-2003, 04:37 PM
أين أنتم إخواننا

ورد المنى
01-05-2003, 11:34 AM
دعوة إلى الجنة








هل تريدا بيتاً في الجنة ؟
قال r : من بنى مسجداً لله بنى الله له في الجنة مثله .

مسلم
هل تريد أجر حجة ؟
قال r : العمرة في رمضان تعدل حجة أو حجة معي .

متفق عليه
هل تريد أن تكون قريبا من الله ؟
قال r : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء.

مسلم

هل تريد أن يكتب لك أجر صيام سنة كاملة؟
قال r : صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله .

متفق عليه


هل تريد أن يستجاب دعائك؟
قال r: الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة.

أبو داود
هل تريد أن تنال رضى الله سبحانه وتعالى؟


قال r: إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكل فيحمده عليها ويشرب الشرب فيحمده عليها.

مسلم

هل تريد أجر مجاهد في سبيل الله أو صائم أو قائم؟
قال r : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله, وأحسبه قال : وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر.

متفق عليه
هل تريد مرافقة النبي r في الجنة ؟


قال r : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابةوالوسطى.

البخاري
هل تريد حسنات كالجبال؟
قال r: من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل , وما القيراطان قال : مثل الجبلين العظيمين.

متفق عليه

هل تريد كنزاً من كنوز الجنة ؟


قال r : لا حول ولا قوة إلا بالله.

متفق عليه
هل تريد أن لا ينقطع عملك بعد موتك ؟
قال r: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له.

مسلم
هل تريد أن يضمن لك النبي الجنة بنفسه ؟
قال r : من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة .

متفق عليه

هل تريد أن يثقل ميزان حسناتك؟
قال r: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ( سبحان الله وبحمده . سبحان الله العظيم )

البخاري
هل تريد أن تقرأ ثلث القرآن في دقيقة ؟


قال r: قل هو الله أحد , تعدل ثلث القرآن.

مسلم
هل تريد أجر قيام ليلة كاملة؟
قال r: من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل , ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله.

مسلم

ورد المنى
01-05-2003, 11:54 AM
حرم السيدة زينب

ورد المنى
03-05-2003, 06:03 PM
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة:ورد المنى

دعوة إلى الجنة








هل تريدا بيتاً في الجنة ؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم : من بنى مسجداً لله بنى الله له في الجنة مثله .

مسلم
هل تريد أجر حجة ؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم: العمرة في رمضان تعدل حجة أو حجة معي .

متفق عليه
هل تريد أن تكون قريبا من الله ؟
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء.

مسلم

هل تريد أن يكتب لك أجر صيام سنة كاملة؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم: صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله .

متفق عليه


هل تريد أن يستجاب دعائك؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم: الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة.

أبو داود
هل تريد أن تنال رضى الله سبحانه وتعالى؟


قال الرسول صلى الله علية وسلم : إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكل فيحمده عليها ويشرب الشرب فيحمده عليها.

مسلم

هل تريد أجر مجاهد في سبيل الله أو صائم أو قائم؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله, وأحسبه قال : وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر.

متفق عليه
هل تريد مرافقة النبي r في الجنة ؟


قال الرسول صلى الله علية وسلم : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابةوالوسطى.

البخاري
هل تريد حسنات كالجبال؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم: من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل , وما القيراطان قال : مثل الجبلين العظيمين.

متفق عليه

هل تريد كنزاً من كنوز الجنة ؟


قال الرسول صلى الله علية وسلم : لا حول ولا قوة إلا بالله.

متفق عليه
هل تريد أن لا ينقطع عملك بعد موتك ؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له.

مسلم
هل تريد أن يضمن لك النبي الجنة بنفسه ؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم : من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة .

متفق عليه

هل تريد أن يثقل ميزان حسناتك؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ( سبحان الله وبحمده . سبحان الله العظيم )

البخاري
هل تريد أن تقرأ ثلث القرآن في دقيقة ؟


قال الرسول صلى الله علية وسلم: قل هو الله أحد , تعدل ثلث القرآن.

مسلم
هل تريد أجر قيام ليلة كاملة؟
قال الرسول صلى الله علية وسلم من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل , ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله.

مسلم
عذرا على كتابةr بدلاً من الرسول صلى الله علية وسلم

ورد المنى
03-05-2003, 06:09 PM
نسبه ومولده وتعلمة

هو العلامة المحقق الشيخ نور الدين عبدالله بن حميد ابن سلوم ابن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي أما والده فهو الشيخ حمد - رحمه الله - كان ذا فضل وعلم وتقوى ، فقد ولد شيخنا عبدالله بن حميد ببلدة الحوقين من ولاية الرستاق العمانية عام 1286هـ في هذه البلدة الطيبة العمانية ، تخلق بالأخلاق القرآنية وتعلم أصل اللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم على والده الشيخ حميد رحمه الله. ولما بلغ الابن الثانية عشرة ( 12 ) من عمره كف بصره إلا أن الله عز وجل قد وهب له بصيرة مفعمة بالإيمان الراسخ ، والعلم الصالح ، وذكاء حادا وفظة قوية ، مع فهم عميق وإدراك شامل وأخلاق عالية. إن هذه المواهب الحسنة التي أنعمها الله عليه جعلته يهاجر إلى مدينة الرستاق التي كانت تعج بالعلماء الصالحين الذين رصدوا أنفسهم لخدمة الإسلام الحنيف ، في هذه المدينة المباركة التقى بشيخ جليل وهو العلامة راشد بن سيف اللمكي فنهل من مناهله العذبة ، ولم يمض وقت طويل حتى أصبح الشيخ السالمي عالما فذا ، له قدم راسخ في العلوم الشرعية والعلوم العقلية. إن شيخنا السالمي ، لم يكتف بهذا العلم الغزير ، بل كانت نفسه راغبة كل الرغبة في العلم في كل لحظة ، وهو يردد قول الله عز وجل: ( وقل رب زدني علماً ) ( طه : 114 ) وعملا بهذه الآية الكريمة فان شيخنا قصد العلامة الشيخ صالح بن علي ابن ناصر بن عيسى الحارثي بالمنطقة الشرقية فرحل إليها سنة 1308هـ. يقول الشيخ السالمي واصفا أستاذه: (( لقد كان رضي الله عنه أعلم أهل زمانه في الحلال والحرام وأشدهم حرصا على قوام الإسلام وأكثرهم خصالا في صفات الكرام)). إن هذا الأستاذ قد أدرك عمق شخصية تلميذه ، الشيخ السالمي، من حيث ورعه وأخلاقه وعلمه وذكائه ، فتمكن من فهم وحل المسائل المستعصية عن حلها معتمدا في ذلك على الأدلة القرآنية والسنة النبوية والاجتهاد، وشاءت الأقدار أن يستوطن الشيخ صالح بن علي الحارثي مدينة القابل ثم التحق تلميذه السالمي معه ، بهذه المدينة الكريمة ، إذ اصبح الشيخ صالح بن علي الحارثي المنهل الغزير الذي يقصده العلماء والناس والطلبة ليهلوا من علمه وأخلاقه وفتاويه وكيف لا ؟؟ وقد درس وألف في جل العلوم الشرعية والعقلية ، إذ لازم أستاذه إلى أن توفاه الله سنة 1314هـ . ثم لازم بعد ذلك ابنه عيسى بن صالح الحارثي وقدم له يد المساعدة والمشورة الحكيمة في سير شؤون الأمة العمانية وأظهر في ذلك قدرة فعالة وحنكة بالغة في تحقيق وحدة الأمة العمانية إلى أن توفاه الله عام 1332هـ فرثاه أعظم شعراء عمان وقال فيه الشاعر الكبير أبو مسلم ناصر بن سالم الرواحي في قصيده المشهور

نكسي الأعلام يا خير الملل --------رزئ الإسلام بالخطب الجلل

هذا هو العالم الكبير الشيخ السالمي رحمه الله ، إذ كان يعيش آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر إلى أن التحقت روحه المستبشرة بالرفيق الأعلى راضية مرضية، والآن سوف نحدثك عن أخلاقه وآثاره الفكرية، حتى تكتمل شخصيته أمامنا.


أثار الشيخ السالمي الفكرية

إن الشيخ السالمي رحمه الله ، يمثل البحر الزاخر بالمعرفة الخالصة والعلم العميق هذه الحقيقة تظهر جلية في آثاره المتميزة بغزارة المادة وعمقها الفكري- ولا أدل على ذلك من مصنفاته التي تزيد على عشرين عنوانا بين كتاب كبير وصغير، وعلى ضوء هذا يمكننا أن نقول بكل يقين: إن الشيخ السالمي رحمه الله يمثل بكل جدارة دائرة العلوم الدينية والتاريخية، والعلوم العقلية، ويحسن بنا أن نشير إلى هذه المصنفات. (1) شرح طلعة الشمس على الألفية في علم أصول الفقه- فهذا الكتاب يقع في مجلدين كبيرين وهو يعالج أصول الفقه- من حيث القرآن الكريم وعلومه كالناسخ والمنسوخ - وعلاقة القرآن الكريم بالسنة ومباحثها وأقسام الوحي ثم ختم الجزء الثاني بالاجتهاد (2) بهجة الأنوار- شرح أنوار العقول في التوحيد. (3) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان - إن هذا الكتاب يقع في جزئين وهو يعالج تاريخ عمان قديما وحديثاً ولولا هذا الكتاب لضاع تاريخ عما الحديث بل يعد هذا الكتاب العمدة الأساسية في دراسة وتحليل أهم الأطوار التي مرت بها الأمة العمانية، ولا يمكن لأي باحث معاصر أن يستغني عنه. يقول عنه الدكتور عوض محمد خليفات الذي كتب عن نشأة الحركة الإباضية: (( ويعتبر نور الدين السالمي أشهر مؤرخي عمان في العصر الحديث ويعد كتابه تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان أشهر هذه الكتب وأنفعها للباحثين ويعتمد السالمي في كتابه هذا على كثير من المصادر القديمة التي يذكرها في ثنايا كتابه مثل كتاب أنساب العرب للعوتبي وسيرة أبي المؤثر وأبي سفيان محبوب بن الرحيل بالإضافة إلى مصادر أخرى غير إباضية مثل المسعودي وابن الأثير وابن خلدون وغيرها. ويذكر المستشرق ولكنسون بعد مقابلته لما جاء في تحفة الأعيان بما ورد في المصادر التي نقل عنها أن السالمي كان أمينا ودقيقا جداً في اقتباساته.وفي ظل هذه الحقيقة الأخلاقية والعلمية نقول أن الشيخ السالمي له باع طويل في التاريخ والسير، وأضاف إلى المكتبة الإسلامية هذه اللبنة الجوهرية في تاريخ أمتنا الإسلامية التي تفتقر إليها. (4)كتاب الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة، حيث بين في هذا الكتاب أن صلاة الجمعة واجبة على الأمة الإسلامية لتثبيت قلوب المسلمين وتوحيد صفوفهم. (5)شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل،إن هذا الكتاب قد كتبه السالمي في بداية حياته العلمية وهو يعالج قواعد الإعراب ويقول فيه: (( ليعلم المبتدئ أن العلم إنما ينمو قليلا قليلا وليتبين الفرق بين درجة المبتدئ والمنتهي. (6)جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام يقع هذا الكتاب في أربعة أجزاء وهذا الكتاب يعالج فيه فقه العبادات وفقه المعاملات والأحكام، وفيه جانب من الأخلاق والآداب العامة. (7)شرح الجامع الصحيح - مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهدي العماني يقع في ثلاثة أجزاء يقول رحمه الله ، اعلم أن هذا المسند الشريف أصح كتب الحديث رواية وأعلاها سندا وجميع رجاله مشهورون بالعلم والورع والضبط والأمانة والعدالة والصيانة كلهم أئمة في الدين وقادة للمهتدين. أما بالنسبة إلى الربيع بن حبيب فأصله من عمان من غضفان، قصد البصرة وأدرك جابراً وأخذ نه وعن ضمام بن السائب وأبي عبيدة مسلم ، وأبي نوح صالح بن نوح الدهان، وبعد وفاة أبي عبيدة أمسى زعيما للمدرسة الإباضية وفي آخر عمره رحل إلى عمان وتوفي فيها وذلك سنة 170هـ. (8)مشارق أنوار العقول ويقع في جزئين كبيرين وهذا الكتاب قد سلط الأضواء على علم أصول الدين، إذ يبين فيه معنى التوحيد ونفي الأضداد والأنداد والتجسيم عن الله والأبواب الأخرى قد عالجت مفهوم الإيمان والإسلام القضاء والقدر والعدالة الالهية واخيرا التوبة وأحكامها ، إن هذا الكتاب جدير بالدراسة والتـأمل وهو لا يقل ولن قل عن أمهات الكتب في العقيدة وأصول الدين ككتاب العقيدة النظامية لإمام الحرمين الجويني. وهناك كتب أخرى يمكننا أن نشر إليها دون تحليل مخافة من الوقوع في الإطالة فهذه الكتب هي: العقد الثمين لأجوبة نور الدين، تلقين الصبيان فيما يلزم الإنسان ، غاية المراد، قصيدة لامية في الاعتقاد، المنهل الصافي في العروض والقوافي، معارج الآمال على مدارج الكمال. وله كذلك ديوان شعري في غاية البلاغة والفصاحة، وشعره يتميز بصدق العاطفة فهي نابعة من إيمان عميق بما يقوله فامتزج شعره بالعقيدة الإسلامية امتزاجا كليا متأثرا بالقرآن الكريم أسلوبا ومعنى وأخلاقا وقال رحمه الله يرثي أبا عيسى ونجله وحميد سيف ابن سعيد البوسعيدي وسعيد الراشدي ووالده حميد بن سلوم:

صبرا على مضض المصارع-------- فالدهر للأعمار قاطع

هون فإن العمر في الإ -----------نسان من بعض الودائع

كف المدامع أن تسيل---------- فما عسى تجدي المدامع

فاصبر وإن مضت الأفا -----------ضل في التراب وفي البلاقع

وقال رحمه الله في إحياء الدين الإسلامي:

هو المجد فاطلبه وإن عز طالبه----- وجد وإن ضاقت عليك مذاهبه

وسارع إلى تشييد أركانه فلا---------- فرار لنا والعدل هدت جوانبه

أليس الهدى إيثار سنة أحمد أما---- بزغت في المجد شمسا مناقبه

أليس سبيل العز أولى بذي النهى-------- وإن كدرت للوالدين مشاربه

هذه هي عينه صغيرة جدا من شعره استعرضناها بحيث أن الشعر في نظره وسيله لغية إسلامية رفيعة التزم بها ولم يحيد عنها وكان الصدق والالتزام بالأخلاق القرآنية مبدأ وسلوكا في آن واحد لا فصل بينهما ، فقد غرس رحمه الله هذه الأخلاق في طلابه الذين تتلمذوا عليه فهم كثيرون، إذ أن الذين حملوا لواء النهضة العمانية الحديثة قد تخرجوا من مدرسته
.

تلاميذه

إن الذين كتبوا عن الشيخ السالمي رحمه الله قد أكدوا أن مدرسته تميزت بالطابع الإسلامي الأصيل القائم أساسا على القرآن الكريم والسنة الشريفة، ففكره كان بعيدا عن الجمود الفكري، ولا أدل على ذلك من أخذ ببعض الآراء المجتهدين في فتاويه من غير الإباضية، معتمدا على العقل والنقل في تعليلاته فالعقل كما يقل يرى الأشياء كما هي، فهو المعيار الذي لا يمكن أن يخطئ في التمييز بين الخطأ والصواب وبين الحق والباطل إذا تجرد عن غشاوة الوهم ، لأن هدف الشيخ السالمي هو تكوين روح النقد والعلم عند طلابه دون الخروج عن القرآن والسنة. وهكذا فإن هناك مجموعة كبيرة من الأعلام العظام قد تخرجت من مدرسته يقول الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش رحمه الله: (( تلاميذه كثيرون لا نبالغ إذا قلنا إن رجال العلم اليوم بعمان جلهم من تلاميذه ولقد نبغ كثيرون وفي مقدمتهم الإمام العلامة الأفخم المؤيد أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي، وحسبك أن صفوة الأمة هناك والذين قامت عليهم الإمامة والملك هم تلاميذه ، وهذه الروح التي نفخها فيهم حتى كانوا حمى للدين وللأمة من أكبر الشواهد على إخلاصه وعلو شأنه ومكانته ، ولا بأس أن نشير إلى بعض هؤلاء الرجال العظام: 1-الإمام العادل، سالم بن راشد الخروصي. 2-العلامة الجليل، رئيس القضاة: أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود، كان معا ضدا لشيخه في حلو الزمان ومره وله التآليف الضخمة. 3-العلامة الأمير عيسى بن صالح الحارثي. وعلى هذا يمكننا القول بأن التربية الإسلامية الصالحة التي أثرت في رجال نهضة عمان والتي نهجها الشيخ السالمي كانت كلها سلوك عمل خير، فرض أثره الفعال على طلابه وهو يرى ويؤمن بأن لا قيمة للقول ما لم يجد سنده في الحياة العامة التي يعيشها الإنسان يقول رحمه الله:

والعلماء إن فسدوا اشر-------- من غيرهم وفعلهم أضر


أخلاقه ودعوته إلى الوحدة الإسلامية

يقول أحمد شوقي:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت------ فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

نقول هنا، إن الأخلاق الفاضلة كالتقوى والعدالة والإحسان والرحمة هي عناصر أساسية في بناء الأمة القوية.وبدون هذه الأخلاق تكون الأمة عرضة للزوال والزلازل في مسيرتها اليومية بحيث أن هناك عدة حضارات قديمة وحديثة انهارت بسبب انغماس شعبها في الأخلاق الرذيلة، كالشرك بالله، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرشوة والنفاق. إن الشعوب اليوم في أشد حاجة إلى الأخلاق الفاضلة المتمثلة ف القدوة الحسنة والمثابرة على فعل الخير، هذه الحقيقة قد جسمها شيخنا السالمي رحمه الله إذ يقول فيه نجله: أبو بشير محمد شيبة بن نور الدين عبدالله بن حميد السالمي: (( كان رضي الله عنه شديد الغيرة على محارم الله تعالى ، يقول الحق وينطق بالصدق مشهوراً بالبسالة والصلابة،كثير الرد على من خالف ملة الإسلام، مشغول البال بأمته يفرح بما ينفعها، ويحزن لما يضرها وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين وهو في ذلك ممثل بآداب الرسول صلى الله عليه وسلم وهي آداب القرآن الكريم. ويقول أيضا كان جوادا سخيا قل ما أكل طعاما وحده لازدحام الضيوف بناديه وكثرة ملازميه المغترفين من فيض أياديه، يقدم للضيف ما حضره بلا تكلف ولا بطر ، كثير التفقد والتعرف على حاجة إخوانه وتلاميذه ليواسيهم. إن أخلاق الشيخ السالمي رحمه الله لم تكن نظريه صوريه بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان، بل إن أخلاقه كانت خيرة خالصة مرتبطة بالحياة التي يعيشها هذه هي الأخلاق القرآنية التي يجب أن تسود كل تصرفاتنا، بحيث تكون بعيدة كل البعد عن مظاهر الرياء والسمعة بين الناس، وإلا كانت تلك الأعمال عند الله هباء منثورا عبارة عن ذرات ترابية لا ترى إلا تحت أشعة الشمس بصعوبة، يقول الله عز وجل: ( وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) ( الفرقان 230 ) وفوق هذا فإن الشيخ السالمي رحمة الله كان من دعاة الوحدة الإسلامية ما دام الإسلام دينها، ومحمد رسولها، والقرآن إمامها ونهجها في الحياة وأن الإختلاف الحاصل اليوم بين أبناء الأمة الإسلامية يعود أساسا إلى المطامع السياسية التي أثرها السلبي في الإسلام. لقد بعث إليه الشيخ سليمان بن عبدالله الباروني رسالة منه أن يضع الحلول الجذرية لوحدة الأمة الإسلامية مبينا طبيعة المرض وإعطاء الدواء الشافي. يقول الشيخ السالمي رحمه الله (( قد نظرنا في الجامعة الإسلامية فإذا فيها كشف الغطاء من حقيقة الواقع فلله ذلك الفكر المهدي لتلك الحقائق، نعم نوافق على أن منشأ التشتيت هو اختلاف المذاهب وتشعب الآراء وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة كما اقتضاه نظرك الواسع في بيان الجامعة الإسلامية منها: التحاسد، والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة ومنها: طلب الرئاسة والاستبداد بالأمر، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أول الأمر في أيام علي ومعاوية. ثم نشأ عنه الاختلاف في المذاهب وجمع الأمة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا مستحيل عادة والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحثهم على التسمي بالإسلام ( إن الدين عند الله الإسلام ) ( آل عمران : 19) فإذا استجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه، ويكون الحق أولا عند آحاد من الرجال ثم يظهر شيئا فيصير الناس إخوانا. وهكذا تدرك كل الإدراك أن الشيخ السالمي رحمه الله كان مثالا لحب الخير والدفع عن مصير الأمة الإسلامية ووحدتها الجوهرية المقدسة يقول الله عز وجل ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) ( المؤمنون: 52) فهذه الوحدة قائمة على وحدة العقيدة والعبادة ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) ( الأنبياء: 92) 0 ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( الذاريات). ومن هنا يتضح لنا أن الاختلاف الموجود بين هذه المذاهب يعود أساسا إلى المصالح الدنيوية، حب الزعامة التحاسد التباغض، وكل فرقة تدعي أنها على حق وصواب وغيرها في ضلال، فهذا الاختلاف هو النتيجة للفتنة الكبرى التي وقعت بين علي ومعاوية ثم الانقسامات التي وقعت بعد ذلك بين المسلمين إلى يومنا هذا. وكثيرا ما يتأوه قائلا- ذهب الدين ، ذهبت المروءة ، ذهبت الغيرة ذهبت الحمية طمع فينا الخصم - طلبنا بالمكائد ، نصب لنا الحبائل وكان رحمه الله يقول:

حرب النصارى اليوم بالدواهي -------والكل منا غافل ولا هي

فيأخذون الدار بالخدائع---------------- وإنها أقوى من المدافع

إن هذه الحقيقة قد تجسمت في تاريخ أمتنا الإسلامية بسبب الاختلاف وعدم احترام رؤية الآخرين، فاستغل الخصم هذه الحالة فاستغلها وترك المسلمون الأصول الواضحة في القرآن الكريم، واستمسكوا بعض الجزئيات وأدى بهم الأمر إلى تكفير بعضهم وهذا هو بعينه الخروج عن جادة الإسلام الصحيح. وهكذا ندرك أن الدعوة المذهبية لا قيمة لها دون عمل إسلامي صالح كأن يقول المسلم: أنا إباضي ،وأنا مالكي ، وأنا حنبلي ، وأنا شافعي وأنا شيعي. إن الانتساب إلى هذه المذاهب كما يرى الشيخ السالمي ، لا قيمة له مادام الإنسان لم يكن مسلما ، ورعا تقيا، صالحا، لأن كل المذاهب الإسلامية تفقد قيمتها بدون أن تتمسك بالأصل الثابت وهو القرآن الكريم ، والسنة الشريفة، وهذا الأصل لا يجيز الفصل بأية حال من الأحوال بين القول والعمل ، نحن لا نستطيع أن نقول لأي إنسان بأنك كريم جواد حتى يخرج ما يلزمه من المال الذي يملكه وبدون هذا فإن صفة الكرم ستفقد دلالتها ومعناها الحقيقي. إن هذه الحقيقة تدرك بداهة ومن هنا نجد شيخنا الجليل الشيخ السالمي قد ركز في آثاره الفكرية على الربط بين القول والعمل الصالح يقول رحمه الله في كتابه القيم - جوهر النظام -:

وإنما الإيمان قول وعمل---------- ونية فهو على هذا استقل

ورد المنى
05-05-2003, 03:01 PM
http://216.221.185.71/audio/woman/sawafimessage1.ram

الطوفان
05-05-2003, 10:41 PM
شكرا لكِ على تواصلكِ المستمر أختي الكريمة

نجم الساحة
06-05-2003, 10:43 AM
بارك الله في امراة مثلك أبت الا ان تبلغ رسالتها وتنشر العلم والمعرفة الاسلامية في المجتمع وشكرا لك على تواصلك المستمر والى الامام دائما .

ورد المنى
06-05-2003, 03:12 PM
العفو إخواني وبارك فينا وفيكم أجمعين وأدخلنا الجنة وإياكم

نجم الساحة
07-05-2003, 11:00 AM
آمين

ورد المنى
07-05-2003, 05:21 PM
قراءات في الفكر الإباضي

الحلقة الأولى



قال الشيخ الأستاذ علي يحيى معمر رحمه الله تعالى:

" والمذهب الإباضي ليس مذهباً سرياً ، وليست أصوله التي ينبني عليها خافية أو مجهولة ، وليس أتباعه ممن يستترون أو يختفون ، فهم لا يقيمون لغير الله وزناً في هذا الوجود ، ولا ينتظرون عن أعمالهم جزاء من غير الله ، ولا يتبعون في تصرفاتهم غير الحق.

إنه مذهب ملأ الدنيا حقاً وعدلاً واستقامة ، وضرب المثل الأعلى في النزاهة والإنصاف في أدوار من التاريخ ، وسيملأ الدنيا بذلك عندما يأذن الله . ولست أقصد بذلك مثل خرافة الإمامة عند الشيعة ، ولا قصة المهدي المنتظر ، وإنما أقصد أن أقول : إن المذهب الإباضي يستمد قوته من الإسلام، الذي اختاره الخالق ليكون دين البشرية جمعاء ، كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، لم ينحرف به عن صراط الله السوي غلو ولا تفريط ، ولم تنتشر فيه الخرافة التي يبثها مشائخ طرق يتصيدون بها الدنيا عن طريق الدين ، ولم يتجمد بتحكم فقهاء على العقول والمدارك فيمنعون الاجتهاد ، ويقصرونه على عصر أوناس لا يحق لغيرهم أن يصلوا إليه ، وتُعَطل العلوم والأفهام، فلا تعطى حق الحرية في البحث والتنقيب وإعطاء الأحكام. بدعوى أن الاجتهاد أغلقت أبوابه ، واحتفظ الفقهاء الجامدون بالمفاتيح في مخبأ سري لا يهتدي إليه الباحثون.

إن المذهب الإباضي ، يستمد قوته من الإسلام نفسه ، لأنه يحتفظ بصفاء النبع الذي يصدر منه ، وعندما يثوب المسلمون إلى رشدهم ، ويعودون إلى دين ربهم ، نظيفاً من البدعة ، نظيفاً من الخرافة ، نظيفاً من الغلو ، نظيفاً من الجمود ، ونظيفاً من الأباطيل التي ألصقها جهل الإنسان بدين الله القويم. عند ذلك يجد المسلمون أنفسهم على الإسلام الحق، الذي ملأ الدنيا رحمة وعدلاً ، واستقامة ونزاهة وحقاً . وعلى ذلك الإسلام الحق لا تزال هذه الطائفة التي سماها التاريخ فرقة الإباضية ، وأصر أن يجعل لهم إماماً كما لغيرهم من الفرق أئمة ، ولو أن إمامهم الحق الذي لا يهتدون بغير هديه ، ولا يقلدون سواه ، إنما هو محمد بن عبد الله ، صلى الله عليه وسلم ، ليس لغيره حق الإمامة إلا بالأسوة الحسنة ، والتتبع للسنة الحميدة القوية ، والإيمان المطلق بأن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول والعمل ، هو الهدى الذي أمر الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا عليه

وإذا جارى الإباضية المؤرخين ، وانتسبوا إلى عبد الله بن إباض ، واتخذوا لهم اسماً كما لسائر الفرق أسماء ، فلا يعني ذلك أنهم يقلدون الرجال ، ويقدسون أقوالهم ، ويتبعونهم اتباعاً أعمى ، ويرفعون أولئك الرجال إلى مراتب الكمال ، التي لا يصلها إلا أنبياء الله المصطفون ، وإنما يحرصون أن لا يأخذوا دينهم إلا عن من توفرت لهم فيه الثقة والأمانة في دين الله : الأمانة في القول ، والأمانة في العمل.

والإباضية لا يقدسون الرجال ، ولا يجعلونهم علامة على الحق ، ولا يوجبون تقليد غير المعصوم ، ولا يتبعونهم ما لم يثبت الدليل الشرعي صواب مسلكهم ، أو يرد النص بأنهم على هدى محمد عليه السلام، كما شهد الحديث الشريف لعمار رضي الله عنه ، ولبعض الصحابة رضوان الله عليهم.

قال فخر المجتهدين قطب الأئمة ، رحمه الله تعالى في رده على العقبي : " وإن أردت أنهم مهملون لا إمام لهم ، فقد سهوت ، فإن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم "

ولن يعظم في نظر الإباضية إلا المؤمن الذي يستمسك بسنة النبي عليه السلام ويسلك المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها ، ومهما بلغ الرجل من العلم والعمل فإن في مقاله مأخوذاً ومتروكاً غير من قال فيه الكتاب الكريم : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )

( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )

بهذه النظرة الواقعية ينظر الإباضية إلى أئمتهم ، فهم بشر غير معصومين ، تحتمل أقوالهم وأعمالهم الخطأ والغفلة والنسيان ، ولذلك فما يصح تقليدهم لأفعالهم أو لأقوالهم ، وإنما تؤخذ عنهم تلك الأقوال ، ويقتدى بهاتيك الأفعال ، حين يقيمون على صحتها وصوابها الدليل ، الذي لا يقبل التأويل ، فاتباعهم في قول ليس تقليداً لهم ، ولا اتباعاً لرأيهم ، وإنما هو اتباع لمن يتبعون ، وتقليد لمن به يقتدون ، وبهديه يهتدون ، وإلى حكمه يرجعون " .

( الإباضية في موكب التاريخ المجلد الأول الحلقة الأولى ص 5 –7 )










الحلقة الثانية



قال الأستاذ الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله :

" ليس من الدعوى أو التبجح أن أقول إن الإباضية من أولى الفرق الإسلامية التي تحرص أن لا يتخطى أفرادها الحدود التي رسمها لهم الدين ، وأن يكون المسلم منها صورة صحيحة حقيقية لما رسمه الإسلام ، وأوضحته سيرة السلف الصالحين ، وليس معنى هذا أنه لا تقع معصية من إباضي ، فإن هذا ليس من طبع البشر ، وإنما المقصود أنه عندما يرتكب أحدهم معصية ، فإما أن تكون مما يعلمه الناس ، أو مما يلم به الفرد مستتراً حين يغلبه الشيطان . فإذا كان الخطأ من النوع الأول ، بادر المسلمون إلى إعلان البراءة منه ، وقطع التعامل معه ، والجفوة عليه حتى من أقاربه وأهله ، حتى يعترف بما ارتكب على الأشهاد ، ويعلن توبته إلى ربه ورجوعه إليه ، ويعاهد الله ألا يعود ، وهكذا يرجع العاصي إلى حظيرة الأمة ، وتطهر من أرجاس المعصية ، ليعاود الكفاح في سبيل الله ، وعمل الخير وقد تطهر والدعوة إليه ويحيا حياة نظيفة في مجتمع نظيف.

أما إذا كان من القسم الثاني أي من الأخطاء التي يلم بها الإنسان مستتراً . فإن ذلك يجعله يسير مع الركب في الظاهر ، على أن ضميره لا يكف عن التوبيخ وهو يعتقد أنه ليس فيما يعصى الله به صغير كما قال ترجمان القرآن رضي الله عنه ، وأن من ورد على ربه بهذه الحالة سيكون من أصحاب النار خالداً فيها أبداً ، وفي ذلك زجر له عما ارتكب ، وداع إلى الإقلاع عما ألم به من وساوس الشيطان ، والذي يدعو أتباع هذا المذهب إلى هذا التمسك الحريص ، أفراداً وجماعات ، إنما هو بعض القواعد التي يمتاز بها هذا المذهب عن غيره من المذاهب ، كوجوب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، على الفرد المسلم ، والمجتمع الإسلامي، وتطبيق ذلك في مسألة في الولاية ، والبراءة ، والوقوف ، وكالقاعدة الأخرى الهامة التي تجعل الإيمان لا يتم إلا بالعمل ، فلا يجد العاصي مستنداً يستند عليه بينه وبين نفسه ، أو بينه وبين الناس ، ولا يحق له أن يطمع في دخول الجنة بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ، دون أن يقرن ذلك بالعمل الصالح. كما لا يحق له أن يأمل في الخروج من العذاب الأليم وقد قدم على ربه ، مرتكساً في عمله ، مرتهناً بذنبه:

( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )

( لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد . ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد )

وبناء على هذه الأسس التي يراها الإباضية من قواعد الدين ، كانت أعمالهم صوراً حقيقية لمبادئهم وعقائدهم.

وقد اشتهروا بذلك على مدى التاريخ ، وعرفوا به . فكانوا في مجتمعهم وأفرادهم أمثلة للمؤمنين الذين يحافظون على دين الله في واجباته وآدابه، وجميع الأخلاق التي دعا إليها ، ويبتعدون عن كل ما نهى الإسلام عنه ، أو كرهه؛ من قول وعمل ، يسارعون إلى الخيرات ويبتعدون عن المحرمات ، ويقفون عند الشبهات ، مصداقاً لقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في الحرام ) "

( الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، الحلقة الأولى ، ص 125 –126 )










الحلقة الثالثة



قال الأستاذ الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله :

" إن المجتمع الإباضي - بناء على قواعد مذهبه كوجوب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ووجوب الولاية ، والبراءة ؛ للأفراد ، والجماعات ؛ وعدم تمام الإيمان إلا بالعمل الصالح ، الذي يدعو إليه الإسلام ، وأنه لا أمل للعاصي - الذي يموت على معصيته – في رحمة الله .

إن المجتمع الإباضي بناء على هذه القواعد ، كان صورة صحيحة للمجتمع المسلم النظيف ؛ طهارة في العقيدة من الزيغ والبدعة ، وطهارة في العمل من أدران المعصية ، وطهارة في الخلق بالتحلي بما تحلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وندب إليه وتخلق به المؤمنون الصادقون في كل زمان. وقد ظلمت الطوائف الإسلامية الإباضية مرتين ، ظلمتهم حين حشرهم بعض المؤرخين المغرضين في الخوارج – وهم أبعد الناس عن الخوارج – فصدقت تلك الطوائف هذه الدعوى من المؤرخين المغرضين .

وظلمتهم مرة أخرى ، حين رضيت بهذا الحكم على طائفة من أصدق المؤمنين ، دون أن ترجع إلى التحقيق في قواعد هذا المذهب ومستنداتها من الكتاب والسنة ، والتحقيق في مدى تطبيق اتباع هذا المذهب لقواعد الإسلام وأخلاق الإسلام ، ودعوة الإسلام ….

وكما أن الفرد العادي من الإباضية صورة صحيحة للمسلم الذي يدعو إليه الإسلام ، وكان المجتمع الإباضي صورة صحيحة للمجتمع المسلم الذي يقيم شعائر الله ، ويحافظ على دين الله ، ويعمل جاهداً لتطبيق أحكام الله ، حتى في حالة الكتمان ، كذلك كان من تقلد أمر المسلمين من الإباضية صورة للمسلم المخلص ، الذي وثق به المسلمون ، فأسندوا إليه أمور دينهم ودنياهم ، فأكبر هذه الثقة من الأمة ، وحافظ على هذه الأمانة من الله ".

( الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، الحلقة الأولى ، ص 133 - 135 )

الكاتب: المنصور





قراءات في الفكر الإباضي

الحلقة الرابعة

للأعلى

قال الأستاذ الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله :

" قلت إن الإباضية انتشروا في أكثر بلاد الإسلام قبل أن تتكون كثير من الطوائف الإسلامية الأخرى ، كفرق الأشاعرة والمعتزلة وغيرها ، وبقطع النظر عن المدة القصيرة التي قام فيها الإمام عبد الله بن إباض بأعمال عسكرية ، لمحاربة طغيان الأمويين ، وبقطع النظر عن المدة التي بويع فيها الإمام عبد الله بن يحيى طالب الحق ، فطهر الحرمين الشريفين ، من عبث العابثين ، أقول إنه بقطع النظر عن هذه الحركات ، فقد قامت للإباضية دول مستقلة في عمان . وتعاقبت على الحكم فيها إلى العصر الحاضر ، وقد بلغت من القوة في بعض عصور التاريخ أن كونت أسطولا يسيطر على البحار ، ويتحدى أقوى دولتين في العالم : أسبانيا والبرتغال في ذلك الحين . ..

وأما في المغرب الإسلامي وأقصد بالمغرب الإسلامي البلاد الواقعة بين الحدود المصرية والمحيط الأطلسي ، فقد قامت فيه أيضاً دول للإباضية كانت أمثلة رائعة لما يجب أن تكون عليه دولة مسلمة تحكم بكتاب الله ، وتتبع هدى رسول الله ، وقد بدأت حركة مكافحة الظلم ، ظلم الولاة العباسيين في ليبيا عندما كان هؤلاء الولاة ينحرفون عن أحكام القرآن ، وتغرهم الحياة الدنيا فيتجبرون ويظلمون ، وتغرهم سطوة الجاه وسلطة الحكومة فلا يحسبون للشعوب قيمة ، ولا يقيمون للعدل حساباً ، ولا يذعنون لما يفرضه الحق على الحاكم والمحكوم. فثار الإباضية على الظلم … …..

راجعت ما وصلت إليه يدي من كتب التاريخ ، سواء كانت من كتب أهل المذهب أنفسهم ، أو من غيرهم من الفرق الإسلامية فما وجدت في سيرتهم إلا ما يشرف في جميع أدوار التاريخ .

إنك لتطالع حروباً طاحنة ومعارك حامية . وانتصاراً أو انهزاماً ، وإنك لتجد في كل ذلك عفة كالتي تعرفها عند الخلفاء الراشدين ، احترام لأفراد الشعوب المسالمين ؛ في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، وعدل في الجنود المحاربين : قتل عند ساحات الوغى ، ولكن لا اتباع لمدبر ، ولا إجهاز على جريح ، ولا تعدى على أعراض ، ولا استحلال لأموال الموحدين مهما كانت مذاهبهم . وسماح وعفو وعدل عند نهاية الحرب ، لم يعرفوا الانتقام بعد الانتصار ، فلا مثلة ولا قطع رؤوس لترسل من بلد إلى بلد للتشفي والانتقام ، وإظهار البطش والجبروت . حرصوا على أن يقفوا حيث وقف بهم الإسلام ، وأن يجعلوا حكم الله وسيرة نبيه ووصايا الخلفاء الراشدين ، مناراً به يهتدون ، وإليه يرجعون ".

( الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، الحلقة الأولى ، ص 136 –139 )

الكاتب: المنصور


قراءات في الفكر الإباضي

الحلقة الخامسة

للأعلى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى في ندوة الفقه الإسلامي :

" بسم الله الرحمن الرحيم ،

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

من فضل الله تعالى علينا أن من علينا بالاجتماع هنا في ظل الإسلام الحنيف وعلى مائدة فقهه العظيم ، النابع من كتابه الكريم، وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه ، وآثار السلف الصالح ، وعلى رأسهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، الذين هم خير القرون. بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أثنى الله عليهم ذلك الثناء العاطر في قوله عز من قائل: (( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، ذلك مثلهم في التوراة ، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجر عظيماً )) .

وأثنى الله عليهم في كثير من الآيات الكتاب العزيز .

فهم أولى الناس بالإتباع وأحق الناس بالتعظيم ، وقد شهد علماء السلف الصالح بأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أعظم الناس منزلة ، وأرفعهم قدراً وأجلهم شأناً بعد الأنبياء والرسل. ففي كلام للإمام نور الدين السالمي يقول ما معناه: ( ولا ريب أن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، هم أكرم الخلق على الله بعد الأنبياء والرسل ) .

روى أحد علمائنا في القرن الثالث عشر الهجري ، وهو الشيخ ناصر بن أبي نبهان عن الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني . صاحب العدل والإنصاف أنه قال: ( ما جاء عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على العين والرأس ، وما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهم أولى بالإتباع لعهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال ). هذا طبعاً مع احترام التابعين لأنهم أيضاً لهم قدر ولهم شأن لأهم صحبوا الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن للرأي مجال واسع فيما جاء عن التابعين ، وطبعاً اختلف العلماء في تقليد الصحابة وعدم تقليدهم ، منهم من رأى وجوب تقليد الصحابي ومن هؤلاء الإمام ابن بركة وهو من علماء القرن الرابع الهجري عندنا هنا في عمان. قال: ( لا بد للمجتهد أن يوافق قوله قول صحابي من قبل ). إن كان في المسألة قول على المجتهد ألا يأتي بقول يخرج عن أقوال الصحابة رضي الله عنهم ، بل عليه أن يأتي بقول يوافق قول صحابي…..

فالاعتماد كل الاعتماد على ما جاء عن الله ، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. وصحابته رضي الله عنهم هم أعلم الناس بمقاصد التنزيل ومقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله تعالى، سواء كان هذا التبليغ إيضاحاً لمبهم الكتاب ، وتفصيلاً لمجمله ، أو كان هذا التبليغ أيضاً أحكاماً جديدة لم يصرح بها الكتاب العزيز "

( ندوة الفقه الإسلامي ، ص 249- 250 ).

منقول

ورد المنى
07-05-2003, 05:27 PM
(آمنة زوج الإمام جابر بن زيد)



هي دعوة الإمام التابعي الشهير جابر بن زيد، ذلك أن الإمام جابر قال: (سألت ربي ثلاثاً فأعطانيهن، سألت زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقا حلالاً كفافا يوماً بيوم) فكانت دعوة مستجابة، وكانت اختيار الله عز وجل له هذه المرأة فالطيبات للطيبين.

عاشت آمنة في كنف الإمام ترتوي من معين علمه الدفاق، كيف لا وهو الذي شهد له أكابر علماء عصره بسبق العلم، فقال عنه الصحابي الجليل ابن عباس: (اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه) وقال عنه الصحابي الجليل أنس بن مالك عندما بلغه موته: (مات أعلم من على ظهر الأرض) وإذا كان الالتحاق بطبقة التابعين شرفاً عظيماً، تلك الطبقة التي وإن فاتها شرف الالتقاء بخير خلق الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يفتها شرف الالتقاء بصحابته صلى الله عليه وسلم، فقد نالت آمنة ذلك الشرف ودخلت في هذه الفئة بل وكانت تستشير وتتلمذ على يد أوسعهم علماً وفضلاً البحر عبد الله بن عباس، تروي السير أن آمنة اكتوت لعلة أصابتها، فغضب عليها الإمام جابر بن زيد وهجرها؛ فشكته لأستاذه عبد الله بن العباس رضي الله عنه؛ فطلب منه شيخه علة الغضب والهجران، فقال جابر: (إنها لم تتوكل على الله) وتلا قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه). فقد أراد الإمام جابر أن يختار لزوجته أعلى الدرجات فأراد لها الأخذ بالعزائم وأن تعتقد أن الشافي هو الله تعالى وأن تتوكل عليه غاية التوكل وأن تتخلى عن الدواء، ولكن الزوجة كان لها رأي آخر، وهو أن تأتي بالأسباب المشروعة للعلاج، ومع ذلك تتوكل على الله فهو الشافي وتأخذ بالرخصة، استنادا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصية)، وكان موقف ابن عباس مؤيداً لموقفها واحتج لرأيه بأن طلب من الإمام جابر أن يتم الآية: (إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) –الطلاق:3-.

وكما أنها كانت تتلقى العلوم النظرية منه، فقد كان في سلوكه معها أعظم موجه ومعلم؛ فقد خرجت آمنة ذات مرة إلى الحج ولم يخرج معها تلك السنة، فلما رجعت سألها عن كريها، فذكرت سوء الصحبة ولم تثن عليه بخير، فخرج إليه جابر وأدخله داراً، واشترى لإبله علفا وعولج له طعام، واشترى له ثوين كساه بهما، ودفع له ما كان مع آمنة من قربة وأداة وغير ذلك، فقالت آمنة لزوجها جابر: (أخبرتك بسوء الصحبة ففعلت ما أرى) فقال لها: (أفنكافئه بمثل فعله فنكون مثله، لا بل نكافيه بالإساءة إحساناً وبالسوء خيراً) وفي هذا درس بالغ لها بدفع الإساءة بالإحسان تحقيقاً لقول الله عز وجل: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) – المؤمنون:96-.

** ** **



(الشعثاء بنت الإمام جابر)

هذه سيدة أخرى نشأت في ذلك البيت المبارك بيت الإمام التابعي جابر بن زيد رضي الله عنه، وهي أيضا من طبقة التابعين، وقد اشتهرت بلقبها الشعثاء حتى نسي اسمها فما عاد يعرف لها اسم غيره، وهي ابنة الإمام جابر، وإنما سميت بالشعثاء لشعوثة رأسها وكني أبوها به فأبوها (أبو الشعثاء جابر بن زيد) ، وقد كانت تسأل أباها دهناً تلين به شعرها، ويعتذر لها بقلة ما في يده، وأن ما عنده من الدهن أولى أن يستعمله للسراج ويقول لها: (استعملي الماء الساخن بدل الدهن)، وروي أن جابر بن زيد سرج سبعين دبة حل؛ فطلبته ابنته شيئا يسيرا لرأسها، وقالت له: (إن رأسي شعث من قلة الحل)، فقال لها: (عليك بالماء فما تأخذينه أنت يكفي مسألة نؤلفها فينتفع بها المسلمون).

لم يأت في المصادر ذكر مكان ولادتها ونشأتها، ولكن أغلب الظن أنها ولدت ونشأت في البصرة، ذلك لأن الإمام جابر إنما قضى أكثر عمره في البصرة، أو متنقلاً بين مكة والمدينة، ورجع إلى عمان عندما نفاه الحجاج بن يوسف الثقفي، ثم ما لبث أن عاد فتوفي بها ولعل أسرته استقرت في عمان.

وهل هي ابنة آمنة أشهر أزواج الإمام أم أن لها أماً غيرها؟، كل ذلك ما لا يمكن معرفته ولا يوجد دليل عليه، لكن يكفي أن نعلم أنها أخذت العلم من ذلك المعين الصافي وارتوت منه ثم قامت بدورها في تبليغ العلم ونشره، حيث كانت مقصد النساء فيما يهمهن في أمور دينهن وخاصة في مجال الفتوى والشورى، وعاشت حياة الصالحات المؤمنات حتى لقيت ربها راضية مرضية، وقبرها معروف إلى اليوم في فرق من أعمال نزوى بعمان.

** ** **



(عاتكة بنت أبي صفرة)

نشأت هذه الفاضلة الكريمة وترعرعت في بيت شرف وعظمة، فقد عاشت في بيئة عربية إسلامية في آخر القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني الهجري.

ولما ازدادت الكراهية بين الأزد والحجاج بن يوسف الثقفي بسبب جوره وتعسفه، انضم كثير منهم إلى جماعة المسلمين (الإباضية) وعلى رأسهم أفراد من آل مهلب، وكان منهم عاتكة بنت أبي صفرة وهي من عائلة المهلب بن أبي صفرة القائد الشهير ولعلها أخته.

كانت عاتكة من أشد الناس حماساً للمذهب تنفق مالها في سبيل نشر مبادئ أهل الدعوة وللمحتاجين منهم، لم يكن إنفاقها طلباً للدنيا الفانية أو متاعها الزائل بل كان ابتغاء الثواب من الله تعالى يوم القيامة، قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل: (أرسلت عاتكة بجزورٍ إلى جابر فأمر رجلاً أن ينحرها ويجزئها بين الجيران، فأكثر جزء جابر فقال له جابر: (أجميع جيراننا أخذ مثل هذا) قال له الرجل: ((لا))، فقال له جابر: (ساو بيننا وبين جيراننا)، ونهاه عن عدم التسوية.

وقد علمت عاتكة أن علم الحلال والحرام والتفقه في أمور الدين من أهم ما يجب أن يحرص عليه المسلم، حتى يعبد الله على بصيرة من أمره فلا يقع في الشبهات فضلاً عن المحرمات، فكانت حريصة على اقتناص الفوائد تسأل العلماء في كل ما يشكل عليها من أمر دينها ودنياها، فعن أبي سفيان محبوب بن الرحيل قال: (دخل أبو نوح صالح الدهان على عاتكة بنت أبي صفرة فوجدها في البيت، فقال: (كأني أرى مجلس رجل) قالت: (نعم، الآن خرج من عندي الإمام جابر بن زيد) قال: (فهل ظفرت منه بشيء؟) قالت: (نعم سألته عن ثلاثة أشياء كن في نفسي:-

1- سألته عن لباس الخفين، قال إن كنت تلبسينها من حر الأرض وبردها وخشونتها فلا بأس فلا تبالين وإن انكشفا، وإن لبستهما لغير ذلك فلا تبديهما.

2- وسألته عن حلي عندي ليتيمة يقوم بمال، فيستعار مني، قال إن أعرته فإنك ضامنة.

3- وعن عبد كان من أنفس مال عندي، وأوثقت في نفسي أن أعتقه لوجه الله، ثم استخلفته على ضيعتي، قال أخرجيه ولا تدخليه في شيء من منافعك).

** ** **



(هند بنت المهلب بن أبي صفرة)

هذه المرأة ارتوت علومها الدينية من بحر العلم ومؤسس المذهب الأول الإمام جابر، وبذلت جهدها في ذلك، حتى أشرقن أنواره في قلبها فتجلى ذلك تقوى لله في سلوكها وخشيةً له وشكراً لفضله وآلائه، وفاضت ينابيع الحكمة من لسانها دررا، ولم تبخل بعلمها على بنات جنسها فكانت لهن الأخت الداعية الناصحة.

وقد كانت معروفة بولائها للمذهب الإباضي مع أخيها عبد الملك بن المهلب بن أبي صفرة، وهند هذه هي التي تزوجها الحجاج بن يوسف الثقفي، وطلقها عندما ساءت علاقته بآل المهلب والإباضية.

روت عن جابر بن زيد فقالت: (إن جابر بن زيد كان أشد الناس انقطاعاً إليّ وإلى أمي، وكان لا يعلم شيئا يقربني إلى الله عز وجل إلا أمرني به، ولا شيئاً يباعدني عنه إلا نهاني عنه، وكان ليأمرني أين أضع الخمار من جبهة المرأة).

وروت أيضاً عن جابر بن زيد فقالت: (خرجنا من الطاعون فراراً إلى العراق وكان جابر بن زيد يأتينا على حمار فكان يقول: (ما أقربكم ممن أرادكم).

وروي عنها بعض الحكم المأثورة فمن ذلك قولها: (إذا رأيتم النعمة مستدبرة فبادروها بالشكر حلول الزوال).

وكانت تقول: (النساء ما زُيِّن بشيء كأدب بارع تحته لب طاهر).

وتشير الأخبار أن هنداً كانت ذات مال، وإنها بعثت إلى جابر بن زيد جزوراً في رمضان، فنحرها وعالج بها طعاما لأصحابه.

** ** **



(البلجاء الخزامية)

كانت البلجاء امرأة من بني يربوع عاشت بين البصرة والأهواز، ومن مجتهدات الإباضية على مذهب أبي بلال اشتهرت بالورع والزهد والنسك، وكانت تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته، وكان زياد وابنه قد اتبعا أسلوباً قاسياً مرعباً تجاه من يدعو إلى الحق والعدل شأنه في ذلك شأن عمال بني أمية الظالمين.

ومما جاء عن البلجاء الخزامية أن غيلان بن خرشة الضبي لقي أبا مرداس بن حدير، فقال له: (إني سمعت البارحة الأمير عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء، وأحسبها ستؤخذ) فمضى إليها أبو بلال، فقال لها: (إن الله قد وسّع على المؤمنين في التقية فتغيبي واستتري؛ فإن هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك) فقالت: (إن يأخذني فهو أشقى بي، فأما أنا فأخشى أن يلقى أحد بسببي مكروها). فوجّه إليها عبيد الله بن زياد، فأوتي بها، فقال لها: (إنك حرورية محلوقة الرأس) فقالت له: (ما أنا كذلك) قال لأصحابه: (لأرينكم منها عجباً اكشفوا رأسها) فمنعتهم فقال: ( لأكشفن أحسن بضعة منك) قال: (لقد سترته حيث لم تستره أمك) قال: (إيه، ما تشهدين علي؟) قالت: (شهد الله عليك ثلاث شهادات بقوله: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و (الظالمون) و (الفاسقون)، وشهدت على نفسك لأن أولك لزنية وآخرك لدعوى). فعض لحيته وأمر بقطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق، فنالت رضي الله عنها شرف الشهادة وكان ذلك قبل عام 61هـ في البصرة.

كأني بها وقد ابتسمت للموت لحظة استشهادها كأنها قادمة إلى مهرجان حافل في السماء يتلقاها بالحبور والبهجة، وفاحت من دمائها رائحة المسك وهي تتناثر قطرات كحبات العقيق فيها من عبق الأبرار وعبير الصديقين، ووقف التاريخ يدون أروع مواقف العزة والشموخ، وعندما مر بها أبو بلال في السوق عض على لحيته وقال: (لهذه أطيب نفساً بالموت منك يا أبا مرداس، ما من ميتة أموتها أحب إلي من ميتة البلجاء)، وروى العلامة الشماخي فقال: (فخرج أبو بلال في جنازتها، وقال لو أعلم أني أبعث على ما تبعث عليه لعلمت أني أبعث سوياً على صراط مستقيم).

إنه ليحق للمرء أن يقف إجلالاً وإكباراً لمثل هذه المرأة، فقد أوتيت من ثبات الجنان وفصاحة اللسان وصدع بالحق في وجوه الطغاة الفاجرين، ما حق لها أن يسطر اسمها بأحرف من نور، ولقد قامت بما يعجز عنه كثير من فحول الأبطال، والمتأمل لحوارها مع الطاغية عبيد الله بن زياد يلاحظ عليها رباطة جأشها ورغبتها في تحقيق أعظم الجهاد امتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)، كان هدفها هو نيل وسام الشهادة، الشهادة التي ليس لها جزاء إلا الجنة وتحقق الهدف، وكان لها ذكر عند أهل السماء، ودون التاريخ موقفها في أروح صفحاته وظل ذكراها عند أهل الأرض، وكأنها صورة واحدة تتكرر فبالأمس القريب كانت أختها على درب الجهاد أم عمار سمية بنت خياط تفيض روحها إلى بارئها على يد فرعون هذه الأمة أبي جهل لعنه الله حينما طعنها بحربة في فرجها، وهذه وتلك سارتا على شغاف قلبها، فضحت في سبيله بما يراه الناس جاهاً ونعيماً وسعادة؛ فما كان من فرعون حين يأس منها أن ترجع عن إسلامها وتتخلى عما آمنت به إلا أن نصب لها الأوتاد وأذاقها صنوف العذاب فما تراجعت لحظة عن إيمانها، وما شكت في سلامة معتقدها، حتى لقيت الله عز وجل وهو راضٍ عنها، فكان لها الثواب الأكبر في الآخرة والثناء العظيم في الدنيا حين أثنى الله عز وجل في كتابه الذي يتلى آناء الليل وأطراف النهار وكفى بالله ذاكرا، فما أشبه هذه بتلك، وما أشبه اليوم بالبارحة، وهذا شأن الطواغيت والجبابرة في كل عصر، لكن الصورة هنا أكثر قتامة وأشد قبحا ذلك أن الطاغوت هنا يلبس لبوس الإسلام وينصب نفسه حاكماً للمسلمين وفي نفس الوقت هو أكثر الناس انحرافا وتضييعا لتعاليم الإسلام ومبادئه العظيمة، وإنه لمما يثير الأسى في النفس أن يوصف أولئك الطغاة بأنهم خلفاء الله في أرضه، وبأن طاعتهم واجبة، وأن هلا يجوز الخروج عليهم، ويرمى كل من يدعو للخروج عليهم وجهادهم بشتى أنواع التهم، والله عند لسان كل قائل، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

** ** **



(عبيدة بنت أبي عبيدة

مسلم بن أبي كريمة)

هذه المرأة وابنتها قبس من ذلك النور المضيء الإمام التابعي العظيم أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء رحمه الله وسيرته أعظم من أن نحيط بها، كني الإمام أبو عبيدة بابنته التي أخذت العلم عنه، ولعل المثل السائر الذي يقول: (الولد سر أبيه) ينطبق على هذه المرأة وابنتها جمانة. رُويت عن عبيدة وابنتها آثار في كتب الفقه الإباضي سواء فيما يتعلق بأخبار النساء أو غير ذلك، فمثال ذلك ما رواه العلامة السالمي في المعارج عن الأثر أن جمانة بنت عبيدة حدثت عن أمها عبيدة أنها كانت تقعد في ولادة بنيها الذكور خمسين يوما وفي ولاة بناتها ثلاثة أشهر فقالت عبيدة: (فسألت والدي أبا عبيدة، فقال: ذلك جائز فاقعدي ثلاثة أشهر).

ومما روي عنها ما حفظ عنها العلامة محمد بن محبوب عن جمانة أيضا أن والدتها عبيدة بنت أبي عبيدة نذرت إن قدم ابنها محمد لتعتكفن في كل جمعة في المسجد فلما رجع ابنها أرادت الوفاء بنذرها، فاستفتت أباها فأمرها أبوها أن تعتكف في مسجد الحي.

** ** **



(سعيدة المهلبية)

هذه المرأة العابدة المخبتة سيرتها دعوة إلى الله وشجاعة في نصرة الحق من أجل سطوع ضياء الاستقامة، كان موقفها النبيل مع طلاب العلم كفيل بأن يعرضها للتنكيل والعذاب والتمثيل والقتل، ولكن قلبها امتلأ بالخوف من الله فلم تعد تخاف سواه.

كانت سعيدة المهلبية زوج عبد الله بن الربيع، وكان زوجها عبد الله خال المهدي الملك العباسي ووزيراً عند أبي جعفر المنصور، وقد كان زوجها من المتعصبين والمتحمسين للدولة العباسية، لقد اقتنعت سعيدة بمبادئ وآراء أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأصحابه؛ فاعتنقت مذهبه بعدها اتجهت إلى تحصيل العلم، وأخذت تنهل منه من خلال مجالس العلم التي يقيمها المشايخ سراً، اتصفت سعيدة بدينها وصلاحها وأصبحت من أتباع أبي عبيدة، تألقت سعيدة حتى أصبحت داعية إلى مذهب أهل الدعوة، وأخذت تنشر مبادئهم على نساء أهل بيتها وعلى زميلاتها والجواري اللاتي يعشن في منزل زوجها الوزير، وتشير المصادر إلى أنه كان لزوج سعيدة ابن من غير سعيدة، وكان لهذا الابن جاريتان قد تسرى بهما، ولقد اقتنعت هاتان الجاريتان بأفكار ومبادئ أهل الدعوة فدخلتا في الإباضية، ومن أهل بيت سعيدة ما يذكر أن جدة سعيدة أو عمتها ذهبت مع أبي عبيدة – إمام الإباضية في تلك الآونة- إلى الحج فلما فرغا من حجهما قال له: (أريد المقام بمكة) قال لها: (الخروج أفضل)، لما رأى من بعد مكة عن أهلها الذين كانوا بالبصرة. وكان كثير من أنصار أبي عبيدة والشخصيات البارزة المنضمة إلى مذهب أهل الدعوة يبحث عنهم الحجاج والولاة الأمويون والعباسيون الظلمة ليقبضوا عليهم فيسجنوهم أو يقتلوهم، وبالنسبة للنساء كن يتعرضن للتعرية والتمثيل والقتل، وبالرغم من كل ذلك لم تتوقف سعيدة عن الدعوة بل رأت أن الدعوة لا تقتصر على أهل بيتها وبنات جنسها فقط بل تتعداه إلى مشاركة الرجل في الدعوة إلى كل فرد من أفراد الأمة.

فآزرت أبا عبيدة وصحبه، واتخذت سعيدة للإباضية سردابا لهم في دارها يجتمعون فيه لتلقي الدروس، وللاستماع للخطب الوعظية والدينية التي كان يلقيها المشايخ والعلماء بصوت منخفض؛ حتى لا يسمعهم الجيران أو المارة فينكشف أمرهم.

وكان أحد أولاد ابن الربيع كما ذكرناه سابقا من غير سعيدة قد دعاه أصحاب أبي عبيدة وأثرت عليه جاريتاه الإباضيتان؛ فدخل المذهب ودخل مجالس الدعوة، وعرف المشايخ ووجوههم ومنازلهم وأسماءهم، فأراد هذا الرجل أن يعتق الجاريتين ليتزوجهما، ولكن الجاريتين رفضتا الزواج به بعد أن أعتقهن، فاشتد به غضبه واستولى عليه هواه، فكتب إلى أبي جعفر المنصور بأسماء المشائخ الإباضية ومجالسهم، وكتب بأن سعيدة يجتمع عندها الإباضية في سرداب لها في دارها، فلما علم أبو جعفر بذلك، أخبر وزيره عبد الله بن الربيع – زوج سعيدة- بذلك، فقال له عبد الله: (إن ابني قد ذهب عقله وأصبح يهذي بما لا يعرف أو صار إلى ما ترى)، وقال لأبي جعفر: (أو مثل سعيدة يقال فيها هذا؟؟)، ونصحه أبو جعفر أن يعالجه ببعض الأدوية ويحبسه فاستجاب عبد الله لذلك، ولم يسع عبد الله لما علم بما يقع في داره إلا هذه الحيلة، وتَبَالَهَ المنصور الداهية وتظاهر بتصديق دعواه. إن زوج سعيدة من آل البيت وأنصاره الكبار فلا يجوز الانتقام من زوجته، ولو علم الناس أن سعيدة زوجة الوزير إباضية، وأن الإباضية يجتمعون في دار زوجها الوزير لأدى إلى فضيحة ودلّ على ضعف الدولة العباسية، وعلى قوة الإباضية وانتشار نفوذهم فيميل إليهم الناس، ولو كان ما نسب لغير عبد الله ما نسب لكانت شرطة أبي جعفر وسيوفه أسرع إلى عنقه وعنق زوجته، فهذه المرأة المجاهدة لم يمنعها ما قد تتعرض إليه المرأة من أصحاب أهل الدعوة في ذلك الوقت من التمثيل والتعرية والقتل، ولم تمنعها وزارة زوجها أن تؤدي دورها الواجب عليها، ولم يقف حجابها وحياؤها حاجزا عن المشاركة مع الرجل في الدعوة فكان سردابها ببيتها ملاذاً ومخبأً لعلماء ومشايخ أهل الدعوة.

ورد المنى
07-05-2003, 05:40 PM
(نـانـا مـارن)

عاشت هذه المرأة في قرية "الجماري" بليبيا، ودرست على يد كثير من العلماء الأعلام، واشتهرت بالعلم والصلاح، والرأي السديد، ارتفعت بإيمانها وسلامة فطرتها وصدقها مع الله فوق زينة الدنيا وزخرفها، فكانت لا تأنس إلا بالله وحده ولا تصغي إلا لنداء العقيدة الخالصة، وقد كانت في صحوها ومنامها لا تتذوق جوارحها إلا حلاوة الإيمان ولذة الطاعة ونشوة العبادة، وتحتجب في مسجدها عن كل ما يشغلها عن الحق جل وعلا، ولا يزال مسجدها إلى اليوم مشرفاً فوق ربوة عالية يصارع الزمن ويطاول التاريخ.

عندما أراد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن رحمه الله أن يختار والياً على ليبيا، وقع الاختيار على أبي عبيدة الجناوني، وعزز هذا الاختيار اتفاق المشايخ عليه، ولكن الشيخ أبا عبيدة تردد في الموافقة وذهب لاستشارة هذه الجدة فقالت له: (إن تقدمت وأنت تعلم أنه يوجد من هو أكفأ منك فأنت في النار)، ففكر الشيخ في كلام الجدة نانا، وأخيراً رجع إلى المشايخ، وأعلن إليهم قبول لذلك المنصب، وكان لهذا الموقف الحازم من الجدة أثر في التاريخ لا يزال إلى اليوم يذكر بالفخر والاعتزاز، فهذه الجدة كانت واعية وعارفة بمجرى الأحداث والتيارات السياسية المعارضة، وكانت تسعى لتوجيه الأمة إلى الوجهة الصالحة.

** ** **



(أم أبي ميمون الجيطالي)

كان بجيطال امرأتان، ولكل واحدة منهما ابن صغير، فسألت كل واحدة منهما الأخرى: (ما ظنك بابنك وما ترين فيه؟) فقالت إحداهما: (أراه أن يكون عالماً)، وقالت الأخرى: (أراه أن يكون عابداً) فسألت كل واحدة منهما صاحبتها: (بماذا استدلت على ما قالت؟) فقالت أم العابد: (أرى ذلك لأني إذا كنت في الصلاة سكت وترك البكاء والتنعض) وقالت الأخرى: (أرى ذلك لأني إذا شهدت مجلس الذكر والعلم سكن واطمأن قلبه لذلك ولم يتحرك وإذا كنت في غيره أكثر البكاء والقلق) فصدقت فراسة كل واحدة منهما، فكان العالم منهما هو أبو ميمون الجيطالي، لقد كانت أم أبو ميمون حريصة على حضور مجالس العلم بالرغم من مشاغل الحياة الزوجية وتربية الأبناء، وتفرغت لتربية ابنها، وبذلت جهدها في تنشئته النشأة الإيمانية الحقة، فنشأ أبو ميمون محباً للعلم والدراسة، حريصاً عليها حتى حقق أمنية أمه فصار بعدئذ عالم عصره يقصده العام والخاص لتلقي العلم على يديه، وبلغ درجة من العلم والحكمة والعبقرية جذبت إليه القلوب وحفته بهالة من الإعجاب وأحاطته بحفاوة من التقدير؛ وهنا أيقنت أمه أن فراستها صدقت وأن بذرتها التي تعاهدتها تلك الليالي والأيام ها هي مورقة تؤتي أكلها الطيب وتنشر الخير والهدى فكانت المرأة الراضية الشاكرة.

** ** **



(أم يحيى

زوج أبي ميمون الجيطالي)

كانت حياتها الارتواء من مناهل العلوم والدين والاستغراق في عبادة الله ونشر النور الإلهي بين بنات جنسها، جمعت بين العلم والعمل وبين التحصيل والعبادة وبين العكوف على التأمل والأخذ بيد الحيارى إلى الطريق المستقيم، إنها أم يحيى العالمة الفاضلة والمربية القديرة، سكنت مدينة (أمسيسن" بليبيا، درست على يد كثير من فحول العلماء منهم أبو ميمون الجيطالي، تزوجت أم يحيى من أبي ميمون العالم الذي صدقت فيه فراسة أمه، فلما نزل من الجبل ونظرت إليه من القبة فوق الجبل استصغرت شأنه لما رأته أقصر تلامذته قامة، فلما حلقوا عليه، وأقبل كل واحد منهم يسأل والشيخ يجيب، رأت حينئذ أن الشيخ أطولهم وأعظمهم، فما طلعوا إلى الجبل إلا وهو أعظم الناس في عينيها.

كانت معينة لزوجها على شدائد الحياة ومتطلباتها تقول: (وجدت على أبي ميمون أربعين ديناراً ديناً فقضاها الله عنه بعمل يدي).

وقد آتاها الله ذاكرة حافظة واعية لا تكاد تسمع شيئاً إلا بقي في ذاكرتها ومن ذلك أنها سمعت وهي في طريقها للحج رجلا ينشد قصيدة من ثمانين بيتا فحفظتها كلها، وما ذلك إلا دلالة على قوة حفظها وعمق تركيزها، وكانت آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر لا تبالي في نصيحة المسلمين وقول الحق لا تخاف في الله لومة لائم ومن ذلك ما ذكر عنها أنها ذهبت يوماً إلى المسجد لحضور صلاة الجماعة، وكان المسجد مكتظاً بالمصلين، وعندما بدؤوا للصلاة انطلق صوتها (أم يحيى) يأمر الإمام بالتأخر لأنه ليس أهلاً لأن يصلي بالمسلمين، واستجاب الإمام لصوت الحق فتأخر وتقدم من هو أولى، وتقضي الظروف أن تلتقي أم يحيى في مضيق من الطريق بهذا الرجل الذي آذته في الله فتوجست في نفسها خيفة وخشيت أن تلقى منه بعض ما تكره، ويحس الرجل ما في نفسها، فيقول لها: (امضي راشدة، لولاك لهلكنا، يسر الله لك سبل الجنة).

اشتهرت أم يحيى بالعلم والفضل، وكانت ترى أن الفتاة لا تتم دراستها في مدارس مختلطة يدرس بها الطلبة الذكور، فأنشأت مدرسة خاصة للفتيات، وفتحت بها شبه ما يسمى اليوم بالأقسام الداخلية حتى يتسنى للبعيدات منهن الإقامة في المدرسة، وسرعان ما اجتذبت الفتيات إلى مدرستها وعلمها وحكمتها كما تجتذب الرائحة الطيبة في الروض كرائم الطير، وكانت أم يحيى تقدم لهن الأكل، وتشرف على تعليمهن، فكانت كلماتها تخرج من قلبها صادقة مبرورة تنتقل إلى القلوب وتسكن في الصدور، وتفعل فعلها في الجوارح، واهتمت أم يحيى شخصيا بالإشراف على تربيتهن في بيئة إسلامية صالحة وتطمئن على فهمهن لواجباتهن الدينية والاجتماعية وأنه اكتمل لديهن مقومات المرأة الفاضلة، فطوبى لهذه المرأة التي بذلت نفسها ومالها من أجل طالبات العلم والدين، فما أجمله من موقف عندما أعلنت رأيا لحل مشكلة تعليم المرأة ثم نفذته، وهذا الرأي هو نفسه ما اقتبسه علماء النفس والتربية والتعليم في الوقت الراهن، حين علموا أن الاختلاط في التعليم أحد أهم أسباب الفشل لدى الطلبة والطالبات، ولم يعلموا أن ذلك كان رأي أم يحيى منذ عشرة قرون في قضية تعليم المرأة.

وإلى جانب ذلك لم تنس أم يحيى واجباتها تجاه الحياة الزوجية فكانت نعم الزوجة والمربية، وعندما خرج أبو ميمون للحرب شيّعته، وقالت له: (ادع الله أن يكتب لك السلامة) قال: (ذلك عقد فرغ منه، ولكن ادع الله أن يجعلك زوجة لي في الجنة) فلما استشهد بقيت بعده أم يحيى كهفاً للإسلام ومأوى للأخيار، فكان يجتمع عندها العزابة في ليلة الجمعة يقضون ليلتهم في العبادة.

** ** **



(أم زعرور

زوج أبي محمد التغرميني)

إذا نظرت إلى أي جانب من جوانب حياة هذه المرأة تجده مشرقاً وضّاءً، طيب الذكر، وسيم الملامح، فهيا بنا نبحر في أعماق هذه الشخصية الفذة.

نشأت هذه الفتاة في "جيطال" بليبيا بين أسرة فقيرة، وفي سنة من سنوات القحط والجفاف ارتحل أهلها إلى "أمسيين" بليبيا طلباً للمرعى، وهناك سمعت بمدرسة أم يحيى فتاقت نفسها إلى العلم والتعلم فالتحقت بهذه المدرسة، تتلمذت هذه الفتاة على يد العالمة الجليلة أم يحيى، وأخذت هذه العالمة تشجعها على التبحر في فنون العلم والاستمرار في الدراسة، ومما ساعدها على ذلك ما وهبها الله به من ذكاء حاذق وفهم عميق فتوفقت على زميلاتها، وكانت إلى ذلك ذات جمال بارع، وكان لنبوغها المبكر وذكائها اللماح موضع إعجاب وتقدير معلمتها أم يحيى.

هذه الفتاة شدت انتباه أستاذتها أم يحيى فوصفتها إلى العالم الجليل أبي محمد التغرميني؛ فرغب العالم من أم يحيى أن تتيح له فرصة التعرف على هذه الفتاة التي قد تكون زوجة له إن شاء الله.

فأمرت أم يحيى أن تأتي هذه الفتاة لها بجرة ماء من صهريج بجانب المدرسة، فذهبت الفتاة إلى الصهريج تحمل جرتين أحدهما لها، والثانية لأستاذتها أم يحيى، فلما وصلت إلى الصهريج وجدت بجانبه أبا محمد، فأرسل إليها تحية الإسلام وطلب منها أن تملأ له جرة كانت في يده، فردت السلام عليه ولم تضطرب بهذا الطلب من رجل غريب واستمرت وكأن شيئا لم يحدث، فملأت جرة أستاذتها أولاً ثم ملأت جرتها ثم أخذت جرة الغريب، أعجب أبو محمد بهذا الخلق وهذه الرزانة وهذا الثبات، وقال لها: (هل لله مزرعة يا جارية؟) فقالت: (نعم) فقال: (وهل لها من يحرثها؟) قالت: (نعم) قال: (وهل له مخازن؟) قالت: (نعم) ثم أخذت تشرح له في فصاحة وبيان، فقالت: (المزرعة هي الدنيا والحراثون الناس والحاصد الموت والمخازن الجنة والنار).

وهكذا علم أبو محمد أن هذه الفتاة قد جمعت بين الجمال وكمال العقل والأدب والعلم والذكاء وهي صفات قلما تجتمع في شخص واحد، فخطبها أبو محمد من عمها، فلم يوافق أقارب الفتاة، ولكنها أخبرتهم إنها لن تتزوج إلا من يرضى عنه عمها، وكان عمها إلى جانبها ورضيت بأبي محمد زوجاً لها؛ فتزوجها أبو محمد، وعاشت معه حياة مليئة بالسعادة والحب والتفاهم المشترك، وهكذا ظفر أبو محمد بزوجة محبة وزميلة عالمة ومربية قديرة، وكان من خلقهما أنهما ما نزلا عن فراشهما إلا وتحاللا، حتى لا يبقى على أحدهما من حقوق الزوجية شيء.

وبعد فترة وجيزة رزقهما الله ولداً أسموه زعروراً، وتفانت أم زعرور في تربية ولدها حتى أصبح رجلاً صالحا، وهكذا قضت أم زعرور حياتها مجاهدة بين العلم ورعاية زوجها وتربية أولادها حتى توفاها الله، فهذه المرأة لم يعقها الفقر عن الدراسة ونيل أعلى مراتب العلم.

** ** **



(أم جلدين)

لا أدري لم كنيت بأم جلدين؟ هل لشدة جلدها وصبرها وهو أبرز معالم سيرتها وحياتها ؟ أم أن لها فعلا ابنا يسمى بذلك ؟ وعلى كل حال فهي امرأة صالحة نشأت في "يفرن", وتزوجت هناك من أحد أشياخ العلم وكان لهذا الشيخ بنات من غير أم جلدين وكن يؤذينها, فيأخذن الدقيق ويخلطن فيه تربة بيضاء, ويأخذن اللبن ويسكبن الماء فيه, وكانت صابرة لا تضجر من تلك التصرفات فكانت تأخذ الدقيق فتجعله في آنية وتصب عليه الماء فترسب التربة وتأخذ الدقيق من فوق, وكان ذلك دأبها حتى ضعفت واصفرت من إيذائهن لها, ولم تخبر أباهن بشي من ذلك ثم متن جميعا فأراحها الله منهن, وبقيت من غير ولد واستحى أن يتزوج عليها, واستحيت منه أن يبقى بغير ولد, فرغبت إلى ربها فأجيب دعاؤها فسمعت هاتفا يبشرها, فولدت أربعة ذكور متتابعين متعها الله بهم زماناً ثم ماتوا جميعا فاحتسبتهم عند الله تعالى.

لقد كانت أم جلدين حليمة هادئة الطباع تعفو عمن أساء لها وتصفح عمن ظلمها ولا تضمر لإنسان شرا ولا تخفي بين جوانحها غدرا, بل إنها كانت تقابل الإساءة بالإحسان والتطاول عليها بالعفو والمغفرة, ومع كل هذه الشمائل العطرة المستمدة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن أبرز علامات هذه العابدة القانتة المخبتة كانت تتمثل في الصبر والرضا في أشد المحن زلزلة للنفس.

وكانت أم جلدين ذات مكانة ومنزلة لدى المشايخ, وتحرص في كل لقاء أن تستفيد منهم, وكانوا يزورونها.

سألتهم يوما عن دواء للذنوب, فقال لها الزواغي: (حب المسلمين يخرج العبد من الذنوب كما تكشط الشاة من جلدها, وكما ينزع الشعر من الزيت).

ولا عجب بعد ذلك أن يكون لها عند ربها المكانة العظمى بحيث يجيب دعاءها ويوفقها لطاعته فمن كراماتها أنها سألت ربها أن لا تموت حتى ترى أم زعرور وزيتون تغرمين, وأن يصلي عليها أبو محمد إذا ماتت, فكتب الله أن ارتحلت مع أهلها طلبا للمرعى والخضرة حتى بلغوا تغرمين, فمضت ابنتا ابنها إلى تغرمين يطحنان فصادفتا بيت أم زعرور, فأخذتا في الطحن والعجوز _ أم زعرور_ مشغولة بالعبادة, فقالتا فيما بينهما:(إن هذه العجوز مثل جدتنا ) فسمعتها أم زعرور فسألتها فأخبرتاها عن أم جلدين فخرجت أم زعرور إليها زائرة, والتقت المرأة الصالحة بالمرأة الصالحة وتواصتا بما فيه الخير, ثم قالت أم زعرور لأم جلدين (ادعي الله) فقالت: (بل ادعي أنت, فإني استحيت من ربي, سألته ثلاثا) تعني أن ترى أم زعرور وترى زيتون تغرمين وأن يصلي عليها أبو محمد, فدعت أم زعرور ورجعت إلى منزلها, فأخبرت أبا محمد _زوج أم زعرور _ فذهب هو الآخر ليزور العجوز الصالحة أم جلدين, ولكنه وجدها قد توفيت فصلى عليها ورجع ينقل الخبر إلى صديقتها الوفية.

وهكذا تحققت دعوات أم جلدين, هذه العابدة القانتة التي كانت عابدة كأخلص ما تكون العبادة حتى أجاب الله دعاءها, وكانت متوهجة الوجدان حبا لله وشوقا إليه كتألق الشهاب الساطع, عاشت حياتها على مائدة القرآن وعلومه وفي ذكر دائم لله في مصلاها الذي لا يزال معروفا إلى اليوم في يفرن.

** ** **



(ابنة أبي مسور يصلتين

النفوسي الأدوناطي)

نشأت هذه الفتاة النجيبة الذكية في كنف والدها أبي مسور في "أدوناط" بليبيا، وأخذت العلم عنه وعن غيره من العلماء حتى بلغت رتبة سامقة فيه، وكانت قوية الحجة حاضرة البرهان. وفيما يلي نماذج من مواقفها مع أبيها التي تشف عن ذكاء متقد وفهم عميق لمقاصد الشرع مع فصاحة اللسان وحلاوة المنطق:-

1- جاءت إلى أبيها يوما تسأله عن مسائل الحيض، وتصف له بعض ما أصابها، فقال لها العالم الكبير: (ألا تستحين؟) فقالت: (أخشى إن استحيت منك اليوم أن يمقتني الله يوم القيامة) فألزمت أباها الحجة ولم يجد لها رداً وأجابها عن أسئلتها.

2- تدللت على أبيها يوما فغاظته فقال لها: (لأزوجنك بمن له عليك سبعون حقا) فأجابته بكياسة: (إذن أردهن إلى ثلاث: إن دعا أجبت، وإن أمر امتثلت، وإن نهى اجتنبت).

3- جلست ذات يوم إلى أبيها بعد أن فرغت من غسل ثيابها ونشرها، ونظر الأب إلى الثياب النظيفة البيضاء فقال: (تمنيت أن الله يطهر قلبي مثل هذه الثياب) فقالت: (أتمنى لو جعل الله تطهير قلبي إلى يدي فأغسله مثل هذه الثياب وأبعثه إلى خالقه نظيفاً) فقال الشيخ معجبا بابنته الذكية: (إنك أبلغ مني حتى في الأماني).

4- قال أبو مسور يوما: (المسلمون أفضل من أقوالهم) قالت: (أقوالهم أفضل لأن المسلمين يفنون وتبقى أقوالهم والعلم أفضل).

هذه الفتاة لم يمنعها حياؤها من التفقه في دينها، وما أروعه من شرف أن تكون هذه الفتاة أبلغ من أبيها الشيخ العالم.

** ** **



(أم الخطاب

زوج أبي يحيى الأزدالي)

كان أبو يحيى من العلماء العاملين، تزوج بعد أن تقدم به العمر من ابنة نصراني، وسبب تزوجه بها أنه أراد جمع العنب، فأرسل إلى نصراني كان يقضي له حوائجه ليأكل العنب، فأتاه مع عياله وبناته وكن بدور الخدور، فأبصرهن الشيخ: فقال: (أعندكم هذا الجمال؟) قال: (نعم، وإن جاز في دينك زوجتك واحدة منهن) قال: (نعم) قال: (اختر)، فاختار الشيخ أم الخطاب، فلما آوى إليها في الليل حدثها عن الإسلام وشرح لها قواعده وأصوله، وكانت كاملة العقل فشرح الله صدرها للإسلام.

أقبلت أم الخطاب بفطرتها النقية على دراسة الإسلام وأصوله، كما ازداد شغفها بتفسير القرآن وتفهم آياته، وساعدها على حفظ الآيات وفهمها واستيعاب أمور دينها ذكاء لماح ينير ذهنها وبصيرة صافية تستوعب كل ما تلقى فيها من رصيد المعرفة، فحفظت الزهراوين: سورة البقرة وآل عمران، فعرضتهما على زوجها الشيخ أبي يحيى فاستحسنها، فقال: هذه ليست بقراءة أهل الأرض، ثم تعمقت في فهم أسرار الشرع ومقاصده حتى بلغت درجة عظيمة من العلم، وأصبحت مقصداً للعلماء الأعلام، وعندما تقدم بها العمر شغلها الخوف من الله عن كل ما تحفل به الدنيا من متع ومسرات، وما يخبئه القدر بين طياته من فواجع وأحداث، فقد كانت تعيش بحسها بين الناس وبفكرها ووجدانها مع الملأ الأعلى فأحيت نفسها لله بذكره فإنما تحيا القلوب بذكر الله تعالى، قصرت نفسها في مصلاها الذي ما يزال في "تغرمين" بليبيا يطاول التاريخ واسمه "أغرم إيمان"، وزارها يوما الشيخان أبو مرداس، وأبو الحسن الأبدلاني بعد أن أصبحت عجوزاً ففرحت بزيارتهما، وذبحت لهما شاة لضيافتهما، وأخذت تناقشهما في مسائل العلم ومعاني العبادة، وهكذا قضت ذلك العمر المبارك في ذكر وطهر وصلة بالله دائمة، حتى اختارها الله بقربه.

** ** **



(بـهلولـة

زوج أبان بن وسيم)

كانت بهلولة امرأة صالحة عالمة، وكان أبو ذر أبان بن وسيم مثلها علماً وصلاحاً، فأعجب بها فخطبها إلى وليها، فلما عقد عليها نكاحها ذهب فرحاً مستبشراً إلى بيتها ورام إرخاء الستر عليها هنالك، فلما وصل بيتها استأذن عليها ففتحت الباب، فقالت: (من هذا؟) فقال: (أنا إبان قد زوجنيك وليك) قالت: (إن أتيت ببينة رضينا بك زوجاً وإلا فانصرف) ثم قالت: (إنك وإن كنت أميناً لمحتاج إلى أمناء)، واضطر العالم الشيخ إبان أن يثبت دعواه بشهادة الشهود وإقرار الولي حتى رضيت به بهلولة زوجا، وكانت له نعم الزوجة وكان لها نعم الزوج، فما عرف أن زوجين تشابها خلقاً وعلماً وديناً كما تشابه هذان الزوجان.

وقد دلت الحادثة السابقة إنها أملك منه لزمام نفسها وأكبح لعاطفتها وأرسخ قدماً في الوقوف عند حدود الشرع وتطبيقه، فلما استخفه العزم بموافقة الولي على خطبته لها لم يجعل لشيء آخر حساب، أما هي فقد طبقت عليه أحكام الشريعة السمحة تطبيق العالمة المؤمنة التي تراعي الدقة والحق في الأحكام فلم تعتمد على معرفتها الشخصية لأبان فلم تستجب لثقتها به، وإنما رجعت في تلك القضية إلى حكم الله.

** ** **

ورد المنى
07-05-2003, 05:44 PM
(ابنة أبان بن وسيم النفوسي

وتكفا بنت أبي عثمان)

ذكر أن ابنة لأبان جاءته زائرة فصب مطر غزير يمنع من الخروج، فقال لابنته: (بيتي الليلة عندنا) فقالت: (لم يأذن لي زوجي في المبيت وإنما أذن لي في الزيارة فقط) فظل المطر يهطل وأقبل الليل، فعلم الشيخ أبان أن الذي قالته ابنته هو الصواب، فقال لها: (إذن فسيري في حفظ الله وستره) ودعا لها، فمضت إلى زوجها ومنزله بعيد، فوصلت المنزل والمطر ما زال يهطل، فجعل أهل البيت يتعجبون ويذكرون الله عز وجل ولطفه بعباده الصالحين وكيف أن الله تعالى حفظها بدعوة والدها وبطاعتها لزوجها.



وما أشبه هذه القصة بما حدث لـ (تكفا) بنت أبي عثمان (باثمان) حين زفت إلى زوجها في ليلة مطيرة فخشيت الهلكة من كثرة المطر، وكان والدها باثمان معها، فقالت له: (يا والدي إني أخاف على ثيابي البلل، وأنت تعلم حال العروس واحتياجها إلى الثياب الجديدة وما ينبغي لمثلها من النظافة والنقاء، فما الحيلة؟) قيل فدعا الله أن يحوطها ويسترها فحفظها الله سبحانه وتعالى.

** ** **



(منزو بنت أبي عثمان المزاتي)

تعالوا بنا نصحب هذه المرأة العاملة الزاهدة ساعة نتأمل سيرتها في روعة صبرها وتقواها وتحملها لمشاق الحياة الزوجية، والصبر على الزوج الفظ الغليظ القلب، لتكون المثل والقدوة والنموذج لكل امرأة صالحة ترجو ثواب الله ورضوانه.

إنها منزو بنت أبي عثمان المزاتي أخت تكفا، زوجها أبوها رجلاً من قومه فركب على جمل له ومضى حتى مر بنساء على ماء، فقال: (إن كانت منزو فيكن فإني لا آذن لها في المقام بعدي) وكانت فيهن فقامت فأخذت رداءها فارتدته، وسارت في إثر بعلها حافية راجلة فمشت حتى رقت قدمها وآذاها المشي، فصارت إذا رفعت قدماً إذا الدم في موضع القدم إلى أن ينزلا، فإذا نزلا قامت فابتدرته بردائها فوسدته، ثم عالجت طعاماً لعشائه، ثم تقوم تصلي بقية الليل إلى أن يطلع الفجر، فكان ذلك حاله وحالها حتى وصلا وطنه، فبنى لها بيتاً بعيداً عن الناس، وكان يسيء إليها وهي تحسن إليه، ثم تزوج عليها امرأة أخرى فلاقت المزيد من سوء العشرة وهي تزيد من الإحسان والصبر، ومرت بها قافلة ذات يوم، وسمعوها تنشد شعراً بالبربرية ما معناه: (ألا أحد من يزورني في الله فيذهب غم النفوس ويزيل الوحشة) فلما وصلوا وطن منزو تذاكروا كلامها، فسمعه بعض المشايخ فذهبوا لزيارتها، ووجدوها في حالة يرثى لها خارج خيمتها؛ فقال لها أحد المشايخ: (إني لأختار أن أجد جنازتك خارجاً ولا أراك على هذا الحال) ومكثوا عندها ثلاثة أيام، وقبل أن ينصرفوا نصحوها بالصبر والتحمل والإحسان ودعوا الله عز وجل لها بالفرج، فما مضت أيام قليلة إلا ومات زوجها ففرّج الله عنها ما تجده من التعب والعناء.

** ** **



(زورغ الأرجانية)

نشأت هذه الفاضلة في كثر فيه أهل العلم والصلاح في جبل نفوسة في قرية "أرجاجن" بليبيا، فليس بغريب أن تشملها نفحات أولئك الأبرار، وأن تتشبه بأولئك الصالحين فكانت شديدة الورع، كثيرة العبادة، قريبة من فعل كل ما أمر الله به، بعيدة عن كل ما نهى الله عنه، ضربت أروع المثل في اجتهاد المرأة الصالحة للسعي لتنال رضى الله، ولم يكن زوجها من تلك الفئة التي لا تقدر الأعمال أو يتلقى ذلك الاجتهاد ببرود وفتور، بل كانت تأخذه الأريحية وهو يراها ذاهبة راجعة في طاعته، فكان دائما ما يدعو لها بالجنة وأي دعوة خير من تلك، وكان لزوجها امرأة أخرى، ومن مواقفها الرائعة مع زوجها أن أختا له مرضت، فأراد الزوج الرحيل إلى الربيع طلباً للمرعى، وما أمكنه أن يقول لإحدى زوجتيه اقعدي لتمرضي أختي وأرتحل أنا بالأخرى، ولكنه ارتجى الخير عند زورغ، فقال لها: (لي عندك حاجة) قالت: (كل حاجة لك مقضية إلا تركي تمريض أختك فلا أرتحل وأتركها) فقال: (تلك أعظم حاجتي ورزقك الله تعالى الأجر والجنة) وظلت تخدم أخت زوجها حتى أتت هذه الأخت، لقد نالت بهذا الموقف الرائع الأجر العظيم فقد أطاعت زوجها وساعدت أخته في محنتها.

لم تكن زورغ مثالا للنساء الصالحات في طاعة الزوج فحسب بل قدوة أيضاً في مساندة زوجها في أمور دينه ودنياه، فكانت نعم المعينة له في ذلك، فكانت تعين زوجها على العدل بينها وبين ضرتها أخذاً بالحديث النبوي: (وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما)، فعندما أعجب زوجها بنوع من الطيب اختاره لزورغ، وأتى به إليها ذكرته بالعدل بين نسائه وأبت أن تستأثر به.

كانت هذه المرأة الورعة ساعية في توفير الراحة الجسدية والنفسية لزوجها ليس فقط في البيت وإنما تعداه إلى خارجه، فعندما أراد زوجها نقل شيء من التراب أخبر زوجته زورغ بالمشقة والتعب الذي سيلاقيه إزاء ذلك ففاجأته حين قالت له: (قد نقلته بالبقرة) فما كان من زوجها إلا أن دعا الله لها بأن يرزقها الجنة، وهل يريد الإنسان بعد هذه الدنيا الفانية إلا رضى الله ودخول الجنة، فما أروعه من موقف وما أفضله من دعاء.

وكانت زورغ تسعى جاهدة إلى طلب العلم وإتقانه برغم ما تعاني من صعوبات، فقد زارها العلامة أبان بن وسيم مرة وأخذ يلقنها القرآن الكريم، ولم تطق تقويم لسانها، فرخص لها بعد أن تحيرت في تقويم لسانها أثناء قراءة القرآن.

وكان لهذه المرأة الصالحة التقية الورعة كرامات عديدة ذكرها العلامة الشماخي في سيره، ونحن وإن كنا نؤمن بالكرامات ونعتقد بأنها فضل يختص الله عز وجل به بعض عباده، فإننا برغم ذلك لا نعول عليها كثيراً، وكل نعم الله عز وجل هي محض فضل لعباده بلا استحقاق منهم بذلك، وأعظم كرامة هي أن يعيش الإنسان على الاستقامة ويرزق حسن الخاتمة.

** ** **



(زوج مهدي الويغري)

ما أعظمه من موقف وقفته هذه المرأة الصالحة مع زوجها العالم الورع الزاهد، لقد تركت زخارف الدنيا ومباهجها من أجل أن تتزوج بهذا الرجل الصالح الذي يعينها على أمور دينها ودنياها، فما أجدر فتيات عصرنا أن يقتدين بها في اختيار الزوج الصالح.

لقد علمت هذه المرأة الورعة أن المال لا يخلق السعادة الزوجية فلم يغرها الزوج الطالح الممتلئ بالكنوز والأموال، فإنه إذا وجدت سعادة فستكون زائفة زائلة، وإن الإسلام كان ولا يزال يحلّق بالزوجين إلى سعادة الدنيا والآخرة، فهيا بنا نستشف من مواقف هذه المرأة ما يعطينا النموذج الأمثل لكل فتاة في اختيار الزوج.

خطب العالم مهدي الويغري امرأة بجبل نفوسة، فاستشارت هذه المرأة في أمره شيخاً من المشايخ، فقال لها: (إن مهدياً رجل له رغبةً في الآخرة، وزهد في الدنيا واجتهاد في الصلاح، وله أرض محثوث لها سدود فانهدمت سدودها وخربت جسورها، وأراد أن يصلحها، وأراد أن يتزوجك فلا تصلح جسوره إلا بتراب تنقليه على رأسك) فزادها ذلك رغبة فيه وفي صلاحه.

وتزوجها مهدي، وبعد سنتين زارها فلم يجدها في بيتها، فأعلم بمكانها فوجدها في الحرث مع مهدي وهي تنقل التراب على رأسها لإصلاح الجسور، فذكرها الشيخ فيما أعلمها من قبل به، فحمدت الله على ما أعطاها من خدمة ولي من أوليائه، لقد ضربت هذه المرأة النموذج للمرأة المؤمنة ليس فقط في اختيار الزوج الصالح وإنما أيضا في بذل الجهد والغالي والنفيس من أجل خدمة الزوج وتحقيق الراحة له.

** ** **



(فتاة من ندباس)

عندما ارتحل أبو معبد الجناوني إلى تيجي في ليبيا، والتحق بمدرسة سعيد بن أبي يونس الطمزيني، درس هناك حتى ظن أنه نال غايته من اعلم، وقفل راجعا إلى مدينته "أجنّاون"، فمر في طريقه بقرية "ندباس"، فوجد أمة تسقي الماء من صهريج خارج القرية، وكان قد بلغ منه الجهد والعطش ما بلغ، فاتجه إليها وطلب منها أن تسقيه، وبدلا من أن تسارع الأمة إلى إرواء هذا العطشان. نظرت إليه في استنكار، وقالت له: (أتستخدم أموال الناس يا جاهل؟)، لقد صدعه الجواب العنيف ولقنته الأمة درسا، أبعد كفاحه الطويل في طلب العلم تعيره أمة بالجهل، ورجع إلى نفسه يسائلها بأي حق يستخدم أمة الغير، وعرف حينئذ أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا، ورجع إلى نفسه وتاب، وعرف أن دراسته كانت نظرية بحتة وإنه في حاجة إلى المزيد، ورجع إلى المعهد الذي كان يدرس به، فأقام فيه وأطال الإقامة حتى أصبح عالما بين العلماء ومرجعا، وأصبح ذلك العالم العامل الذي يقوم مقام أمة، إنه بفضل المرأة تعرف حدود الدين ومنتهى الحقوق، وكيف أن الإماء في ذلك العصر بلغن درجة من العلم فحق لهذا الموقف أن يسجله التاريخ في أروع صفحاته ويستخلص منه العبرة والفائدة.

** ** **



(زوج محمد بن محبوب الرحيلي)

هذه زهرة نبتت في دوحة الإيمان والتقى، وسقيت بماء الفضيلة والهدى، وانتقلت من روضة شيخ المسلمين حيث نمت وترعرعت إلى روضة أخرى حيث تفتحت وأثمرت، ونحن لو أردنا أن نصف الورع في أروع صوره، والصبر في أنصع معانيه، والتضحية في أعلى مواقفها لقلنا إنها تتمثل في هذه الصورة الطاهرة، لم تدرس في جامعة فلم تكن في أيامها جامعات، ولكن تولاها في طفولتها بحر العلوم الزاخر شيخ المسلمين موسى بن علي الأزكوي ورعاها في شبابها شيخ التقى والإخلاص العلامة محمد بن محبوب الرحيلي، كانت هذه الدرة المكنونة تتحرى الحلال في المأكل والمشرب والملبس، سيدة كان لها من نبل القلب وكبر العقل وثبات الجنان ما لم يكن مثله إلا في القليل من عظماء النساء، صبرت وتحملت البعد عن الوالدين والإخوان والأهل من أجل زوجها وأولادها حتى منّ الله عليها بزيارة والدها لها بعد عشر سنين من الفراق، فما هي قصة زواج هذه المرأة الطاهرة؟.

يروى أن الإمام محمد بن محبوب الرحيلي الصحاري، زار الإمام موسى بن علي العزري في إزكي بعمان، وكانا قطبي زمانهما، فخطب الإمام محمد بن محبوب إحدى بنات الإمام موسى، وكان عنده ثلاث بنات وعندهن مربية مملوكة، فقال الشيخ موسى للمربية: (اختاري لضيفنا العزيز واحدة من هذه البنات)، فأعطت المربية كل واحدة منهن- على انفراد- شيئاً يؤكل ولم تقل لها شيئا، وفي اليوم الثاني جاءت إلى الكبرى، وسألتها عم أعطتها، فقالت: (أكلته)، والوسطى كذلك، أما الصغرى قالت: (هاهو)، قالت لها المربية: (لأي شيء لم تأكليه؟)، قالت الصغرى: (ما قلت لي كليه بل أعطيتني ومضيت، ولا أدري لماذا العطاء، وما كنت لآكل شيئا لا أعرفه)، فقالت: الخادمة حينئذ لسيدها الشيخ موسى: (ابنتك الصغرى تصلح للضيف)؛ فزوجه إياها، وسافر بها الشيخ الرحيلي إلى صحار، ومضت مدة طويلة فاشتاقت أمها إليها، فقالت لأبيها: (إما أن أسير لزيارتها أو تسير أنت)، قال: (بل أنا أسير) فسار إلى صحار، وكان لا يعرف منزل الشيخ محمد الرحيلي، فبينما هو يمشي في بعض الطرق وجد صبين يتحاوران على عود شوك سقط في الطريق، فقال أحدهما: (إن هذا الشوك سقط من هذا الجدار وهذا أثر موضعه من الجدار فينبغي أن نرده فيه)، وقال الآخر: (بل ألقته الريح في الطريق ويحتاج أن نخرجه إلى مكان آخر) فوقف عندهما، وسألهما فقال لهما: (إني أشم عليكما رائحة آل الرحيل، فأولاد من أنتما؟) قالا: (نحن أولاد محمد بن محبوب الرحيلي) قال: (ومن أمكما؟)، قالا: (ابنة موسى بن علي)، فاحتضنهما وسار معهما إلى البيت، فأخبرا أمهما بمجيء جدهما، فقالت لهما: (قولا له أن يجلس في المسجد أو تحت سدرة هناك لأن صاحب المنزل غير حاضر)، فرجع الشيخ محمد قبيل الظهر، فوجد صهره خارج البيت فتعانقا، وغضب الشيخ محمد على زوجه حيث لم تدخل أباها، قالت: (ما أمرتني بذلك)، قال: (أفأنا أعلم أنه سيأتي هذا اليوم؟) فاعتذرت إلى أبيها لهذا السبب، فقال الشيخ موسى: (أصبت، لو أدخلتني ولم يكن عندكِ سابق إذن، لما رضيت عليك) وأيد ابنته على موقفها وإنها على حق ولا لوم عليها.

** ** **



(أخت أبي حفص عمروس المساكني)

هكذا عرف لنا التاريخ شخصية هذه المرأة بأنها أخت عمروس أما عن اسمها فلم تسعفنا المصادر التاريخية الباقية من التعرف عليها، فإذن هي أخت العلامة أبي حفص عمروس المساكني أحد فطاحل العلماء العاملين، كانت نجيبة ذكية تتمتع بثقافة واسعة وغزارة علمية، ومن حق تاريخها المضيء بنور العلم والمعطر بعبير التقوى أن نقف عندها وقفة نتأمل مدارجها في العلم ومعارجها في الفهم، كان أخوها يستورد نفائس الكتب من كل مكان، ويظل يدرسها دراسة المتعمق الفاهم، وعندما يحس بالتعب أو السأم كانت هي التي تتولى عنه القراءة والكتابة أو النقاش، وكم شهد بناء ذلك المنزل العامر من نقاش واع لمسائل العلم يدور بين ابنة فتح وأخيها، بين هذه الصبية الحسناء الذكية المثقفة التي تمثل المرأة المسلمة الواعية وبين أخيها الذي كان حجة في العلم، وقد يطول النقاش بين الأخوين العالمين حتى تقتنع بصحة رأيه فتسلم، أو يقتنع بوجاهة نظرتها فيرجع إليها، وعندئذ يستمران في الدراسة، وهكذا كانت هذه الفتاة الذكية مرافقة لأخيها في دراسته تستمع إليه، وتأخذ عنه حتى بلغت مبلغاً من العلم قل أن تصل إليه فتاة، وعندما كان يقوم أخوها أبو حفص بالدراسة أو بالتأليف كانت تقدم له مادة التأليف، وتلخص له مواضيع البحث، وتعد له مناهج الدراسة، وتساعده في الكتابة، فتملي عليه، أو تتلقى منه الإملاء فتكتب، وهكذا وجد منها منسقة ذكية بارعة.

ومر ذات يوم العالم المحدث الفقيه بشر بن غانم الخراساني (بقطرس) البلد التي يسكنها عمروس وأخته يحمل معه مدونته. واستقبله عمروس استقبال الأخ المسلم لأخيه المسلم، وعندما أراد الرحيل ترك المدونة وديعة عند القاضي الأمين عمروس حتى يعود.. لم يخطر للقاضي أن يستأذن المؤلف في استنساخها حين ذاك، ولكنه فكر في نفسه، ورأى أنه إذا لم يغتنم هذه الفرصة فإن هذه الثروة العلمية سوف تفلت من يديه، واستعد للعمل، أحضرت له أخته كل ما يحتاج إليه من ورق وقلم ومداد، وكانت تملي عليه وهو يكتب في فناء الدار حتى إذا وصلتهما الشمس تحولا إلى الظل، ولم يمض عليهما وقت طويل حتى أتما نسخها، ورجع صاحب الوديعة (بشر بن غانم) يطلب وديعته فأرجعها إليه عمروس، ولكن بشراً كان يتوقع هذا العلم من عمروس، ولذلك عندما تصفحها ظهرت له آثار النقل في قطرات المداد واستعمال الصحائف، فقال لعمروس وهو يبتسم: (لقد سرقتها) فأجاب القاضي – وهو جذلان-: (سمني سارق العلم) وفي إثر هذا كان ما كان من تلف المدونة في تيهرت غصبا وحرقا، ولولا حرص عمروس وأخته على نسخ هذه المدونة لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمدون عليه.

والعلم يكون فائدته بقدر ما يفيد صاحبه، فليس العلم النافع شحن الدماغ بالمعلومات بدون أن يكون لها أثر في حياة الإنسان، بل العلم النافع هو الذي يجد فيه حلاً لمشكلاته ونفعاً في دنياه وآخرته، فعندما ذهب عمروس إلى الجهاد وكانت وقعة (مانو) رافقته أخته إليها، واستشهد أخوها، وقتل أكثر الجيش، أخذت أسيرة مع بعض زميلاتها فخافت الفساد؛ فقالت لزميلاتها: (أما وقد وقعنا أسيرات ولا قدرة لنا على الخلاص من أيدي هؤلاء الوحوش فلنستخلف كل واحدة منكن من يزوجها بمن يريد بها سوءا) وهكذا حتى في أسوء الأحوال ينجدها العلم والدين.

فهذه المرأة العاملة سيظل التاريخ يذكرها، ولن ينسى فضلها في حفظ مدونة العالم الجليل بشر الخراساني.

** ** **



(الزهراء السقطرية)

هي فاطمة بنت حمد بن خلفان بن حميد الجهضمية، ولقبها الزهراء، نشأت في سمد الشأن، ذهبت مرة مع والدها لزيارة نسيبهم الوالي القاسم بن محمد الجهضمي السمدي في جزيرة سقطرى، يوم كانت تابعة لعمان، وذلك في زمن الإمام العادل الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله، وحدث أن نكث النصارى وخانوا العهود في هذه الجزيرة، فقتلوا واليها القاسم بن محمد وسلبوا ونهبوا وأخذوا الجزيرة قهرا.

فكتبت الزهراء قصيدة عصماء تستغيث بالإمام وتستنجده، وتطلب منه أن يسارع بنصرة المسلمين، وتستثير في أبيات قصيدتها همة الإمام الصلت بن مالك ومن معه من الرجال لنجدة الإسلام وشرعه وأهله في جزيرة سقطرى، تقول فيها ما نصه:-

قــل للإمـام الذي ترجى فضائله ابن الكــرام وابن السـادة النجب

أمست سقطـرى من الإسلام مقفرة بعـد الشرائـع والفرقـان والكتب

وبـعـد حـلال صـار مـغتبطـا حـي في ظل دولتهم بالمال والحسب

لم تُبقِ فيها سنـون المـحل ناضـرةً من الغصـون ولا عـوداً من الرُطَبِ

واستبدلت بالهـدى كفـراً ومعصيةً وبـالأذان نواقـيساً مـن الـخشب

وبالذراري رجاـلاً لا خَلـاَقَ لـهم من اللئـام علـوا بالقهـر والغـلب

جارَ النصارى علـى واليـكَ وانتهبوا من الحريـم ولـم يألـوا من السلب

إذ غادروا قاسمـاً فـي فتيـةٍ نُجُـبِ عقوى مسامعهم فـي سبسبٍ خـرب

مُجـدّلين سِراعـاً لا وسـاد لـهم للعـاديـات لسبـعٍ ضـارئ كـلب

وأخرجـوا حُـرم الإسـلام قـاطبة يهتفـن بالويـل والأعـوال والكُربِ

قـل للإمـام الذي تُرجـى فضائله بـأن يـغيث بنـات الدين والـحسب

كـم مـن مُنعـمةً بـكرٍ وثـيبـةٍ مـن آل بيـتٍ كريـم الجد والنسب

تـدعو أبـاها إذا ما العِلـجُ همّ بها وقـد تلقّـف منهـا موضـع اللبـب

وباشر العِلـجُ ما كـانت تَضُـنُ به على الحلال بوافـي الـمهر والقـهب

وحـلّ كـلَ عـراءٍ من مُـلمتـها عن سـوءةٍ لـم تزل في حوزةِ الحُجُبِ

وعن فخـوذٍ وسيقـانٍ مـدملجـةٍ وأجعـدٍ كعنـاقيــدٍ مـن العـنب

قهراً بغيـر صـداقٍ لا ولا خُطِبت إلا بضـرب العوالـي السُمرِ والقُضُبِ

أقولُ للعيـن والأجفـان تسعدنـي يا عين جودي على الأحبـاب وانسكب

ما بال صلـتٍ ينـام الليـلَ مُغتبطاً وفـي سقطـرى حريـم عُرضة النهب

يـا للرجـال أغيثـوا كـل مسلمةٍ ولو حبوتـم علـى الأذقـانٍ والرُكبِ

حتـى يعـودَ نصـاب الدين منتصباً ويهـلك الله أهـل الـجور والـريب

وثم يصبح دعـى الزهراء صــادقة بعد الفســـوق وتحيى سنـة الكتب

ثم الصلاة علـى الـمختـار سيـدنا خيـر البـريـة مـأمـونٍ ومنتـخبِ



وما أن وصلت الإمام تلك القصيدة إلا فعلت فعلها في نفسه؛ فثار ثورة الضرغام، وصال صولة الغضنفر المقدام، وقام بكل ما يفرضه عليه منصبه وواجبه من عمل، فجهز جيشاً قوامه مائة سفينة مجهزة بالعدة والعتاد، وعين عليه خيرة المجاهدين الشجعان، وزودهم بكتاب عبارة عن دستور تنظيمي ينتهجون نهجه إداريا ودينيا، وبحمد الله تم النصر للجيش المسلم، فأصبح العدو بين قتيل وجريح وأسير، فأخذوا البلاد وهزموا الأعداء ورجعوا ظافرين مستبشرين ومن ينصر الله ينصره.

وهكذا خلد التاريخ اسم الزهراء كما خلد سيرة الإمام المجاهد الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله تعالى، فمن لنساء المسلمين الآن في شرق الأرض وغربها وهن يتجرعن مرارة الذل والهوان على أيدي الطغاة والمستبدين والمجرمين، فكم من زهراء تستغيث اليوم ولا صلت لها.

** ** **

ورد المنى
07-05-2003, 05:47 PM
(الغاية زوج أبي القاسم يزيد بن مخلد)

لقد آتاها الله قلبا صافيا يلهمه الحكمة، ونفساً مطمئنة تزكيها الفطنة، وذهنا متوهجا فتح له أكمام الوعي، وامتلكت مواهب وقدرات مما أهلها أن ترتقي إلى أن تكون ملجأ يلجأ إليه العلماء لحل معضلاتهم، فهيا بنا نتعمق في أغوار هذه الشخصية الطاهرة الباهرة.

بعد أن أتم العالم أبو القاسم دراسته واستعد للحياة التي يحياها الناس، فكر في الزواج، وبحث عن امرأة تجمع بين الخصال التي يطلبها أمثاله من خلق ودين وعلم، فوجدها في فتاة من أسرة كريمة كانت تسمى الغاية لها من الجمال والخلق والدين والعلم ما يرشحها لأن تكون زوجة لأبي القاسم.

فخطبها من أهلها وزفت إليه بعد سنة من بلوغها، فكانت تحضر دروسه مع تلاميذه من وراء ستار، وكانت الغاية في بيت أبي القاسم مرجعاً للمؤمنات ومرشدة وهادية للفتيات وقدوة صالحة للمقتديات الصالحات.

كان أبو القاسم يحدث طلابه يوما يحرضهم على الدراسة، وينصحهم بالابتعاد عن كل ما يشغلهم عن التعليم، فقال لهم: (لأن يبلغني موت الطالب خير من أن يبلغني تزوجه) وكانت زوجته الغاية تستمع إليه من وراء ستار فقالت له: (لماذا تزوجت إذن؟) فقال لها: (لو علمت مسألة ليست عندي لشددت إليها الرحال، وتركتك أيتها الزوجة الحبيبة).

وعندما توفي أبو القاسم بقيت الغاية مقصداً لطلاب العلم والدين والخلق القويم، وكان العلماء والمشايخ يزورونها ويستشيرونها ويستفتونها، ويرجعون في كثير من الأحيان إلى رأيها، وكثيراً ما يلجأ إليها عالم من كبار العلماء في معضلة من معضلات علم الفقه أو علم الكلام، فيقول لها: (ماذا كان رأي القاسم فيها أو ماذا حفظت عن زوجك؟)، وهكذا ظلت ملاذاً لطلاب العلم والعلماء إلى أن اختارها الله عز وجل راضية مرضية.

** ** **



(غزال (أم أبي الحاتم))

غزال هي زوج الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح، وكانت أحب نسائه إليه، فقد امتلكت قلبه بقوة شخصيتها، وبالربيع الضاحك في محياها وبصفاء طويتها وحسن قيامها بالبيت، فكونت لأبي اليقظان فيه جواً مفعماً بالحنان ينسيه هموم الرئاسة ويستريح فيه من أتعاب الإمامة، وكانت لحزمها كما قال ابن الصغير: (مالكة لأمور أبي اليقظان وحشمه).

امتازت غزال بذكائها، وثقافتها النسوية وحسن قيامها بالدار وبراعتها في إدارته وحياء الدين الذي كان في محياها ونورها وإشراقها فكانت نجمة متلألأة، وبتميزها تميز طفلها يوسف، فكان ذا شخصية قوية جذابة واتصف بمزايا حببته إلى أبيه، اهتمت غزال بتربية ابنها يوسف تربية إسلامية بناءة حتى أصبح ولدها معيناً لوالده في شؤون الإمامة، وأخذ والده يكلفه بمهمات الدولة فيحسن القيام بها، وبدأت كفاءته ونبوغه تظهر، واتصف بالحزم والذكاء والشجاعة حتى اختير إماماً من بعد أبيه، بفضل إحسانه إلى الناس.

لقد كانت غزال قدوة صالحة للزوجة المخلصة لزوجها، ونبراساً للأم المربية، لقد عاشت مع إمام العدل والعلم وأنجبت ذلك الإمام الفذ أبا حاتم.

** ** **



(نانا تابر كانت السدراتية)

امرأة ربانية عاشت في تلك العصور العامرة بالإيمان والعلم والخير، سكنت (ابناين)، واشتهرت بين العلماء فكانت عالمة فاضلة بلغت من اعلم والورع ما جعلها ملاذاً للمشايخ والعلماء العاملين، ومما يدل على علم نانا تابر كانت وعمق إطلاعها وفهمها لأسرار الشريعة، أنه زارها جمع من العلماء فقالوا لها: (أوصنا يا عجوز) فقالت لهم: (إياكم وكثرة الكلام لئلا تحنثوا، وإياكم والتهمة لئلا تظْلِمُوا) ثم قالت لهم: (يقول بعض العلماء الحكماء: نقِّ العمل فإن الناقد بصير، وجدد السفينة فإن البحر عميق، وكثرة الزاد فإن السفر بعيد) ثم حذرتهم عن الزيارة لطلب الحوائج، والمصافحة بالمقارعة، والأكل أكل النهم، والمشي مشي المرضى، والنوم نوم الموتى. فهنا تصحح هذه العجوز بعض السلوكيات المنحرفة؛ فالزيارة إذا كانت في الله فهي أكثر خيراً، والمصافحة فيما بينهم يجب أن تكون بالتي هي أحسن لا بالفوضى والعنف؛ فتتحول إلى كراهية، وتنهاهم عن كثرة الأكل؛ لأنه من عمل البهائم، وتحثهم على أن يسيروا بمشية الأقوياء المتواضعين، والذين يكثرون النوم فهم يعدون من الأموات لا من الأحياء فالإنسان النشيط لا ينام إلا بعد الحاجة.

كان لعلمها العميق ولخبرتها الواسعة التي حنكتها بها الحياة دور في سبر أسرار النفوس، فأثرت عنها حكم وأقوال بليغة، فمن ذلك قولها: (شر الصدور صدر لا رأفة فيها، وشر الأقدام قدم لا تزور في الله، وشر البيوت بيت لا يدخله المسملون، وشر المال مال لا ينفق منه).

** ** **



(زوجتا أبي هارون

موسـى بـن هـارون)

كان لأبوي هارون امرأة صالحة يحبها وتحبه، وكانت عالمة ذكية ولمنها غير ولود، ونصحه المشايخ أن يتزوج غيرها عسى أن يرزقه الله أولادا صالحين ففوض إليهم أمر الاختيار، ووكّلهم القيام بهذه المهمة وكل ما اشترط عليهم أن يتوفر فيها من الصلاح والتقوى، وتشاور المشايخ ودرسوا الموضوع واستعرضوا عقائل الجبل- جبل نفوسة- فاتفق رأيهم ووقع اختيارهم على امرأة فاضلة.

ترى من تكون هذه المرأة التي اتفق المشايخ على اختيارها زوجة لأعظم رجل في ذلك الحين؟ إنها ابنة جدة المشايخ السيدة (تابر كانت) أعظم امرأة في الجبل وأصلحها، فهي فرع من شجرة العلم الباسقة التي ارتوت بماء الحكمة وتغذت بثمرها وجناها وقطوفها، بذلت الجدة تابر كانت جهدها في تربية ابنتها على الخلق الكريم والدين القويم وزودتها بالعلم النافع الذي يكون نفعه في الدنيا والآخرة وثقفتها الثقافة الهادفة التي تؤهلها للقيام بدورها ومشاركة الرجل في أهم الميادين بالرأي والنصيحة، وعرض الأمر على الفتاة فقبلت الفتاة ورضي الشيخ وزفت العروس الصالحة إلى العالم المؤمن، ورزقها الله عز وجل منه بعدد من الأولاد أقروا عين والدهم الشيخ وخدموا الأمة بإخلاص، وأخذت هذه الأم على عاتقها تربية أبنائها ليكونوا مناراً للأمة ونبراساً يقتدي بهم الناس فكان منهم أبو زكريا يحيى: الذي كان همه آخرته وقد جمع جميع خصال الخير، ومن أقواله: (لا أبالي بالموت متى نزل بي) لبيان قوة استعداده له، ومات وهو شاب عمره أربع وعشرون سنة، أما ابنها أبو الربيع، فقد كان سخي الكف عالماً شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأخذ العلم عن أبي يحيى زكريا بن سفيان اللالوتي وغيرهم، جمع إلى العلم الواسع والدين القويم والخلق الكريم شدة في الحق لا تلين ومحافظة على دين الله لا تفتر، وسيرة صالحة لا تضعف، فحقيق بنا أن نذكر هذه المرأة الصالحة في تاريخنا وسيرنا؛ إنها ابنة أعظم امرأة في الجبل وأصلحها، وزوجة أفضل علماء أهل نفوسة وأم أولئك الأعلام البررة.

** ** **



(عافية (أم ماطوس))

تربت هذه المرأة في حجر الدين، ونمت في رياض طاعة الله عز وجل، وتألق وجدانها في حرم مجالس العلم، وكانت حريصة على حضور هذه المجالس؛ لشغفها بالمعرفة والتفقه في أمور الدين حتى أصبح مشايخ العلم لا يعقدون مجلساً إلا بحضورها، كان اسمها عافية ولكن كنيت بأم ماطوس، طلبت العلم ببلدها بليبيا، ودرست على يد علمائها حتى لم تجد عندهم جديداً فرغبت في الالتحاق بمدرسة أبي محمد بن خصيب، وليس بالمدرسة قسم داخلي للبنات وبين البلدين مسافة طويلة لا تقل عن أربعة أميال، فعرضت أمرها على أهلها فعارضوها، ولما ألحت في الطلب ثارت ثائرتهم، وقرروا أن يمنعوها بالقوة، وكيف يسمحون لفتاة في عمر الزهور ان تقطع تلك المسافة الطويلة يوميا بمفردها، وكان أصلب الجميع في الموضوع أخوها الغيور؛ فتطوع أن يحبسها ويقوم بوظيفة السجان، فكان إذا أتى الليل أغلق الباب على أم ماطوس ونام على الباب، فكانت تتركه حتى ينام، فتفتح الباب وتغلقه خلفها فتأخذ مزراقها في يدها، وتذهب إلى مدرسة أبي محمد التمصمصي، فتحضر المجلس متلحفة بثوبها فإذا افترق المجلس رجعت، وتجعل مزراقها في زيتونة ثم تدخل البيت وتغلق الباب وكأن شيئاً لم يكن، وكان ذلك دأبها، فلم تنجح جميع هذه الوسائل في صدها عما رغبت فيه، ودرست في تلك المدرسة حتى تخرجت منها، وكانت فيما بعد مرجعاً من مراجع العلم والفتوى.

وقضى الله لها أن تتزوج في (مرساون)، فكان المشايخ لا يعقدون مجلساً إلا بحضورها، فتحضر المناقشات وتسمع آراء الأعلام، وكثيراً ما تكبدت مشاق السفر وهي حامل لتحضر المجامع التي تعقد في (أجناون) أو غيرها من الأماكن التي يختارها المشايخ للاجتماع.

وكان لا يعوقها عن حضور تلك المجالس عائق، فقد ذهبت في إحدى المرات إلى أجناون، وهي على بعد عشرة أميال عن منزلها مصطحبة معها أمتهاْ، كانت ورعة في دينها حافظة لحقوق زوجها يروى أن أحد المشايخ أراد المبيت في بلدة أم ماطوس، فلما وصل أرسل بغلته إلى أم ماطوس؛ لينزل عندها فردتها، ثم أرسلت إليها بعد فأخذتها، واعتذرت للشيخ عند العشاء بأن زوجها غائب حين بعث ببغلته فلما جاء استأذنته فأذن لها.

هذه المرأة العالمة لم يمنعها حجابها من الجلوس في مجالس المشائخ تستمع إليهم وتسائلهم وتستجيب لنقاش الطلبة وترد عليهم، ولم يمنعها حياؤها من بلوغ هذه المرتبة السامية من العلم بل زادها العلم مزيداً من الاجتهاد في طلبه.

فما أروع أن تسطر حياة هذه المرأة في أجمل صفحات التاريخ، لتكون قدوة صالحة لكل فتاة في تحمل المشاق وعناء الطريق ومعارضة الأهل من اجل البلوغ إلى الهدف النبيل وهو طلب العلم.

** ** **



(زينب بنت أبي الحسن)

هي زوج العلامة أبي الخطاب عبد السلام منصور المزاتي، كانت فتاة وافرة الدين والأدب والجمال، واستقر بها الحال في مدينة (درجين)، ولم يكن ينقص أبا الخطاب شيء إلا أن يرزقه الله تعالى ولداً ذكراً يكون له عوناً في شيخوخته يرثه ويحمل اسمه، وإنما رزقه الله عدداً من البنات، وعندما يجمعه وزوجته السمر كان كثيراً ما يقول لها في مداعبة ورجاء أن تفهم ما يرمي إليه: (يوشك أن يغلب بنو العم على بناتك يا زينب) وهو يقصد أن أولئك البنات عندما يكبرن يخطبهن أبناء العم فيتزوجن، ولا يبقى في البيت غيرهما، وما أشد وحشة بيت لا يسكنه غير شيخين هرمين، كانت الزوجة الوفية المحبة زينب تفهم ما يرمي إليه زوجها أبو الخطاب، وكان بجوارهم رجل من بني ورغميت مع عياله، وعندهم فتاة صبية أديبة نشيطة، وكانت ذات جمال بارع، فأعجبت بها زينب وأحبتها، فخطبتها لزوجها الشيخ، وهي تدعو أن يهب له ولداً تقر به عينه، ولبناتها أخاً يلج|أن إليه إذا ضاقت بهن سبل الحياة، وتزوج الشيخ هذه الفتاة الورغمية وكان مولودها البكر ذكراً سماه الشيخ سعيداً، ومن هذا الولد تناسلت ذرية العلامة أبو الخطاب عبد السلام، فكان في رأيها الخير والبركة واليمن.

** ** **



(طـوست

زوج أبي عبد الله محمد بن تامر)

إنها شخصية فريدة مميزة في تاريخ المسلمات الإباضيات علماً وسلوكاً، أعطاها الله نوراً في البصيرة وضياءً في القلب حتى كان قلبها أشبه بمرصد يستقبل نفحات الله وأنوار الإيمان، فامتلأ كيانها صفاء ونقاء وشفافية وروحانية، جمع الله تعالى لها بحانب العلم والتقى والعبادة والورع شرف خدمة ولي من أوليائه، فشرفت بالزواج من أبي عبد الله محمد بن تامر وكان شيخاً فاضلاً وعالماً تقياً يسكن (فزاوة).

ومما يدل على عبادتها وورعها وأداء حق زوجها، ما أوصت به ابنتها حين جهزتها للزفاف، فقالت لها: (ما نمت حتى أصلي خمسين ركعة، ولم يرني والدك عابسة قط، ولم تصدر مني كذبة عليه قط إلا مرة واحدة، وهي أن قلت لأبيك أبي عبد الله وقد سألني أعلفت البغلة، وقد تعب وهو صائم ولا يفطر حتى تعلف مطيته، وقدمت له فطوره، قلت: نعم، وزدت للبغلة في علفها وآتيتها به، فقلت: (اجعليني في حل فيما كذبت عليك، وقد زدتك في علفك) فأومأت برأسها شبه من يقول أنت في حل.

وقد كانت داعية بسلوكها الرفيع وعلمها الواسع فتأثرت بها خادمتها أم خليفة، فكانت سبباً في هدايتها وتبصيرها بعقيدة الإسلام الحق، فرجعت إلى عقيدة أهل الاستقامة بعد أن كانت حشوية، وأصبحت من خيار المسلمات الورعات التقيات.

** ** **



(أم ماكسن بن الخير)

عاشت هذه المرأة في عاصمة الدولة الصنهاجية في البلاد التونسية، توفي عنها زوجها وترك لها ابناً اسمه ماكسن، فهي والدة العلامة ماكسن بن الخير، وهي صاحبة الفضل عليه، وكان من أمر ولدها ماكسن أنه أصيب بالعمى وهو طفل؛ فجهدت بكل وسيلة لتجد دواء له ما استطاعت لذلك سبيلا، وكانت لا تفتر عن السؤال عن دواء يرد البصر لوليدها فما اهتدت، وكانت ذات مرة في بيت أم يوسف زوج المعز بن باديس سلطان أفريقيا، فكانت أم يوسف لا تنفك تنظر ماكسن، وتتأمله فأعجبت بذكائه وخفة روحه، ونصحت أمه بأن تأخذه إلى الكتّاب ليتعلم فتنبهت الأم لذلك وتداركت أمرها؛ فأدخلت ابنها ماكسن مدرسة المدينة وحفظ القرآن الكريم في وقت قصير، وبذلت الأم جهدها من أجل تعليمه وتفرغت له وفرغته للعلم والدراسة، وبعد أن كبر سافر إلى مدرسة أبي محمد وسيلان بن أبي صالح بجربة بتونس، وكان أنجب وأذكى طلابها، وكان كل من رآه يستغرب من براعته وكثرة حفظه إلا أنه كان سريع الغضب، حاد الكلام وشكى الطلبة إلى أستاذهم أبي محمد من ماكسن، فسألهم ما يشكون منه، قالوا: (نشكو منه الخفة) فقال لهم: (لقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بم تكون الخفة في المؤمن؟) فقال لهم: (لغزارة في قلبه) وكان أبو محمد يقول لهم: (والله لا أسمع قولكم فيه ولا أقبله) لما تفرس فيه من الخير والبر وجدية في طلب العلم. وظل في دراسته، فاجتهد حتى أصبح عالماً وفقيهاً وإماماً يسعى إليه العلماء، ولم يقعده العمى واليتم عن التعلم والدراسة، فبفضل الله ثم بفضل نصيحة أم يوسف وبفضل بذل الأم الجهد لتعليم ولدها، أصبح ولدها ماكسن ممن يملك إرادة قوية وصدق عزيمة دفعاه إلى أن يتفوق بأعماله المبصرين، ويصبح ذلك العالم الفقيه الذي عوضه الله عن فقد بصره نوراً في البصيرة وضياء في القلب يرى بقلبه ما لا يراه المبصرون بأعينهم.

** ** **



(أمة الواحد

زوج أبي عـامر التصراري)

أمة الواحد امرأة مؤمنة صالحة يجمعها إلى زوجها العالم أبي عامر حب وعطف وحنان وتشابه في الميول والعواطف والأعمال، حدث أن جاءت يوماً عجوز من (تندميرة) إلى (تصرار) تشكو إلى أبي عامر ابنتها الشابة اليتيمة وتدعى (توزين)، وإنها ترفض الزواج خشية حقوق الزوج وخوفاً من المسؤولية في الأسرة، وخافت العجوز على ابنتها أن تتركها في يوم من الأيام دون رعاية أحد، فعطف عليها الشيخ واجتمع بالمشايخ، وذهبوا إلى تندميرة لإقناع الفتاة فاقتنعت، وكانت مفاجأة أن اختارت أبا عامر ليكون زوجاً لها فوافق، ورجع أبو عامر إلى زوجه الحبيبة أمة الواحد بأثقل خبر على المرأة، ورجاها أن تستعد للقاء الزوجة الثانية، فما أخلفت ظنه وقامت تعد في منزل الشيخ ما يعد للعروس في أول الزفاف واستقبلتها استقبال الأخت المحبة.

إن لأمة الواحد قلباً وعاطفة جياشة كما لسائر النساء، وهي تحب زوجها أبا عامر، ولكن لها مع ذلك دين يعصمها من النزق، ويمنعها أن تتعدى حدود الشريعة، وعاشت الزوجتان تحت كنف أبي عامر يرعاهما بلطفه ويغمرهما بحبه ويساوي بينهما بعدله.

ويحكى أن أمة الواحد ذات يوم ذهبت لتجمع الحطب من بعض البساتين، فوسوس لها الشيطان أن الشيخ قد تغدى مع الزوجة الشابة، وتركا لها لقمة باردة في ناحية من البيت، فتعوذت من الشيطان وزادت الحطب إلى حزمتها لترغم أنف الشيطان، فلما رجعت إلى الدار وجدت الزوجين قد تغديا وتركا لها نصيبها في إناء، فرجع إليها الخاطر من جديد فدبت الغيرة في نفسها واصفر لونها، ونظر إليها زوجها أبو عامر بحنان وعطف ورآها متغيرة الوجه، فقام، فقام إليها وأمسك بطرف كمها، وقال كمن يخاطب الشيطان: (اخرج يا عدو الله من جسد طاهر) فاستعادت رشدها وأبعدت وساوس الشيطان ببركة دعاء زوجها وزالت الغيرة من نفسها، وهكذا عاشت أسرة أبي عامر في ظل الإيمان وطاعة الله عز وجل في منزل يغمره الحب والتعاون والتفاهم.

** ** **



(عائشة بنت معاذ بن أبي علي)

ما أحرى بالتاريخ أن يقف قليلاً متأملاً عظمة هذه المرأة الجليلة، وحسبها عراقة في الدين إنها ابنة العالم الجليل معاذ وأخاها أشهر من نار على علم، لقد ولدت في بيت يتلألأ بالدين الحنيف ويتعطر سماه بعبق تعاليمه السمحة، وتتهادى فيه ملائكة الرحمة.. في هذا المناخ الطاهر الباهر نشأت عائشة نشأة مباركة زكية.

كانت أسرة العالم الصالح معاذ بن أبي علي في مدينة (آجلو)، مدينة الصلاح والعلم والعمل، وكانت أسرة دين وعلم وفضل وخير نساء هذه الأسرة ابنته النجيبة عائشة، حفظت القرآن الكريم وهي صغيرة السن، وتفتح عقلها الذكي لمزيد من المعرفة، فلم أبدت عليها ملامح الأنوثة والجمال ونضارة الشباب، طلبت من أبيها أن يشتري لها حصيرا من النوع الخفيف غير عريض، وطلبت من أمها أن تحضر لها عباءة، بعدها أقنعت والدها برغبتها في الاستمرار في طلب العلم على يد المشايخ، فوافقا على ذلك، فكانت تذهب إلى المجامع العلمية متلحفة في عباءتها الساترة الحاجبة، فإذا بلغت المجالس وجلست قريبا من شيخها، استترت بالحصير وتخفت بعباءتها فكان شخصها مفصولا عن الحاضرين لا تراهم ولا يرونها، ولكنها تسمع وتناقش وتكتب ما تشاء في حرية كاملة، فقد انطبق على عائشة قول الشاعر:

فاطلب من العم مـما تقتضي به واعمل بعلمك مضطرا ومـختارا

واطلبه ما عشت في الدنيا ومدتها في موقف العرض أن لا تورد النارا

واجعله الله لا تجعـله مفخـرة ولا ترائي بـه بـدوا وأحضـارا



وقد منّ الله على عائشة بعقل متفتح وذكاء متقد وفهم عميق للعلم، فدرست علم الكلام على يد العلامة الكبير تبغورين بن عيسى الملوشطي، وغيره من المشايخ في شبه تخصص تأخذ عن بعضهم علوم الشريعة والأصول، وتدرس عند بعضهم التاريخ والرياضيات وفروع الثقافة المعروفة في ذلك العصر، وتأخذ عن غيرهم علوم اللغة والأدب، وكانت ترى أن تعلم اللغة وآدابها وما تقوم عليه من نحو وصرف لا بد منه حتى يتسنى للمسلم كتاب الله وسنة نبيه الكريم، وظلت تنهل من هذه العلوم المختلفة حتى بلغت مكانة سامقة في العلم، واشتهرت بين أهل العلم بمعارفها الواسعة وإطلاعها الواسع، فصارت تميز بين مراتب العلماء وتقارن بينهم، وكانت تقول: (رأيت كثيراً من العلماء وأهل الخير، واستمعت إلى عدد منهم واستفدت، ولولا أبو العباس لمت على الجهل).

كانت عائشة مثلاً للمرأة المسلمة المتعلمة المستنيرة التي تشارك الرجل في جميع الميادين الثقافية دون أن تتخلى عن رسالتها كأم ترعى أولادها، وكزوجة تصون نفسها وبيتها وتحفظ زوجها في نفسها وماله وبيته وتوفر له وسائل الراحة والسعادة والاستقرار، فلم يمنعها خمارها وثوبها الساتر الفضفاض من مناقشة أذكى الطلاب والتفوق عليهم، ومناقشة كبار العلماء في أدق المسائل، وصلت إلى تلك المكانة العالية من العلم دون أن تلقي عنها ثوب الحياء والحشمة، فكانت نبراساً لكل امرأة صالحة مؤمنة مجتهدة في طلب العلم.

** ** **



(عائشة بنت محمد بن يوسف العبرية)

هذه المرأة السخية عرفت معنى الاستخلاف في المال فلم يبهرها بريق الذهب والفضة، كان إشراق قلبها وسمو روحها يجعلانها في عالم مضيء بالسكينة والارتفاع عن مغريات الحياة، لقد كانت نهراً متدفقاً بالجود والعطاء، لقد اشترت بمالها الفاني الثواب الباقي الذي ستلقاه – إن شاء الله – ثوابا عند الله في جناته، فهيا بنا نستجلي سيرتها العطرة.

هي الابنة الوحيدة التي خلفها الشيخ محمد بن يوسف العبري، وقد تزوجها الشيخ سالم بن خميس بن عمر العبري، نشأت البرة التقية الحرة المرضية عائشة في بيت أدب وعلم، وتربت تربية صالحة، وساعدها على ذلك البيئة العلمية والدينية التي ترعرعت فيها، اتصفت بالزهد وكثرة العبادة والإسراع في الخير طلباً لما عند الله من عظيم الأجر والثواب. ومن آثارها التي ما زالت موجودة في ولاية الحمراء:

1- بناء مسجد الصاروج المسمى الآن بـ (مسجد السحمة)، وسمي المسجد بالصاروج لأنه بني بالصاروج والحجارة.

2- أوقفت لإصلاح هذا المسجد أثر ماء من فلج العراقي بعبري.

3- أوقفت بستاناً كثير النخل مع ما يحتاجه من الماء لعمل خل يكفي لعامة أهل الحمراء.

4- وما يفضل من ثمر ذلك البستان من الخل أوقفته لمسجد الصلف في بلدة الحمراء لفطرة الصائمين، ولإصلاح مسجد الصاروج أيضاً.

لقد امتثلت هذه المرأة الفاضلة لنصيحة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حين كان يكثر من أمر النساء بالصدقة ويحضهن عليها، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، والوقف هو عين الصدقة الجارية.

** ** **



(عائشة الريامية)

إن الإنسان ليقف مبهوراً أمام سيرة هذه الفقيهة العابدة التي استطاعت أن تتبوأ درجة من العلم، حتى أصبحت فقيهة يفِدُ إليها طلاب العلم من كل حدب وصوب ليستفتوها فيما أشكل من أمور الدين، وغمض من أحكام الفقه، فهيا بنا نتعرف على هذه العالمة الفقيهة.

هي عائشة بنت راشد بن خصيب الريامية البهلوية، سكنت حارة الغاف من بهلا، عاشت في عصر اليعاربة في أواخر القرن العاشر، وبداية القرن الحادي عشر الهجري، وقد عاصرت ثلاثة من أئمة عمان وهم: الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي، والإمام سيف بن سلطان اليعربي، والإمام سلطان بن سيف الثاني، اتصفت هذه البرة الرضية بالزهد والورع والتقى، وقد تتلمذت على يد كبار المشايخ والعلماء في عصرها، وقد أعطاها الله قوة في الذكاء، وعمقاً في الفهم، فاشتهرت بقوة علمها وغزارة إطلاعها، وبرزت في مجال الفتوى والفقه.

وبالإضافة إلى مكانتها العلمية فقد كان لها دور سياسي جسيم، حيث يذكره عبد الله الطائي بقوله: (ولقد شاركت هذه العالمة الجليلة في توجيه الحكم في عصر اليعاربة في عمان، فبعد أن خرج سيف بن سلطان على أخيه الإمام بلعرب طالباً توسيع النفوذ الخارجي ومطاردة البرتغال، في حين اهتم أخوه بالإصلاحات الداخلية، تمكن سيف من الاستيلاء على الحكم بعد وفاة أخيه في الحصن الذي حوصر فيه، فبويع من قبل الكثيرين إلا أن الشيخة بنت راشد رفضت مبايعته، وأصرت على أن يلزم بيته أولاً، وأن يبتعد عن الحكم، ثم ينظر في ذلك من قبل أولي الرأي في البلاد، ولم يستطع سيف أن يعارض هذه المرأة فيحدث لعهده ثغرة بعدم انتخابه، فترك مقر الحكم فعلا ولزم بيته يومين، حتى أرسلت هذه المرأة المسلمة إليه، وناقشته بجانب جماعة من أعيان البلاد في مخالفته لأخيه ثم بايعته على أساس الجهاد والعمل على الإصلاح، وبذلك عاد إلى ممارسة الحكم، وأصبح من بعد في طليعة أئمة عمان حتى سمي بقيد الأرض لسعة نفوذه).

وقد جُمّعت فتاواها في مجلدين تحت اسم جوابات الشيخة عائشة، ولعل لها مؤلفات أخرى في مجال الشريعة الإسلامية، ولكن للأسف فإن مؤلفاتها تلاشت، وكانت هذه المؤلفات توجد بالمكتبات في ولاية بهلا كأمثال مكتبة آل معد، ومكتبة آل مفرّج، ومكتبة الشيخ سالم بن راشد بن ربيعة العوفي الذي كان يسكن حارة الحدّاد بولاية بهلا، وروى جواباتها بعض العلماء مثل العلامة جميل بن خميس السعدي في كتابه (قاموس الشريعة)، وذكر فيه أنه قد أدركها وحفظ عنها.

ونقل بعض جواباتها في كتابه المذكور منها ما نصه:

(عن الشيخة ابنة راشد للضيف إذا كان أكله وحده أكثر مما أن كان رب الطعام حاضرا عنده استحيا منه أو تضيعا لأدب ومذهب أيسعه ذلك، ويكون سالما أم لا؟

الجواب: إنه كان يأكل معه على أي حال، وأما في حسن الخلق فلا يأكل معه إلا أن يكون من الكبراء، والله أعلم).

وليس بعجيب إذن على امرأة بلغت درجة الفتوى أن تكون مهتمة باقتناء الكتب، ومما يؤيد ذلك إطلاعنا على مخطوطة لكتاب المحاربة للشيخ بشر بن محبوب بن الرحيل رحمه الله – وقد كتب في آخر المخطوطة: (كتاب المحاربة – للشيخة التقية الرضية المرضية العالمة الزاهدة عائشة بنت راشد بن خصيب الريامية البهلوية) وهذا الكتاب يقع في أربعة وثمانين باباً، تتضمن أبواباً في العقيدة الصحيحة كالولاية والبراءة وما لا يسع جهله وما يسع جهله وغيرها، وأبواباً أخرى متفرقة كالإمامة والجهاد والدعاوى والقذف وذكر بعض الطوائف الضالة وغيرها من الفروع المهمة في الدين.

ولم تكتف الشيخة عائشة باقتناء الكتب التي يصعب امتلاكها في ذلك الوقت فحسب، ولكنها رأت أيضا أن نسخ الكتب له أهمية بالغة في حفظها من الاندثار، وذخراً للأمة عند تقلب الدهور والأزمنة وبقاءً للعلم، فطلبت من مسعود بن راشد بن حرمل بن مرشد المعمري الخروصي نسخ كتاب جوابات الشيخ أحمد بن مدّاد النزوي الذي هو من علماء القرن العاشر، وتم الانتهاء من نسخه ليلة الخميس لثمان ليال بقين من شهر رمضان عام 1128هـ، وفي مخطوط بيان الشرع الجزء الرابع عشر، ذكر الناسخ بأنها نسخة للفقيهة العالمة عائشة الريامية، وتم الانتهاء من نسخه في الثامن عشر من ربيع الثاني من عام 1128هـ.

ولقد كانت في عصرها- عصر اليعاربة نساء أخريات غيرها، اشتهرن بالعلم فما أعظمه من عصر انتشرت به تلك العالمات ليكن قبسا ترجع إليهن كل فتاة فيما أشكل عليهن في أمور دينهن ودنياهن ويكن شعلة تنير الطريق أمام كل فتاة تحب العلم وتسعى إليه.

توفيت العالمة الجليلة عائشة الريامية في عصر الإمام سلطان بن سيف الثاني، بعد عمر قضته في كفاح من أجل العلم والدين، ودفنت ببهلا شمال الطوي الواقعة بمسجد العبّاد عليه لوح من الرباب مكتوب فيه اسمها وتاريخ وفاتها، ولا يزال قبرها معروفاً ولكن مع مرور الزمن تلاشى تاريخ وفاتها، ولكن اسمها لا يزال محفوراً في ذاكرة الأجيال يتـناقله الأبناء عن الآباء، وقد سميت مدرسة ببهلا باسمها تخليداً لذكراها العطرة.

** ** **



(راية البيمانية)

نشأت هذه المرأة الفاضلة في مدينة الرستاق، تلك المدينة التاريخية التي خرجّت العلماء والأئمة والأبطال، فقد كانت الرستاق في وقتها تعد عاصمة ثانية بعد نزوى نظرا لأهميتها الاستراتيجية.

وعايشت راية البيمانية عصر اليعاربة ذلك العصر الذي كان من أزهى الفترات التي عاشتها عمان، فترة امتلأت بالازدهار الاقتصادي والعلمي، ومما ساعدها على ذلك قيام أسسها وبنيانها على أحكام كتاب الله عز وجل ومنهج الرسول صلى الله عليه وسلم والتزام مبدأ الشورى في جميع الأمور.

اهتمت راية البيمانية بنسخ الكتب بنفسها، وما ذلك إلا دليل على اهتمامها الواضح بالعلم، فقد أدركت بثاقب بصيرتها أن الكتاب هو الصديق والمؤنس، يرجع إليه الإنسان فيما أشكل عليه من أمور الدين والدنيا، ويقتبس من خلاله الثقافة والعلم بأصول الدين وفروعه.

وما تزال بعض الكتب التي نسختها باقية إلى الآن مثل:

1- كتاب بيان الشرع، الجزء الرابع، للعلامة محمد بن إبراهيم الكندي، وقد انتهت من نسخه بتاريخ 2 من ذي الحجة عام 1101هـ.

2- كتاب كشف الغمة وبيان اختلاف الأمة، ولم يذكر مؤلفه، وهو مخطوط يتضمن مسائل في أصول الفقه كما يتضمن عدة مواعظ نثرية وشعرية بأسلوب جميل، وقد أتمت نسخه بتاريخ 17 من ذي الحجة عام 1122هـ.

** ** **

ورد المنى
07-05-2003, 05:51 PM
(مـامـا ستّـي)

هذه الأم الكريمة من الأمهات اللاتي بذلن مجهوداً مضنياً في سبيل العلم الصحيح وتأصيل المعرفة الإسلامية العلمية، فمن هذه الأمة القدوة؟ إنها والدة قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، واسمها ماما ستّي وهي ابنة الحاج سعيد بن عدون، ورثت من أسرتها الذكاء والعلم والفضل، فكان جدها وعمها وأخوها من العلماء الأفذاذ الذين نبغوا في عصرهم، اتصفت ماما ستي بالورع والتمسك بالدين، ونشأت محبة للعلم والعلماء، تعرف فضل العلماء ومكانتهم وقدرهم، وأن العلم أنفس شيء في الوجود، تزوجت من السيد الصالح الحاج يوسف، وكان ذا أثر بليغ فيها، فقد رسخ فيها ما ورثته من أسرتها من حب العلم والدين والحماس للنهضة الحديثة وقوّاه، ولقد رزق الله هذا الزوج نعمة الذهاب إلى حج بيت الله الحرام، وبعد طوافه نام فرأى رسول الله صبى الله عليه وسلم في منامه يدنو منه باسماً متهللاً، ويكتب شيئاً في ظهره فاستفاق الحاج يوسف، وقلبه يغمره الانشراح، فلما رجع إلى وطنه استقبلته زوجته ماما ستي في حبها وحنانها وأشواقها فحدثها بالرؤيا، فاستبشرت، ثم حملت بعد مدة قصيرة بالولد السعيد، وبعد ولادته كان كما تمنيانه غلاماً جميلاً قوي البنية تبدو على نظراته وسيماء وجهه آيات الذكاء والنبوغ وعلامات الصلاح والنجاح، وأسمياه محمداً تيمناً وتبركاً بالرسول صلى الله عليه وسلم، وتمنيا من الله أن يكون ولدهما في مصاف العلماء.

وكان لا يرى الطفل محمد أباه بعد رجوعه من العمل أو المسجد إلا بين كتبه يقرؤها، فنشأ الطفل الصغير محباً للكتب تواقاً للمعرفة، وما يكاد يبلغ محمد الخامسة من عمره حتى يرى والده محمولاً على الأعناق إلى المقبرة، فارتاع وسفح الدمع الغزير، ولكن أمه ماما ستي أخذت تحنو عليه وتبالغ في الحنو وتكفكف دمعه، وتعوضه برعايتها وحسن تربيتها وتوجيهها ما فقده من حنان أبيه ورعايته.

وكانت الأم ترقب تصرفات ولدها، فترى حبه للعلم منذ نعومة أظافره لدرجة أنه لا يكاد يجد ورقة مكتوبة في الشارع أو في الدار، إلا ويأخذها ويراها أعز ممتلكاته، وكان في ألعابه يقلد أصوات القراءة متلذذاً بها، فأيقنت الأم نجاحه لا يكون إلا في العلم وأن الله قد حقق آمالها وآمال أبيه فوهبها هذا الولد الذكي، وأورثه الشغف بالعلم والقراءة منذ صباه، وآلت أن تصارع الدهر والحاجة وتترك ابنها يتعلم حتى ينبغ.

كانت ماما ستي حصيفة العقل، قوية الشخصية، عالمة نشيطة، تثبت في وجه الحياة المكشرة العابسة، فقد كان زوجها المتوفى مع حبه للعلم وأهله، تاجراً إلا أن هلم يتفرغ للتجارة وبالتالي لم يحقق ثراءً يذكر، فعندما توفي لم يترك لابنه وزوجته سوى دار يسكنونها، وثلاث نخلات، ومال يسير سرعان نفد، ولكنها بحسن تدبيرها اعتمدت على منسجها، وبراعتها في النسج، فعالت نفسها وابنها ولولاها لاتجه ابنها اتجاها ماديا يودي بنبوغه كما أودى الفقر والجهل بنبوغ كثير من اليتامى وأبناء الأمهات الجاهلات، وقد عهدت بولدها إلى أحد المؤدبين فحفظ القرآن، وختمه وأتقن حفظه وهو ابن ثمان سنوات، وقتها انتشت الوالدة باستظهار ولدها للقرآن الكريم، وكان ذلك اليوم أعظم عرس لها في الحياة، وقد أولمت له، وامتلأت دارها بالمهنئات، وأسرع إليها أقاربها يباركون للطفل ويهنئونها، وأسرع الطفل بعد ذلك إلى دور العلم يزاحم بالركب زملاءه في حقل الحلم، وأظهر ميلاً قوياً لحضور مجالس العلماء حتى إنه حين وصل العشرين من عمره كان يعد من أكابر العلماء، فقام بدور رائد في إحداث نهضة علمية في بلده وتخرج على يديه كثير من طلبة العلم، كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر وتصدى للبدع في عصره، ثم لقب بقطب الأئمة عن جدارة، فحقق به وصف الشيخ الخليلي حين يقول: (كان رحمه الله أمة في فرد وفرداً في أمة فقد جمع بين العلم والعمل)، فهنيئاً لماما ستي التي كانت هي السبب بعد توفيق الله عز وجل في اتجاه القطب إلى العلم، فقد دلت ابنها على طريق الفوز والنجاة ورتبة الشرف في الدارين: الدنيا والآخرة، ولها من الأجر – إن شاء الله – بعدد ما قدم الشيخ من حسنات وأعمال صالحة.

** ** **



(أم الشيخ صالح بن علي بن ناصر الحارثي)

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم) على هذا المبدأ اختار الشيخ علي بن ناصر الحارثي زوجته، وهي ابنة الشيخ علي بن سعيد الحضري الحارثي، فإنه كان معه يوما في غارة ضمن الحروب الدائرة في ذلك الوقت، فأعجب بشجاعته وإقدامه وفطنته؛ فأضمر في نفسه إن كان له بنت ليخطبها ويتزوجها لأنه لاشك أن ولدها سيكون نجيبا ذكيا.

وسارت الأمور كما يشتهي فها هي بعد زواجه منها تنجب له ولداً أسماه صالحاً، واهتمت هذه المرأة اهتماماً بالغاً بهذا الابن رغم إنه كان لها ولد من زوج سابق لم ينل نفس الرعاية والاهتمام الذي ناله صالح، وحين سئلت عن سر ذلك، أجابت أن صالحاً ستكون عليه مسئولية لا تكون على أخيه، وذلك لأن أباه شيخ قبيلة بعكس الابن الآخر، ثم إنها جلبت له مرضعة معروفة بطلاقة اللسان وقوة المنطق، وقد سئلت عن ذلك أيضا فأجابت: (إن هذا الولد سيخاصم ويخاصم، فإن كان لا يعرف أن يتكلم فكيف يبز خصمه) فصدقت فراسة أمه في كل ذلك، فأصبح الشيخ صالح من بعد ليس رئيساً على قومه فحسب بل أكسبه جهاده وصلاحه طاعة القبائل الأخرى، ولقد كان تأثير حليب تلك المرضع طلاقة في اللسان وقوة في الصوت فكان ذا صوت جهوري يُسمع من بعيد.

وهكذا يلوح ذكر هذه الوالدة كلما ذكرت سيرة وصفات المجاهد الشهيد صالح بن علي عليه رحمة الله ورضوانه.

** ** **



(ستي بنت عمر نتموسني)

نشأت هذه المرأة الفاضلة في بيت علم وأدب، فكان أبوها العالم الجليل عمر نتموسني رباها على أسس التقوى والعلم، ولقد بذل والدها ماله في اقتناء الكتب النفيسة النادرة، وكان أغلبها مخطوطاً لا يظفر بها إلا العلماء الكبار وبأغلى الأثمان، اتصفت السيدة ستّي بالذكاء البارع، وشجعها وجود مكتبة والدها على الإطلاع الواسع في فنون العلم المختلفة حتى أصبحت ذات ثقافة عالية، وعندما توفي والدها الجليل عمر أحست بالغيرة على كتب أبيها، فبذلت كل جهد للحصول عليها فكانت هي نصيبها من ميراث أبيها ولعلها قد اشترتها من الورثة.

وعندما توفي زوج السيدة ستي خطبها قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش فرضيت به، وكان بعض الجهلة الحاسدين من قومها يناصبون القطب العداء، ويتخذون كل وسيلة لحرمانه من الاستفادة من خزانة كتب خاله، فكان زواجهما سراً لا يعلمه إلا الخاصة خوفا من الجهلة الغلاة من قومها، وفي اليوم الأول من الزواج استبقى القطب تلامذة غرداية، وضيّفهم في دار السيدة ستّي، فدخلوها ووجدوها مفروشة بأحسن الفرش، مبخرة، فقدم إليهم الطعام، وبعد الطعام كلمتهم السيدة ستي من وراء ستار فرحبت بهم، وأخبرتهم بزواج الشيخ منها فهنئوها، ثم قالت: (لقد اخترتكم أنتم تلاميذ غرداية لكتمانكم للسر لتشهدوا، ألا فاشهدوا أنني قد وهبت خزانة الكتب، وهذه الدار، للقطب فهما ملك له، وستكتب وثيقة الملك لتشهدوا فيها) وكانت خزانة كبيرة من الكتب، ووهبت له أيضاً بعض أثاث الدار القيم رحمهما الله، قال الشيخ بهون: (ورزق الله القطب لإخلاصه وورعه وعمله لله ثلاث أشياء نفيسة: الزوجة الصالحة الوفية، وخزانة الكتب، ودار في أحسن وأغلى حي في بني يسجن).

** ** **



(عائشة بنت الناصر محرزي وابنتها)

ولدت هذه المرأة المسلمة الصالحة بمدينة بريان في ولاية غرداية بالجزائر في القرن التاسع عشر الميلادي، وترعرعت في بيئة صالحة طاهرة مفعمة بالإيمان القوي وحب العلم، وقد غرس والداها فيها حب العلم والمعرفة والتفقه في العلوم الشرعية بحيث كانت تتردد على الكتاتيب القرآنية النسائية، فحفظت القرآن الكريم وأحاديث نبوية شريفة وعدة متون دينية.

فنشأت مثقفة ورعة قوية الشخصية ذكية حافظة لا تكاد تنسى شيئاً مما تسمعه، وكانت تتشرب دروس العالم الجليل القطب، وتحفظ أحكام النساء في الدين فتعظهن وتفتيهن، وكان القطب يجلها لأثرها العميق في نساء بريان، ويعدها من أكبر تلميذاته، ولما هرمت وصارت لا تستطيع زيارة القطب صار هو يزورها في دارها وفاء لها، وتقديراً لجهودها، وقد اختار مجلس العزابة هذه السيدة الكريمة لتكون كبيرة العزابيات في بريان لعلمها وكفاءتها في تسيير ذلك المجلس الديني، لقد كانت هذه المرأة داعية تعيش من أجل نشر مبادئ الحق وتعاليم الإسلام السمحة، حتى تخرجت على يدها الكريمة العالمات الصالحات اللاتي برزن بدورهن الرائد في بيوتهن ومجتمعهن.

عاشت هذه العالمة حياة ملؤها جهاد ونضال في الحق، حتى توفاها الله.

وإذا كانت هذه سيرة السيدة الفاضلة العالمة عائشة، سيرة علم وتقوى وجهاد من اجل الدعوة، فقد أخذت منها ابنتها علمها وصلاحها، فكانت من المثقفات الفاضلات وكانت كأمها لها ذاكرة قوية تسمع الدروس الطويلة فتحفظها وتعيدها، وكانت من المواظبات على حضور دروس القطب فكانت حريصة على فهمها لهذه الدروس القيمة والإلمام بها حتى بزغ دورها في الدعوة، فكانت تجتمع بالنساء وتحفظهن مما حفظت من دروس القطب، فتخشع القلوب، وتسيل الدموع، وتحدث النساء عن عذاب القبر والحساب والعقاب بين يدي الله والنار وأهوالها في الآخرة، فتخرج النساء من المجلس وقد أحسسن برقة في القلب وخشية ورهبة، واهتمت بالشؤون الاجتماعية في بلدها (بريان)، فكانت ترى أنه إذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وكانت تسعى بالصلح بين الأزواج وبين المتخاصمين في العائلات، لا تسمع بنشوز في عائلة من معارفها إلا وتسرع فتعظهن بصوتها الخاشع المؤثر المؤمن بما سمعت من القطب، فتطفئ النيران وتزرع المحبة وتحل المشاكل التي تكدر صفو العائلة، ولما توفيت انطفأ نبع غزير من النور ومصدر عظيم للصلاح والدين يرحمها الله.

** ** **



(سليمة الصقرية)

هي ابنة الزاهد الورع الشيخ سعيد الصقري، نشأت في كنفه، فكان مدرستها الأولى التي درست فيها الفضائل والآداب الكريمة، فاتصفت بالحلم والزهد والأخلاق الرفيعة، ثم شاء لها القدر السعيد أن تقترن بالإمام المحتسب الشيخ صالح بن علي الحارثي، فكان مدرستها الثانية، فصارت سنداً وعوناً لزوجها الصالح، وكانت تعرف قدر الناس وتنزلهم منازلهم، تأثرت في ذلك بأبيها وزوجها، ولقد تبوأت مكانة عظيمة في قلب زوجها الصالح التقي الذي ان لا يستغني عنها لثقته الكبيرة فيها، ولكن بالرغم من ذلك فقد حصل بينهما ما قد يحصل بين أي زوجين من خلاف، وسوء فهم، فرأت أنه من المناسب أن تذهب إلى بيت أهلها إلى أن تهدأ الأمور، فأحس الإمام بالفراغ الكبير الذي تركته زوجته، وبحاجته الملحة إليها في بيته ونفسه، فبادر إلى استرضائها فلم تمتنع وعادت إلى بيتها كأفضل ما تكون الزوجة الصالحة.

وكان لها فضل في إنقاذ حياة زوجها الإمام من الهلاك، حين أهداه أحد أعدائه عباءة مسمومة فأوجست منها ريبة ونصحته بأن لا يلبسها، وقد أخذ الشيخ بنصيحتها وقد جربت الزوجة الصالحة هذه العباءة على قطة فماتت، وأصبحت هذه الواقعة يضرب بها المثل (أقطع من سم البشت).

ورزقهما الله عز وجل من زوجها الإمام ابناً وثلاث بنات، وهم عيسى وعزيزة وشمية وعائشة فبذلت الأم الصالحة نفسها ووقتها من أجل تربيتهم على المبادئ السمحة وعلى العلم والصلاح وأحسنت تربيتهم، فنبغ من أبنائها عيسى الذي أصبح بعد وفاة والده شيخاً لقبيلة الحرث.

** ** **



(شمسة الخليلية)

ترى هل يكفي لنعرّف هذه الشخصية أن نقول إنها ابنة العالم الرباني المحقق مجدد القرن الثالث عشر شيخ الإسلام سعيد بن خلفان الخليلي، أم نقول إنها زوج الإمام عزان بن قيس البوسعيدي، أم نذكر أنها أخت الشيخين أحمد ومحمد ولكن لن نكتفي بهذا لنعلم قدرها وشرفها فالنسب والقرابة لا قدر لهما في الإسلام إلا بقدر ما يقربان صاحبهما من الله عز وجل: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). فهيا بنا نستجلي بعض ملامح شخصيتها وسيرتها العطرة.

ولدت السيدة الفاضلة شمسة في قرية بوشر بولاية مسقط، تعلمت القرآن الكريم والعلوم الفقهية والأدبية، في ذلك البيت المسلم بيت العلم والفضل والتقى، فترعرعت محبة للعلم، ساعية في تحصيله، ومما ساعدها على ذلك ما حباها الله من عقل واع، وقلب متفتح، فارتوت من معين والدها الدفاق، حتى بلغت درجة من العلم وأصبحت مرجعا للفتوى وخاصة في مسائل النساء الدينية.

وقد نالت هذه البرة الرضية شرف الاقتران بالإمام الرضي عزان بن قيس، وعاشت معه حياة هانئة سعيدة، ولكن ما يكاد يمضي عام على زواجهما المبارك إلا ويلتحق زوجها الإمام بسلك الشهداء، ففجعت بتلك المصيبة كما فجع معها المؤمنون الأحرار بفقد إمامهم وقائدهم، ولكن كما قيل: (لا دواء كالصبر) وبشر الصابرين.

استشهد الإمام وهي حامل منه فكان مولودها ذكراً، وقد استشهد زوجها الإمام وهي ما تزال في ريعان الشباب، بل لعلها في العشرين من عمرها أو حول ذلك، وتقدم الصالحون لخطبتها، ولكن من كمثل عزان وطيفه لا يزال أمام ناظريها، فما كان جوابها لهم إلا قولتها المشهورة: (لا رجل بعد عزان)، وفضلت أن تبقى حاملة ذكرى ذلك الإمام الشهيد، ولا تكاد هذه السيدة الجليلة تستفيق من حر مصيبة فقدان الزوج، حتى تنزل عليها مصيبة أخرى وهي استشهاد والدها وأخيها محمد حين قتلا ظلما وغدرا، ولكن لا حيلة في رد القضاء، وهي وإن كانت مصيبة في حد ذاتها، فإن مما يسليها أن أولئك الأخيار إنما دفعوا أرواحهم ثمنا رخيصا لرضوان ربهم، وإقامة منهجه على الأرض، فانتقلوا إلى جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وكان لهذه الفقيهة البرة يد في علم الأسرار، وقد حباها الله بأموال كثيرة ورثتها عن أبيها الشيخ المحقق الخليلي واتصفت بالكرم والسخاء وكثرة التصدق على الفقراء والمساكين، وكانت تساعد ابن أخيها الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحمه الله بهذه الأموال من أجل معاونته على الخير والسير في طريق نشر العدل في الأرض، وكانت كثيرا ما ترد إليه الأموال التي كان يبيعها وتشتري الأموال ثم تردها إليه من أجل ذلك.

وقد ظلت هذه المرأة الوفية من غير زوج بعد الإمام عزان أكثر من ثمانين عاما حتى وفاتها، وذكر مؤلف كتاب (الزمرد الفائق) للخصيبي أنه أدركها وزارها عام 1350هـ في ولاية سمائل، وكانت صالحة فاضلة، وعندما دنت وفاتها رأت الإمام عزان بن قيس رحمه الله في منامها وأخبرها عن العلاقة الزوجية بأنها باقية، وعاشت هذه المرأة الصابرة حتى اختارها الله بقربه على أثر ذلك، ودفنت في العلاية بولاية سمائل وذلك في عصر إمامة ابن أخيها الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، رحمها الله رحمة واسعة، وأكثر في نساء المسلمين أمثالها.

** ** **



(عائشة العامرية)

نشأت هذه العالمة الفاضلة في القريتين من أعمال إزكي بعمان، في القرن الثالث عشر الهجري في بيت علم وأدب بين أب وعم فقهاء أعلام، ولقد اشتهرت بسعة العلم والمعرفة حتى كانت مقصد العلماء ولمزيد من التعرف على صفاتها نحيل القارئ إلى رسالة الشيخ عامر بن سليمان الريامي التي أرسلها إليها وهو من هو في العلم والدين ما يعصمه عن التملق والمبالغة في القول، يقول فيها: (نقية الأصل والفرع، طيبة الأرض والزرع، خصيبة المرعى، كريمة المسعى، نجيبة الخصال، واضعة درر المروءة قبل الفصال، المتسربلة بثوب العفاف، المتدرعة بمسرودة الكفاف، السالكة منهاج العلم، الراقية شناخيب مدارج العلم، كريمة عشيرتها، ونصيحة مسيرها، وسامية المرتقى، وبقية من بقى، سيدة المنتقات، المشايخ الثقات بنت مسعود بن سليمان بن سرحه بن حرمل بن حمد بن سرحان بن محمد بن ناصر بن أبي عامر العامرية المضريّة النزارية، سلمها الله سلامة سرمدية أبدية، ونجّاها من كل رزية وبلية ووقاها كل مماذق عايق، وكيد كل فاسق منافق). ولقد كان لها آراء وفتاوى رويت عنها في عدة كتب معاصرة لها وتالية، اهتمت هذه العالمة الجليلة بنسخ الكتب لما لها من أهمية بالغة في توسيع ثقافة كل طالب علم مثل كتاب المهذب المتخصص في علم الميراث وقد كتبته بخط يدها.

ونختم الحديث عنها بمقتطف من رسالة الشيخ عامر بن سليمان الريامي السابق ذكرها والتي يقول في مقدمتها: (ولما عز اللقاء، وصعب المرتقى، لم يفتر الخاطر، ويقر الناظر إلا بتعريفكم حيث أنتم بقية المؤدين، قال الله تعالى: (فإخوانكم في الدين)، لا عدمنا وجودكم، ولا حرمنا فضلكم وجودكم). وبعدها تكلم عن الدنيا، وكونها دار ابتلاء والآخرة التي هي دار القرار فقال: (كل شيء لدوران، وكل حي فان، الدنيا نفعها ضرا، وحلوها مرا، ونعيمها انتقام، وسرورها أضغاث أحلام، ما أجمل من ألبوس التقوى عند البؤس الأقوى، ولو استخبر أهل المقابر من السنين العوامر لبدلوا عن الهضائم العظائم، والجفاء للأوفاء، ما من رسول ولا نبي إلا أخبر الله عنه بالتنكيل من أهل الأباطيل وليحصدوا ثمرة الصبر ويؤدوا لوازم الشكر، أين نحن من لفظ طعامهم، أو تراب أقدامهم مع سوء سريرتنا، وقبح سيرتنا، والحمد لله على كل حال فالحياة إلى زوال، فالسفر ينادي، والأيام رواحل، والشهور مراحل، والطرق غير مأمونة المخافة، فالعاقل من تأهب للرحلة، وترك عنه تسويف المهلة، وتقمص بقميص الحق، وتردى برداء الصدق، واعتم بعمامة الإيمان، وتحزّم بطاعة الرحمن، وتقلد بسيف اليقين، وركب مطية الموفقين، وساقها بعصى السياسة، وأوردها من حياض الكياسة، وأناخها في قنوات النيات، وقرع الباب في ظلمات المدلهمات، على كريم المعطيات غفار الخطيئات، فعسى ولعل تحل به أمنع محل في عيش هني، وشراب مري وروضات ورياض، ونهور وحياض وموائد وولائد، وقصور وحور، فتلك تجارة لن تبور...).

** ** **



(نقية بنت عامر بن سالم بن راشد الحجرية)

ولدت الفاضلة الزكية نقية في قرية الواصل من أعمال بدية بعمان، وتزوجت بالعالم الزاهد راشد بن خلفان بن علي الحجري.

درست مع زوجها العالم مجالات الدين المختلفة فكان زوجها العالم الزاهد مدرستها الأولى، حتى توفي رحمه اله، فتزوجها إثر وفاته السيد فيصل بن عزان بن قيس البوسعيدي الرستاقي المسكن، ورأت أنها بحاجة إلى مزيد من الإطلاع في ما يهمها من أمور الدين، فتتلمذت على يد الشيخين الجليلين راشد وسالم ابني سيف اللمكي حتى اشتهرت بعلمها الواسع وزهدها المنقطع، فأصبحت عالمة مقصودة، واشتهرت بزهدها، وكانت كاتبة زوجها بسبب حسن خطها وجماله حيث كانت تكتب الرسائل للسيد فيصل، وعاشت هذه الزاهدة ما يقارب الخمسين سنة قضتها في العطاء والبذل، ومن الغرائب أن تتوفى هي في الرستاق في بلدة زوجها السيد فيصل، ويتوفى زوجها فيصل في بلدها الواصل ببدية إثر زيارة قام بها إلى هناك.

توفيت رضي الله عنها عام 1320هـ بمحلة القرن بالرستاق، وقبرها معروف مشهور هناك.

** ** **



(مامة بنت عبد العزيز)

هذه المرأة العظيمة وهبت حياتها لخدمة ديننا الحنيف الاهتمام بالجانب العلمي، ولدت السيدة الجليلة مامة في مدينة مليكة العليا بوادي ميزاب بالجزائر عام (1270هـ / 1850م) في كنف عائلة مؤمنة مشهورة بالعلم والعمل، تلقت علومها الأولى في الكُتّاب فحفظت القرآن الكريم عن ظهر قلب، وكانت شغوفة بالعلم فلازمت عدداً من حلقات العلم كحلقة الشيخ محمد بن سليمان، والشيخ عمر بن سلمان، والشيخ عمر بعمارة، وغيرهم فأخذت عنهم الفقه وعقيدة التوحيد، وحفظت الكثير من المتون الدينية المعروفة آنذاك، والحديث والسيرة والابتهالات، وسعت إلى حضور مجالس الذكر، ودروس الوعظ والإرشاد في المسجد، وكانت شغوفة بشهود الصلاة مع الجماعة حتى أنها كانت تدق جدار المسجد من مصلى النساء عندما يخطئ المجلس في التلاوة فتهمس لهم بالآية الصحيحة ليرجعوا إلى الصواب.

ومن هنا ظهر نبوغها واستيعابها الواسع للعلوم، حتى غدت علماً من أعلام النساء في بلادها، فتألق نجمها حتى ارتضاها المشايخ رئيسة لحلقة المرشدات في مليكة العليا، بذلت نفسها وجهدها في نصرة الحق ومقاومة الضلال والجهل، وردع العصاة والمفسدين عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل شجاعة وإخلاص، اهتمت بالأطفال الصغار فدرستهم القرآن الكريم، فكان من تلاميذها ممن أصبحوا بعد ذلك قضاة ومؤدبين وعلماء، وبرز دورها بين بنات جنسها، فأخذت تعلمهن القرآن الكريم، وتبصرهن في أمور الصلاة والصيام، وحقوق الزوج وغيرها حتى تخرج على يدها كثير من النساء النابغات الصالحات كأمثال مسعودة بنت صالح التي أصبحت رئيسة للمرشدات من بعدها.

حرصت هذه المرأة الكريمة على إرشاد النساء، وتذكيرهن بواجباتهن كلما وجدت إلى ذلك سبيلا وخاصة في مؤتمرات (لا إله إلا الله).

وكان دورها بارزاً في المجتمع فأخذت تعلن الرفض والمعارضة الشديدة أمام أي خلل تراه يظهر في المجتمع من المسجد أو غيره، حتى قال عنها أحد الأعيان وقتها: (إنها كانت تقف أمامنا كالجبل الشامخ بالبراءة والهجران سواء من الرجال أو النساء).

ومن أعمالها الجليلة ترؤسها لمجالس الصلح بين العائلات المتنافرة لإصلاح الصدع وإحلال الوفاق بينها بكل إلحاح وإخلاص، مهما كان نوع المشكلة التي فرقت بينها، وكانت كثيراً ما توفق إلى النتيجة المرضية والحل الأعدل بين الطرفين، وفي غمرة هذه الكرامات والصفات النبيلة اختارها الله إلى جنة الخلد تاركة وراءها ذكراً طيباً، وعملاً متقبلاً صالحاً بإذن الله تعالى، وكانت وفاتها عام (1340هـ / 1922م).

** ** **



(عائشة بنت عمر بن سليمان)

ولدت هذه السيدة الجليلة عام 1272هـ في مليكة من ولاية غرداية بالجزائر، كانت أمنية والدها أن يرزق بابنة عالمة في أمور الدين، وعندما ولدت عائشة وقبل أن تذوق طعم لبن أمها أشربها أبوها غسيل سورة الانشراح، ورباها هذا الشيخ الفاضل بعد ذلك تربية دينية علمية على خلق القرآن الكريم، وبذر في نفسها مبادئ الدين وعلومه الأولية، وكان أخوها من علماء ذلك العصر، فاستفادت منه في كثير من علومها، لقد أحبت العلم فأقبلت على حفظ القرآن الكريم، بعدها طلبت من الشيخ صالح بن علي العلي أن يقبل انضمامها إلى حلقة (إروان) فرفض لأنها خاصة بالرجال فقالت له: (ما حجتك أمام الله إذا منعتني؟) وكان من حرصها على طلب العلم أنها كانت تنافس علماء زمانها وتستزيد منهم العلم، ومن هؤلاء العلماء الشيخ سليمان ابن بكير مظهري وغيرهم الكثير، ولقد كان لها من الذكاء والعلم والأخلاق ما أهّلها أن تكون محط إعجاب العلامة محمد بن يوسف أطفيش؛ فتقدم لها وتزوجها، ولقد تلقت من زوجها العالم الجليل صنوف العلم المختلفة حتى غدت عالمة نابغة ولا سيما في علوم الميراث، كانت عائشة أفضل امرأة لدى الشيخ أطفيش، أسعدت زوجها، وجعلته ينصرف إلى العلم بالهدوء المنزلي والجو العائلي الحسن الذي تحفه به، وأنجبت له ثمانية ذكور ربتهم فأحسنت تربيتهم حتى غدوا صالحين مصلحين، وهم وإن لم يرثوا علم والدهم ولكنهم ورثوا صلاحه، وكان من حب زوجها لها أن اصطحبها إلى حج بيت الله الحرام.

ولم تكتف هذه الزوجة المطيعة والمربية الفاضلة بدورها في مجال الأسرة بل تعداه إلى المجتمع المحيط بها، فقد كانت تشجع الصبيان والبنات على العلم وتقوم بإهداء أدوات الكتابة لهم، وفتحت منزلها لتعليم البنات والصبيان القراءة والكتابة، وتحفيظ القرآن الكريم، كما أنها اهتمت ببنات جنسها فكانت تقوم بالوعظ والإرشاد للنساء في المجالس النسوية، وتفسر لهن القرآن الكريم، وتفتي لهم في المسائل الدينية الخاصة بهن، وكانت حريصة على الاستزادة من العلم عن طريق حضور دروس المشايخ التي يلقونها في المسجد.

وفي عام 1356هـ رحلت هذه السيدة الجليلة إلى دار الآخرة لتنعم في جوار الله بجزاء المؤمنات العابدات الصابرات الشاكرات.

** ** **



(مامة بنت سليمان)

لقد قيضها الله تعالى لخدمة الإسلام وأهله فتركت بصماتها على صفحات التاريخ الإسلامي، لتكون من النساء اللاتي شاركن في ركب الحضارة الإسلامية والمضي بها في طريق الرقي والازدهار.

ولدت السيدة مامة بنت سليمان بن إبراهيم عام (1280هـ / 1863م) في مدينة غرداية بالجزائر، وترعرعت في أحضان عائلة مؤمنة قوية.

أخذت علومها الأولى في كُتّاب المدينة فاستظهرت نصف القرآن الكريم، وأتقنت القراءة والكتابة، وأخذت حظاً من علوم الشريعة، ومبادئ العربية والنحو من بعض مشائخ عصرها كأمثال الشيخ بابكر بن مسعود، والشيخ بهون بن موسى، وزوجها الشيخ يعقوب العزناوت، وابنها الحاج بكير بن عمر، وغيرهم الكثير.

حفظت عقيدة التوحيد، ودرست الفقه من كتاب الإيضاح، والنيل وشرحه، والتفسير من كتاب تيسير للقطب أطفيش، والنحو من كتاب الأجرومية، والسيرة النبوية، وتاريخ الإباضية، وأما الأخلاق وتهذيب النفس فمن كتاب قناطر الخيرات.

كانت حياتها منارة هدى وإيمان في بيوت التقوى والصلاح، فتحت منزلها لتعليم بنات جنسها القرآن الكريم والعقيدة الصحيحة والعبادات، أخذت توجه النساء وتعظهن في حصص أسبوعية مستمرة وخاصة في شهر رمضان فكانت لنساء بلدها المعلمة المؤمنة والمرشدة الصالحة.

انضمت هذه الأم المربية إلى حلقة المرشدات بغرداية وترأسها عام 1324هـ فأخذت على عاتقها مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما حلت، لا تخاف في الله لومة لائم، فهي تعلن البراءة والهجران من النساء المستحقات لذلك في مقرهن العمومي وتعلن العفو عن التائبات كذلك، فأصبحت بمثابة عصبة البلد والعمود الفقري لتماسك العائلات عن أمواج الجهل والفتن المتلاطمة، وذلك من خلال سعيها الدؤوب لإصلاح ذات البين لما لها من قوة في الذكاء، ومكانة في المجتمع، وهيبة في النفوس، وحكمة في الرأي، وكان لها خبرة في سياسة الأمور حتى أصبحت نحل استشارة الأعيان والعزابة والقواد، ومن خلال مهمتها كرئيسة للمرشدات ألزمت نفسها الإشراف المباشر على تطبيق أوامر المسجد في الأوساط النسوية بكل حرارة وإخلاص لدى جميع المناسبات المقننة من طرف العزابة في المسجد، فهي بالتالي كانت حلقة الوصل بين العزابة وأعيان البلد والمجتمع النسوي، ومن أهم أعمالها الجليلة التي بذلت الجهد من أجلها مقاومتها للبدع والخرافات في زمانها، فقد قضت هذه المربية الفاضلة على كثير من الخرافات التي كانت تخيم على العقول بسبب الجهل والتقليد الأعمى، واستبدلتها بالتقاليد الطيبة النظيفة، مثال ذلك: منع زغاريد النساء عند رؤية السيل، ومنع زغاريدهن صباحا بعد اللقاء الأول بين العروسين، ومنع الإسراف في تزيين العروس شفقة على الضعيف، ومنع بعض الأطعمة والهدايا التي كانت يتبادلها الناس فيما بينهم في المناسبات، وفرض تحية (السلام عليكم) عند جميع الناس عوضا عن التحيات الأخرى غير المعهودة في الإسلام، ومنع كل ما فيه كشف لحجاب المرأة وضياع حرمتها، ولقد استجاب أهل غرداية لهذه المرأة الصالحة بكل ثقة ورغبة ورهبة، وكانت قاعدتها الأساسية للإصلاح والمقاومة هي الولاية والبراءة التي لا تطبق من جهة فرد واحد وإنما جماعة النساء والرجال فيعطي ذلك أثره العميق في الامتثال لأوامر الله والانتهاء عما نهى الله عنه، ولقد تقدمت هذه المرأة المؤمنة جنبا إلى جنب مع أخواتها الصالحات مع الرجال في الثورة على الاستعمار الفرنسي الذي قام به على الجزائر عام 1270هـ، فقد ذكر الأستاذ إبراهيم قرادي في رسالته: (إن الجماعات الدينية للنساء نظمت مؤتمراً تحت رئاسة رئيسة الجماعة الدينية النسائية بغرداية وهي المسماة (مامة بنت سليمان) وقررن إصدار أوامر بمقاطعة كل ما يتصل بالفرنسيين من لباس ومواد وغيرها وحمّست هذه المرأة الكريمة الجماهير على هذه المقاطعة السلبية وعقوبة كل من خالف الاجتماع هو إعلان (البراءة والهجران) ضده سواء من الرجال أو النساء، فعمّر الإضراب أكثر من ثلاثين عاما، ترك أثرا إيجابيا على المؤمنين بالفكرة، فكان الطفل يتدرب على ذلك منذ نعومة أظافره من أمه حتى لا تكون لديه عقدة ضدها فيرميها ويبتعد عنها، ولقد نجح إضراب مامة بنت سليمان نجاحاً باهراً فإلى عهد قريب كان اللباس الأوروبي ومأكولاته ومغرياته كلها مرفوضة، وكان لهذا الموقف المشرف من هذه المرأة المؤمنة يعتبر من المواقف التي رفعتها إلى مصاف زعيمات النساء المسلمات في العصر الحديث، فقد اعتبرها صاحب كتاب (ثورات النساء في الإسلام) واحدة من اثنتي عشرة امرأة اشتهرت بمواقف بطولية في العالم، ولقد أعدت هذه المرأة الحصيفة العدة لليوم الآخر وعملت بقول الرسول الكريم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فقد بذلت نفسها لتعليم بنات جنسها في منزلها وسط المدينة وفي البساتين ثم بعد ذلك حبست كتبها لمن يطلب العلم، ونصت في وصيتها على شراء دار يوقف للتعلم وسط المدينة مما يفضل من الثلث، فما أعظمها من وصية، وصية من أجل طالب العلم الذي سيحمل شعلة العلم والإيمان لأسرته وجيرانه ومجتمعه، وبعد هذا الجهاد العظيم في سبيل إعلاء كلمة الله، وفي نهاية شهر رمضان المبارك ذكّرت النساء بفضائل العيد، وقرأت لهن خطبة عيد الفطر المبارك المعروفة في (وادي ميزاب)، وهي متزينة بلباس العيد، فقالت للنساء: (أتمنى لقاء الله على هذه الحالة) وما هي إلا لحظات حتى أصبحت في جوار الخالدين في جنات النعيم يوم 29 من رمضان عام (1349هـ / 193م) رحمها الله ورضي عنها وجعلها الله برفقة النبيين والصديقيين والشهداء، وحسن أولئك رفيق.

** ** **



(نساء في محراب العبادة)

1) الأختان الدرتان:-

حليمة وباهصة بنات خميس بن علي بن خميس الحجري، أخوات الشيخ سالم بن خميس والد عبد الله بن سالم الحجري، كانت حليمة تتحرى رضا الله في الحركة والسكنة وتتوخى القرب منه تعالى، وتبتغي رضوانه في الخطرة والفكرة، وعدتها الصبر والذكر، تصبر النفس على ما تكره من طاعة اله عز وجل وإن ثقل عليها، وتذكر الله باللسان والقلب، كانت امرأة عابدة جلدة تقوم للنساء في صلاة التراويح في شهر رمضان، وكثيراً ما عمرت مصلى النساء بالواصل بصلاتها وتلاوتها، اتصفت بالشجاعة والجرأة في الحق فكانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، مرّ عليها ذات يوم رجل بمن معه يرقص مع الغناء، فلم يعجبها فعلهم فأنكرت ذلك عليهم ونهتهم، وسرعان ما امتثلوا أمرها وانتهوا عن منكرهم الذي كانوا عليه.

أما أختها باهصة فلم تعنيها الحياة بكل ما فيها من زخرف ومتاع وإنما كان كل همها الباقيات الصالحات التي ستبقى لها وترفعها يوم القيامة في سلك الصالحين الأخيار، واتصفت بكثرة العبادة، وكان لها ابن وابنة بذلت ما في وسعها لتربيتهما التربية الإسلامية الصحيحة على منهج القرآن والسنة، حتى أثمرت عنايتها بهما فأصبح ابنها الشيخ ناصر بن بدر بن محمد الحجري أحد مشائخ المنطقة، وأما ابنتها فغدت من العابدات الزاهدات.



2) الدرة العذوبية:-

كانت شمسة بنت سعيد العذوبية من النساء العابدات الصالحات، تجردت لله في خشوع وتضرع وصبر لا تهزه الأحداث، وتوكل محفوف بالإيمان، وحب عميق لله ملأ قلبها وصدرها ووجدانها، فأصبحت مشاعرها ربانية، كانت تقوم لصلاة التنفل من نصف الليل حتى يطلع الفجر، فتسهر والناس نائمون، وتربح والناس غافلون، كانت لا تخرج من بيتها إلا لحاجة ملحة أو لورد الماء، حتى عجزت فأعانتها ابنتها في ذلك.

** ** **



(الأستاذة المربية ماهلة)

إن القلم ليقف عاجزاً عن الكتابة أمام هذه الأستاذة الجليلة والمربية الفاضلة، ولكن لنطف في غيض من فيض بحر هذه المرأة القدوة.

لقد آمنت ماهلة فظهر إيمانها على أقوالها وأفعالها وحركاتها وسكناتها، فكانت مع الناس في معاملتهم، ولكن قلبها كان أبداً لله تعالى لا تعمل إلا له ولا ترجو إلا إياه، وكانت مع الله فكان الله معها، لقد نمت هذه الوردة اليانعة في بيت العلم والتقوى، وتفتحت في بستان الورع والتقى؛ فكان والدها الشيخ عامر بن سلطان الحجري، وهي أخت البرة الرضية الصوامة القوامة سالمة، تاقت نفسها للعلم فأخذته عن والدها الشيخ عامر، وأخذت تتبحر في فنونه المختلفة، ولمنها ركزت اهتمامها في المجالات التي تخص النساء كأمور الحيض والنفاس والطلاق والعدة وغيرها، اتصفت هذه المرأة القدوة بالصبر على طاعة الله تعالى والعبادة المنقطعة النظير، بذلت مالها للفقراء والمساكين في السر والعلانية، فأصبحت للمحتاجين نهراً دفاقاً بالبر وبحراً معطاء بالبذل، كانت ورعة لا يتكلم أحد من النساء في مجلسها بشيء من لغو الكلام وبحديث الدنيا إلا ما شاء الله، ولم تقتصر على ذلك بل رأت أن الدعوة إلى الله هي أسمى آيات الجهاد، فبذلت نفسها لطالبات العلم واجتهدت في تقديم النصيحة لهن، واهتمت ببنات جنسها فكانت تنير لهن طريق الصواب بأسلوب لطيف ولين ورقيق جذاب، فكانت نصيحتها تفعل فعلها في القلب، وتترك بصماتها في النفس، وكانت مرجعا في ما يشكل عليهم من أمور دينهن.

هذا بالنسبة لبنات جنسها، أما بالنسبة لأسرتها فقد تزوجت هذه العابدة الزاهدة من الفاضل عامر بن محمد الحجري، وكانت معينة له في أمور دينه ودنياه وولدت منه ولداً أسموه حمدا، بذلت هذه الأم جهدها لتنشئته النشأة الإسلامية الحقة ثم أصبح أحد تلامذة الشيخ نور الدين السالمي – رحمه الله – وأخاً وزميلاً للشيخ سالم بن راشد الخروصي الذي أصبح إماماً لعمان بعد ذلك، وكان الإمام سالم بن راشد كثيراً ما يزور ولدها حمد في البيت، وكانت تقول لزوجها عامر لا تدع سالماً ينام خارج البيت، وكانت كثيراً ما ترقب سالماً في صلاة الليل، وتتحدث عن رؤية النور الذي يسطع عليه وتخبر صاحباتها عن ذلك، وكان ولدها حمد كثيراً ما يمزح معها وترد عليه بقولها: (اصنع لكم شغلاً إن لم يكن لكم شغل)، فكانت تتوخى استغلال وقتها في كل ما هو نافع ومفيد لها ولأمتها، وعلى هذا الصراط المستقيم أمضت هذه المرأة الطاهرة حياتها متألقة بالإيمان زاخرة بالتقوى لا تحرك لسانها إلا بعلم أو معرفة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر.

** ** **



(ولطريق العلم سالكات)

1) الدرة الأولى:-

كانت هذه الفتاة الكريمة في شجرة من الصالحين كالغصن الباسق الذي يزيد علواً ونضارة وعطاء مع مرور الأيام والأعوام من هذه الفتاة وكيف كانت حياتها؟ هذا ما سنتعرف عليه من خلال السطور القادمة.

إنها سالمة بنت عامر بن سالم الحجرية بن سالم الحجرية تربت في كنف والدها الشيخ عامر الذي كان شيخاً من مشائخ العلم، كان إمام مسجد الجامع – وهو أحد مساجد بلد المنترب من أعمال بدية عمان -، وهو الذي قال فيه الشيخ حمد بن سالم مرتجلاً لما حضره بحضرة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي بمثل قول الفرزدق:

هذا الذي يعرف المحراب وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم

فما أعلاه من شرف أن تكون سالمة هي ابنة هذا العالم الجليل، وأما والدتها فهي تلك العابدة الزاهدة شيخة بنت حمد التي كان لا يفتر لسانها عن ذكر الله تعالى، هذه هي أسرتها أسرة التقى والنقى، أسرة حلّقت في سمائها تعاليم الإسلام ومبادئه السمحة، فنشأت سالمة محبة للعلم متألقة في محرابه فنهلت علومها من والدها الشيخ عامر، وتبحرت في مسائل الصلاة والصيام، فكانت مرجعاً لبنات جنسها فيما يشكل عليهن من أمور الدين والدنيا، روضت نفسها على العبادات حتى غدت من العابدات الصائمات اللاتي لهن سبق في الدين والفضل، فجمعت هذه المرأة الفاضلة بين العلم والعمل، علم يقودها إلى العبادة الحقة، عبادة الله على بصيرة، وعبادة ترتقي بها إلى أعلى درجات الجنة.



2) الدرة الثانية:-

يكفي هذه المرأة شرفاً أن تكون أمها حليمة التي سبق ذكرها في (نساء في محراب العبادة)، أمها التقية الورعة، قدوة النساء في الصبر على عبادة الله وطاعته، كانت هذه الفتاة تدعى راية بنت حليمة واسمها راية بنت عامر بن سعيد، ربتها والدتها على الأخلاق الفاضلة والمبادئ الكريمة حتى غدت من العابدات الصالحات الفاضلات، أحبت العلم فثابرت على تحصيله من الأستاذة المربية ماهلة، كانت ذات عقل راجح وقلب متفتح للعلم فاجتهدت في التفقه في الأمور الخاصة بالنساء كالعدة والحيض، وأصبحت أفضل تلميذات الأستاذة ماهلة، روت عنها كثيراً من المسائل الفقهية الخاصة بالنساء، فغدت نائبة عن أستاذتها فيما بعد ومناراً لبنات جنسها فيما عضل عليهن في مسائل الحيض والعدة.



3) الدرة الثالثة:-

وهذه درة أخرى من نتاج جهود الأستاذة ماهلة إنها شمسة بنت علي العذوبية، من النساء اللاتي اهتممن بالعلم فبذلت جهدها في النهل من موارده العذبة، اتصفت بالصلاح وكثرة العبادة.



4) الدرة الرابعة:-

كانت رغبتها للعلم قوية فاتخذته هدفاً نبيلاً تسعى من أجل تحقيقه، وكان شعارها قول الشاعر:

العلم أبقى لأهل العلم آثارا يريك أشخاصهم روحا وإبكارا

إنها السيدة الجليلة شمسة بنت مسعود بن عامر بن خميس بن حابس التي أخذت على عاتقها الاهتمام بنسخ الكتب من أجل بقاء العلم، وليسهل الرجوع إليها من قبل طلابه، وبذلك أسهمت هذه الفاضلة في نشر العلم وحفظه، ومن هذه الكتب التي نسخت لها كتاب (ابن عطاء الاسكندري).

** ** **



(وللقرآن حافظات)

كن ثلاث أخوات قطعن على أنفسهن عهداً على بذل الوقت والجهد من أجل دراسة القرآن الكريم وحفظه، حتى يظل هذا الكتاب العظيم في صدورهن أينما ذهبن فيكون نبراساً لهن في أقوالهن وأفعالهن فيرتقين به إلى أعلى درجات الجنة، رزقهن الله بأخ كريم وشيخ فاضل هو الشيخ مسعود بن علي، درس القرآن فحفظه عن ظهر قلب، فكن يحفظن من عنده القرآن وكن يتدارسن على العشرات أي كل عشر آيات معاً، اتصفت هذه الأخوات الثلاث بالورع والمبالغة في التستر والاحتشام إلى حد أنهن كن يلبسن القميص وفي أطراف الأكمام عروة مقابلة لإصبع الإبهام من اليد تجعل تلك العروة في إصبع الإبهام، بحيث لا تنكشف سواعدهن إذا ما رفعن أيديهن.

** ** **



(معلمات لأفضل الكتب)

1) الدرة الأولى:-

سالمة بنت سويف التي نشأت وعاشت في بدية، اتصفت هذه المرأة الفاضلة بكثرة العبادة، فكانت قانتة لله عابدة له حافظة لأغلب كتاب الله عز وجل، وحرصت هذه المرأة على غرس حب القرآن الكريم في أبنائها، ورأت هذه المعلمة الفاضلة وابنتها أن القرآن الكريم هو أهم شيء ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يهتم به، عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو)، فبذلن جهدهن ووقتهن لتعليم وتحفيظ الأولاد القرآن الكريم، فكانت مدرستهن مناراً لكل مبتدئ ومبتدئة يستقي من خلال تلك المدرسة العامرة المبادئ الأولى في اللغة العربية، والنطق الصحيح للكلمات القرآنية، فكانتا سبباً في نشر كتاب الله عز وجل ونقله للأجيال.



2) الدرة الثانية:-

سلمى بنت مفتاح التي تعلمت القرآن الكريم فأنار بصيرتها، وأضاء سريرتها، وصقل قلبها، وجلا عقلها، وصفّى ذهنها حتى أصبحت العابدة الزاهدة، كانت من أحسن النساء وأسترهن، وكانت لها أخت اتصفت بكثرة التنفل والعبادة لله تعالى، وكانت حافظة للقرآن.



3) الدرة الثالثة:

تحرت الحلال في المأكل والمشرب والملبس، وعبدت الله عبادة الصالحين الأخيار، وعلمت بنات جنسها الصغار منهن والكبار، واجتهدت في تحفيظهن كتاب الله العزيز والأذكار، فهيا بنا نقطف أزهاراً من حديقتها الغنّاء لينتشر عبيرها في جميع الجوانب والأنحاء، إنها شيخة بنت علي بن عامر الدرة المكنونة الموسومة بالعبادة والصلاح، اهتمت بتعليم النساء البُلَّغْ ما يهمهن من أمور دينهن، وبذلك الجهد العبير لتعليم النساء الكبيرات القرآن الكريم، ومن تحريها الحلال أن بعض النساء كن يأتينها بشيء من الهدايا كالرطب والليمون فكانت لا تقبل إلا ممن تعرف أن لها مالاً.

** ** **



(حقاً صائمة)

كانت آنس ما تكون إذا كانت مع الله في خلوتها، وأوحش ما تكون إذا كانت مع الناس في جلستها، وكانت من العابدات الزاهدات الصابرات الشاكرات القوامات الصوامات، قد أحيت نفسها لله بذكره (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، فهيا بنا نطوف في حديقتها الغنّاء، لنتعرف على شخصها الكريم.

إنها الشيخة بنت علي بن خميس البليشية، اشتهرت هذه المرأة بالزهد والانقطاع في عبادة الله تعالى، وكانت كثيرة الصوم لنفسها وإذا عرض عليها الصوم بالأجر، قالت: (الأعمال الصالحة لا يؤخذ عليها أجر ولا تفي بها).

هذه المرأة العاقلة اتخذت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجا حينما قال: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي فالصيام لي أنا أجازي به)، وكان لهذه المرأة الفاضلة ولد بذلت جهدها في تربيته حتى اشتهر بين الناس بالحاج عامر، ومن حفيداتها زيون بنت سعيد بن علي بن خميس البليشية التي اشتهرت بالفضل والعبادة وكثرة الصيام، وكانت لا تخرج أيام صومها ولا تتحدث مع النساء في لغوهن.

** ** **



(ثرية... ولكن)

كانت قدوة النساء في البذل والعطاء، تشرف بنفسها على تزكية أموالها متصفة بالفضل والطهر والنقاء، لقد كانت مريم بنت حميد من الفاضلات الطاهرات الزكيات، رزقها الله عز وجل أموالا وخيرا كثيرا، وكان زوجها من المجالسين للعلامة الشيخ نور الدين السالمي، فكانت تسأله عن مسائل الزكاة حتى تؤدي زكاة مالها على أكمل وجه، كيف لا؟ والزكاة فريضة من فرائض الإسلام الخمسة، ومما يذكر عنها أن زوجها قال لها: (قال لنا الشيخ السالمي أن لا زكاة في الحشف) وهو المعروف بالدقل، وكان من حرصها على أداء الزكاة أنها كانت تجلس قريبا من الذي يكيل الزكاة من التمر ومن البسر المغلي، وتقول له في الكيلة العاشرة: (مليّ يديك) أي خذ حفنة كبيرة، ما أعظمه من موقف أن يحرص الإنسان على محاسبة نفسه في ماله في هذه الحياة الدنيا، ليجد جواباً ينقذه من عذاب الله يوم القيامة ويقربه من رضا الله وجناته، جوابا لسؤال الله تعالى له يوم القيامة يوم العض الكبر، ذلك السؤال عن المال من أين أكتسبه وفيم أنفقه.

** ** **



(من أولياء الله)

منذ طفولتها الغضة الناعمة النضرة، وتعاليم الإسلام ومبادؤه تشكل سلوكها وتصوغ حياتها وتنأى بها عن مزالق الشيطان، فقد تربت الفاضلة سالمة في كنف والدها العالم الجليل عامر بن سلطان الحجري، وهي أخت المعلمة المربية ماهلة، اتصفت هذه المرأة بالزهد والانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة، فكانت تجد لذتها في وقوفها بين يدي الله عز وجل في ظلام الليل تناجيه وتذكره، فارقت المأكل والمشرب من اجل طاعة الله سبحانه وتعالى فكانت صوامة قوامة، ولقد شرفها الله تعالى بزيارة المسجد النبوي الشريف وقبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأداء فريضة الحج في وقت لم تكن فيه الطرق آمنة ميسرة بل كانت رحلة الحج مغامرة محفوفة بشتى المخاطر والمشاق، فمن مشقة الطريق وطولها، إلى لهيب الحر في صحراء نجد والحجاز إلى الخوف الأعظم الكائن بسبب قطاع الطرق، أولئك القوم الذين سيطر الشيطان على نفوسهم وعقولهم فجعلوا من التعرض لضيوف الرحمن وسلبهم ونهبهم بل وقتلهم حرفة لهم، ولذلك حين عادت سئلت عن الحج، فقالت: (إن السفر إلى المدينة نصف الحج، والخوف النصف من ذلك السفر) وكان من كراماتها أن الأنوار تُرى عليها كثيراً، كانت كثيراً ما تحض الناس على طلب العلم وتشجعهم عليه لعلمها أن الله عز وجل لا يعبد عن جهل، وكانت من الذاكرات الله كثيرا.

** ** **



(صاحبة الكرامة)

تعالوا نقف ساعة في فيض عامر مع تاريخ هذه المرأة العظيمة ونحلق في معراج بطولتها ونزجي إليها تحية إعظام وإكبار، كما أهدت إليها الملائكة دعاء الرحمة والمغفرة والرضوان، من هذه المرأة؟ وما قصتها؟

إنها سالمة بنت خميس بن علي بن خميس الحجرية، اتصفت هذه المرأة بحبها للعبادة وسموها في الأخلاق، فكانت تعاليم الإسلام تمثل منهجها في الحياة، ومبادئه تشكل سلوكها مع ربها ومع نفسها ومع الناس من حولها.

اتخذت من القرآن الكريم والسنة النبوية نبراساً يهديها إلى طريق الحق والنور في الدنيا والسلامة في العقبى، كانت مع أخيها العالم الورع حمد بن خميس الحجري مفرسي رهان في التسابق إلى طاعة الله عز وجل وطلب مرضاته، ومما يذكر عنها أن أخاها حمدا حكم بينها وبين رجل يسمى مسعود المعروف براعي فالح، وكان الحكم في أرض لها ولأختها فاطمة بنت خميس، فقال العلامة حمد لمسعود: (حدد الأرض التي تدعيها) فخط مسعود برجله، فقالت له سالمة: (إن رجلك ستيبس ولا تخرج بها إلى السوق بعد الظهر إن شاء الله) فلم يخرج من مكانه منذ ذلك اليوم حتى توفي فيها، فيا لها من كرامة لهذه العابدة الفاضلة فقد تحققت دعوتها، دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

** ** **



(أم اليتامى ومفرحة الأطفال)

كانت هذه الدرة المكنونة، البرة الرضية مأوى للأيتام ومفرحة زهور الأيام، وعابدة لرب الأنام، إنها المعروفة باسم الحبيبة، جدة سالم بن علي بن عامر بن أبيه، اشتهرت هذه الطيبة النقية بالعبادة والصلاح، بذلت مالها ونفسها من أجل أن ترى البسمة ترتسم على وجوه الأطفال اليتامى، فكانت لهم كالأم الحنون الرؤوم تحفهم بعطفها وحبها وتضمهم إلى بيتها وتوفر لهم ما يحتاجونه من مأكل وملبس وغيره، وإذا توفر لها شيء من المال اشترت له هدايا للأطفال الصغار، وكان أسعد لحظات عمرها حينما ترى الأطفال فرحين مسرورين، وقد ابتلاها الله سبحانه وتعالى بفقدان نعمة من أغلى نعمه وهي نعمة البصر، فتلقت ذلك الابتلاء بما يجب ان يتلقى به المؤمن الصابر قضاء الله عز وجل وقدره من التسليم والرضا.

لم تكن تخبط في دينها خبط عشواء بل كانت تهتدي بنور العلم، وتؤدي العبادات على بصيرة من أمرها، رقدت يوما في شهر رمضان، ولما انتبهت من نومها شربت من ماعون قريب منها تظنها في الليل، وخرجت من موضعها فحرقتها الشمس، فنادت على ولدها علي بن عامر بأن يذهب إلى العلامة حمد بن خميس الحجري، ويسأله عن مسألتين في الصوم، فسار إليه عامر وسأله عن المسألتين، فقرأ عليه الشيخ حمد جواب المسألتين من كتاب بيان الشرع من الجزء المختص بالصوم، فما أجدر بالمسلمة اليوم أن تطلب العلم من مظانه، وأن تجد في أمثال هذه المرأة أسوة حسنة فتعبد الله على بصيرة فتحاسب نفسها قبل أن تحاسب.

لقد ضربت هذه المرأة المثل والقدوة في بذل النفس والمال من اجل رؤية البسمة في وجوه الأطفال اليتامى البؤساء، فأين مثلها اليوم وقد كثر الأطفال البؤساء نتيجة الفقر والحروب والمجاعات؟.

** ** **



(راية بنت سويلم بن علي البليشية

الطبيبة العابدة)

جمعت هذه الدرة المصونة بين النسك والعبادة لله تعالى وبين العمل والبذل من أجل نفع الناس، رزقها الله ذكاء حاداً ونفاذ بصيرة، ويداً ماهرة متقنة في العمل، تعلمت طب الكيّ فكانت خبيرة في الكي عن الموضح ومرض الزهار اللذين لم يكن لهما علاج في القديم إلا به، وأكسبتها الحياة بمرور الأيام خبرة في توليد النساء فكانت نافعة لبنات جنسها ولا تمتنع على أحد منهن طلبا للأجر من عند الله تعالى، لقد جمعت هذه المرأة الفاضلة بين العبادة وكسب الرزق والعمل.

** ** **



(مامة شيخة بنت إبراهيم بكير)

أم اليتامى والمحرومين، الملقبة بأم الخير، وقدوة النساء في الصبر وتحمل المصائب، ومثل المرأة المؤمنة في حب العمل والكسب الحلال، هذه بعض ملامح حياة هذه المرأة القدوة مامة شيخة بنت إبراهيم.

لقد ولدت هذه السيدة الكريمة في ولاية غرداية بالجزائر، ونشأت نشأة صالحة في أسرة الخير والصلاح، وعندما كبرت ازداد شغفها بسماع المواعظ التي يلقيها المشائخ في المساجد، وزاد حبها لحلقات الذكر والابتهالات في التجمعات النسوية المختلفة، وهكذا زاد تحصيلها العلمي الديني من خلال هذه الدروس والحلقات من غير مدرسة أو كتاب، حتى أصبحت العضد الأيمن الذي لا يمكن الاستغناء عنه في حلقة المرشدات.

وهبها الله نضجاً في الفكر وسداداً في الرأي مما جعلها محل الاستشارة الصائبة في العائلة والمسجد والعشيرة، وكم كانت ترجع إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل بعد حضور إحدى هذه الحلقات الجدية مع أعيان من الرجال والنساء لحل مشاكل الأنساب في الميراث وغيرها، وكانت تجيب عن الفتاوى الدينية التي تلقى عليها، وذلك بعد التحقق من الإجابة الصحيحة من بعض علماء عصرها، ولقد استطاعت هذه المرأة الكريمة أن تكسب لنفسها مكانة بين العلماء بفضل خزانة الكتب التي نظمتها في غرفة استقبال للضيوف العلماء وقد كانت تغنيها بالتعاون مع زوجة القطب وابنته كلما صدر كتاب جديد في الساحة العلمية المحلية، هذا بالإضافة إلى ما ورثته من كتب قديمة من زوجها العالم.

عاشت زوجة ثانية للحاج مسعود بن إبراهيم – أحد تلامذة القطب – ولقد رزق الله هذا الشيخ عشرين ولداً من الزوجة الأولى، ورزق منها ثمانية ذكور، وعندما توفي زوجها العالم صبرت لهول المصيبة فلم تسلم نفسها للنحيب والبكاء، بل كانت تنفرد بنفسها على سطح الدار، وتصلي لله تعالى مدة أيام الحداد، حتى أراها الله كرامة عن مقام زوجها في الخالدين، وقد بذلت نفسها بعد ذلك لتربية الثمانية والعشرين ولداً، جاهدت حتى توفر لهم لقمة العيش الهنية، فقد كانت تنسج الألبسة الصوفية بمختلف أنواعها، وترسلها إلى عم الأولاد ليبيعها في تجارته بمدينة الحلفة، وعندما تقبض النقود تعيدها إليه ليشتري بها ملابس وهدايا لأبنائها، وكانت لهم جميعا الأم الرؤوم بحنانها وعطفها والمربية القدوة بتربيتها لهم التربية الإسلامية الصالحة، وساعدتهم بمالها حتى كبروا، ولم تكتف بذلك بل عندما بلغوا سن الزواج ساعدتهم فيه بمالها، ولم تقتصر بإنفاق المال على أبنائها وربائبها، بل كانت تبذله في سبيل الله للمحتاجين والفقراء، وخاصة في أيام شهر رمضان حتى تتضاعف الأجور والحسنات، وكان لها دور عظيم في مجتمع غرداية يتمثل في إصلاح ذات البين، وكانت ترشد المتزوجين إلى أداء واجباتهم الدينية، ورعاية حقوقهم المتبادلة في الحياة، وقد بذلت نفسها لبنات جنسها فقد كان لها خبرة واسعة في توليد النساء، وكانت تجيب نداء أخواتها المؤمنات في أي وقت وإلى أبعد مكان ممكن في ضواحي المدينة، لما اتصفت به من رعاية فائقة للنفساء فكان النساء يشعرن بالاطمئنان والأمان والبركة أثناء توليدهن على يديها الكريمتين، هذه هي حياة ماما شيخة، عمل وكسب للرزق من أجل توفير لقمة العيش لأطفالها اليتامى، ونضال مستمر من أجل تنشئتهم النشأة الصالحة الحقة، وبذل للنفس من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض، عسى الله أن تنال بشارة الرسول الكريم مصداقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: (أنا وسعفاء الخدين كهاتين يوم القيامة: امرأة آمت زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا) وأن يغفر الله تعالى لها بعملها الدؤوب، وكسبها الحلال، مصداقاً لقوله عله الصلاة والسلام: (من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفورا له)، وقدمت لنفسها الأجر الذي لا ينقطع لاستمرار عملها بعد وفاتها، متمثلة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، وفي نهاية حياتها ابتلاها الله بمرض في الكبد، ورجعت في يوم رطيب إلى ربها راضية مرضية في عام 1383هـ، بعد أن أعدت غُرفة بها جميع ما يلزم لتنفيذ الوصية فلم تتعب أحداً حية ولا ميتة رحمها الله ورضي عنها، فما أجدر المرأة المسلمة في هذا العصر أ، تستقي هذه الجوانب الناصعة من حياة هذه المرأة المجاهدة.

** ** **



(ميرة بنت يحيى)

لقد اتصفت هذه المرأة الصالحة بالشجاعة والإرادة والنشاط المنقطع النظير من أجل البلوغ بالأمة إلى أسمى درجات العزة، لقد ولدت هذه المرأة الفاضلة عام (1312هـ/ 1894م) في ولاية غرداية بالجزائر، توفي والدها وهي ما زالت صغيرة، فبذلت أمها مسعودة بنت عمر الجهد الجهيد من أجل تربيتها تربية صالحة، لقد تعلمت هذه المرأة الصالحة من طفل كان جاراً لهم، فأصبحت تكتب وتقرأ وحفظت مجموعة من سور القرآن عن طريق السماع من هنا وهناك، فلقد قيض الله لها من يعلمها بغير مدرسة ولا جامعة، لقد تعددت وظائف هذه المرأة الاجتماعية وضربت لكل امرأة مسلمة المثل والقدوة في الربط بين العمل والعبادة بل الاعتقاد بأن العمل ركن لا ينفك عن العبادة، وأن المرأة العاملة الصالحة خير من المرأة الخاملة المتواكلة، فقد اعتمت بالفلاحة حتى وصلت منتجاتها إلى السوق، كما أنها بنت وبمساعدة أختها مامة داراً للسكنى في بستانها بعد أن قطعت لها الطوب الطينية بيدها فكانت تحتجب لتقوم بالبناء وقت القيلولة أو الليل ثم سكنت هذه الدار بعد ذلك، ومارست أيضاً التجارة اليدوية التقليدية والمتمثلة في صنع بعض الأثاث لغرف العرائس وإصلاح بعض الموائد المنزلية، وكانت تجمع الجلود المهملة وتصنع منها الدلو والقربة، وترقع ما ثقب من الأدوات الجلدية التقليدية، ولقد ألهمها الله مهارة فائقة في طب الأسنان والعيون وجبر العظام، ، حتى أن الشيخ إبراهيم بن بانوح فتح لها منزله حتى تقوم بهذه المهمة في حصص أسبوعية خاصة، ولقد شاركت بإخلاص وشجاعة في الثورة ضد الاستعمار كممرضة لجنود جبهة التحرير الوطني، اشتهرت هذه المرأة العاملة الصالحة بالرأي الحصيف في مختلف الأمور التي تستشار فيها، وخاصة في مجالس إصلاح ذات البين، وكانت ملاذاً للعزابة والقواد في إعطاء الحلول النافعة والمشورة الصائبة، ولقد جمعت هذه المرأة الطاهرة بين الشجاعة والرأي السديد والصلاح والإيمان، وبين النشاط الدؤوب والعمل الجاد في سبيل نفع بني جنسها، وضربت لكل فتاة مسلمة القدوة الصالحة في الامتثال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الإنسان سيسأل عن (عمره فيما أفناه) وأن الوقت كالسيف فيجب استغلاله في كل ما هو مفيد ونافع للأسرة والمجتمع، وكان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مناراً لها في دربها والقائل فيه: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير).

توفيت رضي الله عنها عام (1387هـ / 1967م) بعد عمر قضته في جهاد وعمل وعبادة.

** ** **



(زعيمة البارونية)

كانت مقالاتها تفيض سحراً وبهاءً تهز القلوب والعقول، هذه الكاتبة الأديبة شقت الطريق لأترابها فكانت أعجوبة في بيانها، إنها زعيمة بنت الباشا سليمان البارونية، ولدت بالتقريب عام 1320هـ بطرابلس بليبيا، نشأت في أسرة العلم والتقوى، أسرة الباشا الباروني تعلمت القراءة والكتابة فتنبهت في نفسها الرغبة في المطالعة والدراسة العميقة في فنون العلم المختلفة، حتى أصبحت كاتبة بارعة، حيث شاركت بمقالاتها في مختلف الصحف والمجلات مثل مجلة (صوت المربي) الطرابلسية ومجلة الأفكار، ولها مراسلات قيمة في أمثال هذه الشؤون العامة مع أخيها تدل على مبلغ علمها وثقافتها وأخلاقها وإخلاصها لمبدئها، امتازت هذه السيدة الفاضلة بأسلوبها القصصي الشيق، الخفيف الروح، وورثت زعيمة الروح الفدائية عن والدها العظيم، واختارت لنفسها حياة الانقطاع من أجل عملها ووطنها ومن أجل أبناء أخيها إبراهيم فلم تتزوج، وبذلت الوقت والجهد لتربية أبناء أبناء أخيها إبراهيم فكانت تقول: (إني أعاهد الله أن أبذل جهدي في تنشئة أبناء أخي التنشئة التي أرادها لهم جدهم المرحوم الوالد الباشا ولو كلفني ذلك آخرة قطرة من دمي)، ومن مؤلفاتها النفيسة: (أبي كما عرفته) وهو كتاب عن حياة والدها سليمان باشا الباروني، ومن مقالاتها البليغة مقالة بعنوان (فزان البعيدة) في مجلة صوت المربي العدد الأول، ومقالة (وفق الله الجهود النبيلة)، ومقالة (بنت الحاضرة) في مجلة الأفكار العدد السادس، وغيرها من المقالات التي ذكرناها على سبيل المثال وليس على سبيل الخصر، أما وظيفتها فقد كانت مع قيامها بشؤون الأسرة وأبناء أخيها إبراهيم ، كانت معلمة ببعض مدارس البنات بطرابلس، ثم ترقت لحسن سيرتها وكمال استعدادها إلى أن أصبحت نائبة لمديرة دار المعلمات بطرابلس، فجدير بنا أن ندوّن تاريخ هذه المرأة الفاضلة وأن نتأمل سيرتها وأعمالها الطيبة.

** ** **



(ثريا البوسعيدية)

هذه المرأة سيرتها بذل وعطاء وإنفاق وسخاء، بذلت مالها في سبيل الله والفقراء والمساكين ولطالبي العلم واستجابت لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حث النساء على الصدقة فهيا بنا نتعرف على سيرة هذه المرأة السخية.

هي السيدة ثريا بنت محمد بن عزان البوسعيدية، نشأت في بيت فضل وأدب ودين، فكان أبوها رجلاً اشتهر بالفضل والجود، ومما ساعده على ذلك ما أمده الله به من المال الوفير، أقام والدها فترة في بوشر ثم في بيت الوكيل الذي كان خلف المسجد الذي ارتبط اسمه بتلك الدار الطيبة، اتصفت هذه المرأة الفاضلة بالسخاء، فكانت تهب أموالها لوجه الله تعالى، فقد أوقفت أموالا كثيرة ومن أمثلة ذلك:-

* مقصورة الرمامين وكانت مقصورة جميلة أوقفتها رضي الله عنها لمسجد الوكيل,

* مقصورة خرس المالح وأرض أخرى أوصتها لمقبرة.

* مقصورة بجانب مقصورة خرس المالح أوقفتها السيدة لمجلس المقحم في بوشر.

ولقد رأت بثاقب بصيرتها أن العلم وأهله هم أحق الناس بالصدقة لما لهم من دور في إحياء الأمة والمضي بها قدما نحو المجد والسؤدد، فعينت الشيخ سليمان بن زهران الريامي وكيلا لها بمسجد الوكيل، يوزع نفقتها على الدارسين فيه وطالبي العلم، وقد تخرج منه جملة من العلماء والمشايخ الذين انتفعوا من النفقة ونفعوا من جاء بعدهم، وندرج هنا بعضا منهم للمعرفة وليس للحصر كالشيخ القاضي سالم بن فريش الشامسي، والشيخ القاضي ربيعة بن أسد الكندي قاضي مطرح سابقاً، والشيخ القاضي سيف بن أحمد الكندي، وقد اشتهر مسجد الوكيل برواد العلم والمعرفة الذين كانوا يرتادونه في القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين ويعتبر بيت السيدة ثريا أو ما يسمى بالبيت الكبير من أهم المعالم الأثرية في بوشر.

** ** **



(عائشة الحارثية)

نستطيع أن نقول إنها الشاعرة الوحيدة في هذا العصر، لما اتصفت به من بلاغة المنطق وفصاحة اللسان وقوة النظم، كان لنشأتها في بيت الدين والعلم والأدب أثر في صقل موهبتها، وتكوين وجدانها وتنمية عبقريتها وتفتح شاعريتها إلى أرحب مدى وأوسع أفق.

إنها الشاعرة الجليلة عائشة الحارثية، كان والدها عيسى بن صالح الحارثي الشيخ العلامة الذي هو أشهر من نار على علم، ولدت عائشة في مسقط عام 1364هـ، نشأت هذه البرة الكريمة في بيئة صالحة في بيت علم وأدب وفضل ومكانة، وعُرف عن أسرتها حبهم للعلم والأدب من أب وأخ وخال، حفظت بعضاً من سور القرآن الكريم، وتهذبت وتمسكت بالدين والتقى، سمعت الكثير من قصائد التراث الشعبي وحفظت بعضاً منها، ومما شجعها على ذلك البيئة الأدبية التي نشأت فيها، تزوجت من الشيخ العلامة سعيد بن حمد الحارثي، تاقت نفسها إلى نظم الشعر فجاءت به على أساليب رقيقة وأفانين أنيقة، وقد بدأت بنظم الشعر منذ الصغر وأول بيت قالته:

أحسـن لسانـك مهمـا استطعت فـإن اللسـان عـدو مبــيـن

قال عنها صاحب شقائق النعمان، الأديب محمد بن راشد الخصيبي:

ومـن الصالـحات مـن أهل رشد حُـرة لـم تـزل مـن المحصنات

بنــت عـلامــة أميـر زكـي ذاك عيسـى بن صالـح ذو التقاة

وذكر بعض من قصائدها في كتابه (شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان)، كما نشرت بعضاً من قصائدها في الصحف المحلية العمانية مثل مجلة العقيدة والأسرة، ومن نماذج أشعارها قصيدتان، الأولى بعنوان المرأة في ميزان الإسلام:

جمـال فتـاة المسلميـن حيـاؤهـا وحليـتهـا ديـن بـه تتجمـل

وزينتـها بيـن النسـاء حجـابـها إذا أدبـرت أو أقبـلت فيه ترفل

إذا بقيت فـي البيـت فهـي أميـرة يوقرهـا مـن حولـها ويبجـل

وإسهامهـا للشعب أن قـدمت لـه رجـالاً أعـدوا للبنـاء وأهـلوا

رعتهم صغـاراً فهـي كانت أساسهم تلقـن كلاً مـا يقـول ويفعـل

أجبتك عنهـا فهـي ليست بقطعـة الأثــاث وليست آلـة تتـنقل

قولها: (تدير شؤون البيت أو فيه تعمل)، لاينافي أن تعمل المرأة فيما فيه نفع المسلمين كمدرسة أو طبيبة أو مثل هذا، على شرط الاحتشام والتمسك بأمر الإسلام وقولها: (أجبتك عنها) لأن الباعث لهذا النظم أن سمعت الناظمة في البث المباشر امرأة تقول: (لا يجوز أن تلزم المرأة البيت فتكون كقطعة أثاث منه).



والقصيدة الثانية التي هي بعنوان نداء الخير:-

مـن ذا الـذي يـخشـى آبـقـا يبغـي المـلاذ إلـى ضعيف واني

من ذا الـذي يـخشاه بعـد سقوطه متــرديـاً فـي ذلـة وهـوان

ومـن الـذي يؤويـه بعـد هروبـه من بطش جبـار عظيـم الشـأن

صهيـون تضـربكم بأمـر قد أتـى من ذي الجلال مدبـر الأكـوان

نلتـم جزاءكـم علـى أيـديهـم بضيـاع ديـن أشـرف الأديان

فيمـن تلـوذوا؟ بالنصـارى علهـم يأتيـكمـوا بالعـون والإحسـان

تتهــددوا الأعـداء بسهم فـارغ سنحطـم الأعـداء بـكل مكان

أنتم ومـن حـاربتمـوه جـميعكم في زيكم وسلـوكـكم صنـوان

في قولـكم فـي الفعل في أفكاركم من ذا يصـدق أنـكم خصمـان

لقد انـحرفتم عن شريعـة ربـكم ولقد سلـكتم مسـلك الشيطان

تستصغرون كبـائر الأشيـاء بـل تستهزئ\ون بـمنهـج القـرآن

فنساؤكم تمشـي سفـورا بيـنكم وتـجـاهرون الله بـالعـصيـان

تـجري أمامـكم وتجـروا خلفها فخـرا بـها ويـؤمـكم نصراني

والخمر أصبـح عـادة مـألوفـة فيكـم بـلا خجـل ولا كتمـان

وبذلتموا للـراقصـات نقـودكم سفـهـا فيـا للعـار والخسـران

ضيعتموا في اللهو معظـم وقتـكم ورضيتمـوا بالـذل والنـقصـان

هـذا وأنتـم تـحت وطأة غاصب ماذا تـرى لـو أنـكم بـأمــان

للمسـرحيـة والفكـاهـة أنتـم لستـم لـردع البغـي والعـدوان

والله إن النصـر لـن يـأتيكمـوا أبـدا وربـي الواحـد الـديـان

لـو تتـقـون الله حـق تقـاتـه عمـلا وتوحيـدا وصـدق بيـان

لأتاكــم النصر المبيـن معجـلاً لا شـك ذا حـق علـى الرحـمن



امتازت قصائدها بأسلوب يفيض بالنصيحة لطريق الخير، وتطفح منها كلمات الإيمان بالله وبالدين وبكلمة الحق، بعفوية صريحة تعبر عن مشاعرها، ويحق أن يقال لهذه الشاعرة إنها وحيدة عصرها.

** ** **

الطوفان
08-05-2003, 03:31 PM
شكرا على نقل المعلومات المتنوعة

وعسى أن يستفيد منها الجميع

ورد المنى
09-05-2003, 02:40 PM
والشكر موصول إليكم

ورد المنى
09-05-2003, 03:09 PM
كلمة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي

الحمد لله رب العالمين الحمد لله الذي شرف عباده المؤمنين وأماه المؤمنات بما وهبهم من عظيم الهبات وما رفعهم إليه من على درجات أحمد سبحانه حمد يليق بجلال وجه وعظيم سلطانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين وسراج للمهتديين وإماما للمتقين ونعمة على خلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :



فسلام عليكم آيه المشايخ والأخوة والأخوات والأبناء والبنات ورحمة الله وبركاته أحمد الله سبحانه وتعلاى الذي جمعنا في هذه الليلة الغراء في هذا الجامع الشريف وفي هذا البلد العريق لنشم عبقا من أريج التاريخ الماضي الحافل بالفضل والمبدأ ونحرص من خلال ذلك بعون الله وتوفيقه على ربط الحاضر بالماضي وضم تارك المبدأ إلى تليده وبهذا يتحقق ما يصبوا إليه من جعل هذه المسيرة موصلة بتاريخ العريق فإن كل أمة لا ماضي لها لا يكون لها حاضر إذن الحاضر إنما يبنى على الماضي هذا وقبل كل شئ أعتذر إليكم من حيث أنني وكل إلى أن أتحدث عن منهج الفقهي عند هذه عالمة الفقهية الرضية الشيخة عائشة أبنت راشد الريامية رحمها الله تعالى ومن المعلوم إن حديث حول منهج الشخص يحتاج إلى دراسة متأنية واسعة في عطاءه سواء كان عطاه فقهيا أو فكريا أو أدبيا ولم تتح لي فرصه ولم أطلع إلا نذر يسير عن فتواه ومن خلال هذا النذر يسير لا أستطيع أن أحدل من أجل عين ولكن قبل محولتي امتصاص ما يمكن أن نمتصه مما وجدناه من معارف من خلال فتواها لنتقدم لذلك صورة للمستمع من ما يمكن ند.. من منهجها أريد أن أنبه بأن هذا الاحتفاء يجب أن لا يكون أمرا عبارا ينتهي ولا يدع أثر له في نفوس فإنما على أي حال مطالبون بأن نعتبر ما قدمه السلف مع ما كان يكبده من صعوبة الزمان وتحديات العصر وعدم توفر الوسائل التي توفرت لنا نجن فإذن نحن مطالبون بالأكثر مطالبون بأن نجهد أنفسنا حتى نصل بفضل الله سبحانه وتعالى إلى ما تتطلع إليه .. من للمعرفة ولبناء جيل على قيم هذه المعرفة هذا ، ولا ريب أن جنس اللطيف يوجه إليه الخطاب بطريقة خاصة من حيث إن على بناتنا أن يدركن بان مسئولية هذا الدين ونشره وللقيام ببحث عن كنوزه ليست خاصة بالرجال دونهن فإن هذه مسئولية مشتركة فإن والله سبحانه وتعالى عندما استخلف الإنسان في هذه الأرض استخلفه كانسان وغض النظر عن كونه ذكر أ أنثى وقد جعل سبحانه وتعالى ميزان الإنسان التي استحق بها يرفع إلى هذه الدرجة العالية وأن يبدأ هذه موسم الرفيع وأن يعلي قدره حتى ينافس البناء الأعلى ويسبقهن وجعل الله سبحانه وتعالى .. الانسان التي نال بها هذه مرتبة إنما هي العلم والله سبحانه وتعالى يقول:""وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن بسبح بحمدك ونقدس لك قال أني أعلم مالا تعلمون وعلى آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبوني بأسماء هؤلاء أن كنتم صادقين قال سبحانك لا علم لنا إلا ماء علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ( ) قال يا أدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبائهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم من تبدون وما كنتم تكتمون "[1] .



فأول إذن هو ميزة الإنسان التي رفع الله تعالى بها قدره وأعلى شأنه وجعله مختصا بهذه خصوصية عظيمة ومبوئا هذا المنصب الشريف منصب الخلافة في هذه الأرض على أن هذه الخلافة تستوجب أن يكون الإنسان موصلا بمستخلفه بحيث يتصرف بحسب أمره وينطبق فلا يتقدم على أمر إلا ببينة من ربه ، وذل يتوقف على العبادة الخالصة لله سبحانه وتعالى التي تكون طبق أمره ويتوقف على الطاعة المطلقة لله سبحانه بحيث يحرص الإنسان وهو يشعر بمسؤلية خلافة في هذه الأرض وانه يتحمل تبعات ذلك ويوقف أمام الله ليبحث عما قدم وما آخر وما أعطى وما منع والعبادة وسائر الطاعات التي خوطب بها الإنسان لا يمكن للانسان أن يؤديها بالجهل ونحن نرى في كتاب الله ما يدل على أن هذه مسئولية ليست خاصة لجنس دون آخر فليست خاصة لجنس ذكور دون جنس الإناث فالله عز وجل يقول:"ومن يعمل من صالحات من ذكر وأنثى وهو مؤمن فالن ......... "



ومن الذي يفرق بين الصالحات واظلالها وإنما يفرق بينها من كان على بينة من أمر لا جل هذا أمرك السلف صالح هذه المسئولية لكبيرة وكانوا يسرعون ذكورا وإناثا إلى التفقه في دين الله وفي مقدمة الرعيل الأول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهم فأنهم كانوا يتنافسون في ذلك ولم يكن الحياء يحجب الأناث عن تفقه في دين الله فقد سألت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على نساء أنصار فقالت الله در نساء لانصار ما منع هذا الحياء عن النفقة في الدين فكان للمرأة أثر بارز في حياة هذه الأمة من حيث بناء الحضارة على أسس العلم وقد كان لأمهات المؤمنين رضى الله تعالى عنهن السبق في هذا الميدان ولذلك كان الكثير من الصحابة رضى الله عنهم وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم يرجعون إلى أمهات المؤمنين عندما يختلف الخلاف ويعظم الإشكال في الكثير من القضايا ، وهذا يدل على أن المرأة مهيئة .. لأن لكون فقيهة في دينها عالمة أحاكمها دقيقة النظر فيها تجتهد كما يجتهد الرجل وتستنبط كما يستنبط ونقف معه على قدم المساواة في ذلك وقد وجد في تاريخ هذه الأمة وفي تاريخ أهل الأستقامة بصفة خاصة الكثير من النساء اللواتي كن على قدر من العلم والمعرفة والحرص على المناقسة في ذلك فإنبة إلى مسور رحمه الله تعالى كانت مثلا في ذلك عندما كانت تناقش اباها في مسائل الحيض حتى أنها نحدات على أن تصف له كيف يأتيها الحيض وكيف لونه وكيف طبعه فقال لها أما تستحين يا بنتي تسألينني عن مثل هذا فقالت له أخشى ... أن استحيت فقال لها لا مقاتت الله وكانت تناقش أباها في النظر في القضايا العلمية وتدني برأيها ولا تبالي بذلك وكان أبوها قرير العين بذلك ، فعندما قالت في يوم من الأيام إن المؤمنين أفضل من أعمالهم ردت عليه بل أعمالهم أفضل منهم لانهم يفنون ويبقى أعمالهم وحتى يوم كان بحيتها وكانت تغسل ثيابه فقال .. لو أن الله سبحانه وتعالى طهر قلبي فكان مثل هذا الثوب في نظافته فقالت له ثمينة لو أن الله سبحانه جعل تطير قلبي بيدي فأطهره مثل هذا الثوب فقال لها أنت أفقه مني حتى في الأماني وهكذا شأن المرأة على أن المرأة في الإسلام عندما كانت واعية مؤمنة مبصرة كانت محرك كثيرا لابناءها بل كانت محرك لزوجها في سبيل الخير فالخساء التي فعلت في الجاهلية ما فعلته حزنا على أخيها عندما أكرمها الله سبحانه وتعالى بالاسلام ونور بصيرتها بالأيمان وأدركة قيمة هذه الحياة ودفعة بأفلاد كبدها جميعا إلى الجهاد وركنهك في أثون المعركة وحضتهم على الثبات والجلد حتى يلقى الله سبحانه وعندما بل فهم نبا استشهادها ما زالت على أن حمدة الله سبحانه وتعالى على أن تقبلهم منها فهذا شأن المرأة عندما تكون المرأة مؤمنة بصيرة بأمر دينها عارفة بأحكامها مطلعة على أمر الله سبحانه وتعالى ونهئة هذا ومن المعلوم أن مناهج العلماء في الفقه و... وزتختلف .. أثر في ذلك لذلك كان أختلاف بين مدرسة الرأي ومدرسة الحديث نتيجة بعد أصحاب مدرسة الرأي عند مصر علم الحديث الشريف ومركزه عن أرض الحجاز فلذلك كانوا مضطرين للاجتهاد وتوسيع دائرة النظر في قضايا التي ينظرون فيها وبناء على هذا وقع الخلاف بينهم وبين في كثير من مسائل ولربما جهد بعض أهل الحديث على ظوافر من دون أن يمكنوا في مقاصد هذه النصوص ولذلك كان اجتهادهم مقصورا على من



من ظواهر الأدلة الشرعية ولم ينفذوا ببصائرهم إلى إسرار التي تطوي عليها بينما أصحاب مدرية الرأي كانوا على خلاف ذلك ونحن نراى أيضا أن الازمة لها أثر في هذا الاختلاف فقد يكون زمان من الإيمان فيه توسع في ثقافة العلمية ويكون مناخ مهيئا لأن يكون هنالك الاجتهاد الواسع والنظر ودقة ومحاولة الاحاطة بالادلة الشرعية عندما تكون إجواء محيطة إجواء علمية ولكن قد تكون هناك ظروف أخرى الاجواء فيها مهيأة لهذا لسبب أو لآخر أما لاسباب عسكرية وأما لاسباب سياسية وأما لاسباب إجتماعية أو غير ذلك ولأجل ذلك نجد تفوات بين عصر وآخر في قوة الاستنباط والنظر والدقة في نظر في الأدلة الشرعية ولا بد أن نعترف بالحقيقة مهما كانت هذه الحقيقة مرة في بعض الأحيان فاحد أئمة اليعاربة أحدا متميزا في نفوذ سياسي وعسكري ولكن من حيث العلم إن هذا الوطن لم يكن مزدهرا بالنهضة العلمية التي كان ويجب أن تكون موكبة للنهضة سياسية والنهظة العسكرية ولعلنا نستطيع أن نقول بأنا أؤلئك أئمة الفضلاء شغلوا كثير بمكافحة العدو الذي جسم على صدر هذه المرحلة مرحلة مريرة فيه كثير كثير مما يندى له الجبين إذا جاءت تلك الفئة الحاقدة على الإسلام التي تمثلت في طلائع الاستعمار البرتغالي الذي قاد البوكرت لكنه الله تعالى وجثم على صدر هذه الامة واستطاع أن يمد نفوذه في المحيط الهندي حتى المحيط الهادي وصل نفوذه إلى حدود الصين ولم تقف أمامه قوة قط بل كل قوة أن يقضي عليها وعندما تصدى له الأسطول العثماني دمره تدمير وكانت العاقبة عاقبة مرة وكان الرجل حقودا على الإسلام إلى حد بعيد فما يتجلى ذلك في مذكرته التي جمعها زميله الذي سمى أبنه وهو أبن غير شرعي جمعها وطبعت أخيرا بعد ما ترجمت إلى اللغة العربية في نحو ألف وستمائة صفحة وهي تدل على ما كان في نفس هذا الرجل بل وما كان في نفس أتباعه من حقد على الإسلام حتى أنه كان يأسف لأنه لم يستطع أن يحقق أمنيتين اثنتين كان يطمح إليهما الأمنية الأولى أن يحول النيل عن مجراه حتى يجعل مصر أرض يابسة نكاية على المسلين والأمنية الثانية وهى أتعس وعاقبتها عند الله سبحانه وتعالى اعظم الذي كان يتمنى أن يدخل مكة المكرمة وهو كان من غبوته يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم مدفنا في مكة كان يتمنى أن يدخل مكة المكرمة ويخرج كما يزعم منهما جثمان المثاوم الكريم حسب ما قال لعنة الله ليدري وفاته أمام المسلمين ونحن لا نتجاهل دور أئمة اليعاربة عندما نهضوا وتصدوا لهذا الشر العظيم وتتبعوا فلول هؤلاء حقدين على الاسلام حتى طهروا منهمرو من رجسهم هذه البقاع والبقاع الجاورة وكادوا يصلون إلى رأس الرجاء الصالح في مطاردتهم لو لما جعله الله سبحانه وتعالى من خلاف فيما بينهم والله وتعالى المستعاون ولكن مهما كان ، كان حربا بهم وهم نهضوا هذه النهضة أن يدعموا هذه النهضة بالعلم وعندما جاء أحد علماء جزيرة جربة إلى عمان وجه نصيحة إلى الإمام بلعرب بن سلطان بأن يعني بنشر العلم ما وجده من ضغانة العلم بحيث كانت النهضة العلمية لا توازي النهضة الكبرى التي كانت قائمة في البلاد في ناحية سياسية والاجتماعية والعمرانية والعسكرية وأمي الإمام بتعليم جماعة من العلماء هذه الجماعة لعلا بعض مؤرخين يضخم أمرها إلا أن عددها الذي تخرجوا من هذه المدرسة هم خمسون لا يكفون قضاة لعمان وحدها فضلا أن يكفوا لارسلهم إلى بقاع الأرض معلمين ومرشدين وشارحين معالم الإسلام فالنهضة مهما كانت النهضة العلمية لم تكن على مستوى مطلوب في ذلك الوقت وعندما نقارن اجتهاد العلماء في ذلك الوقت سواء العلماء الذين كانوا في صدر هذه الدولة أو الذين كانوا في وسطها في عهد ازدهارها نجد أن ذلك الأجتهاد الذي يصدر منهممن حيث بناءه على الأدلة والنظر لا يوازي شيئا بجانب اجتهاد العلماء الأوائل الذين كانوا في عصور متقدمة واجتهاد العلماء الذين جاءوا من بعدهم بعدما قامت نهضة الاجتهاد في البلاد هذا ولا ريب أن هذه السيدة الرضية رحمها الله تعالى كانت على قدر من العلم فإنها كانت تنافس علماء زمانها الذين اعتبروا في ذلك الوقت في الصدر وكانت فتواهم هي معتمة وكانت في كثير من الأحيان ترجع أراء غير أرائهم وهنا لا بد أن نتعرض للاجتهاد ومقدار ما يمكن للمجتهد أن يحققه من مكاسب علمية وأن يصل إليهم من مراتب الاجتهاد العلماء يقسمونه إلى ثلاث مراحل المرتبة الدنيا هي القدرة على الترجيح وذلك أن يكون الفقيه قادرا على ترجيح رأيا على رأي وذلك عندما ينظر إلى الأدلة أدلة العلماء الذين اجتهدوا أي الذين سبقوا في الاجتهاد واستنبطوا الأدلة من الكتاب أو السنة النبوية أو أولو في النظر في مقاصد الشريعة الغراء أو استطعوا أم يرجحوا دليل على دليل من خلال جمعهم بين الأدلة بعضدها على بعض حسبما هو معهود عند الفقهاء والأصوليين هذه المرتبة بعض العلماء .. مرتبة الاجتهاد ومنهم من قال بأنها دون الاجتهاد وإنما يقال لها مرتبة الترجيح اذ الاجتهاد يكون بالقدرة على استنباط الأدلة الشرعية من مضامنها وبدون هذه القدرة وإنما أ، أول الإنسان على مجرد الترجيح فلا يكون مجتهدا عند هؤلاء القائمين والمرتبة الثانية وهى أعلى من هذه المرتبة وهى الاستنباط بحيث يكون الإنسان قادرا على استنباط الأدلة الشرعية من غير أن يسبقه أحد إلى الاستدال بهذه الأدلة وذلك إنما يحصل للإنسان بالممارسة مع وجود الأ.. التي تمكنه من الإجتهاد والنظر والتتبع الأدله وهذا أمر يتوقف على معرفة القرآن المريم والفرق وهو تفريق بين عمومة وخصوصة وتقيده و.. ومجمله ومبينه ومحكمه ومتشابه وناسخه ومنسوخه مع النظر في أدلة السنة المطهرة سواء كان هذا المجتهد قادرا بنفسه على تتبع الروايات وتميزها بين صحيحها وغير صحيحها أو كان مؤلا على العلماء الذين لهم قدر في علم مصطلح الحديث بحيث يميزون بين ما هو صحيح إلى الأحاديث وما هو غير صحيح مع مراعاة ما يجب مراعاته في الأحاديث نفسها كالذي يراعا في القرآن الكريم بحيث ينظر الإنسان إلى المجمل والمبين والخاص والعام ومطلق ومقيد ومحكمه ومتشابه وناسخ ومنسوخ فإن مما هو معلوم عند أهل العلم أن الخصوص يقدم على عموم وتقيد على الاطلاق مجمل يودي إلى معين ومتشابه يدي إلى محكمه والناسخ يقضي على منسوخ هذا أمر معروف ... كما يقول العلماء الدليل عام وإن كان قطعيا المتن هو ضمير الدلالة لأن دلالة عام لا يتجاوز أن تكون ظنية فلذلك كثير التخصيص حتى أن من العلماء من قال بأنه ما من عموم إلا وقد خصص ما عدا قول الله سبحانه وتعالى "كل شئ خالق " ونعود نقول بأن هنالك من الأدلة العامة ما لا يمكن أن نقول فيه بأنه ظني وهذه الأدلة إنما هي أدلة العقيدة فمن أدلة العقيدة ما يقضي العقل لاستحالة تخصيصه بقول الله سبحانه وتعالى " لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفؤاد أحد " إذ لا يمكن أن يقول أحد بان قوله سبحانه وتعالى لم يبد مخصص وأن أحد من الذين ولدوا هوة مولود الله تعالى عن ذلك ولا يمكن أن أحد أيضا بان الله تعالى ولد لأحد تعالى الله عن ذلك ولا يمكن أن يزعم أحد بان لله تعالى حزب وهكذا نحول قوله " ولا يظلم ربك أحد " وقوله سبحانه وتعالى " ليس كمثله شئ وهو سميع البصير" إلى غير ذلك من الأدلة التي يثبت العقل استحالة تخصيصها ونحن لا نريد أن نخوض في هذا المجال على أي حال بجانب هذا أيضا لا بد أن يكون الأنسان على بينة من معرفة الخطاب الشرعي والتميز بين دلائل الخطاب على الأحكام إلى كم دللالة تنقسم دللاله الالفاظ على الأحكام تنقسم إلى أربعة دلالات لأن اللفظ يدل على حكم الشرعي أما بعبارته أما بإشارته وأما بقتضائه وأما بدلالته ولابد من تميز مراتب ذلك ثم بعد هذا كله أيضا مطالب بأن يكون معرفة باللغة العربية ن لآنها اللغة التي نزل بها القرآن والتي وردت به السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ويتعذر على الانسان أن يجتهد في الأدلة الشرعية وهو غير متذكر ممن اللغة العربية بحيث يعرف دلالة هذه اللغة على المعاني فأن الكثير من مسائل الترجيح لا يمكن أن يرجح فيها دليل على دليل إلا بعد إمعان النظر في قواعد اللغة العربية هذا أمر لا نريد أن نتعرض له وكذلك أن نكون على خبرة بالسيرة النبوية لكثير من الأحكام أنما تستقي من السيرة النبوية ومن خلال معرفة الأنسان لسيرة النبوية يستطيع ضبط الأدلة الشرعية من حيث نزولها أن كانت آيات قرآنية أو ورودها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أن كانت سنة نبوية فيميز بذلك بين ناسخ ومنسوخ ومع هذا أيضا مطالب الإنسان بان يكون على ببينة من مقاصد الشرعية الغراء فإن الترجيح كثيرا يعتمد على النظر في هذه المقاصد بل نفس الاستنباط أحيانا أنما يبني على النظر في مقاصد الشريعة وبدون هذا النظر يكون الإنسان غير قادر على استيعاب الأدلة الشرعية وما تدل عليه من الأحكام ونحن عندما ننظر إلى تلك الحقبة على أي حال نجد عند الناس ربما حصل من بعضهم شيئا من الاجتهاد أي العلماء الذين كانوا بين الناس في ذلك الوقت بحيث يستنبطون الأحكام الشرعية ولكن غالبا الاجتهاد إنما كان ترجيحا ترجيح رأيا على رأي والعلماء كانوا في ذلك متنافسين هذا الترجيح حصل عند كثير من علماء وكانت هذه السيدة الرضية رحمها الله تعالى تنافس هؤلاء العلماء ربما نختار رأياه غير رأيهم نجد أن العلامة الصبحي رحمه الله كان يعد في الرعيل الأول في ذلك الوقت في العلماء ولكنها كانت تختلف معه في كثير من المسائل من ذلك أنه كان يقول في المرآة إذا جاءها الحيض وأستمر بها الدم ولم ينقطع عنها الدم يقول بأنها تجعل عشرة أيام حيضا وعشرة أياما ولعل هذا الرأي هو أسهل ما يكون للنساء في الاستعمال الكثير من الآراء التي تخالف هذا الرأي وهذا الرأي هو مقيد ما إذا لم تكن هناك عادة سابقة للمرأة إما أن كانت لها عادة فإنها تحكم عادتها في ذلك لدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أقبلت الحيضة فدعي لها الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي " ولكن العلامة الصبحي بجانب نظرة إلى هذه المسائلة من خلال هذا الرأي وترجيحه على بقيت الآراء يري أنه لعلله من باب الاحتياط أن المرآة بعدما تصلي خمسين صلاة أي إذا أعتبرت نفسها مستحاضة في عشرة التي بعد عشرا لحيضه تصلي خمسين صلاة يري أنها بعد أن تصلي خمسين صلاة صلاة وأحدة من باب الأحتياط ولكن هذه الفقيهة عرضته في ذلك وقالت لا بل ولو صلت تلك الصلاة بما أنها جاوزت العشر فإنها تعتبر في حكم الحائض ولما كانت في حكم الحائض فعلى أي حال لا تعتبر صلاتها تلك شيئا وتترك خمسين صلاة كالتي صلاتها من قبل وبعد ذلك تعود إلى صلاة مرة أخرى هذا الرأي على أي حال وهو رأيها مبني على الأصل فإن الأصل في دم أنه دم الحيض وما دامت مواصفاته مواصفات دم الحيض يحمل على أنه يكون دم حيض ولا يتعذر ذلك إلا عند ما تتجاوز العشرة أيام فإن أقصى مدة الحيض عشرة أيام وربما أقل الطهر عشرة أيام فهي تعطي للطهر عشرة أيام فإذا جاوزت هذه العشرة عليها أن تغتسل وتصلي فإذا صلت خمسين صلاة فلتترك للصلاة وإذا تركت خمسين صلاة فلتصلي كذلك خمسين صلاة إذن أصل في دم أنه دم حيض ويحمل على أنه استحاضة عندما ما يتعذر كونه دم حيض وهذا على أي حال اجتهاد مبني على نظر دقيق في هذه المسألة وهو مبني على قاعدة أصولية معروفة وهي استصحاب الأصل كذلك وجدنا الفقيه المذكورة ، كذلك وجدنا الفقيهة المذكورة اختلفت مع العلامة الصبحي في الموصى له إذا قتل الموصى فقد وقع قبل الخلاف معها خلاف بين الصبحي وابن عبيدان فكان ابن عبيدان يرى أن القتل على أي حال من الأحوال هو يسقط للوصية كما يسقط حقه أي حق القاتل من الذبح إن قتل مورثه وكان الصبحي يرى أن هذه المسألة لا بد إمكان النظر فيها وفقيه أبنت راشد كان لها رأي آخر كان رأيها التوسط فأن كان هذا القائل كان داريا لأن المقتول موصى له ففي هذه الحالة لا يستحق هذه الوصية إما إذا كان على غير معرفة للوصية رأسا فعلى أي حال لا يعتبر في هذه الحالة لا يعتبر متعجلا لآمر لأنه لم يكن على معرفة بالوصية رأس ومهما كان فإن القول بالمنع مطلقا إنما هو مبني على القياس أولا وابتكرت القياس قياس الوصية على الميراث ثم بجانب ذلك أيضا ينظر في هذه القضية إلى قاعدة معرفة عند الفقهاء والأصوليين وهي قاعدة سد الذريا فإنه من المعلوم عندما يحس كل أحد أنه أن قتل من أوصى له لا يرثا شيئا لا يستحق من الوصية شيئا كما لو قتل مورثه لا يستحق من أرثه شيئا لا ريب أن هذا من الأمور الراجعة على قتل فإن في النفس ريبة من هذا القتل إذا لعلل القتل ولو كان خطأ حسب ظاهر لصاحبه إرادته ولصاحبه نزعة من خلاله إلى التوصل لهذا القتل إلى ما يتطلع إليه من الوصية أو ما يتطلع إليه من الإرث لذلك جاءت الشريعة الغراء لسد هذا الباب رأسا كالنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" لا يرث القاتل المقتول عمدا كان القتل أو خطأ" وهذا لأجل صون دماء المسلمين حتى لا يتوصل المفسدون إلى سفكها لأي غرض من الأغراض ومما وقع الخلاف فيه بينهما أن الفقيهة كانت ترى جوزت وصية المسلم لغيره مسلم بينما العلامة الصبحي ما كان يرى جواز هذه الوصية وقوله في الجوار هو القول الراجح لأن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام تدل عليه فأم المؤمنين السيدة صفية بنت حيي رضى الله تعالى عنها أوصت لابني أخيها ولا بد أن تكون هذه الوصية بعد مشورة النبي صلى الله عليه وسلم وأخذت رأيه ما كانت أمهات المؤمنين يتصرفن من تلقاء أنفسهن من غير استشارت النبي صلى الله عليه وسلم ومع وجود مثل هذا مع ابني أخيها كان على اليهودية ولم يكونا على الإسلام ولكنها أوصت لهما وهذا يعني أن الوصية لغير المسلم جائزة وليس سبيلها سبيل الأرث فإن الوصية إنما هى سلعة ولذلك الله سبحانه الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف وقد قال من قال من العلماء بان المراد بالوصية للوالدين هنا الوصية للوالدين غير مسلمين فأن عدم أسلمهما لا يمنع من برهما وبما أن هذا البر مشروع بين الولد وولده ولو كان الولد على غير ملة الإسلام كما نص عليه القرآن في قوله سبحانه وتعالى ""ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكري ولوالدي وإلى المصير وإن جاهدك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصحبهما في دنيا معروفا"

فإن هذه الصحبة بالمعروف وهذه الصلة وهذا البر ينبغي أن يستمر كل في ذلك ولو بعد الحياة فلا مانع أن يوصي الأنسان بمن يريد الوصية له بسبب قرابة ا, بسيصحبه أو بسبب أي شئ من هذا القبيل من غير المسلمين كذلك نجد الخلاف فيما بينهما في ما يتعلق بعدم أنزال من الرجل او المرأة هكذا قال بعض العلماء الذين نقلوا رأيهما ولكن يبدو أن كلام الصبحي كان كلام مطلقا ويحتاج إلى تقيد وهى قيدته على أي حال الصبحي لم يتعرض للجماع نفسه ولكنه قال فما إذا لم ينزل الرجل ولم تنزل المرآة لا غسل عليهما مع أنهما معلوم أنه صرح في مواضع أخرى بوجوب الغسل بمجرد ملامسته بمجرد التقاء الختانين فيحمل إطلاق كلامه على هذا التقيد وهذا يعني إذا كان ذلك من غير جماع هي تعقبت كلامه على هذا التقيد وهذا يعني إذا كان ذلك من غير جماع هي تعقبت كلامه بأنه إذا التقاء الختانان وجب الغسل على أي حال سواء واقع أنزال وإن لم يقع لقوله تعالى " أو لامستم النساء " ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم " إذا التقاء الختانان وجب الغسل " أنزل أو لم ينزل ولا عبرت بالانزال مع التقاء الختانين نعم هذا القول وهو عدم وجوب الغسل عدم الإنزال ولو التقاء الختانان قول وجد وله دليل وهو حديث "الماء من الماء" ولكن دل حديث رافع ابن خديج رضي الله تعالى عنه على أن حديث الماء من الماء رسخ وهو نفسه كان في معاشرة أهله ونداه النبي صلى الله عليه وسلم فأستجاب وذهب واغتسل وأتى إليه وجسده يقطر ماء فسأله النبي صلى الله عليه وسلم قال له : لعلنا أعجلناك فأجاب بأنه كان في حالة المعاشرة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " إذا إعجلت او أقعت فيكفيك الوضوء " ثم رافع نص بنفسه بعد ذلك بأن هذا كان في بدء الأمر لكن نسق بعد ذلك باستقرار وجوب الغسل بمجرد الملامسة قال فالحديث أذن حديث ماء من الماء منسوخ على أي حال الفقيهة تعقبت كلام العلامة الصبحي وفكرت وجوب الغسل بمجرد حشفة من غير أن يلزم أن يكون متوتبا على ذلك نزول شئ من المني هذا وجدنا إيضا الخلاف بينهما في بعض المسائل الأخرى التي ربما كان خلاف فيما مبنيا على مجرد النظر أما في المصالح العامة أو المصالح الخاصة أو نحو ذلك كل ذلك إما يدل على أن هذه الفقيهة كانت حريصة على إتباع ما يتراى لها من الدليل سواء هذا الدليل آية رأنية أو حديثا نبويا أو كان هذا الدليل مصلحة فإنه مما يدرك من خلال النظر في كلامهما إنها كانت تعتبر المصالح وتعتمد كذلك على القياس ونصت على القياس في أكثر من موضوع وهو ما يدل على أنها تعتبر القياس دليل شرعيا خلاف أولالئك الذين لا يعو لن على القياس هذا ومن المعلوم أن عناية العلماء بفتواها حتى وجدت هذه الفتوى في كثير من الكتب الكبرى التي هي مدار اعتماد الفقهاء في السنين الأخيرة مما يؤكد مكانتها العلمية فنجد فتواها في قاموس الشريعة وفي لباب الآثار وفي خزانة الآثار وفي مكنون الخزائن إلى غير ذلك من الكتب مما يؤكد أن هذه الفقيهة كانت مكانتها مكانة مرموقة وهي كما قلت في عصر وسائل العلم فيه مستعصية أولا كما قلنا الأجواء لم تكن مساعده على العلم في زمانها وإنما بذلت ما في وسعها من أجل التوصل إلى ما توصلت إليه واجتهدت أجهدت نفسها حتى وصلت إلى مبتغها والآن الأمر بخلاف ذل فالمكتبات والحمد لله متوافرة والمطابع قربت المثير مما كان نأي ويسرت الكثير الكثير مما كان عسيرا وسهلت ما كان صعبا فأصبحت الكتب في متناول الايدي من أجل هذا نحن نحدث أبناءنا وبناتنا جميعا على العناية بالعلم واعطاء العلم حقه نحن على أي حال لا ندري كنا واحد أو كنا واحدة إلى محاولة الخوض في المسائل الفقهية لأجل البروز لي هو كذلك المقصود وإنما يتحدث في هذه المسائل من كان على دلالة وعلى بينة إذ الخوض في المسائل الفقهية بدون بينة أمر ذلك خطير كيف و الله سبحانه وتعالى يقرئ بين تقول عل.. بغير علم وبين الاشرك به عندما يقول " إنما حرم .. الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون " وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنتم الدرون به فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول " من أفتى مساءلة أو فسر رأي بغير علم كان كمن خ رمن السماء إلى الأرض وصادف بئرا لا قعر لها " ولو أنه وافق الحق لكن ندعوا على أي حال بأن يكون هناك إجتهاد من قبل الطلبة أي بذل الجهد من أجل تحصيل العلم حتى يتأهلوا لأجل النظر وأقصد بالطلبة الذكور والإناث جميعا فكل مطالب بان يتهيأ للنظر في المسائل العلمية بجتهاده وبذله وسعه حتى يتمكن من الوصول إلى هذه المرتبة لا أن يتسور عليها من غير أن يكون أهلا لها وكذلك نحن نجد أن هذه المرآة الفقيهة بجانب ما كانت عليه من معرفة بفقه العبادات وبفقه المعاملات وبفقه الأحكام الشرعية أيضا كان عندما فقه عسكري ولذلك كانت تسأل عن هذه المسائل فمن ذلك أنها ساءلت عن قوم عرفوا بالبغض وأنهم يخشون الديار ويسعون فيها فسادا لا يبالون بسفك الدماء وانتهاك الأعراض وأخذ الأموال وارتكاب المحارم بلغ أهل بلد عنه أنهم آتون إلى ذلك البلد وهم يحسون بانهم لو تركوهم حتى دخلوا نفس البلد لما تركدوا من دفعهم حتى يخرجوا منا لأنهم يصبجون غالبين بعد الدخول فهل يجوز الخرج إليهم قبل أن يدخلوا إلى البلد لآجل مقاتلتهم خارج البلد فإجاب يجوز الخروج إليهم وتصدي لهم من غير بدئ في مقاتلتهم حتى يبدأ هم أولا فإن هم أولا عند إذن يحل قتالهم وهذا المنهج على كل حال هو المنهج الذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يدعوا أصحابه في اعتراضهم للاعداء أن لا يكونوا البدءين حتى لا يكون هنالك عدوان وإنما او قبل كل شئ ينتظرون حتى يكون عدوان من قبل العدو عند إذن تحل مقاتلة العدو وهذا الذي درج عليه .. إيضا فأبو حمزة الشاري رحمه الله تعالى لما وجه الجموع حقبا وكانت بينه وبينهم محاورة في ما يتعلق في طاعة بني مروان وأصر أولئك على تصدي لأبي حمزة ومن معه طاعة لائل مروان قال أبو حمزة لا تبادؤهم بالقتال حتى يبدؤا هنالك امسك أصحاب أبي حمزة حتى أطلق أوؤلئك السهام وأصابوا رجل من رهط أبي حمزة فقال لإصاحبه كنوا لهم الآن فقد حل قتالهم فالمرآة كانت فقيهة قادرة على النظر في هذه الأمور ولذلك تعطي الإجابة الشافية المبينة على الدقة في النظر والاحتياط بقدر المستطاع وفي كثير من الأمور كانت تقول يعجبني كذا من غير أن تصرح بأن ذلك أمر واجب ولكن تبني فتواها هذه على الاحتياط والورع حتى لا يقع الناس في محارم الله فهي بجانب كونها فقيهة من أهل النظر والدقة في النظر هي أيضا محتاطة لدينها ورعة ترغب الناس أن يحتاطوا لدينهم وأن يكونوا حرصين على تجنب كل ما يؤدي إلى الشبهة وهذا أمر واضح في كثير مثير من أجوبتها نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمدها بواسع رحمته وأن يسكنها فسيح جناته ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل في نساء المسلمين الخلف الصالح الذي ينحوا هذا منحي ويعتمد على الفقه في دين الله سبحانه وتعالى من أجل العبادة على بصيرة ومن أجل تفقيه بنات جنسهن فيما يتعلق بأحكام الله ونسأل الله أن يفقهنا جميعا في الدين وأن يعلمنا التؤل وأن يجعلنا من عباده المخلصين ومن حزبه المفلحين ومن جنده الغلبين ومن أولياءه المتقين أنه على كل شئ قدير وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .



الأسئلة

السائل يسأل عن التقاء الختانين من خلف الملابس هلا يترتب عليه غسل على أي حال التقاء الختانين يراد به أن تولد الحشفه أي رأس الذكر أو ما ساويها ممن كانت مقطوعة منه في الفرج فعندما تدل هذه الحشفه يكون عند إذن وقع التقاء الختانين ويجب على كلا الزوجين الأغتسال كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن ذلك جاء في بعض الرواية وكانت عنده عائشة رضي الله عنها فقال :نصنع ذلك إذا وهذه ثم نغتسل " هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم فعندما تلد الحشفة ولو ولجت من خلف الثوب أن دخلت في الفرج ولو من وراء الثوب وجب الاغتسال والله أعلم .



سؤال عن آثار الشيخة عائشة هل لها كتب ومؤلفات مستقلة أولا ؟

الجواب : أنا حقيقة لم أطلع على شئ من ذلك وإنما قيل لي سمعت هكذا من بعض الناس قبل سنين بأن لها فتاوي في نحو جزئين وأناه أطلعت على هذه الفتاوي ما وجدتها إلا نا تناثر في كتب كالذي يوجد في قاموس الشريعة والذي يوجد في مكنون الخزائن ولباب الآثار وخزانة الآثار ونحو هذه الكتب كتب المتأخرين التي كانت تجمع الفتاوى فتاوى العلماء.



سؤال : ما مدى صحة المقولة التي ذكرت في البحث الذي .. بالأمس بأن الشيخة عائشة وقفت عن مبايعة الأمام سيف بن سلطان لمدة يومين وبعدها أعلنت مبايعة له بأن تكون بيعه جهاد ؟

الجواب : في حقيقة الأمر لا معرفة لي بذلك ولعلها توقفت بسبب أن الرجل في بادئي الأمر باغيا على أخيه أذ كان خارجا على أخيه وبطبعة الحال الأمامة لا تؤخذ بهذا الطريق لا تؤخد بالثوا.. والقيام على أئمة الرعين السابقين ومما يؤسف له أن حصل أماة في أسرة هو الذي يؤدي إلى مثل هذا التنافس بين الأقربين ويؤدي بالتالي إلى ضعضة الدولة وضعفها وذلك وقع فعلا عندما كانت لأنهم أحسوا بأنها ميراث يرثها اللاحق عن السابق ووقع تتطلع إليه وكل منهم أو أغلبهم كانوا يشئبون إليها وبسبب ذلك حصل ما حصل من التنافس وتلك المبايعة إنما كانت بسبب أن الناس راو السياسة تقتضي مبايعة في ذلك الوقت وقد كانت سفن المسلمين تخمر عباب البحر لمطاردة سفن أعداء الإسلام ولعل الناس لو تؤكوا عن المبايعة ووقع الشقاق وأنها الدولة أدي ذلك إلى رجوع الاستعمار البرتغالي من جديد وأدى ذلك ضعف أمر المسلمين فلذلك بايعوا سيف ابن سلطان القائم على أخيه ومع هذا ولم يقسم في الجهاد مهما كان أمره وأن كان في قيامه على أخيه كان باغيا إلا أنه بعد ذلك تصدى لا سطول أهل كفر وحاربهم ,أخرجهم من مثير من ديار .



السؤال : من هم العلماء الذين عاصروا هذه الفقيهة وما المقصود بالعالم الصبحي؟

الجواب : على أي حال كان هناك عدد من الفقهاء إنما كان في مقدمة الشيخ خلف ابن سنان الغافري وتلميذه الشيخ الصبحي وهو سعيد بن بشير الصبحي النزوي وهذان الشيخان ابن سنان وشيخ سعيد بن بشير كان في مقدمة أهل العلم في عمان في ذلك الوقت .



السؤال : كيف كانت تحصل على المراجع والمصادر؟

الجواب : على أي حال كانت بحسب الطرق المتبعة في ذلك الوقت استنساخ الكتب وشراء الكتب المنسوخة ما كانت مطابع.



السؤال : هل هناك نساء عصرن الشيخة وإذا كان ذلك فما هو ردهن .

الجواب : بطبيعة الحال لا بد أن تكون نساء كل وقت لا يعلم من النساء والرجال ولكن هل عن في مرتبتها العلمية ما لم نجد دليلا عليه.



السؤال : هل للشيخة عائشة كرامات ؟

الجواب : كرمتها الكبرى أن الله تعالى وفقها لطاعته وهداها لمراضاته بان كانت طالبة على ورغبة في رضوان الله هذه الكرامة الكبرى .



السؤال : ما هو آثر الشيخة أبنت راشد في المجتمع المحيط بها وعلى وجه الخصوص ولاية بهلا وكذلك ما حال المجتمع في عصرها بحيث الإصلاح والصلاح ؟

الجواب : على أي حال العالم الفقيه ذكر كان أو أنثى لا بد من أن يصلح بقدر مستطاعه والمرأة لها أثر في الإصلاح في بنات جنسها ومثل هذه الفقيهة لا بد أ ن يكون هناك جهد منها لإصلاح بنات جنسها بتفقهن في دين الله ودعوتهن إلى الخير وأمرهن بالمعروف ونهيهن عن المنكر .



السائل يقول وهو سؤال خارج موضوع نحن بصدده ولكن ربما لأجل علاقته بمسألة التفريها رجل قبل زوجته في نهار رمضان مما أدى إلى خروج السائل الأبيض وهو الودي السائل أخطاء في هذا الودي ليس الذي يخرج مع التقبيل وإنما المذي الذي يخرج عند التقبيل أما الودي يخرج بسبب برودة ويخرج إما بعد البول وإما لتأثير الطبع البارد مع العلم أنه لم يلتقي الختانان فما حكم الصائم هل صومه باطل أم ماذا؟

الجواب : على أي حال مع عدم خروج المني القول الراجح بأن المذي لا يؤدي إلى بطلان الصوم ولكن ينبغي على الإنسان أن لا يحوم حول الحماء فمن حام حول الحماء أوشك أن يقع فيه .

ورد المنى
15-05-2003, 04:13 PM
http://www.alnadwa.net/libislamic/ali-sk.htm

ورد المنى
17-05-2003, 06:12 PM
منوعات
http://www.islampedia.com/MIE2/MainInter/default.htm

ورد المنى
18-05-2003, 08:50 AM
سلسلة: صمود النص أمام الطوفان الجارف

الحلقــة الأولـى

البدايـة

خميس بن راشد العدوي



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين؛ وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛؛؛

فقد صدر في هذه الأيام كتاب العلامة المحدث سعيد بن مبروك القنوبي بعنوان "الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان" الذي صنفه الشيخ في الرد على أحد المقلدة الذين يرفضون الانصياع للأدلة الشرعية والبراهين العقلية، وإنما "يجتهدون" في إطار الدائرة التي وضعها لهم أسلافهم، ويرفضون خدش هذه الدائرة وإن كانت في منهجها قائمة على قواعد غير سليمة من جهة الشرع ولا صحيحة من جهة العقل ولا مسلّمة من جهة علماء الأمة وعقلاء البشر، ولست في هذا الموضع معتنياً ببيان مواطن خلله وخطله في كتابه "قدوم كتائب الجهاد" فهذا أمر قد قام به العلامة القنوبي، وإنما أريد أن أوجه القارئ الكريم إلى النظر بعمق إلى فلسفة النص في الإسلام وسر بقائه.

ينظر البعض إلى "الطوفان الجارف" على أنه رد شخصي وانتصار ذاتي على الذي رد عليه في كتابه "السيف الحاد" وهذا أمر غير مسلم له بل هو كاسد في ميزان العلم والمناظرة، إذ أن فضيلة شيخنا قد ابتدأ الأمر بتصنيف كتاب "السيف الحاد" رداً على ما يمكن أن نسميه بالمدرسة الأثرية، هذه المدرسة التي أصيبت وأصابت، أصيبت بدخول الفكر الأجنبي عن النص الشرعي إليها، وقد انخدعت بالذين روجوا لها الفكر الدخيل باسم الدين وجعلت من قبول النص بالخبر الآحاد واقياً لها من هدم قلعة فكرها ومعتقدها، وأصابت هي بدورها الأمة حيث قامت هذه المدرسة بترويج ذلك بين المسلمين، فجاء "السيف الحاد" مناقشاً لنظرية الأخذ بخبر الآحاد في الاعتقاد، مما أثار حفيظة أحد أتباع هذه المدرسة، فقام بتصنيف رد غير مهذب علمياً منتصراً للمدرسة التي أصيب المسلمون من قبلها بالشيء الكثير، إذن فنظرة هؤلاء –أقصد الذين رأوا في "الطوفان الجارف" بأنه انتصار شخصي- خاطئة مرفوضة، وبما أننا ملزمون أدبياً أن نلزم الناس بما يلتزمون به، نجد أن هذا الذي ذكرته هو الذي أوضحه العلامة القنوبي حتى لا تذهب بهؤلاء عقولهم إلى التخرصات الوهمية، حيث يقول: (وليس من شأننا بحمد الله تعالى تتبع الهفوات أو تصيد العثرات أو الانتصار للنفس بأي وسيلة أو مواجهة الباطل بمثله) الطوفان؛ ج3؛ ص4.

وربما ذهب البعض إلى أنه انتصار للمذهب الإباضي على اتباع المدرسة الأثرية، وهذا صحيح من حيث إن المذهب يدعو إلى التزام النص الشرعي الثابت وتطبيقه حسب القواعد العقلية واللغوية السليمة، أما الظن بأنه انتصار للمذهب تقليداً لسلفه بدون رؤية الدليل فهذا غير وارد البتة، (فأهل الحق والاستقامة ما فتئوا ينصرون الإسلام، ويذودون عن حياضه، ويبددون سحب الباطل بأشعة الحق، ويبذلون النفس والنفيس لإعلاء راية الإيمان، ونشر العدل والفضيلة، والتاريخ خير شاهد على ذلك، ومن شاء أن يعرف ذلك حق معرفته فليستقرئ ما سطرته أقلام أرباب التاريخ المنصفة حتى من غير أتباع هذا المذهب، وسيرى بمشيئة الله تعالى ما تقر به عين طالب الحق وملتمس الحقيقة) الطوفان؛ ج3؛ ص5.

إلا أن الذي نريد أن نستقريه هو –كما قلت- فلسفة النص وسر بقائه، حيث يجب أن نوجه أنظارنا شطر النص الشرعي وحده، ونزيل أي أثر للدخيل الذي ولج إلى الفكر الإسلامي من باب المدرسة الأثرية، فالأمة الإسلامية تمر بمنعطف مهم جداً وهو مراجعة الذات، وإلغاء الصفة الكهنوتية التي تمارسها المدرسة الأثرية، وأن يكون كتاب الله تعالى والثابت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النص الماثل أمام أنظارنا ونحن نحرر الفكر الإسلامي على وفق المنهج الإلهي، وعلى الأمة ألا تخشى من ذلك، وأن لا ترصد الأمر بخشية القضاء على المسلمات الموروثة التي تظن أنها من الدين وهي ليست منه على شيء، فإن ما لم يكن من الدين يجب أن لا نلحقه به بل نكشفه ونفضحه فهو عوار يبعدنا عن رضوان الله تعالى ويؤخر الأمة من الانطلاق نحو غد أرحب في عالم من الصراع على الوجود، وفي هذا المنعطف الذي تمر به الأمة سيظهر الجيل الذي يؤمن بالحقيقة الإلهية وحدها (إن الزحف قادم، فقد نصبت معالم الحق، واندك السد المنيع الذي حجب عقول كثير من الناس سنين طويلة، ووضح الصبح لذي عينين، ولسنا –بحمد الله تعالى- ممن تهوله القعقعة، أو تستهويه الألفاظ المسجعة، ولم يعد يقض مضجعنا اتهام الحاقدين الشانئين لنا بالخروج عن الإسلام ما دمنا متمسكين بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، معتصمين بالدليل نحاكم خصمنا إليه، فأي الفريقين أحق بالأمن) الطوفان؛ ج3؛ص5؛ بصرف.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة؛ بإذنه تبارك وتعالى.

خميس بن راشد العـدوي

21 ذي الحجة 1420هـ

28 مـــارس 2000م






سلسلة: صمود النص أمام الطوفان الجارف

الحلقــة الثانية

المدرسـة الأثريـة

خميس بن راشد العدوي


تحدثت في الحلقة الماضية عن المدرسة الأثرية، وذكرت بأنها كانت سبباً لوجود الدخيل في الفكر الإسلامي، ويحسن بنا هنا التعرف على هذه المدرسة بشيء من القرب حتى تتضح الأمور أكثر. بعد اسيلاء الأمويين على أمر المسلمين، وتحويل الخلافة الراشدة إلى ملك مستبد، كان لا بد أن يصاحب هذا التحول قاعدة فكرية توطئ وترسخ وجودهم، وبما أن الأمة تدين بالإسلام ولا زال عقلها العام طرياً ندياً بالعهد النبوي، وليس من السهل أن تقبل شيئاً ناداً عن دينها، فإن القاعدة المؤسسة للأمة هي النص الشرعي، ومن الأكيد حتى يتم التغيير يجب أن يكون النص الشافع لشرعية هذا التغيير موجوداً، وبما أن كتاب الله تعالى قد تكفل سبحانه وتعالى بحفظه لقوله تبارك الحجر 9 فلم يبق إلا طريق السنة[إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون]وتعالى: النبوية الشريفة، فوضعت الأحاديث المؤيدة للأموية، وبذلك انفتح الباب لولوج النص المنحول الذي ألصق بكلام خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، وفي هذه المعمعة الفكرية المفروضة على الأمة قسراً دخل أرباب الأغراض المتنوعة، واستخدموا الأساليب المختلفة التي تجعل من حديثهم مقبولاً لدى المسلمين، بهذا وجدت المدرسة الأثرية التي كانت لديها أداة سبك وصك الحديث قوية وسريعة، وحتى لا تحاكم من قبل عقلاء الأمة اتخذت لها دروع حماية.

نذكر من ذلك:-

1. إبراز مصطلح "الأثر" وصبغه بصبغة الشرعية الممثلة للنص الشرعي، وجعله نقيضاً لاستخدام العقل في فهم النص، ومن لم يقبل النص الوارد من هذه المدرسة فهو من أصحاب الرأي المغضوب عليهم والضالين حسب تصنيفها، وقد بذل أتباعها جهوداً ضخمة لترسيخ هذا المفهوم وللأسف الشديد نجحت في ذلك نجاحاً كبيراً ولكنه مؤلم للأمة وفكرها الناصع النقي، ولم يقف نجاحها للسيطرة على عوام الأمة وعموم مفكريها، بل استطاعت أن تقتلع المدرسة العقلية التي نشأت كردة فعل للمدرسة الأثرية، وحتى قبل سقوط المدرسة العقلية استطاعت أن تؤثر عليها، وليس هنا محل توضيح ذلك، كما أن لديّ تحليل أكثر إيضاحاً لهاتين المدرستين، أرجئ الحديث عنه في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.

2. احتكار "صناعة" الحديث، وذلك بإنشاء مدرسة أهل الحديث، وهي مدرسة داخل مدرسة حتى يتسنى للأثرية الغالية رفض ما قد يتوصل إليه الفقهاء والأصوليون من حقائق تهدم مدرسة الأثر، وبهذا الاحتكار استطاعت الأثرية فرض مصطلحاتها على الأمة، وبالتالي رفض ما يأتي من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق آخر هو أسلم منهجاً وأقرب مورداً من معين النبوة الشريفة من طرق الأثرية المتشعبة، ونقول كما قال شيخنا الحافظ القنوبي حفظه الله تعالى بأنه آن الأوان لمراجعة مصطلح الحديث الأثري: (هذا؛ ومن الجدير بالذكر أن قواعد مصطلح الحديث تحتاج إلى مزيد من البحث والتحرير)الطوفان؛ج3؛ص317.

3. تسليط سيف مصطلح "أهل الأهواء والبدع" على كل من لم يكن أثرياً مثلهم، والقصد منه الصدّ عن أي طريق آخر لا يوافق الأثرية، ومن هنا نرى رفضهم لروايات أهل الحق والاستقامة، وإدخال رواتها تحت مظلته، وكان الأجدر أن ترفض روايتهم التي عرف منها وفيها الدس والوضع والكذب على حديث رسول الله صلى عليه وسلم، وخاصة أن هذه النحلة الأثرية أصيبت بداء الإرجاء الذي "يجوّز" لها الكذب، وإنها وإن وقعت في كبيرة فهي خارجة لا محالة من النار حسب زعمها، يقول تعالى نعياً على الأمم فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من]السابقة هذا المنهج المعوج: عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون، وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم .[فيها خالدون

4. رفض عرض الحديث المختلف فيه على كتاب الله تعالى وعلى الثابت المتفق عليه من سنة رسول الله صلى عليه وسلم، وأوحوا للمسلمين أن من يطلب ذلك بأنه رافض للسنة، وهو –حسب تصنيفهم- زنديق يكيد للدين، مع أن الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في] شيء فردوه إلى الله ورسوله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن النساء 59.[تأويلاً

5. تعطيل العقل في فهم النص، وذلك حتى يلزموا الناس بالإيمان والأخذ بمتناقضات رواياتهم، ورمي من يعمل عقله بأنه راد لشرع الله تعالى، وأنه يقدم العقل على الشرع فهو إذن معتزلي، مع أن المعتزلة لا يقولون برفض النص، ولا بتقديم العقل على النص بإطلاقه كما يوحي هؤلاء للناس.

6. الوصاية على فهم النص، فعندما وجد الناس بأن ما هم عليه يناقض صريح المناقضة دين الله تعالى، وأخذوا يناقشون الأفكار الأثرية، نادى هؤلاء الأثريون بفكرة أن لا بد أن يفهم كتاب الله العزيز على ضوء السنة، وطبعاً من ضمن السنة الأحاديث التي سبكتها آلتهم العتيدة، ومع هذا عندما لم يسعفهم هذا النص السني، قالوا بضرورة فهم السنة على ضوء شروح سلفهم، وهم على هذه الوتيرة، فمنهم من يحاول أن يراوغ فيقول: (بأن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليس على إطلاقهما، فهما يمكن أن يستدل بهما من شاء على معتقده حتى اليهود والنصارى!!! فلا بد من تقيديهما بفهم السلف) الألباني؛ شريط منهج الخوارج ويقصد أرباب المدرسة الأثرية، ومنهم من يفتضح فيقول: (لا خير في كتاب بدون سنة، ولا خير في سنة بدون فهم سلفنا) "الطحان؛ شريط الرد على قضية الرؤية من الحق الدامغ" يقول شيخنا القنوبي مخاطباً أتباع هذه المدرسة: (وهكذا اتخذتم أقوال سلفكم حجة قاطعة تركبون لنصرتها كل صعب، وتسلكون للدفاع عنها كل سبيل وعر، بل جعلتم الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم مجرد قنطرة عبور، ليس لهما أي قيمة في حقيقة الواقع إلا إذا وافقت أقوال سلفكم، فقد سددتم الأبواب عن كل من أراد أن يحتج بشيء منهما إلا إذا كان ذلك الاستدلال موافقاً لأقوال سلفكم بعبارة واحدة؛ وهي قولكم: (بفهم السلف الصالح) الطوفان؛ ج3؛ ص14-15، بتصرف. بهذا يتضح شيئاً عن المدرسة الأثرية التي رسخت دخول النص البشري غير المعصوم إلى دين الله تعالى، ومن ذلك يتحتم على عقلاء الأمة مراجعة ذاتهم، وعدم التهيب من نقد الدخيل على الشرع الحنيف لأجل نيل رضوان الله تعالى والسير الحثيث نحو الرقي بأمة الإسلام.

يقول العلامة القنوبي مشخصاً هذه المدرسة: (فالعجب كل العجب أن تُجعل فرقة من الناس مقياساً للحق والباطل، وميزاناً للخطأ والصواب، فمن وافقها عدّ متبعاً للسلف الصالح من الصحابة والتابعين، متمسكاً بالكتاب والسنة، مبتعداً عن البدع والأهواء، أهلاً لكل ثناء وخير، منزهاً عن كل خطل ومين، فإن كان من العلماء وصف بأنه شيخ الإسلام وناصر السنة والقائم بالحق؛ دون غيره من الناس، والتمس له كل عذر وإن كان أوهى من نسج العنكبوت، وأخفى من السها، وأبعد من كل بعيد، وكلت العيون عن إبداء معايبه، وخرست الألسن عن ذكر مفاسده، وإن بلغت إلى حد البدعة في الدين، ومخالفة الدليل القطعي من الكتاب المبين، وسنة سيد المرسلين صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وإجماع جميع المسلمين، فلا يمكن أن يقدح فيه قادح بأي حال من الأحوال، ولئن وقع في ورطة وهال أتباعه الأمر فلم يجدوا من الاعتراف مناصاً؛ قالوا: أخطأ وهو في ذلك مجتهد معذور بل مأجور، وإن كان من عوام الناس وأشباههم جاهلاً بشرع الله تعالى عدّ تدينه محموداً، واتخذ قدوة للناس، وكلما أوغل في التشبيه وتسكع في مستنقع التجسيم، وبالغ في تضليل مخالفيه، عدّ من الشداد في السنة، وأصبح تعصبه المقيت وتضليله وتبديعه لمخالفيه انتصاراً للحق، ولئن روى الموضوعات قيل: إنه حدث بها عن حسن ظن وسلامة باطن، أما غيرهم من الناس فهم في قفص الاتهام، بل مجرمون حتى تثبت براءتهم، مبتدعون حتى يصح توحيدهم، مجروحون حتى تتبين عدالتهم، يبحث لهم عن أي زلة حتى يشهر بهم، ويجوز القدح فيهم والهمز واللمز بنية تنفير الناس عن باطلهم، وتحذيرهم من ضلالهم، ولو كان هؤلاء المخالفون من كبار أئمة المؤمنين، والعلماء الراسخين الهادين المهديين، ما داموا يخالفون الفكر الحشوي ولو في حرف واحد) الطوفان؛ج3؛ ص5-6.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله سبحانه وتعالى.

خميس بن راشد العـدوي

29 ذي الحجة 1420هـ

4 إبـــريـل 2000م









سلسلة: صمود النص أمام الطوفان الجارف

الحلقــة الثالثــة

الإباضيــة والأثريــة

خميس بن راشد العدوي



وصلتني من بعض الإخوة الأعزاء استفسارات عن المقصود بـ"صمود النص" هنا، ومنها ما وصلني منهم عن طريق العلامة القنوبي حفظه الله تعالى، وكان بودي من أول الأمر أن أوضح المقصود، ولكن لزمني أولاً الحديث عن المدرسة الأثرية لأنه بها سيتعلق بيان المقصود من هذه العبارة، وسأرجئ الحديث عن ذلك في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى، وفي هذه الحلقة سأتحدث عن موقف المدرسة الإباضية من المسلك الأثري.

بداية لا بد من الاعتراف بأن المدرسة الأثرية كانت قوية جداً من حيث الانتشار لا الدليل، وقد تركت بصماتها على جميع المدارس الأخرى بدون استثناء، وذلك راجع -بتقديرنا- إلى أن المدرسة الأثرية تملك آلة سبك وصناعة النص المنحول، وإدخاله إلى النص النبوي جزءً لا يتجزأ منه لولا تنبه الأمة لذلك؛ ولكن –للأسف- بعد أن نجحت هذه الأثرية في إلصاق نصوصها بالنص الشرعي، وقد اختلفت درجة التأثر بها، فبعض المدارس حذت حذوها في اختراع النص واختلاقه بل وزاحمتها في ذلك وأصبحت أكثر أثرية منها، ومنها من انخدع بالنصوص الواردة من عندها، وهي في ذلك على درجات، وكل هذه المدارس أخذت صف الضد للمدرسة الأثرية، ودخلت معها في عراك حقيقي شديد، وكما قلت في حلقة سابقة؛ حتى المعتزلة قد تأثروا بها في بعض النواحي، مع أن أشد المعارك ضراوة كانت بين هاتين المدرستين، ناهيك عن تأثر بقية المدارس، ويكفي أن ندلل على ذلك بقضية ظهور المهدي المنتظر، حيث وضعت في ذلك أحاديث استغرقت بعد جمعها خمسة مجلدات، أي ما يفوق كثيراً النص الإلهي المنزل وهو القرآن الكريم، ولا يكاد يخلو مذهب إسلامي من التعرض لهذه القضية، ولها عندنا كتابات أخرى إن شاء الله تعالى، ولكن من الجيد أن يرجع فيها إلى كتاب "معالم للزمن القادم" للأستاذ المفكر خالد بن مبارك الوهيبي، حيث تعرض بإشارات لهذه القضية.

ونأتي الآن للحديث عن أثر المدرسة الأثرية على الفكر الإباضي، هل يوجد لها أثر في ذلك؟

من المعلوم أن المذهب الإباضي يعدّ امتداداً طبيعياً للإسلام الرسالي، وتبلور منهجه على أيدي أئمة شهدت لهم الأمة بالنزاهة والصيانة والبعد عن الكذب واعتباره كبيرة من الكبائر، نذكر منهم الإمام جابر بن زيد والإمام أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة والإمام الربيع بن حبيب، وفي ذلك الوقت تقرر لدى علماء المذهب التسليم للنص الشرعي فقط، وحتى يتجنبوا الدس الأثري، قاموا بجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، متحرين في ذلك الدقة، وكانوا من حيطتهم في ذلك وحذرهم من الدس في حديث رسول الله صلى عليه وسلم؛ يغلقون أبوابهم على الكثيرين من الناس حتى لا تستغل روايتهم في غير محلها ممن همهم إضافة أفكارهم ومعتقداتهم إلى دين الله تعالى، ونافح أهل الحق والاستقامة دون ذلك بأرواحهم وأموالهم وأنفقوا زمنهم المبارك لأجل ذلك.

ومع كل هذا لم يغلقوا أعينهم من النظر فيما عند غيرهم، وبما أن الأمر المطلوب في قضايا الاجتهاد هو الوصول إلى مراد الشارع الحكيم، وهذا أمر مشاع لكل أحد إذا توفرت لديه شرائط الاجتهاد، وقد يتوصل إلى حقيقة المراد أفراد الناس المجتهدون، لزم النظر فيما عندهم، وأيضاً قد ترد الرواية الحديثية عند غيرهم دون أن ترد عندهم، لم يمنعوا أنفسهم من النظر إلى هذه الروايات ووضعها تحت المحك الشرعي، فما يثبت منها قُبل وإلا ردت على صاحبها، يقول الشيخ القنوبي عن هذه الروايات ومنها مرويات البخاري ومسلم التي تعدّ أصح المرويات عند المدرسة الأثرية: (هذا؛ وقد ألف العلماء في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤلفات كثيرة جداً منها الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم والمشيخات والأجزاء والفوائد وغير ذلك، وإن من أصح تلك الكتب كتابي "الصحيحين" للإمام البخاري محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وقد اجتهدا ألا يضعا إلا ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أنهما كغيرهما من سائر البشر معرضان للخطأ والوهم والنسيان إذ لا عصمة لأحد مهما بلغ من سعة الاطلاع وطول الباع ورسوخ القدم في فنون العلم ما لم يكن نبياً مرسلاً، ولذلك أنكر عليهما بعض العلماء من مشايخهما وممن كان في عصرهما وممن جاء بعدهما إلى يومنا هذا) الطوفان؛ ج3؛ ص41-42. بتصرف

هذا ملخص المنهج الذي سار عليه أصحابنا أهل الحق والاستقامة، إلا أننا لا ننكر من جراء سمة التسامح التي يتميز بها المذهب وبإحسان الظن بالآخرين؛ أن تسربت آراء المدرسة الأثرية إلى بعض أجواء الفكر الإباضي، ولكن كل ذلك كان في بعض الظنيات وليس في شيء من القطعيات؛ ونحن نفرق بين المنهج والفكر، ومن الجيد أن أنقل هنا كلام علامة العصر الخليلي حفظه الله تعالى ورعاه ناعياً فيه على الأثريين من المذهب في معرض النقاش في بعض المسائل كما نقله الشيخ القنوبي: (ولعمري؛ لا أعجب إلا ممن يرضى بتقليد من يخطئ ويصيب ويعروه الذهول والنسيان، ويدع تقليد رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي المحفوف بالعصمة المتوج بوصف وهل عرف الدين إلا به؟ أم[وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى]العلي الأعلى: هل برزت الشريعة إلا من بابه صلوات الله وسلامه عليه؟ وهل يكون غيره وإن امتطى السماء أو ناطح الجوزاء إلا مديناً له ومتعبداً باتباعه؟ إذ لا يمكن أن يهتدي إلا بهديه ولا أن يستضيء إلا بشمسه، فكيف يعارض قوله صلى الله عليه وسلم بقول غيره، أو يناظر عمله بعمل أحد من الناس؟) الطوفان؛ ج3؛ ص41.

وفي الفترة الأخيرة –كما انساق بعض المتقدمين- شهدنا بعض طلاب العلم ممن اختلط عليهم الأمر وهالهم الزخم الإعلامي والعلمي للمدرسة الأثرية، فانساقوا بدون شعور إلى استعارت المناهج الأثرية، وفي بعض الأحيان عرض إرثهم الحضاري على هذه المناهج بغية البحث عن الشرعية لها، وكأن الشرعية في المدرسة الأثرية في حين أنها في الحقيقة هي التي يجب أن يبحث لها عن شرعية إن وجد لها ذلك.

ومن هنا ندعو طلاب العلم أن ينظروا في مناهج مدرسة أهل الحق والاستقامة التي لا تقدس الأفراد، وإنما تعترف بالنص الشرعي الثابت وحده بأنه دين الله تعالى وما عداه نقصان في الدين، وعلى حسب تعبير الإمام ابن بركة البهلوي رضي الله عنه: (لا حظ للنظر مع الإجماع والنص) الطوفان؛ ج3؛ ص24 وعليهم أن يُعمِلوا هذه المناهج في استنباط فكرهم وتقديمه للعالم الذي ينتظر الحل الإسلامي، وأقولها حقيقة لا مرية فيها أن روح الإسلام لا توجد متكاملة إلا في هذا المذهب، اللهم لا تعصباً إلا للحق وحده الذي ينجي عند الله تعالى.

إن من الواجب علينا أن نظهر مكنون الإسلام، وأن نزيل ما علق به من المدرسة الأثرية، وأن ننظر بعين الشرع والعقل في المناهج التي تواضع البشر عليها كعلم الحديث وعلم أصول الفقه وتدوين التأريخ ونحوها، فنرد الأمور إلى نصابها، فما وافق الحق أخذناه وما خالفه رددناه كما قال الإمام أبو نبهان الخروصي رحمه الله تعالى: (إياك أن تلتفت إلى مَن قال، بل إلى ما قال) الطوفان؛ ج3؛ ص34 وأهم المدارس المهيأة لتصحيح الفكر الإسلامي وغربلته من الشوائب هي المدرسة الإباضية، وما على الجيل الناهض إلا أن يتحمل أعباء التغيير العالمي، والمستقبل لهذا الدين بأمر الله تبارك وتعالى.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله سبحانه وتعالى.

خميس بن راشد العـدوي

11 محـرم 1421هـ

16 إبـريـل 2000م








سلسلة: صمود النص أمام الطوفان الجارف

الحلقــة الرابعـة

صمـود النـص

خميس بن راشد العدوي



مهما قيل في تعريف الحديث والأثر، إلا أننا نستطيع أن نميز بينها بالآتي؛ الحديث: هو ما أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية.

والأثر: هو ما أضيف إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلف.

ولا ريب أن المؤمن متعبد فقط بما أنزل الله تعالى في كتابه وبما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك من كلام البشر فلا يمكن أن يعدّ من الدين، ولنا مزيد بيان عن ذلك في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى، ولكن إذا كان قد وصلنا القرآن الكريم بالتواتر، ومن ينكر شيئاً منه يصبح فوراً خارج دائرة الإسلام، فإن هذا لا ينطبق على كل السنة التي وردت إلينا، حيث أصابها ما أصابها من الوضع والدس، إذن؛ فهناك جزء كبير من الأثر قد دخل في دائرة الحديث وأصبح سنة، وهذا الأثر يشمل الدخيل على الفكر الإسلامي كالإسرائيليات ونحوها، وهنا تأتي الخطورة حيث يضاف إلى دين الله ما ليس منه، ويتعبد به الناس على أنه من دينهم، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إذا ظللنا متمسكين به وأظهر الزمان عواره ومينه وزيفه نكون قد أدخلنا الإسلام في دائرة التشكيك، والعياذ بالله.

من كل ذلك؛ لا بد لنا أن نكون حازمين في نقد النص الدخيل وإخراجه من إطار النص الإلهي، وعلينا في مقابل ذلك أن لا نبقي قدسية لأي مخلوق غير النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لم يعط الله غيره العصمة.

والأمة الآن تمر بمنعطف مهم جداً –في حلقة قادمة إن شاء الله سوف أتحدث عن بعض هذه المنعطفات- يجب أن يعيه جميع المسلمين، وهو أن أداة التفكير عند عموم الناس قد تطورت تطوراً ملحوظاً حيث لم يعد الإنسان ينقاد لغيره بمجرد الإملاء والتلقين، بل أصبح لديه من الوسائل ما يمكنه من تمييز الصواب من الخطأ وكشف المنحول على الشرع، وأصبحت الكتابات تتوارد في ذلك بحيث تشكل تياراً فكرياً عارماً سيطوح بالمدرسة الأثرية، بل قد يقتلعها من جذورها، ولن تنفعها سعة الانتشار طالما أنها تتشبث بأدلة واهية يردها دين الله تبارك وتعالى، ويرفضها العقل، ويناقضها الواقع، ولن تجدي سياسة أغلق عينيك واتبعني، واختم على عقلك وقلدني، فلا تقليد إلا لصاحب الشرع المصون عليه صلوات ربي وسلامه وبركاته، يقول وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه]تبارك وتعالى: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى](البقرة170) ويقول سبحانه: [آباءنا وإذا قيل لهم] (المائدة 104) ويقول: [الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا (لقمان 21).[اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا

وكتاب "الطوفان الجارف" لفضيلة شيخنا القنوبي حفظه الله تعالى يشكل جزءً من التيار المنقي للنص الشرعي من الدخيل، والمميّز للحديث من الأثر، إلا أن الطوفان الجارف الذي سيكبس على المدرسة الأثرية قوي جداً قد لا يتصوره سدنة هذه المدرسة، ولن ينفعهم وهم ابن سيدنا نوح عليه السلام عندما قال: (سآوي إلى جبل يعصمني) حيث لا عاصم اليوم من أمر الله، وعلى الأثريين أن يلموا خرقهم البالية، أو ليطوعوا أنفسهم لدين الله تعالى الحق دون الركون إلى تخريصات المخرصين، وإضافات الكائدين.

إذن؛ لن يصمد أمام هذا الطوفان الهائل تلك النصوص الزائفة، ولن يصمد إلا الحقيقة الإلهية المطلقة، لأن هذه الحقيقة وحدها التي تشكل سفينة النجاة البشرية التي صنعها الله تعالى على عينه، وسيحرك هذا الطوفان الراكبين على هذه السفينة إلى بر الأمان والسعادة الدنيوية والفوز الأخروي.

ومن المهم أن أذكر أن التيار النقدي التمحيصي للرواية الحديثية موجود من القديم ولكن كان تعتريه أشياء؛ منها:-

1. لم يكن تياراً ظاهراً متميزاً، بل كان مبعثراً هنا وهناك.

2. لم يستطع الصمود أمام المدرسة الأثرية، وإنما استطاعت هي أن تضمه تحت جناحها الأثري.

3. غالب هذا التيار النقدي كان رهيناً للانغلاق المذهبي، مما جعل المرء يتوخى الحذر في أخذ هذا النقد.

4. لم يحمل طابع الاستمرار بل جمد في الفترة الأولى من نشوئه.

ولذاك جاء كتاب شيخنا القنوبي "الطوفان الجارف" ليتخطى شيئاً من هذه النواقص، وليكون لبنة صلبة في رجع الناس إلى النص الشرعي، حيث نجده قد عمل على تجميع شذرات النقد في الجزء الثالث من كتابه، وبذلك يعطي لهذا التيار دفعة ناشطة للأمام، مجابهاً بذلك رموز الأثرية الذين أغلقوا أعينهم عن البراهين والأدلة الشرعية الواردة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، كما أنه وعد بتصنيف كتاب نقدي يبين فيه رأيه في النص المنحول، لا سيما كشف التعارض مع القرآن الكريم والثابت من السنة النبوية على صاحبها أزكى صلاة وأتم تسليم.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله سبحانه وتعالى.

خميس بن راشد العـدوي

18 محـرم 1421هـ

23إبـريـل 2000م









سلسلة: صمود النص أمام الطوفان الجارف

الحلقـة الخامسـة

منعطفـات ظهـور النـص

خميس بن راشد العدوي



من المسلمات التي لا يجادل فيها مؤمن أن الله سبحانه وتعالى جعل دينه شاملاً كاملاً لا تفريط فيه ولا نقصان، وهو صالح لكل زمان ومكان، يقول اليوم أكملت] (الأنعام 38) ويقول عز من قائل: [ما فرطنا في الكتاب من شيء]سبحانه: (المائدة 3) إلا أن النص[لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً بعد نزوله مر بمنعطفات خطيرة -في نظري- عملت على تقليص فهم مادته والاستفادة منها، كما أضيف إليه ما يضخمها ويضعف من عملها في نفس الوقت، ولذلك ظهرت الكثير من التناقضات والنواقص في الفقه والفكر، وحتى تتضح الصورة لا بد من استعراض هذه المنعطفات:-

1. النزول: تعتبر فترة نزول الوحي أنقى عصور البشرية وأزهى أزمنة الأمة، به وحّد الله تعالى المؤمنين، وحفظ الإنسانية من الاندثار بعد أن كانت على شفا جرف هار، وبالوحي المحمدي ختمت الرسالات، وتم للناس دينهم، ولم يصبحوا مطالبين بشيء فوقه ولا معذورين -ما استطاعوا- عن شيء منه، وبه كسبت الأمة العز والتمكين، وطار شأوها في الخافقين، وذلت رؤوس الجبابرة لها، وعز المستضعفون بقوة يدها، وعاش الناس سواسية كأسنان المشط، يُأدَب ظالمهم، ويُنصَر مظلومهم. وفي هذه المرحلة تم تربية المسلمين على كيفية التعامل مع النص حتى غدا سجية من سجاياهم، وإلهاماً بفطرهم، ينقدح انقداحاً في عقولهم، ولم يحتاجوا إلى هيئة كهنوتية يقلدونها في دينهم وهم مغمضو الأعين والبصائر، لا يستطيعون أن ينفكوا عنها كما حدث لاحقاً.

2. الوضع: بعد اكتمال الوحي، وانتقال صاحبه إلى الرفيق الأعلى عليه صلوات ربي وسلامه، لم تمر فترة طويلة من عمر الزمن حتى بدأ الوضع في الحديث الشريف، مما شكل منعطفاً خطيراً في فقه الأمة وتفكيرها، فلم يعد مستندهما خالصاً كما أنزله الله تعالى، فإن كانت المرحلة الأولى هي مرحلة الازدهار والتألق في الأمة فإن هذه المرحلة هي بداية انحطاط الأمة وتخلفها، وإن تراءى للناظر شيء من التماسك فيها؛ فإنما ذلك من جراء الدفعة العملاقة التي خلفتها المرحلة الأولى.

ولنا هنا أن نذكر بعضاً من أسباب الوضع:-

الحزب الأموي: الذي عمل باكراً على الدس وخاصة فيما يتعلق· بالسلطة.

الدس الإسرائيلي بغية تحريف الدين القويم: وظهر هذا بوضوح· في العقيدة والتفسير والتأريخ.

الفتنة التي حدثت بين الصحابة: حيث ذهبت شيعة كل فريق· للانتصار لحزبها إلى وضع الأحاديث في ذلك، ونستثني من ذلك المحكمة -أو كما يسميهم خصومهم بالخوارج- وهذا الاستثناء ليس من عندي بل هو واقع الحال وشهادة الأمة واعتراف الخصم، راجع في ذلك كتاب "رواية الحديث عند الإباضية" للشيخ صالح البوسعيدي.

وظهر وضع هذه الفرق في أحاديث الخلافة والوصية عليها والمهدي والقحطاني والحميري، وأحاديث الخوارج.

التعصب المذهبي: وكان أكثر ما يكون في العقيدة كأحاديث· التجسيم والتشبيه والخروج من النار، وكذلك الفقه كأحاديث الرفع والضم في الصلاة.

3. تدوين الحديث ونقده: عندما شعرت الأمة بالخطر الداهم من وضع الحديث أخذت بتدوين الحديث وانتقاء الصحيح ونقد الزائف منه، وهي خطوة إيجابية من جهة، إلا أنها من جهة أخرى كان لها سلبيات لأسباب ذكرتها في الحلقة الرابعة، من هذه السلبيات أنها أعطت الموضوع الذي لم تكشفه أداة النقد نتيجة قصورها ومذهبيتها وانغلاقها؛ أعطته المصداقية والشرعية والتأكيد، مما حدا بمن جاء بعد ذلك أن يعتبره من دين الله تعالى، ومن يرفضه فهو رافض للسنة النبوية الشريفة، كما رفض أيضاً الصحيح الثابت من السنة الذي لم تمهره مدرسة الحديث والأثر، فهذه المرحلة لها وعليها، ومن هنا يتوجب علينا شرعاً دراسة هذه المرحلة والتبيين للأمة ما أصابت فيه أداة النقد وأخطأت.

4. المذاهب: تزامن مع المرحلتين السابقتين مرحلة وجود الأئمة المقلَدين، وبذلك استحكمت حلقات المدرسة الأثرية، ودخل النص في منعطف التفسير الأثري أو كما يسميه البعض السلفي، ووجد ما يسمى بمجتهد المذهب الذي يقابل المجتهد المطلق، والحقيقة أن الاجتهاد المذهبي هو الذي اتسعت دائرته؛ وإن ادعي نفيه، وضاقت جداً دائرة الاجتهاد المطلق، وإن ادعي سلوكه، واشتغل بالشروح والاختصارات المذهبية، وظهرت مقولات كفر من يتعامل مباشرة مع النص ويأخذ دون واسطة الأئمة من الكتاب والسنة، وتدرج الفقه والفكر في مدارك التخلف والتأخر، ثم وصلت الأمة بذلك إلى مرحلة إغلاق باب الاجتهاد، وكأن الحياة قد توقفت عند تلك الفترة الزمنية، وأصبح الإسلام بنصوصه الشاملة الكاملة أسير مصطلحات وألفاظ فصلت حسب مذاهب نشأت في القرن الثالث أو الرابع الهجريين، وتشكل العقل المسلم على ذلك، وأصبح من فروض العين التسليم والاستسلام لهذه المذاهب، ومهما نبغ العالم لا يستطيع أن يعدو خارج مضمار مذهبه إلا إن خرج من هذا المذهب ودخل في ذاك، واشتغل الناس بالانتصار للمذاهب، ووضعت أحاديث في سب العلماء المخالفين، وتقطعت الأمة إلى أشلاء ممزعة، وذهب كل فريق بما لديهم فرحين، يحسبون أنفسهم على شيء وما هم على شيء إن هو إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، وما نراه من سب وشتم مذهبي عبر "الإنترنت" إلا صدى واضح لهذه المرحلة المذهبية التي لا زالت عقول المذهبيين وأقلامهم تدور حولها، ولكن سواطع الحق قد لمع سناها، وخيوط الفجر قد شقت سمانا، فعلينا أن نستعد للتغيير القادم، وعلينا أن ندرس مناهجنا حتى نقوّمها بميزان الكتاب والسنة الثابتة، ولا يبقى تعصبنا إلا للحق وحده.

ولا ننسى هنا أن نجيب على السؤال الذي يطرح نفسه، أين المذهب الإباضي من هذه المنعطفات؟. وأقول وقولي عن قناعة علمية: أما المرحلة الأولى مرحلة النزول، فهذه مرحلة مباركة لم يكن الإسلام فيها مذاهب ولا الأمة شيعاً، وما إن جاءت المرحلة اللاحقة ووضع الدس والكذب في الحديث إلا كان الإباضية في منأى عن ذلك، حتى أصبح حديثهم أصح حديث، ورواتهم من أعدل وأضبط الرواة، وكانت سلسلتهم ذهبية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد لهم الدهر بذلك، وقال التأريخ قوله المحكم الذي لا ينسخه تمويه الأثريين، ولذلك لم يتضخم الحديث النبوي عندهم كما تضخم عند غيرهم، حيث لم تتجاوز أحاديث مسند الإمام الربيع بن حبيب 750 حديثاً، وهي شاملة لكل قضايا الإسلام، مما يجعلنا على مقربة من الواقع فيما يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم يساوموا في جرح الرجال وتعديلهم، فلم يكن للمذهب عندهم أثر طالما اشتهرت عدالة الراوي وضبطه، ولم يسلطوا على خلق الله تعالى سيف مصطلح "أهل الأهواء والبدع" فقبلوا رواية مخالفيهم عندما يطمئنوا على صدق راويها، ومع كل هذا لم يرفعوا أقوال الرجال فوق منزلة النص، ولم يتبعوا أئمتهم تقليداً بل اتبعوهم تقييداً، ولذلك اعتبروا أقوال الإمام جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع كأقوال غيرهم يأخذ منها ويرد، وكانوا ينظرون إلى ما عند غيرهم نظرة مقارنة، ولذلك تميزوا من السابق بالفقه المقارن على مستوى الفكر الإسلامي دون سائر المذاهب.

ولم يعرفوا الفئة الكهنوتية التي يقلد فيها إمام بعينه، بحيث يصبح لا يجوز الخروج على تقريراته، ولذلك لم يتحجر الفقه عندهم بحيث يصل إلى إغلاق باب الاجتهاد، فلم نعرف أحداً في المذهب دعا إلى إغلاقه كما حدث في المدرسة الأثرية، وظلوا محافظين على صلتهم المباشرة بالنص الشرعي، وعلى حد تعبير المستشار عبد الجواد ياسين عندما وصف نقاء القيم عند سلف الإباضية: (أما نحن فبمقدورنا أن نفسر هذا النقاء بأنه ضرب من الصلة المباشرة بالنص بغير وصاية مرجعية وسيطة) السلطة في الإسلام؛ ص82-83.

إلى اللقاء في حلقة قادمة بلإذن الله تعالى.

خميس بن راشد العدوي

27 محـرم 1421هـ

2 مايـــو 2000م











سلسلة: صمود النص أمام الطوفان الجارف

الحلقــة السادســة

منعطـف نقـد التفكـيـر

خميس بن راشد العدوي



جاء العصر الحديث وأحدث نقلة نوعية في البشرية على جميع المستويات، وأساسها التغير في التفكير الإنساني، ونرى كثيراً من المحللين لهذه الظاهرة يذهبون مذهباً خاطئاً، حيث يعتبرون هذه الفترة قد أضعفت الدين في نفوس الناس وهيمنته على أعمالهم، وأرى عكس ذلك، أرى أن قوة الدين زادت وشوكته قويت، ودليل ذلك بروز الأصولية الدينية بشكل عاصف وصلت إلى حد الهيجان، وهذه ظاهرة عالمية لم يختص بها دين عن سائر الأديان، لا يقال: بأن الإنسانية قبل ذلك كانت مسحوقة تحت وطأة الدين والآن تحررت منه، لأننا نفرق بين خضوع الإنسان له رهبة، وهو ما كان قائماً، وخضوعه له قناعة وهو ما كائن الآن، وهذا بغض النظر عن سلامة الدين ونصوصه، وكان الناس أيضاً مقهورين بسلطان الخرافات -والخرافات نقيضة الدين وعدوه اللدود- وقد تحررت البشرية من الكثير منها، ولا يقال أيضاً: إن البشرية الآن أكثر تفسخاً من ذي قبل؛ وهو صحيح بلا ريب، لكن هذا التفسخ ليس راجعاً إلى ضعف الدين في النفوس، بل هو راجع إلى منبع الدين نفسه كأديان الشرق الوضعية، أو إلى التحريف في نصوصه كاليهودية والنصرانية، أو إلى الإضافة إلى النص كالوضع في السنة النبوية الشريفة.

ولنأخذ على ذلك مثالاً من الواقع الإسلامي، فبسبب عقيدة الإرجاء والخروج من النار والشفاعة للعاصين غير التائبين؛ وهي عقيدة يهودية دخيلة على الإسلام، بسبب ذلك وجد الانسلاخ عن أحكام الدين وبالتالي وجد التفسخ، لأن الإنسان عندما يجد دينه يرخي له العنان في هذا الأمر؛ فما الذي يلزمه به؟!.

هذا؛ وفي ظل التغير العالمي في نظرته للدين مما أدى إلى انبعاث الأصولية، وبالتقريب في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، كان في العالم الإسلامي مخاض انبعاث وتغيير، ولد من رحمه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وبوجودهما وجد منعطف نقدي في التفكير الإسلامي، يشكل تهديداً للمدرسة الأثرية عرف هذا المنعطف "بالمدرسة الإصلاحية".

جاء الأفغاني ومحمد عبده؛ والعالم الإسلامي في حضيض انحطاطه السياسي يرسف تحت وطأة الآلة العسكرية الغربية، ولم يكن هذا بسبب التقدم الغربي فقط بل سبقه بكثير التخلف الفكري عند المسلمين، نتيجة الاستبداد والخرافات وجمود العلماء ومسلماتهم بالدخيل على فكرهم، وجد الأفغاني ومعه محمد عبده هذا الحال المزري بالأمة وموروثها الفكري، فعملا جادين على إقالتها من عثرتها، وكان لا بد أن يكونا جريئين في نقد هذا الموروث وانتزاع النص الخالص منه –حسب منهجهما الذي نبينه لاحقاً- وعرض هذا النص بثوبه البراق القشيب، فكونا بذلك تياراً فكرياً أنقذ الأمة من خط الانحدار المستمر. في هذا التيار؛ يشكل جمال الدين الأفغاني جناحه السياسي، الذي نظر إليه محمد عبده نظرة فاحصة فوجده لا يحقق المطلوب إلا إذا كان له قاعدة فكرية رصينة، فاتجه إلى ذلك؛ فشكل ما يمكن تسميته بالجناح الفكري، وكان مقداماً في نقده وشجاعاً في تأسيسه لمنهجه، بقدر ذلك الإقدام وتلك الشجاعة ترك أثره البالغ على الأمة، رغم وقوف التيار التقليدي للمدرسة الأثرية بكل ما أوتي من قوة ضده، ولا زالت هذه المدرسة إلى الآن تقف بكل عنفها محاولة طمس آثاره، انظر على سبيل المثال كتابات ربيع بن هادي المدخلي وجبهته الأثرية يتبين لك ذلك بوضوح.

لا ريب؛ كان لهذا المنعطف النقدي الفكري بصماته التي وضحت في شتى مناحي الحياة الإسلامية، سواء في الكتابات أو الحركات الإسلامية أو الدعوة بشكل عام، والأهم من ذلك وجد في الأمة منهج نقدي بعد أن كان ذلك ضرباً من الزيغ عن الدين.

رغم هذا العطاء الكبير الذي أوجده هذا التيار، إلا أنه وقع في أخطاء منهجية وشكلية، ليس محل ذكرها الآن، ولكن نحيل القارئ إلى "جواهر التفسير" لسماحة شيخنا العلامة الخليلي حفظه الله تعالى وأمد في عمره، ولكن لا يمنع أن نذكر سبب هذه الأخطاء، سببها أن الشيخين رأس هذا المنعطف انطلاقاً من التركيز على نهضة الأمة بشكل أساسي، وتبعه النظر في النصوص، وبمعنى آخر، كان محمد عبده وهو ينظر في النصوص، يتمثل له بين ناظريه واقع الأمة السيئ، فيرفض الأفكار التي تعوق نهضة الأمة وتحول عن تقدمها، سواء كانت هذه الأفكار تأويلات زائغة للكتاب العزيز أو أحاديث يراها مدسوسة وموضوعة، ولذلك وقع في تفسيره الجليل للقرآن الكريم كما يرويه عنه تلميذه السيد رشيد رضا في "المنار"، وقع في أغلاط لا تقبل منه، وبمعنى ثالث جعل نقد النص صدى لمتطلبات واقع الأمة، وهذا أمر يحتاج إلى نظر دقيق، لكن يجب أن لا يتخذ تكأة لرفض كل قضايا هذا التيار وهو ما تراهن به المدرسة الأثرية.

هذا؛ ورغم جدية المدرسة الإصلاحية ورسوخ قدمها في العلم، وتأثر من جاء بعدها بها من مختلف المدارس الإسلامية وفي شتى الميادين، إلا أنه لم يكتب لها البقاء والاستمرار، فالتأثر بها شيء؛ واستمرارها شيء آخر، وانقطاعها –في رأيي- يعود إلى الزخم الهائل الذي جابهت به المدرسة الأثرية مدرسة الإصلاح، حيث هاجمتها بشتى الوسائل والطرائق حتى وصفت عَلَميها بأنهم من الزنادقة الماسونيين الذين يكيدون للدين من داخله، واستخدمت أخطاءهم معولاً لهدم بنيانها، وهذا الأمر قائم منذ نشوئها وإلى الآن، هذا من جهة الهجوم، ومن جهة أخرى استطاعت أعاصير المدرسة الأثرية أن تعصف بالمريد الأول لشيخ الإصلاح محمد عبده ووريثه العلمي وهو السيد محمد رشيد رضا، فأصبح رجلاً يدور حول رحى الأثرية، وهو وإن لم يتنكر للإصلاح تنكراً تاماً بل نقل علم شيخه وقد يوافقه في كثير من آرائه، إلا أنه عنده توقفت عجلت مدرسة جمال الدين ومحمد عبده نتيجة جنوحه إلى التيار الأثري التقليدي في التعامل مع النص، وبذلك حققت المدرسة الأثرية لها بضغطها الشديد في الساحة الإسلامية نصراً آخر في العصر الحديث لكنه وللأسف الشديد تأخر في رقي الأمة، وإخلاد للموروث الذي خالط الدين سواء في تأويلاته لنصوص القرآن الكريم، أو بإضافته نصوصاً جديدة للسنة النبوية، ولا ننسى بروز الأصولية كتيار عالمي كاسح يعنى بإظهار الموروثات، رافضاً إعادة النظر فيها، ومتصلباً أمام نقدها، لأن النقد يعني له الحذف والإبعاد والإقصاء والإلغاء، فتأثر المدارس الإسلامية –ومنها الأثرية- بهذا الخط الأصولي العالمي كان له أثر أيضاً في عدم استمرار المدرسة الإصلاحية، وبذلك انكسر منعطف نقد التفكير، ولكن لا يمكن التنكر للأثر الذي أبقاه من بعده.

في الحلقة السابقة أبنت عن موقف المذهب الإباضي من المنعطفات التي ذكرتها، فما موقفه من هذا المنعطف؟.

إذا نظرنا إليه من زاوية التجديد الإسلامي والتحرر المذهبي، ومحاولة الاقتراب من النص الخالص وإزالة التأويلات المتعسفة التي ألصقتها المدرسة الأثرية بالنص، وكذلك العمل على رجع الأمة إلى سالف مجدها والتمكين لها بالعزة والسؤدد والأخذ بها نحو الرقي الحضاري، فهذا يعتبر الحق الذي لا ريب فيه، ولذلك وجد صداه عند علماء المذهب المعاصرين لمدرسة الإصلاح، فها هو قطب الإباضية في زمانه نور الدين السالمي يصف الأستاذ محمد عبده (بمفتي مصر الراجع إلى مذهب الحق) جوابات الإمام السالمي؛ ج2؛ ص336 ولم يقف أمامه موقف الأثريين الذين هالهم الأمر وظنوا أن الدائرة قد دارت عليهم، ويلخص سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي رؤية علماء المذهب في ذلك بقوله: (وقد امتد شعاع هذه المدرسة إلى آفاق واسعة في الأرض فتأثر الكثير من العلماء العاملين بمنهجها الإصلاحي، يبدو أثر ذلك في دروسهم وتآليفهم، ومن علماء التفسير الذين نهجوا هذا المنهج الشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بَيُّوض الذي ظل يفسر القرآن الكريم لأكثر من نصف قرن في مسجد "القرارة" في "وادي ميزاب" بالقطر الجزائري حتى اختتمه قبيل وفاته، وإذا كان الاعتراف بالفضل لأهله فضيلة بفضل السبق في معالجة المشاكل المعاصرة على ضوء القرآن والوقوف في وجه التيارات الفكرية الوافدة من الغرب وتفنيد مزاعم المستشرقين وتلامذتهم ضد الإسلام، ومكافحة الخرافات والأوهام التي سيطرت على عقول المسلمين آنذاك… ومن هنا كان ثناء أقطاب العلماء على هذه المدرسة ومسلكها في التفسير، ومن هؤلاء قطب الأئمة الذي نقل عنه تلميذه العلامة أبو إسحاق أطفيش رحمهما الله في مجلة "المنهاج" إعجابه البالغ بتفسير "المنار"، ونجد إمام المسلمين العلامة محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله يثني على كتاب "الوحي المحمدي" للسيد محمد رشيد رضا في رسالته التي وجهها إليه) جواهر التفسير؛ ج1؛ ص29 ومع هذا التأييد الإباضي للخطوة الجريئة التي قامت بها هذه المدرسة، إلا أنهم لم يمنعهم من مناقشتها في أخطائها، وأنا هنا لا أريد أن أطيل عليكم في نقد هذه المدرسة، وإنما أختم كلامي بعبارة موجزة في ذلك من كلام شيخنا الخليلي حفظه الله تعالى: (وإذا كنا في ثنائنا على المدرسة الإصلاحية متأثرين بالواقع ولسنا مندفعين عن العواطف، فإن ذلك لا يمنعنا من أن ننبه على بعض سلبياتها، فإن نشأة هذه المدرسة في ظرف حرج ومرحلة دقيقة) جواهر التفسير؛ ج1؛ ص29 ومن أراد المزيد فليرجع كما قلتُ إلى "جواهر التفسير".

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله سبحانه وتعالى.

خميس بن راشد العدوي

17 صفـر 1421هـ

21 مـأيـو 2000م

جبل الشيبة
20-05-2003, 04:11 AM
شكرا على الموضوع الجميل

ورد المنى
20-05-2003, 04:32 PM
العفو أخي جبل الشيبة

الطوفان
21-05-2003, 07:19 AM
خطوات مباركة

واستمرار ميمون أختي الكريمة

ورد المنى
21-05-2003, 08:06 AM
شكراً لك أخي الطوفان على الدخول وأتمنى أن تكون الخطوات كما قلت دوماً

ورد المنى
21-05-2003, 08:32 AM
في ذكر مولد الرسول e

محاضرة لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أكرم أمة الإسلام بمسك الختام وبدر المتام سيدنا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه وأومن به وأتوكل عليه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله اصطفاه الله من بين خلقه لإنقاذ الخلق بتبصيرهم مسالك الحق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

إن العالم الإسلامي اليوم تجلله ذكرى غالية عزيزة على نفس كل مؤمن فتغشاها بالرجاء الذي يحطم منها اليأس وتشرق عليها بالنور الذي يبدد الظلام وتضفي عليها ما هي بحاجة إليه من أمل الانتعاش من كبوتها والنهوض من عثرتها وهي ذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حطم عن رقاب هذه الأمة الأغلال التي كانت على الأمم علي من قبل ورفع الأصار بإذن الله سبحانه وتعالى فكانت السماحة شعار شريعتها الغراء وأورثها الله سبحانه وتعالى بدعوته عليه أفضل الصلاة والسلام مواريث النبوات من قبل، كيف وتلكم النبوات كانت تمهيدا لهذه النبوة كما يؤذن بذلك القرآن الكريم إذ أخذ الله سبحانه وتعالى الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا بهذا النبي العظيم صلوات الله وسلامه عليه وليس هذا الميثاق في حقيقته إلا الرسالة الجامعة وتجتمع تحت لوائها إمتثالا لأمر الله فالله سبحانه وتعالى يقول:] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ[ وقد بين سبحانه وتعالى أن دعوات المرسلين من قبل كانت مبشرة بهذه الرسالة وبرسولها العظيم صلوات الله وسلامه عليه فالله سبحانه وتعالى يقول:] الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ[ فإذا تلك الرسالات كانت تمهيدا لهذه الرسالة فهي بأسرها داعية إلى توحيد الله سبحانه وتعالى الذي تدعو إليه الرسالة وكذلك هي داعية إلى مكارم الأخلاق، ولئن كانت شرائعها مختلفة باختلاف البيئات والظروف فإن محاسن تلك الشرائع بأسرها قد اجتمعت في هذه الشريعة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسالته عليه أفضل الصلاة والسلام كانت إيذانا بحياة تحياها هذه الأمة بعد موتها فإن الله سبحانه وتعالى يقول:] أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا[ فالانسانية كانت ميته بسبب عماها عن الحق وانغماس الحقيقة في قرارة نفسها إذا لم تكن تدري ما هذه الحياه وإنما كانت أمامها لغزا من الألغاز حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الرسالة الجامعة المانعة التي كشفت اللبس وحلت اللغز وبعثت في هذه النفوس الحياة فميلاده صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن ميلاد فرد وإنما كان ميلاد أمة هي خير أمة أخرجت للناس بنص القرآن الكريم ولما أن السلف الصالح كانوا على مقربة من هذا الحدث التاريخي العظيم وكانوا على إلمام بسيرته صلى الله عليه وسلم ومعطياتها الجمة كانوا دائما على صلة به صلى الله عليه وسلم وبشريعته الغراء وبدعوته الجامعة وبمعجزته الساطعة وببراهينه القاطعة فلذلك كانت نفوسهم حية باستمرار ولم يكونوا بحاجة إلى أن تجدد لهم ذكرى هذا الحدث العظيم حتى تتجدد في نفوسهم الصلة به صلى الله عليه وسلم لأن نفوسهم كانت موصولة به عليه أفضل الصلاة والسلام بإستمرار فهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهكذا كان التابعون لهم بإحسان وبسبب بعد العهد أصبحت العواطف بحاجة إلى ما يحركها وأصبحت هذه النفوس في ظلمات هي بحاجة إلى ما يبددها من اشراق نور يسطع من مشرق سيرته صلى الله عليه وسلم، فلذلك كان الناس يجسدون هذا الولاء له صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الاحتفالات ولكن ذلك لا يكفي لأن يكون معبرا عن الحب الصادق له صلى الله عليه وسلم، إذ المحبة الصادقة تقتضي أن يفني الإنسان هواه في هوى من يحب وأن يحرص على التأسي به كما هو معلوم للناس فإن الناس من عادتهم عندما يحبون أحدا من العظماء كثيرا ما يتأسون به ويجسدون معالم سيرته في سلوكهم وفي أقوالهم ونحن لا يمكننا أن نجد سيرة رجل عبر التاريخ البشري منذ خلق الله آدم وإلى أن يرث الله هذا الكون بأسره كسيرة الرسول e في عطائها المدرار وفي أنوارها اللامعة وفي استقامتها على الفطرة لأن شخصية الرسول e اصطفاها الله سبحانه وتعالى لحمل أمانة في رحمة للإنسانية بأسرها كما يعبر عن ذلك القرآن عندما يقول الله عز وجل:] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[ فإذا علينا أن نستلهم جميع شئون حياتنا من هذه السيرة وأن نحرص على أن نقتفي أثره e وذلك من معالم الإيمان بالله واليوم الآخر فإن الله عز وجل يقول] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً[ على أنه من المعلوم بأن كلا منا مطالب بأن يطبق القرآن الكريم والقرآن الكريم كانت سوره حية تتجلى في سلوكه e كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عندما سئلت عن خلقه عليه أفضل الصلاة والسلام فقالت:" كان خلقه القرآن" فإذا علينا أن نتخلق بهذا الخلق العظيم e وأن نحرص بأن نلم بما يمكننا أن نلم به من جزئيات سيرته e فضلا عن كلياتها وعلينا بجانب ذلك أن ندرك الأمانة الكبيرة الملقاه على عواتقنا وهي أمانة النهوض بهذه الأمة أمته e من كبوتها وهذا النهوض لا يمكن أبدا إلا الله بإقامتها على الطريقة السواء التي كان عليها e وكان عليها السلف الصالح من الصحابة والتابعين فإن الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم بالنظر إلى الأمم التي كانت تكتنفهم كانوا قلة ولكن مع ذلك كله استطاعوا بما أتاهم الله سبحانه وتعالى من قوة الإيمان والهمم المتوقدة بين جوانحهم والعزائم الحية التي كانت تملأ نفوسهم استطاعوا أن يكتسحوا كل مد للجاهلية وأن يقفوا أمام كل تحد من قبل أعداء الإسلام حتى وصلوا بهذه الدعوة إلى حيث وصلوا من مشارق الأرض ومغاربها فدانت لهم رقاب الجبارين وأنزل الله سبحانه وتعالى أولئك المتألهين من عليائهم وسخر رقابهم لهم فأنفذوا فيهم حكم الله سبحانه وتعالى وأذاقوا الإنسانية البائسة المحرومة طعم العدل والمساواة والانصاف فعرفت الانسانية قيمتها وأدركت مكانتها في هذا الكون والعالم اليوم بأسره من أقصاه إلى أقصاه هو بحاجة إلى هذه النهضة التي لا يمكنه أن تكون في العالم إلا بعد ما تكون في هذه الأمة، والأمة اليوم لم تؤت من قلة فإن كثرتها كاثرة ولكن مع ذلك ما هي إلا غثاء كغثاء السيل، صدق عليها وصف الرسول e عندما قال عليه أفضل الصلاة والسلام:" يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا: ومن قلة يا رسول الله، قال: لا إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم وليقذفن الوهن في صدوركم، قيل له وما الوهن يا رسول الله قال: حب الدنيا وكراهة الموت" فالوهن الذي أصاب هذه الأمة ما جاء من هذه الناحية أصبحت الأمة ضعيفة ذليلة تنقاد للأمم وتملي عليها أراده غيرها من الأمم مع أنها أمة يجب عليها أن تملي إرادتها على غيرها من الأمم كما يقول أحد المفكرين الإسلاميين في وصف المسلم الحق: ( إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ويساير الركن البشري حيث اتجه وسار، ولكنه خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة ويفرض على البشرية اتجاهه ويملي عليها ارادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين. ولأنه مسئول عن هذا العالم وسيره فليس مقامه مقام تقليد والاتباع أن مقامه مقام الإمامة والقيادة مقام الارشاد والتوجيه مقام الأمر والنهي وإذا تنكر له الزمان، وعصاه المجتمع وتنكب عن الجاده لم يكن له أن يضع أوزاره ويسالم الدهر بل عليه أن يثورعليه وينازله ويضل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره. إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء الله والقدر من شأن الضعفاء والاقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد. بمثل هذه الفكرة يمكن لهذه الأمة أن تستعيد مكانتها فقبل كل شيء يجب على هذه الأمة أن تدرك أنها أمة قيادية عليها أن تتبوأ مكان الصدارة بين الأمم وأن تمسك بزمام قافلة البشرية لتسير بها في الطريق الصحيح ، الطريق الذي يؤدي إلى السلامة في هذه الحياة الدنيا وإلى السعادة في الدار العقبى وعليها أن تدرك أنها لا تملك أن تصلح حال غيرها مع الحاجة الملحة إليها من قبل الأمم جميعا إلى ما في هذه الأمة من خير وإلى ما في دينها من عطاء مدرار لا يمكنها أن تصلح حال غيرها إلا عندما تصلح حال نفسها. فعليها قبل كل شيء أن ترجع إلى المنهج المستقيم عقيدة وشريعة وسلوكا وخلقا وعندئذ تتبوأ مكان الصدارة بين الأمم فإن ثراء هذه الأمة ليست في ارصدتها المالية ولا في قواها العسكرية ولا في مكانتها التقنية ولا في أي شيء نحو هذا القبيل مع أنها مطالبة بأن تكون في ذلك كله في مقدمة الأمم وإنما ثروتها قبل كل شيء في عقيدتها وفي استقامة سلوكها وفي حسن أخلاقها عندما تكون بهذه الطريقة السواء تتهيأ الظروف لأن تتبوأ المكانة اللائقة بها بين الأمم وتتهيأ الظروف لأن تستعيد قوتها سواء من حيث القوى العملية أو الامكان التقني أو الارصدة المالية فإن الله سبحانه وتعالى سيسخر لها مواريث الخير كله باستمساكها بهذا الحبل المتين. وعندما تكون معوجة عن اتباع هذا الصراط المستقيم وتكون معوجة في سلوكها، تكون بذلك قد ظلمت نفسها وظلمت الأمم التي تتطلع اليوم إلى ما عندها من العطاء العظيم فإن الإنسانية اليوم هي بأسرها بحاجة إلى هذا العطاء الذي عند هذه الأمة، هي بحاجة إلى منهج قرآني، ولكن لا يعني ذلك أن يبقى القرآن في الرفوف وأن يبقى محفوظا في الصدور وأن يتلى بالأنغام الشجية في افتتاح المؤتمرات والندوات واللقاءات والمحاضرات مع ترك العمل به وإنما يجب أن يتجسد هذا القرآن في كل جزئية من جزئيات حياة هذه الأمة فعلينا أن نضع القرآن العظيم نصب أعيننا نجمع به شأننا ونرص به صفنا ونرأب به صدعنا ونوحد كلمتنا عندئذ نكون بمشيئة الله سبحانه وتعالى أهلا للقيادة والزعامة ما بين الأمم بأسرها ولا أريد أن أكرر ما قلته في أكثر من لقاء من أن الإنسانية بحاجة إلى ما عند هذه الأمة من هذا الرصيد العظيم فشواهد ذلك كثيرة جدا، ومن الشواهد ما ربما قرأتموه في الأيام القريبة الماضية من تصريح " كاسترو" الذي يعتبر الشيوعي الردكالي في العالم والذي تحدى الإرادة الغربية في عقر دارها وفرض الشيوعية حيث فرضها التصريح الذي أدلى به، والذي يقول فيه بأنه لم يبق الآن مخلص لهذه الإنسانية إلا في النموذج القرآني وتطبيق هذا النموذج فإذا علينا نحن أن نكيف حياتنا وفق تعاليم القرآن وأن ننهض بهذه الأمة بهذه التعاليم القرآنية لتكون أمة قائدة ورائدة ولتنال الإنسانية من هذا الخير العظيم الذي تتطلع إليه بعدهما حرمته في ظل الأنظمة الجائرة والمسالك الملتوية. فإن الأنظمة البشرية ما عادت عليها إلا بالوبال وهذا أمر معروف فالإنسانية عانت ما عانت بعد الثورة الصناعية الكبرى من الظلم الرأسمالي ثم بعد ذلك رجت أن تجد لها مخلصا في الأنظمة الاشتراكية وإذا بها تتجرع الغصص وتكابد الويلات وتصلى جحيما لا يرحم إلى أن كفرت بما كانت آمنت به من قبل وعادت أدراجها فيما هو مصدر البلاء وهذه الأمور يصرح بها كثير من القادة الذي خبروا أحوال الناس فقبل فترة من الزمن صرح " جورباتشوف" الذي هو آخر زعيم لأكبر اتحاد شيوعي صرح لقناة تلفزيونية بريطانية بأن الشيوعية ميته عندما سئل عن الصين وفيتنام هل يمكن أن تبقى فيهما الشيوعية قال: كلا لأنها ميتة والميت لا يمكن أن يبقى فسئل عن البديل فقال: لا أعتقد أن البديل يكمن في الرأسمالية ولا في الإشتراكية ولا في الديموقراطية وإنما هو في نظام آخر فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة وأين هذا النظام إلا النظام الإسلامي فلإن كان هنالك من الناس من يقول بأن الحضارة الكونفوشوسية يمكنها أن تعود ويمكنها أن تقود هذا العالم فإن ذلك وهم من الأوهام إذ تلك الحضارة حضارة مادية بحته والإنسان كما هو معلوم جسم وروح ولابد من التنسيق بين أشواق الروح ومتطلبات الجسم لابد من النهوض بكل جانب من الجوانب الروحية والجوانب الجسمية في حياة الإنسان حتى يكون هذا الإنسان سعيدا لعدم وجود التناقضات والمفارقات بين أحواله الروحية والتطلعات النفسية وبين المطالب الجسمية وهذا لا يتم أبدا إلا في إطار الإسلام دين الله تعالى الحق الذي هو رحمة للعالمين. وقد جاء "كاسترو" بعد بضع سنوات من تصريح " جور باتشوف" ليضع النقاط على الحروف وليس هذا الكلام الذي نقوله مما يقال عند قادة المعسكر الشرقي كما اصطلح على تسميتهم فحسب بل الغربيون الآن بأنفسهم أيضا يعبرون عن الخواء الروحي الذي يعانون منه وعن الفراغ الفكري وعن انحسار الأخلاق عندهم فهنالك من أسلم من الغربيين وتحدث عن واقع الانسانية وحاجتها إلى الإسلام ومن بين هؤلاء أحد الناس الذين تبوءوا في السابق مكانة في سدة السياسة الأمريكية كالرجل الذي كان كبير المستشارين في عهد الرئيس نيكسون السياسة الأمريكية الخارجية في البيت الأبيض وهو الذي كان يسمى بـ " روبر كرين" ثم بعد ذلك أسلم وصار أسمه فاروق عبد الحق فقد ألقى محاضرة قبل نحو ثلاث سنوات بعنوان " القيادة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين" ووضع النقاط على الحروف في هذه المحاضرة ونقل برجنسكسي، وأنتم تعلمون أن برجنسكسي هو الرجل الذي يعتبر صانع السياسة الأمريكية الجديدة وكان مستشارا للرئيس " كارتر" للأمن القومي ويذكر بأنه كتب مقالا نشرته إحدى الصحف السيارة في الولايات المتحدة الأمريكية جاء في هذا المقال ما يدل على أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد صالحة لأن تسد فراغا اخلاقيا للعالم بل جاء في هذا المقال( أن الشعب الذي انغمس في الملذات والشهوات لم يعد صالحا لأن تسد فراغا أخلاقيا للعالم. ولأن كان كلام برجنسكسي جاء بطريقة اجمالية بحيث لم يبين ما تتطلع إليه الأمة الأمريكية من الحل فقد أفصح عن هذا الأمر من قدم لهذا المقال وهو الصحفي المشهور " ترات كرولس" إذ بين أن الاسلام بعطائه الواسع وروحانيته المشرقة وشموليته الواسعة هو الحل الوحيد للولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من العالم وهذا يتطلب من الأمة الإسلامية أن تستمسك أولا بهذا الاسلام وأن لا تفرط فيه ويجب عليها أن تعتمد على هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأن تدرك أن فيه شفاء علتها وحل مشكلاتها وتبصير عماها وهو مصدر عزتها وسبب قوتها فاسبحانه وتعالى يقول] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ[ ويقول عز من قائل ]إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً[ والنبي e يبين لهذه الأمة أن القرآن هو المخلص لها عند كل مشكلة وعند كل شدة إذ يقول عليه أفضل الصلاة والسلام:" ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم فقيل له وما المخلص منها يا رسول الله e قال: كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحد ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قسمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وحبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد وهو الذي لم تنتهي الجن أن سمعته أن قالوا:" إنا سمعنا قرآنا عجبا من قال قوله صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن اعتصم به فقد هدى إلى صراط مستقيم" وتأتي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في المركز الثاني بعد القرآن الكريم وهي كما يقال حسب عرف هذا العصر " المذكرة التفسيرية" لما في كتاب الله سبحانه وتعالى لأن الله سبحانه وتعالى يقول] وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[ فاذن اتباع الكتاب والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مصدر كل خير لهذه الأمة وأنتم ترون أن الله سبحانه وتعالى عندما بشر هذه الأمة بالاستخلاف والتمكين في الأرض أمرها قبل كل شيء بطاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله e ثم اتبع ذلك مرة أخرى الأمر بطاعة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بعد الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وذلك عندما قال سبحانه وتعالى ] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ[ ثم ابتع ذلك قوله ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ وجاء بعد ذلك قوله سبحانه وتعالى ]وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[ فإذا طاعة الله وطاعة الرسول e جاءت مكتنفة لهذه البشارة الربانية لهذه الأمة بأن تمكن في الأرض وتستخلف فيها ويمكن لها دينها الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لها وما ذلك إلا لأن طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسول e سبب لهذا التمكين والاستخلاف في هذه الأرض فإذا هذه الأمة القوة بيدها ولكنها تضيع هذه القوة بنفسها وأتذكر كلمات قالها قبل نحو نصف قرن من الآن أو أكثر المفكر الإسلامي الكبير الإمام أبو الأعلى المودودي في إحدى الاجتماعات بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية قال:" سيأتي بلا شك اليوم التي تتحجر فيه الشيوعية في موسكو نفسها بدون أي ملجأ وتتعثر فيه الرأسمالية وباريس وتتلاشى فيه العنصرية حتى عند البراهمة والألمان وإنما تبقى عبرة في التاريخ قصة من يحمل عصى موسى تحت إبطه وهو يخشى من الحبال والخشب فهذه هي حالة هذه الأمة هي عبرة في التاريخ بيدها القوة بيدها عصى موسى عليه السلام لأن بيدها القرآن الكريم ولكنها مع ذلك تخشى من الحبال والخشب فهي عندما ترى الأوهام التي في الشرق والغرب تتضاءل أمامها وتجعلها أمر عظيما لا يمكن تجاوزه بحال من الأحوال وما ذلك إلا لضعف بصيرتها وما أصاب إيمانها من خور بسبب بعدها عن كتاب الله سبحانه وتعالى أما عندما تستمسك بهذا الكتاب تمام الاستمساك فلا ريب أنها تتبوأ مكان الصدارة بين الأمم والبشائر تلوح في هذا العالم بأسره من أقصاه إلى أقصاه لأن التمكين لهذه الأمة وأن الانسانية تتطلع اليوم إلى الحل الأمثل الذي جاء به القرآن الكريم وجاءت به السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . ومن الطبيب الذي يصف هذه الوصفة لهذا العدد الهائل من المرضى؟ إنما الطبيب الإنسان المسلم العارف بدينه المستمسك به العاض بالنواخذ على تعاليم كتاب الله وسنة رسول الله e فهو الخبير بحلول القرآن الكريم وحلول السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وهذا مما يتسنى لأي أحد يدرس القرآن دراسة متأنية عن كثب ويتأمل تعاليم القرآن الكريم وتعاليم السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وكل أحد بإمكانه أن ينتزع الحجة من كتاب الله أو من سنة رسول e....قبل بضع سنوات زارني اسقف من أساقفة النصارى وبدأ الحوار بيني وبينه فيما جاء في الاناجيل الأربعة من التعارض البين في طبيعة المسيح عليه السلام والتقديم الذي كتبه أمام هذه الاناجيل الأربعة جاءت فيه أنه لا تعارض بين ما في هذه الاناجيل فهذا العبد والإنسان والإبن هو الله، فسألته كيف يكون الإنسان هو الله وكيف يكون الله هو العبد وكيف يكون الأب هو الابن والابن هو الأب؟ فقال: هذا شيء لا يمكننا أن نتوصل إلى فهمه لأن العقول البشرية قاصرة فقلت له: ولأن القرآن الكريم جاء بما يبصر العقول البشرية بحقيقة الأمر وإذ فتح المجال أمام العقل البشري فأنظر إلى قول الله سبحانه وتعالى ] وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[ ثم أن الله سبحانه وتعالى أتبع ذلك قوله] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[ أحال العقل البشري على هذا الكون الواسع الذي هو بمثابة معرض لآيات الله سبحانه وتعالى لكي تتجلى للناس في أنفسهم وفي الآفاق فإذا ما على الإنسان إلا أن ينظر في هذه الآيات الكونية ليبصر من خلالها وحدانية الله سبحانه وتعالى وأن الذي خلق هذا الكون بهذا التناسق العجيب التلائم الانسجام من غير نشاز ولا تعارض لابد من أن يكون إلها واحدا ومثل ذلك في قوله تعالى ] قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ،أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[ ثم جاء الرجل مرة ثانية كزيارة بعد خمس سنوات وذكرني بالزيارة السابقة فذكرته بالسؤال الذي طرحته عليه وأنني لا أزال أطال بالجواب وفيما أنه لا يتقن الاجابة عن هذه النقطة حاول التهرب ثم قال لي: هل تسمح بأن ننتقل إلى حديث آخر فقلت له: لا مانع لي فقال: فقال لي: ما رأيك في مؤتمر السكان الذي سينعقد في مصر وذلك قبل انعقاد ذلك المؤتمر بأيام قليلة فقلت له: هذا المؤتمر قبل أن أقول كلمتي فيه البابا نفسه قال فيه كلمته فما رأيك فيما قاله البابا؟ فقال لي: وكيف تحل مشكلة السكان في العالم؟ قلت له: حل هذه المشكلة في كلمات يسيره في جزء من آية من كتاب الله فإن الله تبارك وتعالى يقول:] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ [ وهذه حقوق من غير الزكاة لأن الله سبحانه وتعالى أتبع ذكرها بذكر الصلاة والزكاة عندما قال:] وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ[ فلو أن الإنسانية سلكت هذا المسلك لما كان أمامها مشكلة فيما يتعلق بأحوال السكان وضربت له أربعة أمثلة هي أمثلة حية أولها قلت له: ماذا تقول في السباق الجنوني للتسلح في هذا العالم وإن هذه الأسلحة المدمرة لا تبقى ولا تذر كم ينفق فيها من أموال أرأيت لو أنفقت هذه الأموال في استصلاح الأرض من أجل الزراعة أما كانت تعود بالرفاهية والنعمة الشاملة على الإنسانية بأسرها فأعترف بهذا، قلت له: والمثال الثاني كم من الآف الأطنان من الحبوب تحرق في كل عام من أجل المحافظة على سعر الحبوب فأضاف هو قائلا: وهناك بحيرات من الألبان أيضا تراق من أجل المحافظة على سعر الألبان ثم ذكرت له المثال الثالث وهو أنني قبل نحو عشرين عاما من ذلك الوقت أطلعت على صحيفة جاء فيها أن امرأة في الولايات المتحدة الأمريكية تملك رصيدا يتكون من ثلاثمائة مليون دولار وقد أوصت بهذا الرصيد كله لكلابها فقلت له هذه الملايين من الدولارات كم تطعم من جياع لو وزعت على فقراء العالم؟ ثم ذكرت له المثال الرابع وهو أنني قبل وقت يسير من ذلك الوقت اطلعت على خبرين عجيبين في صحيفة محلية في صفحة واحدة منها وفي عمودين متجاورين الخبر الأول ان خبيرا اجتماعيا انجليزيا يدعو إلى أن يفرض على الناس تحديد النسل خشية هذا الانفجار السكاني بحيث لا يسمح للأسرة الواحدة أن تلد إلا مولودا واحدا وهذا لو طبق فإن في ذلك فناء العالم فعندما لا يسمح لاسرة من أسرة أن تلد إلا مولودا واحدا والأسرة تتكون من اثنين فلو قدرنا أن الكل لا يوجد فيما بينهم عقيم لكان الاثنان يلدان واحدا ومعنى ذلك أن العالم في الجيل الآتي ينزل عدده إلى النصف ثم في الجيل الذي يليه ينزل إلى الربع ثم في الجيل الذي يليه ينزل إلى نصف هذا العدد. ثم هكذا يتناقص إلى أن يفنى. في مقابل هذا خبر عن أغنى كلب في العالم وصف هذا الكلب الثري الغني بأنه يملك أرصدة هائلة من الأموال هذه الأرصدة تنفق عليه هو يسكن في القصور الفخمة وعنده جيش من الخدم منهم من لا عمل له إلا تنظيف أسنانه ومنهم من لا عمل له إلا تهيئة الفراش له ومنهم من لا عمل له إلا أخذه إلى الحمام وتنظيفه ومنهم من لا عمل له إلا طبخ الأطعمة الشهية له ومنهم السواقون ومنهم وغيرهم ويحمل في السيارات الفارهة ليتجول في الطرق فقلت له: هذا كلب لا يزيده ذلك شيئا من السعادة وإنما سعادته لو اطلقت له حريته ليأكل من الجيف وليضرب في الأنحاء التي يريد أن يصل إليها من المكان الذي يعيش فلو أنفقت هذه الأرصدة الهائلة التي يملكها على الفقراء كم كانت تشبع من جياع؟! ومثل هذا الكلب كثير من الكلاب فكيف يعيش البشر في هذه المسبغة وبجانب ذلك تعيش الكلاب في هذه الرفاهية والنعمة أليس ذلك من المفارقات البينة في هذا العالم فإذا الإسلام يقدم الحلول. لأن كانت هذه كلمات يسيرة في جزء آية من كتاب الله سبحانه وتعالى تقدم الحل لمشكلة هذه الإنسانية بجانب الحل للمشكلات الأخرى ومن بينها المشكلة الكبرى وهي المشكلة العقدية التي صدر حلها أول الأمر في قول الله سبحانه وتعالى ] وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [ ثم ذكرت في كلمات يسيرة الحلول للمشكلة التي تعاني منها الإنسانية اليوم بسبب عدم عدالة التوزيع لهذه الثروات في هذه الأرض فكيف مع ذلك يظل الناس عن الطريق السوي كيف لا يأخذون بهذا الكتاب العزيز فيتبعوا نوره ويرتقوا من نهره الدافق ويحل كل مشكلة من مشكلاتهم بحلوله التي تأتي على كل مشكلة من مشكلات هذه الإنسانية فإذا العيب إنما هو في المسلمين أنفسهم والله سبحانه وتعالى يدعونا إلى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم كما يدعونا إلى طاعته يقول الله تعالى:] مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً[ ويقول: ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً[ ويبين لنا سبحانه وتعالى أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ما هي إلا تجسيد لحب العباد لربهم فهذا الذي يطيع الرسول إنما يجسد حبه لربه الذي بعث هذا الرسول وهذه الطاعة هي السبب لنيل المحبة من الله وسبب لوصول الإنسان إلى ما يتطلع إليه من رحمة الله إذ يقول تبارك وتعالى: ] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ فإذا ليس حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل في إحياء هذه المناسبات ثم تناسي ما وراء ذلك من اتباعه صلى الله عليه وسلم ومن العض بالنواجذ على سيرته والاستهداء بالكتاب الذي جاء به فإن ذلك ولا ريب ظلال في الفكر وعمى في البصيرة وإنما يجب أن يتمثل هذا الحب في الطاعة الصادقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم إذ حب الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مجرد عاطفة لا تتأجج حتى تخمد وإنما حب النبي صلى الله عليه وسلم عقيدة مستحكمة في نفس الإنسان تجعل الإنسان ربانيا المصدر والمورد وتجعله قرآني المنزع والسلوك وتجعله محمدي القيم والأخلاق فمن هنا يجب علينا أن ندرك هذه الحقيقة وأن نحيي هذه المناسبات بتجديد الصلة بشريعة الله التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحياء هذه الأخلاق العظيمة التي كان عليها صلوات الله وسلامه عليه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم جميعا لهذا الخير العظيم وأن يأخذ بأيدينا إلى ما يحبه ويرضاه

ورد المنى
21-05-2003, 08:40 AM
البهلاني فقيها وأديبا



الحمد الله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, سبحانه له الحمد على ما أنعم, علم بالقلم, علم الإنسان ما لم يعلم- أحمده وأثنى عليه, واستغفره وأتوب إليه, وأومن به وأتوكل عليه, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله, أرسله الله إلى إلى خلقه منقذا من الضلالة ومعلما من الجهالة وداعيا إلى الله على بصيرة, فبلغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة وكشف الغمة, وصلى الله وسلم عليه, وعلى آله وصحبه أجمعين, وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أصحاب الفضيلة والسعادة أيها الأخوة الحضور, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنه من يمن الطالع أن يتجدد لقاؤنا في هذا الصرح الثقافي تحت مظلة العلم والأدب, من أجل احياء ذكريات أعلام هذا البلد العريقين في علمهم وفي أدبهم, وإن مما يسعد النفس ويبهج الخاطر أن يكون المختفى بذكراه في هذا اللقاء الميون رجلا تلاطم في حيزومه بحر العلم والأدب, وهو الأديب الذي لا يشق له غبار وهم الفقيه المحقق المعروف بعمق مناقشاته الفقهية وقوة تأصيلاته لمسائل الفقه وهو المتكلم البارع الذي يثبت حجة الحق بما يثلج الصدورو وبما يثري القلوب.

أن المحقق به إمام العلم والأدب العلامة الكبير أبي مسلم بن ناصر بن سالم بن عديم بن صالح بن محمد بن عبدالله بن محمد البهلاني الرواحي- رحمه الله تعالى- وشهرته تغني عن التعريف.

والحديث عن شخصية أبي مسلم حديث ذو شجون, فطرح الجانب الأدبي في مثل هذه الندوة من أجل استقصاء مهارة أبي مسلم الأدبية أمر يستدعي جهدا كبيرا, كما أن طرح مناقشة قوة مأخذه في الفقه, وعمق تأصيلاته الفقهية, أيضا أمر يحتلح إلى باع طويل في الفقه وذلك أمر لا يستطيعه مثلي وقد كنت حريصا كل الحرص على الحضور هنا معكم في الليلتين الماضيتين من أجل الاستفادة من الباحثين المهرة الذين تناولوا شخصية أبي مسلم وعلمه وأدبه, ولكن حالت الظروف دون ذلك, والمقادير دون الأماني كثيرا.

ولئن جئنا إلى شخصية أبي مسلم الأدبية- نجد أنه لم يكن أديبا تقليديا يهيم في كل واد ويقول ما لا يعمل, وإنما كان رجلا في أمة وأمة في رجل, يحمل هموم أمته, ويتلمس بيده الخبيرة عللها والامها, ويسنتنج بعقله الثاقب علاجها ودواءها من تلك العلل التي تعاني منها فكانت معاناته بسبب ذلك معاناة كبيرةز

نعم, عاش أبو مسلم من أجل أمته وسخر قلمه لخدمتها, فلئن جلنا في أدبياته الروحانية التي قدم فيها أسماء الله الحسنى نجد أنه في مرحلة مبكرة كان يدعو الله- تبارك وتعالى- ويبتهل إليه بأن يهيىء لهذه الأمة من أمرها رشا فقصيدته التي نظمها وهو مطلع العقد الثاني من عمره وسماها المعرج الأسنى في أسماء الله الحسنى, نلمس فيها هذا الابتهال والضراعة إلى الله- تبارك وتعالى- كما في قوله:

ويا قاهر اقصتم دولة السوء وامحها



وشرد وأشدد عليها معجلا



ويا اصرف سورة البغي وانتقم



بعدلك ممن بالضلال تسربلا



ويا باعث ابعث راية الحق حولها



جنودك تبلو في رضاك وتبتلى



ويا قائما بالقسط قوم مسددا



قويا على أظهار دينك فيصلا



يصول سريعا يا سريع بنقمة



على كل ضليل عن الحق أحفلا






وهكذا نجد في جميع أذكاره التي جمعها في ديوانه الذي سماه ( النفس الرحماني من أذكار أبي مسلم البهلاني).

ولئن جئنا إلى قصائد الأخرى التي تتعلق بجانب الأمة نجد أنه الطبيب الخبير, فقد عرف حق المعرفة داء الأمة ودواءها, كما نجد ذلك واضحا في كل قصائده التي تناولت هذا الجانب لا سيما تلكم القصيدة العصماء المقصورة, والتي شخص فيها العلة وجسد الألم, ووصف فيها الدواء, نسمعه في مقصورته تلك يتألم لآلام هذه الأمة عندما يقول:

اذكي من النار بقلبي زفرة



يخرجها المظلوم من حر الأسى



محترق الأكباد من حسرته



لا غوث لا منصف لا يلوي إلى



أنفاسه تطرق باب العرش لا



تطرق باب غيره ولا ذرى



وعبرة تسفحها أرملة



كالخلق السحق اصارها الضوء



شعثاء غبراء عليها ذلة



مهضومة الحق عديمة الحمى



وصفرة على يتيم شاحب



ادقعه الفقر وأشواه الضنا



مفترشا على العفا اديمه



وهل له عافية على العفا



يغدو ويمسي ضاحيا تحت السما



كأنه عود خلال أو خلا



وضربة من سيف به نهكت



وجه تقي مثل تشهاق العف



وسطوة من ظالم شباته
ينتهك الحرمة لا تريغه



اقتل للإسلام من حد الظبا
ضريبة من كرم ولا تقى



يرى عيال الله صيد قوسه



يترك ما شاء وما ساء رمى



جاس البلاد بالبلاء طاميا



فبز حتى بلغ السيل الزبى



وغيرة المؤمن في ضميره



يطفئها الخوف ويوريها الاسى



يهان في حريمه وعرضه



ودينه وماله مثل اللقا




ثم بعد ذلك يوجه النداء إلى رجال أمته:

أين رجال الله ما شأنكم



إلى متى في ديننا نرضى الدنا



إلى متى نعجز عن حقوقنا



إلى متى يسومنا الضيم العدا



كنا اباة الضيم لا يقدح في



صفاتنا الذل ونقدح الصفا؟



كنا حماة الأنف لا يطمع في



ذروتنا الطامع في نيل الذرى



لا يطرق الوهن عماد مجدنا



وكم مللنا عرش مجد فكبا



علام(1) صرنا سوقة امعة



اتبع من ظل واقنى من عصا؟!



ما أفظع الشنار حين يزيله



ضرب يزيل الهام من فوق الطلى!



إلى متى نخزى ولا يؤلمنا



كالميت لا يؤلمه حز الشبا؟!



اذل من وتد حمار فيهم



وقدرنا اقصر من ظفر القطا



إلى متى نهطع في طاعتهم



ونتقي وليتها تجدي التقى؟!




ترون كيف صور حال الأمة في هذه الأبيات, عندما أحدقت بها المحن وتراكمت عليها الفتن, وهي في ذلك مفترقة أحزابا وشيعاو لا تحس بالآلام التي تقع عليها ولا تحس بالواجب الذي هي مسؤولة عنه, ثم يتبع ذلك خطابه لهذه الأمة لعله يجد فيها أنشودته.

أين ذوو الغيرة من لي بهم



قد حزب الأمر قد انقد السلا؟!



اتسع الخرق على راقعه



من يشعب الوهى ويرتق الثأى



أما شعرتم أنها داهية



شعواء لا فصية منها بألولى



هبوا من النومات أن حية



تنباع ما بين شرا سيف الحشا




ويصف الحالة التي آلت اليها الأمة, حيث ذلت لخصومها واستكانت لعدوها:

هل استباحوا حرمات دينكم



هل منعوا الأرض الحياة والحيا؟!



منوا عليكم بغذاء طفلكم



وحسوة الماء ونفحة الصفا



تحكموا في ملككم ورزقكم



وكبسوا البئر وقطعوا الرشا



وأزعجوكم عن ظلال ريفكم



وليتكم لن تنزعجوا عن الفلا



وضايقوكم في بلاد ربكم



حتى على مدفن ميت في الثرى



لا يرقبون فيكم إلا ولا



ذمة دين أو ذمام من رعى



قد سفكت دماؤكم وانتهكت



حرمتكم ولا حشا ولا خلا



نقعد يشكو بعضنا لبعضنا



وما مفاد من شكا ومن بكى؟!




ثم يقول:

في بعض هذا غصة(1) لعاقل



لو رجعت أفكارنا إلى النهى



بسومنا الخسف خسيس ناقص



لا دين لا حكمة لا فضل ولا



أليس مما يذهل اللب له



عسف الطواغيت بشرع المصطفى



وحملنا على اتباع غيهم
هب ملكنا ورزقنا فيء لهم



مصيبة لحرها ذاب الحصا
فديننا الأقدس فيء وجزى



فيا صاحباه هل من سامع



لو عوفيت قلوبنا من العمى!




ويتبع ذلك تقريع هذه الأمة على رضاها بما وصلت إليه من المهانة إذ يقول:

أليس عارا أن نعيش أمة



مثل اللقا أو غرضا لمن رمى؟!



يلفناالخزي إلى أوكاره



ويحكم النذل علينا ما يرى



أنشرب الماء القراح ما بنا



من مضض وليس بالحلق شجا؟!



ونهنا بالعيش على أكداره



ونطعم الأجفان لذات الكرى




ثم يذكر بعد ذلك اعتزاز هذه الأمة بأسلافها وافتخارها بماضيها مع عدم سلوك منهج أولئك الأسلاف, والقيام بما قاموا به من حق تكاه دينهم وتجاه أمتهم إذ يقول:

نقر أحلاس البيوت خشعا



أبصارنا مغمضة عما دهى



ندرس تاريخ الألى تقدموا



وحسبنا الله تعالى وكفى



أن العظام لا تواتي شرفا



ولا أقاصيص الوغى تكفي الوغى



والسلف الصالح سل سيفه



وكان ما كان له ثم انقضى



تلك الرفات طينة صالحة



لغارس وحارث ومن بني



أتبحثون بينها عن عزة



أو في (لعل) فرجا أو في (عسى)؟!



تلكم إذا أمنية مخلفة



وضيعة العقل وجهل وعمى




ثم ذكر ما بقي لهذه الأمة من أسلافنا:

أسلافنا وما لنا من مجدهم



إلا حديث بعدهم لا يفترى؟!



لم التحجي بعدهم في شرف



عند رفات في الأرض حجى؟!



نرفع منا أنفسنا(1) وننتحي



كأنها من كسبنا تلك النخا!




وهو يشير بذلك إلى أن الأمة يجب أن تبني مثل ما بنى سلفها, وألا تعتز بما قدم سلفها من غير أن تطأ موطئه وتنتهج نهجه, وتقوم بتبعات ما عليها من واجب تجاه جميع أفرادها كما تقوم بما عليها من واجب تجاه ديننا الحنيف ثم يتبع ذلك قوله:

أواه أواه رزئنا بعدهم



وليتنا في خلف عمن مضى؟!




ثم يصف مرة أخرى حالة هذه الأمة في لهوها عما هي مسؤولة عنه, وفي غفلتها عما يحيق بها, وفي عدم احساسها بما وقعت فيه, وما يسري في جثمانها من آلام.

فتحت عيني فرأيت غافلا



يحمله السيل وليته درى



ونائما والنار في جثمانه



كأنه جزل الغضا وما وعى



وراضيا بذله مفتخرا



بأن يعيش خازيا ومزدري



ومؤمنا مستضعفا يغمزه



ظالمه من الرجا إلى الرجا



وعاقلا في رأيه متهما



وأرشد الآراء للحر الذوى(1)



وحاسدا لنعمة تخاله



اسعر ما كان إذا قلت خبا



وبائعا لوطن فيه انتشى



بلقمة يلذها وهي الودى



فهل لنا استقامة وعزة



وحالنا مشؤومة كما نرى؟!




بعد هذا الوصف لألم هذه الأمة وآلامها نجده يقدم وصفة الدواء إليها إذ يقول:

عصائب الإسلام في تلكم حالنا



وليس يخفى في الظلام ابن جلا



ما تنظرون في التماس طبكم



قد نكأ الجرح وادنف الضنا



ليس لها إلا التفاف قوة



بقوة ومقتد بمقتدى



ليس لها إلا نفوس طفئت(2)



اضغانها واشتعلت فيها التقى



يلمها الإيمان قلبا واحدا



وجهته الله وحشوه الهدى(3)



إذا رمت فقوسها واحدة



وما رمت وإنما الله رمى




فأبو مسلم من خلال هذا الوصف لعلاج هذه الأمة يبين لنا أنه لا يمكن خلاصها مما هي فيه وعليه من الذل إلا باستعلائها على أنانيتها, بحيث تكون أمة واحدة, إذا رمت فإنما ترمي عن قوس وأحدة, ومع ذلك فلحمة وحدتها إيمانها بالله- سبحانه وتعالى-, وسدي هذه الوحدة تقوى الله- تبارك وتعالى-, بحيث تجتمع في ظل الإيمان والتقوى وتلتقي على امر الله- سبحانه وتعالى- في ديننا من الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, حينئذ تكون أمة قوية, وتكون أمة منصورة على عدوها.

ولم يكن أبو مسلم رجلا محليا وأقليميا وإنما كان رجلا عالميا, فحيثما كانت مشكلة تهم هذه الأمة كانت تلك المشكلة تعني أبا مسلم, وكان يجد لزاما عليه أن يشارك في علاجها فعندما حاول الاستعمار في مصر أن يذكي جذوة النعرة القبطية في غير المسلمين, وأن يصور لهم بأن الإسلام دخيل فيهم وأن مصر قبطية نصرانية, وأن المسلمين هم الذين احتلوا بيضتهم وهم الذين استهانوا بكرامتهم, وضايقوهم في بلادهم, وانعقد اثر ذلك مؤتمر إسلامي برئاسة رياض باشا في مصر لعلاج هذه المشكلة ومواجهة ذاك التحدي, فما كان من أبي مسلم وهو بعيد عن مكان انعقاد هذا المؤتمر إلا أن شارك فيه بقلمه, فأرسل قصيدة إلى أخوانه المسلمين بمصر, وقد قرأت بأن هذه القصيدة نشرت في بعض الصحف المصرية آنذاك, وتلقيت بالقبول من قبل المسلمين الذين يعنيهم هذا الأمر, وجاء في هذه القصيدة:

هزت العالم أدوار البشر



ينقضي الدور بأدوار أخر



كل دور رقص الدهر له



ضايق العالم وارتاد القمر



أيها العالم سعها جلدا



أن نصف الليل يتلوه السحر



من كفيل الكشف عن موضوعهم



هل له مستودع أو مستقر؟



أن تكن فلسفة الدهر على



حدها الأول أدركنا الخطر!



يسقط الهز علينا كسفا



ثم لا يلبث اسقاط الحجر



ربما أشهد ظبيا كانسا



دب فيه الدور فاصطاد النمر




ثم ينبه لخوانه المصريين المسلمين لخطورة هذا الأمر وخطورة ما غرسه العدو في جزء من أبناء الشعب المصري من بغض لبقية الشعب, إذ يقول

يا قطين النيل ما حادثة



بات جفن الدين منها في سهر!!



أقلقت مصر وغاظت غيرها
يا لقومي والأسى كل الأسى



خطة القبط وذاك المؤتمر
إن جرى النيل على هذا القدر!!



ضايقوكم في المراعي مطلقا



واشرأبوا لاختصاص واشر



طلبوا أعظم من مقدارهم



شأن من أكسبه العدل البطر




ثم يتساءل بعد ذلك:

ليت شعري ما الذي أبطرهم



ضغطة الرومان أم عدل عمر؟!



أم وصايا المصطفى في حقهم



ان ملكناهم وسعناهم ببر



أم لصفح الدين عنهم بعدما



جيش نابليون ولانا الدبر



تبعوا نعقته وانجفلوا



نحوه أشباه ضان وبقر



ثم لما صننع الله لنا



وجلى الخصم وابنا بالظفر



خالطونا بضمير محرق



وبصدر فيه ضب محتجر



فاصطنعناهم وقلنا جارنا



واذى الجار جميل المصطبر



هذه سيرتهم حيث انجلت



قترة جاءوا بادهى وأمر




ثم يخاطب بعد ذلك ضمير الأقباط ويذكرهم بالجوار, كما يذكرهم بالحقوق المشتركة, وأن العدو يتربص بالكل الدوائر وهو لا يفرق بين مسلم ونصراني, وإنما همه أن يسعى إلى التفريق بين أبناء الوطن الواحد.

ان هذا النيل أم حافل



كلنا يرضع منها ويذر



فغدت حافلنا ترضعها



حية أشبه شيء بسقر



رضعتها لبنا ثم دما



واغتبطنا بمشاش ووبر



وهي لا يقنعها ما ترتمي



لا ولا يقنعها بلع الحجر



ذكرتنا بعصا موسى على



أن ذي تلقف أرواح البشر




ثم يذكر ما يستفيده الآخرون من خيرات مصر فيقول:

نيلنا في الغرب يجري ذهبا



وبقينا نترامى في الحفر



أن يكن جيش احتلال غركم



فهي أمنية من لا يفتكر



ما يريد الجيش احتلال غركم



بعدما أبقى عصاه واستقر؟!



عقد النير وما في همته



آمن المصري.. يوما أم كفر



جاء والمعية تلوي معيه



فامترى ثم تعاطى فعقر



طمت الحرفة يا أقباطها



إنها مأدبة لا تنتقر



أصبح المطران والمسلم في



غمرها اعجاز نخل متقعر



فاشعبوا الوحدة وحيا قبل أن



تتداعى كهشيم المحتضر




ثم بعد ذلك يثني على أولئك الذين استيقظوا لهذا الأمر وسعوا رأب الصدع, وتدارك ذلك الخطر فعقدوا هذا المؤتمر إذ يقول:

إن في مصر رجالا عرفت



كيف تأتي الأمر أو كيف تذر



لا تبارون لهم مأثرة



ولو احتلتم على كسف القمر



صعدوا في كل هم فكرهم



فاقتنوا حكم ابتداء وخبر



اثر الحكمة فيهم نير



كادت الأفلاك منه تنبهر



مثلوا غيرتهنم مؤتمرا



ينصر الله ونعم المؤتمر



وطئوا الآمال بالدرك الذي(1)



ادركوه من تعاليم النظر



لا يبيتون على الضيم ولا



حيرة الذهن إذا الخطب انفجر



يهيمون بواد مبهم



هم إلى التحقيق أهدى من بصر



يا بني التوحيد في مصر لقد



صرتمو في جبهة الدهر غرر



صبغة الله على نهضتكم



أن من كان مع الله انتصر



بيئة مخلصة صادق



لم يدنسها رياء واشر



فخذوا وجهتكم واصطقروا



لا ينال النجح إلا من صبر



ثابروا جهدكم لا تسأموا



قد بدا لي فتح أمر منتظر



ربما ضاق على حيلتنا



اعقب الفتح كلمح بالبصر



وإذا الفتح تلافى أمة



جد في نهضتها أهل الخطر



صفوة الأمة أنتم وعلى



أمركم صفوة أرباب النظر



بطل الإسلام قمقام العلى



رجل المجد الهمام المقتدر



ناصح الحجة معصوم النهى



جلد الهمة ذو العزم الذمر



صاحب العز رياض من غدت



فطرة التوحيد منه في وزر



هضبة الفضل عزيز المحتمى



شأنه العدل بما شاء وسر



جرد الغيرة من أجفانها



فحمى الحق وأخرى من غدر



عصم النحلة مرهوب السطا



لين الجانب صعب المنكسر



يا حمي الأنف يال ليث الثرى



ذد عن الحوض فقد جد الحذر



لا تدع مصر لمن يعشو بها



غير ما عزك من أمر القدر



قائم أنت على أرجائها



بملاك الأمر والحق الأغر



قم بحول الله لا تحفل بها



رقصت أم سكنت أم العبر




ثم يعبر بعد ذلك عن شعوره بالتقصير من نفسه تجاه هذا الأمر لأنه لا يملك إلا هذا الذي يقدمه من الأدب, إذ يقول:

بو يكون الشعر نصرا لم أزل



انظم الانجم لا أرضى الدرر



لو ملكنا السيف لم نرجع إلى



قلم في النصر دن قام عثر



والغيور الحر يبدي نصره



لأخي ملته كيف قدر



فخذوا شعري ثناء بعدما



مدحت نهضتكم آي السور



وليدم حيا رياض وليعيش



تابث العزة هذا المؤتمر




وفي هذا ما يدل- كما قلت- على أن أبا مسلم لم يكن رجلا محليا أو رجلا اقليميا, وإنما كان رجلا عالميا يعني بقضايا أمته في كل مكان ويتحسس آلامها ويشاركها في آمالها.

وبجانب هذا الإهتمام الكبير بقضايا الأمة الإسلامية في كل مكان فإنه كان يولي قضايا بلده عمان اهتماما خاصا وكان يعتز بجميع المنجزات التي يقدمها الشعب العماني الأصيل, ويبدي شوقه في أشعاره إلى هذا الوطن العريق ومما قال في ذلك:

معاهد تذكاري سقتك الغمائم



ملثا متى يقلع تلته سواجم



تعاهدك الأنواء (سح) بعاقه(1)



فسوحك خضر والوهاد خضارم



إذا أجفلت وطفاء حنت حنينها



على قنن الأوعار وطف روازم



ولا برحت تلك الرياض نواضرار



تضمخها طيب السلام النسائم



تصافحه بالزاكيات أكفها



فيحسب فيها والرياض تراجم




إلى أن قال:

ولكن شجاني معهد بان أهله



فبان الهدى في أثرهم والمكارم



هو العهد الميمون أرضا وأمة



وان زمجرت للجور حينا زمازم


سيكثر ورادا على الحوض أهله



إذا جاء يوم الحشر والكل هائم



لقد صدقوا المختار من غير رؤية



وتكذيب جل الشاهدين مقاوم




وكان أبو مسلم لا يخفي اعتزازه بالمنجزات التي تحققت على أرض هذا الوطن الأصيل, فعندما قرأ قصيدة لأحد الشعراء لام فيها أخوانه العرب على نومهم الطويل مع استيقاظ العالم الغربيو في ضوء التقدم في كل المجالات الحضارية في العالم الغربي, انبرى أبو مسلم يجيب هذا اللائم, ويدفع العار عن العرب, ثم يعتز بعد ذلك ببلده عمان, وبما تم في عمان من المنجزات التي هي لصالح الإسلام والمسلمين, وكانت تلك الإجابة على نفس روي قصيدته وبحرها حيث قال في مطلع قصيدته:

ألا لبيك يا صوت المعالي



لقد أسمعت أحياء الرجال



أحابك سادة نجب كرام



طوال العزم بالبيض الطوال



خفاف كالصواعق أن يشدوا



جبال في حلومهم الثقال



معاقلهم جياد فنقوها



مسارحهن حومات النزال



تعلمن التقارع من قديم



فهن مع التقارع في شكال



فإن تسأل بهم فهم سراة



تربوا بين قيصوم وضال



رضاع وليدهم بدم الأعادي



ويحيى في الرضاع بلا فصال



إذا استصرختهم شبوا سعيرا



وصخ النجم قعقعة النصال



مساعير الحرب لهم أجيج



إذا احتدمت حميات الرجال



مصاعب تصعق الأبطال منهم



رغائبهم بأطراف العوالي



إذا هجموا رأيت الفجر يجري



ببارقة الصوارم في الليالي



تروعك في زحرفهم رجوم



من السمر المثقف والنبال



ججاجح من بني قحطان صيد



ومن عدنان آصاد القتال



رأوا ما حل بالأوطان خزيا



يسارع بالفظايع والوبال




إلى أن قال بعد ذلك:

وخصم الله جزار شنيع



يضحي بالديانة لا يبالي



رأوا أموالهم نهبا هنيئا



وكل محرم عين الحلال




ثم يتوجه إليه بالدعوة لزيارة عمان فيقول:

تفضل بالزيارة في عمان



تجد أفعال أحرار الرجال



تجد ما شئت من مجد وفضل



واحساب عزيزيات المثال



تجد ما قسمته من المنايا



خيول الله في حزب الضلال



تجد من هيبة الإسلام شأنا



عليه الكفر مبيض القذال



تجد ههم الرجال مصممات



بثار الدين ترخص كل غال




ثم يخاطب أهل الشرق فيقول

سناخذ حقكم ونذود عنكم



ذيادا باليمين وبالشمال



ويدرك فهمكم أنا قليل



نكاثر بالحميد من الخلال



وتعترفون أن العرب قوم



قديما عبدوا صهب السبال



وقد وافاكم زمن جديد



ووافتكم به السنن الخوالي



يرد الحق فيكم مشمخرا



ويخزي الظلم خزي أبي رغال



بأسياف الغبيراء المواضي



ستخضر الأسافل والأعالي



ويعلم عالم الدنيا بأنا



بضوضاء الفخافخ لا نبالي












- وكما قلت- كان أبو مسلم في جميع إبتهالاته إلى الله- تبارك وتعالى- لا ينسى جانب الأمة ووحدتها ونصرتها على عدوها وقد وجد في قصائد العلامة سعيد بن خلفان الخليلي- رحمه الله- مثلا يحتذى في ذلك, فلذلك عني بتخميس كثير من قصائد الالهيات, ومن بين هذه القصائد تلك القصيدة التي كان المحقق الخليلي- رحمه الله- يدعو بها ربه مدة اثنى عشر عاما- كما قيل- وقد خمسها أبو مسلم, ومما جاء في تخميسها مما يتعلق نصرة الدين- وكلها من أجل نصرة الدين ومن أجل وحدة الأمة- قوله:


الهي عدو الله يشفي غليله





سبيلك يدنيها ويعلي سبيله





يغالب أمر الله حتى يحيله




فيا غارة الله اغضبي وخيوله



إركبي ومواضيه انعمى بورود




ودائرة السوء استمري بدورة





عليه ومقت الله خذه بسورة





ويت بطشه الله اسحقيه بثورة




ومني على الأعداء منك بزورة



تريحهم من كفرهم بلحود




ومزقهم الله كل ممزق





بأهلك غلبا فيلقا بعد فيلق





ونكل بهم وامحقهم بالتفرق




ويارب مزق كل سور وخندق



عليهم وحصن شامخ ووصيد




طغوا في بلاد الله لما تطقهم





وتغييرك اللهم لم يعتنقهم





وإنك بالمرصاد خذهم وبقهم




وقد مكروا فامكر بهم واذقهم



عواقب مكر في البلاد شديد




لقد وطئوا الدنيا برجس مرجس





وعاثوا بظلم في عبادك مضرس





شياطين ملعونين من كل مبلس




فطهر بقاع الأرض منهم بأنفس



من البغي تجريها بكل صعيد




الهي قبيل جاحد لك قد غوى





يعاديك لا يألو على عربك انطوى





ابده ومن والاه وحيا وما حوى




وشرد بهم في كل أرض فلا سوى



قتيل ومأسور يرى وطريد




بغيرتك اللهم يا حامي الحمى





بسطوتك اللهم يا رافع السما





سميع دعائي كن عليهم مدمدما




وصب عليهم سوط منتقم كما



لعاد وفرعون جري وثمود




وعذبهم نكر العذاب ودنهم





وشدد عليهم وطأة وإهنهم





وعن كل خزي ربنا لا تصنهم




ولا تبق ديارا على الأرض منهم



فما قوم نوح منهم ببعيد





ومن غرائب الإتفاق أن هناك قصيدة للإمام سعيد بن خلفان- رحمه الله تعالى- من قصائد الألهيات تناولها أبو مسلم- رحمه الله- بالتخميس قبيل موته ببضعة أيام, ولربما كانت فاتحة تلك القصيدة اسارة بأن أبا مسلم بتخميسها يقدم نفسه إلى ربه, ومطلع قصيدة الإمام الخليلي- رحمه الله تعالى-:

تقدم إلى باب الكريم مقدما



له منك نفسا قبل أن تتقدما




أما مطلع تخميس أبي مسلم فهو:


هو الله فاعرفه ودع فيه من وما



دعاك ولم يترك طريقك مظلما




عن الحق نحو الخلق يدفعك العمى



تقدم إلى باب الكريم مقدما




لك منه نفسا قبل أن تتقدما







وقد وجدنا بخط العلامة أبي مسلم أنه أنهى تخميسها في اليوم الثامن والعشرين من محرم, وقد كانت وفاته ليلة غرة صفر من نفس ذلك العام, بما يعني أن تمام تخميسها كان قبل وفاته بيومين وبعض يوم, أو بيوم وبعض يوم.

ولئن جئنا إلى الجانب العلكمي ولا أقول الجانب الفقهي من حياة أبي مسلم, نجد أن أبا مسلم هو العلامة الذي لا يشق له غبار, وإنما قلت الجانب العلمي لأن أبا مسلم درس علوم المعقول والمنقول, فكان نابغة في العلوم الكثيرة, ولم يكن مقتصرا على علم الفقه فحسب, فهو في علم التوحيد والمذاهب الكلامية عالم كبير, كما أنه في الفقه فقيه مطلع محقق وله في المسائل الكلامية تحقيق بدل على طول باعه في كثير من المسائل, من بين هذه المسائل, مسألة شغلت الناس كثيرا وتراشقوا بسببها بالتهم وهس مسألة واضحة لا تحتاج إلى النقاش الطويل, ولا تحتاج إلى ذلك الجدل العريض, تلكم هي مسألة الأسماء والمسميات, فإن أصحاب المذاهب الكلامية اختلفوا اختلافا طويلا وعريضا في الأسماء والمسميات, هل الأسماء هي عين المسميات؟ أم الأسماء هي غير المسميات؟ وقد أشبع أبو مسلم هذه المسألة بحثا وتمحيصا في كتابه " العقيدة الوهبية" وقد وضع فيها المفصل على الفصل, وأوضح بالحجة والبرهان بما لا يحتمل أي جدل وأي خلاف.

خلاصة الأمر أن الذي ذهب إليه العلامة أبو مسلم هو نفسه الذي حرره العلامة الكبير السيد محمد رشيد رضا في تفسيره ( المنار) وهو أن الأسماء التي هي الألفاظ المكتوبة من الحروف هي غير المسميات بطبيعة الحالو فلا يمكن أن يكون الأسم هو المسمى, إذ لو كان الإسم هو المسمى لكان من تلفظ بكلمة (ماء) وهو عطشان, جرى الماء على حلقه وروي من عطشه, وكذلك إن تلفظ أحد بكلمة (نار) احترق لسانه بمجرد هذا التلفظ, لأن النار محرقة ولكن أعيان المسميات هي غير الأسماء, وإنما مدلولات الأسماء هي عين المسميات لأن الإسم يدل على المسمى, فإذا كان المدلول الذي يشخصه الإسم هو نفس المسمى فلا فارق بين مدلول الإسم وبين المسمى.

وقد وجدت الإمام محمد عبده في تفسيره لقول الله تعالى] وعلم آدم الأسماء كلها[ يذكر عن بعض المفسرين قولا، بأن تلك الأسماء كانت هي الماهيات ، ماهيات الأشياء.

فإن آدم كان أحوج إلى معرفة الماهيات خصائصها وهذا القول عار عن الدليل فإن آدم- عليه السلام- سئل عن هذه الماهيات، ما أسماؤها فأجاب بهذه الأسماء عندما عجزت عن ذلك الملائكة، وقد أعاد الإمام محمد عبده هذا الاختلاف الى فلسفة يونانية قديمة، هذه محصلها أن الحقائق الذهنية كانت تسمى عند اليونان أسماء، وأعاد الإمام محمد عبده الخلاف بأن الأسماء هي المسميات إلى هذه الفلسفة وقال بأن الإختلاف في كون هذه الحقائق الذهنية هي نفس مدلولاتها أو هي أشياء أخر شهير، أما الاسم فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هو نفس المسمى.

وإذا جئنا إلى المسائل الفقهية نجد أن العلامة أبا مسلم كان العالم المحقق الذي لا يتقيد برأي عالم من العلماء بل يناقش جميع العلماء على السواء فقد كان أبو مسلم يجل العلماء ويحترمهم احتراما كبيرا، ولكن هذا الاحترام لم يمنعه من أن يناقشهم.

فعندما جاء- مثلا- الى مسألة تخليل اللحية في الوضوء رجح بأن تخليل اللحية واجب لابد منه مع أنه ذكر بنفسه عن ابن بركة وعن صاحب الايضاح وعن الإمام القطب أنهم كانوا يرجحون عدم عدم وجوب تخليل اللحية لأن الإنسان مطالب بأن يغسل ما واجه به،وتنما يواجه بوجهه لا بما كان داخل شعره، ولكن العلامة أبا مسلم قال: إن الوضوء ليس أقل من الغسل- فكما يجب استيعاب العضو داخله وخارجه في الغسل كذلك يجب في الوضوء فاذا كان استيعاب البدن كله لازما في الغسل، فلا أقل من أن يستوعب العضو الذي تجب توضئته في الوضوء، واستدل على ذلك النبي- صلى الله عليه وسلم- أمر النساء بأن يخللت ضفائرهن في الغسل من الحيض وأن يغمرن قرونهن في الغسل من الجنابة من أجل أن يصل الماء إلى أصول الشعر وقد قال- عليه أفضل الصلاة والسلام-:" إن تحت كل شعرة يغطي جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشر" فاذا من الضروري في الوضوء عندما يكون الشعر مغطي جانبا من الوجه الذي أمر بتوضئته أن يخلل ذلك الشعر حتى يصل الماء إلى أصوله.

هناك مسألة أخرى وقع فيها الخلاف بين المذاهب الإسلامية من قديم وهي مسألة المني وطهارته أو نجاسته، فالشافعية والحنابلة يقولون بأن المني نجس لأنه يخرج من المخرج الذي تخرج منه النجاسات ، فإذا لابد من أن يكون حكمه حكم الخارج من هذا المخرج ، والإماما الشافعي أشبع هذه المسألة بحثا في كتابه " الأم" وانتصر به لمذهبه.

والعلامة أبو مسلم في كتابه" نثار الجوهر" يجمع أشتات المسائل من المؤلفات القديمة والحديثة في مختلف المذاهب الاسلامية ويناقش هذه المسائل مناقشة دقيقة وقد نقل كلام الإمام الشافعي بنصه وفصه في كتاب" نثار الجوهر" أي نقل النصوص التي أوردها الإمام الشافعي في كتابه" الأم" بحذافيرها، ثم أتبع ذلك مناقشة علمية دقيقة وخلاصة الأمر أن الإمام الشافعي يقول: بأن حكم المني يختلف عن حكم ما خرج من السبيلين فللمني حكم خاص ويستدل لذلك بأدلة عقلية ونقلية.

فمن الأدلة النقلية التي استدل بها ما جاء عن أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- إنها قالت: " كنت أفرك ثوب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الجنابة" وتعرض الإمام الشافعي لرواية سليمان بن يسار لهذا الحديث, إذ روى عن عائشة " كنت أغسل ثوب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الجنابة ويخرج إلى الصلاة وأن بقع الماء في ثوبه" وقال: لا نعلم أن سليمان ابن يسار روى حرفا عن عائشة, وإنما هو وهم من الراوي عنه, عمرو بن ميمون.

وهذا الكلام الذي ذكره الإمام الشافعي في رواية سليمان بن يسار تبعه عليه البزار, كما ذكر ذلك الحافظ بن حجر في فتح الباري ولكن الحافظ بن حجر بعد ما ذكر نصوص الرواية, رواية سليمان بن يسار عن عائشة – رضي الله عنها- في الصحيحين قال: بأ، هذا وهم, ولم يهم البزار وحده بل قال هذا القول من تقدموه ومن بينهم الإمام الشافعي في كتابه "الأم".

واستدل أيضا على ذلك بما أخرجه هو عن أبن عباس- رضي الله عنهما- أنه ذكر بأن المني أن كان يابسا يحت وإن كان رطبا فيماط عن الثوب.

واستدل أيضا برواية تشبه هذه الرواية عن سعد بن أبي وقاص.

أما من الناحية العقلية فإنه استدل لذلك بأن الله- تبارك وتعالى- خلق أصل الإنسان من ماء وطين, والماء والطين طهوران جعلهما- تبارك وتعالى- طهورين, فلا يعقل أن يكون خلقه لسلالة هذا الإنسان فيما بعد من غير شيء طاهر, واحتج لذلك أيضا بكرامة الإنسان على الله- تبارك وتعالى- لأنه أكرم من أن يخلق هذا الإنسان الذي شرفه بالخلافة في هذه الأرض وبالسيادة في هذا الكون, وجعله مؤتمنا على دينه وجعله قائما بأمره- سبحانه وتعالى- من مادة نجسة, هذه هي خلاصة ما استدل به الإمام الشافعي.

وقد أطال العلامة أبو مسلم في مناقشة هذا الكلام واستدل أو ما استدل بنجاسة المني في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " المني والوذي ودم الحيضة ودم الاستحاضة نجس" فهذا النص صريح في نجاسة المني.

كما استدل ذلك برواية سليمان بن يسار التي في الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها- إنها قال: " كنت أغسل ثوب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الجنابة, ويخرج إلى الصلاة وان بقع الماء في ثوبه".

وقال بأن رواية الفرك لا تنافي رواية الغسل لأنها كانت تستعين على ازالة هذه النجاسة, بالفرك أولا عندما يكون المني يابسا في الثوب فإنها تحته أي تفرك الثوب حتى يزول أثر المني ثم تتبع ذلك الغسل بالماء.

وقال: إن ما قاله الإمام الشافعي من أن سليمان بن يسار لم يرو حرفا عن عائشة- رضي الله عنها- أمر غريب لأن ابن يسار كان من أكابر التابعين, وقد كان بالمدينة المنورة وقد صرح بالسماع عن عائشة فهو تارة يقول (سألت عائشة, وتارة يقول ( سمعت عائشة), فهو إذا روى رواية متصلة من غير سقط, على أن هذه الرواية كانت رواية مرسلة, فإن المرسل عندما يعتضد بدليل آخر يعول عليه عند الإمام الشافعيو ولذلك عول مسانيد سعيد بن المسيب.

وتحدث عما رواه الإمام الشافعي عن ابن عباس من أنه قال: بأن المني يماط, وقال: إنما هو بمثابة المخاط النخامة, وبأن هذه الاماطة إنما هي وسيلة إلى التطهير كما يقول الاستجمار وسيلة إلى التطهير بالماء فيما بعد, وليست مشروعية الاستجمار قبل الماء إلا لأجل هذه العلة والتشبيه بالمخاط والنخامة لما ينتظم هذه الأشياء المشبه بعضها ببعض من التلبد, فإن المخاط والمني شبيهان بالتلبد وكذلك النخامة بالجملة.

وقد أشبع أبو مسلم هذه المسألة بحثا واستدل لذلك أيضا بالأثر الذي أخرجه الإمام مالك بالموطأ عن عمرا بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه ذهب إلى الجرف, وقد صلى الصبح وإن قد احتلم ولم يشعر وصلى ولم يغتسل, فلما رأى ذلك الاحتلام هناك غسل ثوبه ونام أي غسل ما رأى أثر المني عليه, ونضح ما لم ير عليه أثر المني.

كما استدل أيضا لرجحان رأيه بالأثر الذي أخرجه مالك أيضا في الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حافظ أنه صحب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى العمرة فاحتلم ولم يكن على ماء فركب حتى وصل إلى الماء, وبقي وقتا يغسل ثوبه حتى أسفر وناداه عمرو بن العاص: لقد أصبحت ومعنا ثياب, فقال له: عجبا منك يا أبن العاص: إن كنت أجد ثيابا, أكل الناس تجد ثيابا؟ لو فعلت هذا كانت سنة ولكن أغسل ما رأيت وأنضح على ما لم أره, إلى غير ذلك من الأدلة.

ثم تحدث عن مبدأ خلق الإنسان من هذه النطفة فقال: إن الله- تبارك وتعالى- وصف هذه النطفة التي خلق منها الإنسان بأنها ماء مهين, ووصفها بأنها نطفة أمشاج وذلك أبلغ في الدلالة على حقارتها, وذلك أبلغ في الدلالة على قدرة الله- تبارك وتعالى-.

وأيضا فإن الإنسان ينطوي على كثير من الأشياء التي هي أنجاس فدمه نجس وفضلاته نجسهو كذلك أيضا أن كانت نطقه الرجل طاهرة, فلم بقل أحد في نطقه المرأة بطهارتها, على أن مرقد الانام في الرحم عندما ينشأ, والرحم مشتمل على النجاسة ولكن الله- تبارك وتعالى- شرفه بما آتاه من فضل وبما نفخ فيه من روح.

وتعرض العلامة أبو مسلم لكثير من القضايا فأشبعها بحثا في كتابه " نثار الجوهر" ومن بين هذه القضايا التي ناقش فيها العلماء قضية التفرقة بين الضاد والظاء (الظاء المستطيلة والضاء المشالة) فإن الإمام الفخر في تفسيره قال: لا يجب أن يفرق بينهما القارئ وأن لم يفرق بينهما في صلاة لما كان عليه في صلاته بأس, ولقد تشدد أبو مسلم اجاه هذا الأمر وقال: با، الضاد وأن كانت تجتمع مع الظاء في مجموع من الصفات منها الجهر والاطباق والرهو والجرسية, ولكن بجانب ذلك أيضا تختلف الضاد عن الظاء في المخرج, فالضاد من الحروف الشجرية والظاء من الحروف اللثوية كما إنها تختلف عنها بكون الظاء مستطيلة والضاد ليست من حروف الاستطالة.

ويجب على الإنسان أن يقرأ القرآن كما أنزل من غير أن يبدل حرفا بحرف, ثم بجانب ذلك ذكر أيضا كلاما لإمام السالمي من أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يعلم أصحابه القرآن كان يعلمهم النطق بهدذه الحروف, والشعوب التي دخلت الإسلام تلقت النطق بهذه الحروف كما هي, وذلك داخل في تعريف القرآن.

وقال: بأن هذا الرد غير مسلم به نظرا لأن العرب كانوا أقحاحا يتحدثون بالعربية بسليقتهم وبفطرتهم, ولم يكونوا بحاجة إلى أن يعرفوا الصفات الفارقة ما بين هذه الحروف.

ومعظم الصحابة- رضوان الله عليهم- كانوا من العرب فإذا كانوا عندما يتلقون القرآن عن الرسول-صلى الله عليه وسلم- كانوا يقرأونه بسيليقتهم العربية, والشعوب التي كانت تتعلم على أيدي العرب, بعدما دخلوا في الإسلام كانوا يلقنونهم النطق بهذه الحروف ولئن كانوا يلقنونهم التفرقة ما بين بقية الحروف الأخرى التي هي متقاربة في المخرج- فكيف لا يلقنونهم التفرقة ما بين الضاد والظاء فاشبع هذه المسألة بحثا.

أيضا مسألة ترجمة القرآن الكريم, وقراءة القرآن الكريم باللغة الفارسية أشبعها بحثا وناقش كلام الحنفية, وذكر أن القرآن الكريم لا يمكن أن تفي به لغة, فلغته الخاصة- هي التي أنزل الله- تبارك وتعالى- بها, ولا يمكن أن يكون أي كلام آخر بأي لغة أخرى يسد مسد القرآن الكريم, فلو حاول الإنسان أن يستخلص المعاني من الفاتحة الشريفة, ويقرأ قراءة غير هذه الآيات التي أنزلها الله مع الاستيعاب لتلك المعاني لا يمكن أن يقال بأنه قرأ, ولو قرأها بعربية فصيحة فكيف أن انتقل من العربية إلى لغة آخرى, على أن الله- تبارك وتعالى- بين أنه حكم عربي, وأنه- سبحانه- جعله قرآنا عربيا وأنزله قرأنا عربيا فإنه لا يعدل عن العربية إلى أي لغة أخرى, وقد استفاض بالحتجاج بهذه المسألة.

كذلك مسائل أخرى متعددة, لا يمكننا الآن مع ضيق الوقت أن نستوعبها, فأبو مسلم كما كان في أدبه رجلا عالميا هو أيضا في علمه وفقهه خاصة رجل عالمي فإنه يجمع في فقهه ومناقشاته الفقهية ما بين المذاهب الإسلامية المختلفة ويعتمد على مراجع المذاهب المتعددة فهو ينقل عن كتاب الأم للإمام الشافعي والموطأ للإمام مالك, ويروي عن الأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وعن شروحها, كما يروي عن كتب الرجال والنقد, ويروي عن كتب التفسير وغيرها, فكتابه موسوعة علمية, ولو أن الله- تبارك وتعالى- هيأ له أن يتم هذا الكتاب فأنسأ له في عمره لكان هذا الكتاب موسوعة فقهية في المذاهب الإسلامية المتعددة.

نسأل الله- سبحانه- أن يتغمده برحمته وأن يمن عليه بالفوز والسعادة في دار النعيم كما أسأله- سبحانه وتعالى- أن يهدينا سواء السبيل, وأن يبارك لنا في حياتنا وأن يعلمنا ما لم نعلم, وأن يفهمنا ما لم نفهم وأن يهدينا إلى الطريق الأقوم أنه- تعالى- على كل شيء قدير, وهو بالإجابة جدير, إنه نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين.

وفي الختام أشكر وزارة الثراث القومي والثقافة على هذه الفرصة التي أتاحتها لي وعلى رأسها سمو السيد فيصل بن علي بن فيصل آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة, كما أشكر القائمين على المنتدى على اتاحة هذه الفرصة وأشكركم جميعا على اصغائكم وحضوركم.

وأسأل الله- تبارك وتعالى- أن يجمعنا مرات ومرات تحت لواء العلم والأدب إنه على كل شيء قدير, وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى صحبه أجمعين.



--------------------------------------------------------------------------------

(1) تكتب على نحو آخر (على م)

(1) عظة: نسخة قديمة للديوان ص 39 (المنظومات الأربع).

(1) (انفسنا) ص 348 ديوان أبي مسلم شاعر زمانه وفريد اوانه.

(1) المرجع نفسه ص 351 (الدوا).

(2) نفس المرجع ص 352.

(3) ديوان أبو مسلم شاعر زمانه وفريد أوانه ص 17 ورد الشطر" وهبية الله وسورة الهدى".

(1) (لما) ديوان ابي مسلم ( مرجع سابق) صـ 355.

(1) ديوان الشاعر ص 316.

ورد المنى
21-05-2003, 08:48 AM
الشيخ أبو زيد الريامي فقيهاً






محاضرة ألقاها سماحة الشيخ: أحمد بن حمد الخليلي -حفظه الله -
بنادي بُهلا الرياضي







الأربعاء 26 من شهر رجــب لسنة 1418 للهجرة

الموافق 26 من شهر نوفمبر لسنة 1997 للميلاد








الحمد لله الذي يختص من يشاء من عباده بما يشاء من إمداده، سبحانه له الحمد ومنه المِنَّة، وله الشكر لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، )يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وما يذكر إلا أُولوا الألباب)([1](، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم تسليما عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فالسلام عليكم أيها المشايخ الكرام، والأخوة الأعزة والأبناء الفضلاء، ورحمة الله وبركاته أُحَيِّيكم بهذه التحية الطيبة المباركة في هذه الليلة المباركة، ونحن نجتمع هنا في ظلال العلم لأجل الاستفادة من ذكريات حملته الذين أنار الله سبحانه وتعالى بصائرهم، وطهر سرائرهم فكانوا مثالاً للإنسانية في الاستمساك بحبله تعالى، والسير على نوره والاستبصار بهداه.

ولا ريب أن سيرة شيخنا العلامة الجليل، القانت الأواب الزاهد المتواضع أبي زيد - رحمه الله- سيرة تعد نادرة من نوعها، فإنه رحمه الله جمع بين العلم و العمل والإخلاص والمثابرة، فلذلك كان فضلاء عصره يعترفون بِقَدَره، ويدركون منـزلته ويُبَوِّئونه)[2]( مكانته التي يستحقها، ولا أدل على ذلك من كلمات نقلت إليّ عن الإمام محمد بن عبدالله الخليلي)[3]( –رحمه الله- أنه قال في العلامة أبي زيد –رحمه الله- بأنه(من رجال عمر، ولكن الله أكرمنا به).

وإذا جئنا من الناحية العلمية فلا ريب أن العلامة أبا زيد -رحمه الله- كان من علماء عصره، كان من المثابرين إلى العلم فهو من الذين هاجروا في طلبه، فقد هاجر إلى عَلاَّمة عصره في مصره الإمام نور الدين السالمي)[4]( -رحمه الله- من أجل الارتواء من معينه الفيَّاض، وانقطع إليه سنين يتزود العلم وكان على قدَر عال من الاجتهاد، كما تدل على ذلك القصة التي حكيت لي عن أحد تلاميذ الإمام السالمي -رحمه الله- وهو العلامة أبو الوليد)[5]( فإنه قال:(كنت أعجب من اثنين من تلاميذ الإمام السالمي -رحمه الله- وهما الإمام سالم بن راشد الخروصي)[6](، والعلامة أبو زيد -رحمهما الله تعالى- فإنني كنت كلما فتحت عيني في الليل المظلم الساجي، لم أجد الإمام إلا مصليا، ولم أجد أبا زيد إلا كاتبا فتعجبت متى ينامان).

أما الإمام سالم بن راشد -رحمه الله- فكان له هَمٌّ كبير في النُّسك والعبادة، ولذلك كان زميله يتحدث عنه بذلك أنه كلما فتح عينه في الليل الداجي لم يجده إلا مصليا والعلامة أبو زيد -رحمه الله- كانت عبادته بجانب نُسُكِه وبجانب قيامه للتهجد في الليل، تتمثل أيضا في خدمة العلم فكان يقضي ليله في الكتابة.

هذا يدل على مدى اجتهاد الشيخ -رحمه الله- في تحصيل العلم، ولا ريب أننا عندما نأتي إلى آثاره العلمية قد نجد بعض الصعوبة في استبانة مكانته العلمية، بسبب رُكُونِه دائما إلى الاختصار، عندما يجيب وذلك لأسباب تعلمونها، فهو من ناحية كان مشغولا بالأشغال الكثيرة كان يحمل على رأسه عبء الأمة، ومن ناحية أخرى كان أيضا يخاطب عوام الناس ولا يريد أن يُبَلبِلَ)[7]( أفكارهم، بذكر الأقوال الكثيرة وتأصيل الأحكام وذكر الشواهد والأدلة، إلى غير ذلك مما يتوسع فيه المتوسعون في البحوث العلمية، على أننا قبل كل شيء ندرك مدى منـزلة الشيخ في العلم، من حيث عمله فإن العمل مقياس للعلم ذلك لأن العلم بلا عمل لا قيمة له.

والله سبحانه وتعالى ضرب مثلا في بني إسرائيل عندما حُمِّلوا التوراة فلم يحملوها، أي عندما كانوا معتنين فقط بحفظها، من غير أن يهتموا بتطبيقها فقال فيهم: ]مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مَثَلُ القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين)[[8](.

وقد حُكي عن بعض أصحاب رسول الله r أنه قال:(قبض تسعة أعشار العلم بموت عمر -رضي الله تعالى عنه-) مع أن عمر- رضي الله تعالى عنه- لم يكن من المكثرين فيما بين الصحابة رضوان الله عليهم في الإدلاء برأيه في القضايا العلمية، فهناك من الصحابة-رضي الله تعالى عنهم- من كان أكثر بكثير في الإدلاء بالآراء في المسائل الفقهية من عمر وكان هنالك من الصحابة أيضا من كان أكثر في الرواية عن عمر بكثير، ولكن مع ذلك كان التطبيق الدقيق للفقه الدقيق الذي يُبصِّر الإنسان بالمنهج السليم من قِبَل عمر t دليلا على علمه لأنه موصول بربه سبحانه وتعالى، وخير العلم ما وصل صاحبه بالله.

أما من حيث البحث والنظر في المسائل التي كان يتناولها العلامة أبو زيد -رحمه الله- بالإجابة فإن ما يتبين لنا أنه كان دائما يميل إلى القول الراجح، ويترك الأقوال الأخرى، ويترك عَرضَ الأدلة ومناقشتها، وبيان انبناء القول على الدليل أو بناء الفرع على الأصل لأن ذلك أمرٌ كما قلنا، لا تحتمله مدارك عوام الناس الذين يخاطبهم.

وقد كانت الأسئلة توجه إليه كثيرا من قِبَلِهِم فكانت إجاباته مبسَّطة، ولكن الناظر في تلك الإجابات يدرك أن الرجل كان على قَدَرٍ عالٍ من الفهم، وذلك هو الفِقه فإن الفقه كما هو معلوم عندكم من حيث اللغة هو:(فهم ما فيه غموض)، ومن حيث الاصطلاح هو كما قال الكثير من أهل العلم:(علم النفس ما لها وما عليها فعلا وتركا).

من أمثلة ذلك أنه -رحمه الله- سُئل عن الذي يصلي صلاة الظهر مثلا، ولكن عندما يأتي لِيَعقِد النية بلسانه، كما هي عادة الكثير من الناس ذَكَرَ العصر بدلا من الظهر أو العكس، كما سُئل في موضع آخر عَن من يصلي صلاة الفرض، ولكن عندما جاء ليعقد النية بلسانه ذكر النفل بدلاً من الفرض، أو العكس فهل تكون صلاته في الحالين صحيحة أو لا؟

فكان جوابه أن العبرة بالنية، وبما أنه ناوٍ أن يصلي الظهر أو يصلي العصر أو يصلي الفرض أو يصلي النفل فخطأُ لسانه ليس محسوبا عليه وإنما العبرة بما في قرارة نفسه لهذا يتبين لنا أن الرجل كان على معرفة بالنية المطلوبة. ولا ريب أن النية المطلوبة هي ما يستقر في قرارة النفس، إذ النية هي إخلاص العمل لله وذلك هو المَعنِي لقوله تبارك تعالى : ]وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)[[9]( وهو المقصود بقول رسول الله r وقد استدل هو بهذا الحديث )إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)([10](.

ومن المعلوم عند أصحاب العلم والمعرفة، أنَّ رسول الله r وصحابته -رضي الله تعالى عنهم - والتابعين درجوا على العمل بالنية القلبية وحدها من غير أن يكونوا يتحدثون بألسنتهم، أي من غير أن يترجموا هذه النية القلبية إلى قول لساني… فما كان أحدهم عندما يقوم ليصلي صلاة الظهر مثلا يقول:(أصلي لله أربع ركعات فريضة الظهر مؤدياً للفرض الذي عليّ) أو نحو ذلك وإنما كانوا يستحضرون النية في قرارة نفوسهم ويعوِّلون على ذلك وهذا لأن النية هي الإخلاص، والإخلاص كما قلنا سِرٌ بين العبد فالإخلاص كما جاء في بعض الروايات هو سِر بين العبد وربه لا يَطَّلع عليه مَلَك فيكتبه ولا شيطان فيفسده.

ولو كان الإخلاص مجرد أن يقول الإنسان(نويت أن أفعل كذا) أو(قصدت بعملي هذا وجه الله) أو نحو هذه الكلمات، لكان الأمر هَيِّنا ولما كابد الناس ما يكابدون من أجل أن يتصفوا بالإخلاص، ذلك لأن الإخلاص هو ضد الرياء فمن أراد الإخلاص لابد له من أن يكابد رغبة نفسه، حتى لا يريد أن يَطِّلع غيره على عمله على أن قول النبي r: )وإنما لكل امرئ ما نوى( لو كان يعني أن الإنسان مجزيٌ بأقواله الخيرية فحسب ولو لم يعمل بمقتضاها، لكان الإنسان الذي يقول بلسانه ولو لم يقصد بقلبه(أريد أن أفعل كذا) أو(أنوي أن أفعل كذا) أو في قرارة نفسه(أن أفعل كذا) مجزيا بذلك العمل، ولكن أنَّى له ذلك حتى تكون الحقيقة الكامنة في نفسه، التي يطلع الله تبارك وتعالى عليها وحده متفقة مع هذا الذي يدَّعيه، ومما يدل على ذلك أن الرسول r يقول في ذلك الحديث: )فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه( فهذا الذي يهاجر إلى الله ورسوله ليس هو الشخص الذي يقول دائماً بلسانه إنني مهاجرٌ إلى الله ورسوله، فإنه لا عبرة بنطق اللسان مع كون الواقع النفسي مخالفا له، وكذلك الذي هجرته إلى )الدنيا ليصيبها( أو إلى )المرأة ليتزوجها( ليس هو الذي يقول(بأنني أهاجر من أجل أن أتزوج فلانة)، أو(من أجل أن أنال من الدنيا كذا).

فلربما كان الشخص الذي يقصد هذا المقصد يطوي قصده في قرارة نفسه من غير أن يعرب عنه بلسانه بحال من الأحوال، وإنما يبدي للناس خلاف ما تنطوي عليه نفسه.

ومع هذا كُلِّه فإنه ربما وجد الناس بعدما دخلت الجموع الكثيرة في الإسلام، وجدوا هذه الجموع بحاجة إلى أن تُعبَّرَ لها النية التي تنويها حتى يكون هذا التعبير اللساني أو هذه التَّرجَمة اللسانية عونا لها ووسيلة إلى استحضار معاني هذه الكلمات، التي هي في حقيقتها النية الصحيحة عندما ترسخ في النفس، ولذلك أوجب بعض العلماء هذه الكلمات التي تترجم النية من أجل عون العوام الضعفاء على استحضار النية)[11]( ولكن مع مرور الزمن انقلبت المقاييس، فأصبحت الوسائلُ مقاصد وصار عوامّ الناس يجهلون هذه الحقيقة ويعتقدون أن النية هي مجرد هذه الكلمات، فلربما كان ذِهنُ الإنسان عازباً ويُتَمتم بلسانه ما يُتمتم ويعتقد أنه بمجرد تلك التمتمة، استحضر النية وينكر على ما لا يأتي بهذه الكلمات، على أن الناس بالغوا في مجتمعاتنا مبالغة عظيمة، وفي مجتمعات أخرى حتى وصل بهم الأمر إلى أن استعملوا بعض الطقوس التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد نَبَّهْنا على ذلك أكثر من مرة، فمن ذلك أنهم يعتقدون أن المرأة المُعتَدة التي تعتد عدة الوفاة لزوجها لا تتم عدتها إلا عندما يدخل عليها رجل، ويُقرئها هذه الألفاظ فهي إن لم تستعمل هذه الألفاظ تعتبر عدّتها غير صحيحة وإن استعملتها بقراءتها بنفسها من غير أن يُقرئها إياها رجل فعدّتها أيضا غير صحيحة، وعندما تقرئها إياها امرأة فعدّتها غير صحيحة، وهذا من تشريع ما لم يأذن به الله، والله تبارك وتعالى يحذّر من ذلك إذ يقول: ]أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)[[12](.

فالواجب إذاً أن نعي مثل هذه الكلمات عندما تصدر من أمثال هؤلاء العلماء، عندما يقول العلامة أبو زيد-رحمه الله- (إنما العبرة بالنية))[13]( فالنية التي يعنيها هي ما في قرارة النفس، فبها الاعتبار وعلينا أن ندرك أن مع تحول الوسائل إلى مقاصد أو إلى غايات، واختفاء الغايات من أجل طغيان الوسائل عليها؛ علينا أن نترك هذه الوسائل جانبا وأن نحرص على الغاية وحدها على أن في ذلك استمساكا لما كان عليه رسول الله r وبما كان عليه صحابته –رضي الله تعالى عنهم- فهم خير القرون.

ومن أمثلة ذلك أيضاً أن العلامة أبا زيد –رحمه الله- سُئل عن الذي يحرم امرأته فأجاب بأن: (عليه كفارة يمين))[14]( وهي المنصوص عليها في كتاب الله في قوله سبحانه وتعالى: )فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام( ومن المعلوم أن هذه المسألة اختلف العلماء اختلافاً كبيراً، فاصطدمت فيه آراء بعضهم البعض، فمنهم من يقول: (بأن التحريم يؤدي إلى طلاق المرأة طلاقاً بائناً بينونة كبرى)، بحيث تكون مطلقة بالثلاث، ومنهم من يقول: (بأنه يؤدي إلى أن تكون المرأة بائنة بينونة صغرى بحيث لا تحل له رجعتها إلا بعقد جديد ولو لم تنكح زوجاً غيره)، بخلاف القول السابق، ومنهم من يقول: (بأنها تخرج بذلك بطلقة واحدة فيكون طلاقها رجعياً)، ومنهم من يقول: (بأن هذا ظهار)، ومنهم من يقول: (بأن هذا إيلاء) ومنهم ومنهم…

الأقوال في ذلك كثيرة حتى أن الإمام القطب)[15]( –رحمه الله- ذكر في ذلك ستة)[16]) أقوال في شرح النيل، والعلامة ابن رشد)[17]( في كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) ذكر سبعة أقوال، والعلامة النووي في شرحه على صحيح مسلم ذكر أربعة عشر قولاً، والعلامة القرطبي في تفسيره في تفسير سورة التحريم ذكر ثمانية عشر)[18]( قولاً، والعلامة ابن القيم الجوزية في كتابيه زاد المعاد وكتاب أعلام الموقعين ذكر عشرين قولاً في هذه المسألة، وقد بسط الحديث فيها في أعلام الموقعين، فأفرد كل قول من هذه الأقوال العشرين بفصل مستقل، ذكر كل قول أدلته وما يرد عليه وما يجاب به، ولكن مع هذا كله فإنه كما قلنا بأن العامي الذي يتقدم بالسؤال ينبغي أن يجاب بالرأي الراجح، لأن الرأي الراجح هو الذي يمكن أن يحل مشكلته، فهو لا يدري الخلافات الكثيرة، وعندما تعرض عليه بأدلتها وتأصيلاتها، يتيه عقله في مواجهة خضم مناقشاتها، ولا يستطيع أن يخرج بحاصل، على أن القول الذي ذهب إليه العلامة أبو زيد –رحمه الله- إنما هو قول مروي عن ابن عباس –رضي الله تعالى عنهما- وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، وبجانب ذلك أيضاً أنه يعتضد بدلالة القرآن، إذ القرآن الكريم يدل عليه، وذلك أن الله تبارك وتعالى حذر أولاً من التحريم أي تحريم ما أحل سبحانه، ثم اتبع ذلك الكفارة عندما قال: )لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة(([19]) إلى آخر الآية، على أن هذا الاقتران دليل بأن للمشكلة الأولى التي ذكرت فيما سبق هذا الحل، ومما يدل على ذلك أيضاً أن الله سبحانه وتعالى عندما عاتب نبيه r على تحريم بعض الأشياء التي هي محللة، لم ينـزل فيها من الله تبارك وتعالى تحريم وقد حرمها الرسول r على نفسه جاء عقب ذلك قوله سبحانه وتعالى: )قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم(([20]) وهذا دليل على رجحان هذا الرأي، على أنه من الممكن أن يقال بأن هذا القول إنما يترجح فيما إذا لم يقصد الإنسان غرضاً آخر عندما يقوله، أما عندما يقصد الطلاق أو يقصد الظهار فله قصده في هذه الحالة، ومهما يكن من أمر فإن علينا أن نقف عند هذه النقطة لأن أمر التحريم ليس بالأمر السهل، والناس في هذه الأيام اقتحموا لجج مخاطر هذا الأمر من غير مبالاة بعواقبها، فالتحريم ليس هو من حق إنسان، وإنما هو من حق الله تبارك وتعالى، بعد التحذير من كتاب الله من اجتراء الإنسان على تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم فإن أي اجتراء من هذا القبيل يعد كفراً بواقاً)[21](، عندما يعني الإنسان أن الشيء الذي أحله الله حرمه هو، أو أن الشيء الذي حرمه الله أحله هو، فليس للإنسان أن يجترأ هذا الاجتراء، ومن اجترأ يعد مرتداً عن الإسلام، فالتحذيرات من ذلك بالغة إذ الله تبارك وتعالى يقول: )قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين( ويقول عز من قائل: )ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون( والله سبحانه وتعالى يبين كيف يكون اعتذار المشركين، وهم الذين كانوا يجترئون هذا الاجتراء يجترئون على التحريم، يقول الله تعالى: )سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء( وفي اقتران التحريم بالإشراك دليل على أنه له حكمه أيضاً، كما أننا نجد أن الله سبحانه وتعالى ينعى على المشركين في كتابه العزيز هذا الاجتراء الذي اجترأوه على الله يقول الله تعالى: )ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم الله أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين % ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ أوصاكم الله بهذا( نجد أن الله تعالى يتحدى أولئك ويأمر رسوله r بأن يتحداهم عندما يقول سبحانه: )قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم( هكذا يتحدى الله سبحانه وتعالى أولئك المشركين ويأمر رسوله r بتحديهم، فما للمسلم والوقوع في هذا الأمر بعدما جاء هذا التحذير البالغ في كتاب الله من الاجتراء على الله سبحانه وتعالى، والله U يقوك )قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون( على أن الافتراء على الله سبحانه وتعالى شرك به ورد على كل حكم من أحكامه سبحانه وتعالى يُعد من ضروب الإشراك، فمن وقع في ذلك وقع في كفر الشرك الذي يفصل الإنسان عن جسم الأمة الإسلامية ويبيح دمه وماله، والعياذ بالله تعالى.

ومما يجب التحذير البالغ منه ما يصدر من عوام الناس وجهلتهم في وقتنا هذا، بحيث لا يكاد أحدهم يطلق امرأته إلا مقرونا طلاقها بتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم، وكل منهما كفر بواق كما قلنا يفصل صاحبه من ملة الإسلام، فعندما يطلق الإنسان امرأته يعتبر أنها لا تطلق حتى يقول لها (حرمتك عليّ وأحللتك لأي رجل آخر)، من هو حتى يحلل ويحرم؟ وبأي سلطان يحلل ويحرم؟ إنَّ التحليل والتحريم بيد الله سبحانه وتعالى، والمخلوق عليه أن يقف مع حدود الله وكيف يحرمها على نفسه مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: ]وبعولتهن أحق بردهن في ذلك)[[22]( هذا إن كان الطلاق رجعيا، أما إن كان الطلاق بائنا فإنه ليس هو المُحَرِّم وإنما الله تبارك وتعالى حرمها، وماله والتحريم، وأما قوله أحللتك لغيري فكيف تحل لغيره، وهي لم تتربص التربص الشرعي بعد، والله تعالى يقول: ]والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر…)[[23](.

كذلك مما وجدنا أن العلامة أبا زيد -رحمه الله- اقتصر فيه على القول الراجح أنه سُئل فيما سُئل عنه فيما إذا ماتت المرأة بموته، أي التي اعتدَّت على زوجها عدة الوفاة هل تطيب أم لا تطيب؟

فأجاب بأنها(تطيب وأن حكم الممات يختلف عن حكم الحياة))[24]( وفي المسألة قولان قيل تطيب كما ذهب هو، وقيل لا تطيب، هؤلاء الذين قالوا: لا تطيب، قاسوا المعتدة على المحُرِم، مع أن هذا القياس إنما هو قياس مع الفارق فهو قياس غير صحيح، ذلك لأن العلة في منع المحرم من الطيب عندما يموت، هي أنه يبعث مُلَبِّيا، كما جاء في الحديث: )يبعث بإحرامه ملبيا لله تبارك وتعالى)([25]( وتكون تلبيته شاهدا على أنه كان على إحرام، والطِّيب مما يتنافى مع الإحرام، فيطلب أن يسترسل في إحرامه وهذه كانت معتدة والعِدَّة ذهبت وكانت في حِدَاد والحِدَاد انتهى، فهي لا تُبعث مُحِدة وإنما تبعث عروسا إن كانت تقية ووفية قائمة بأمر الله سبحانه وتعالى، فلا داعي إلى أن تمنع من الطيب بعد وفاتها، ومع وجود هذا الفارق ما بين هاتين المسألتين، لا يصح قياس إحداهما على الأخرى وبهذا يتبين أن القول الذي ذهب إليه العلامة أبو زيد -رحمه الله- وأفتى به هو القول الراجح.

كذلك سُئل عن من جاء إلى المسجد فوجد الجماعة قائمة تصلي وهو مسافر والإمام مقيم، فهو يقصر الصلاة والإمام يتمها، وقد جاوز الإمام الركعتين الأوليين هل يدخل مع الإمام أو لا يدخل؟

فأجاب بأنه يدخل مع الإمام)[26](، وهذا أيضا هو القول الراجح، بل رجحه من علماء المذهب الإمامان قطب الأئمة ونور الدين السالمي –رحمهما الله تعالى- وكفى بهما مُرجِّحا وهو الذي يدل عليه حديث رسول الله r عندما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: )إذا جئت والناس يصلون فصل معهم )([27]( ويقول: )ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)([28]( وفي رواية: )وما فاتكم فاقضوا( فإن قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: )إذا جئت( عام لم يُخَصَّص فإن )إذا( من أدوات العموم، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام أيضا:(ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا( أو )ما فاتكم فأتموا( كما في الرواية الأخرى هو أيضا عام لأن )ما( من أدوات العُموم ولم يأت ما يخصص هذا العموم، على أنَّ المصلي عندما يدخل مع الإمام في صلاته تكون صلاته مرتبطة بصلاة الإمام، وبسبب هذا الارتباط وجب عليه أن يتابع الإمام في هذه الصلاة وبوجوب متابعة الإمام فإنه يصلي أربعا إن كان الإمام مقيما وكان هو مسافرا لم تكن هذه التبعية إلا بسبب هذا الارتباط فإذن هو دخل على إمام مقيم، والإمام المقيم لا يزال بعد في صلاته فهو لم يتجاوز الصلاة التي فرضها الله تبارك وتعالى عليه، لذلك كان عليه أن يدخل معه ويُتِّم الصلاة، ولو كان الإمام جاوز الركعتين الأوليين.

من الأسئلة التي وُجِّهَت إليه فأجاب فيها بالقول الراجح وترك بقية الأقوال معرضا عنها، أنه سئل عن: بيع المتاع الذي يشتريه الإنسان قبل أن يقبضه؟

فأجاب بالمنع من ذلك، واستدل بالحديث حديث النهي عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يُضمَن)[29](، وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك)[30]( والمسألة فيها أقوال كثيرة)[31](، فقد بلغت الأقوال فيها ثلاثة عشر قولاً، منهم من أباح ذلك مطلقا في غير الطعام، ومنهم من أباحه إلا في العُروض، ومنهم من أباحه إلا في المَكِيل، ومنهم من أباحه إلا في الموزون، ومنهم من أباحه إلا في المكيل والموزون، إلى غير ذلك من الآراء و لكنَّ هذا الرأي الذي ذهب إليه هو الذي يتفق أولاً مع الرواية وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ]وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)[[32]( وأيضا هو الذي يتفق مع روح الشريعة الغَرَّاء ولا ريب أن علم مقاصد الشريعة، علم جليل فإن الإنسان كثيرا ما يتمكن من ترجيح رأي على رأي عندما يجد أحد الرأيين أو أحد الآراء متفقا مع مقاصد الشريعة أو أكثر انسجاما مع هذه المقاصد دون بقية الآراء، وهذا الرأي الذي يتفق مع مقاصد الشريعة كيف؟ والشريعة الإسلامية جاءت لسد ذرائع الفساد على اختلاف أنواعها، وليس هنالك فساد في المعاملات أشد من فساد المعاملات الرِّبَوية فلذلك شَدَّد الإسلام في الربا تشديدا بالغا لا مثيل له، والربا يكون ببيع النقد بالنقد مع النسيئة هذا هو المعبر عنه بربا النسيئة وهو المُجمع على تحريمه بغير خلاف، فهذا الذي اشترى متاعا بثمن معين ثم بعد ذلك يبيع هذا المتاع من قبل أن يقبضه هو لم يزد على أن دفع نقدا واستوفى نقدا لم يَحُز المتاع إليه وبسبب كونه باع نقدا واستوفى نقدا، كان مُشبِها للمرابي فإنه أراد أن يأخذ نقدا أكثر في مقابل نقد أقل مع تفاوت في الزمن بين أخذه وعطائه، وقد أشار إلى هذه الحكمة البالغة حَبر الأمة وتَرجُمان القرآن ابن عباس -رضي الله عنهما- وقال: بأن الحرمة إنما هي من أجل ذلك فإذن في هذا كله مراعاة لهذا الجانب.

وهناك الكثير الكثير من المسائل التي أجاب فيها بالرأي الذي توجه إليه عقله واختارته نفسه، يتبين من خلالها أنه كان يميل إلى الرأي الأرجح ويأخذ بالقول الأقوى، ويأخذ بما يتفق مع الدليل وبما يتفق مع مقاصد الشريعة الغراء، ثم إنه لا ريب كان من الناحية التطبيقية آية في الفقه، كما قلنا من قبل، فهو كان يحرص دائما على الخير يحرص على البر، كان يواسي الفقراء والمساكين ويقف بجانب الضعفاء المحتاجين ويحمل الكَّل، ويُعين على نوائب الدهر، آخذاً في ذلك بإرشادات الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وإرشادات القرآن كتاب الله تبارك وتعالى قبل كل شيء.

وكما سمعتم من البحث القَيِّم الذي أفاض فيه الباحث في بيان أوصاف الشيخ -رحمه الله تعالى- أنه كان يهتم اهتماما بالغا بمكافحة البطالة، والاشتغال بما يعود بالمصلحة على الكُّل، فكان حتى المساجين يدفع بهم إلى العمل، كان صاحب كل مهنة عندما يسجن يُمكِّنه من ممارسة مهنته وهو في السجن، كما أنه أيضا كان عندما يجد أحدا محتاجا يعينه على دفع خَصَاصَتِه بأن يسهل له القرض الحسن ليشتري دابة يشتغل بها أو ليشتري آلة يعمل بها حتى يعمل كل أحد في مجاله ويكون هنالك تسابق وتنافس بين الناس في هذا المضمار، في مضمار العمل، واعتنى هو نفسه عناية بالغة بالعمل لا لشخصه، ولكن لمصلحة الأمة فكان يُجهد نفسه في العمل، يحرص على بيت مال المسلمين حرصا لا مثيل له، كان عندما يبصر نخلة صغيرة بدأ فيها الطلع يهتم بتأبيرها من أول الأمر، وعندما ينساها العمال يكتب إليهم أو إلى من يقوم بهذا العمل من الناس رسالة خاصة يبعث العُمَّال إلى تأبيرها، وكذلك عندما يمر بشجرة ليمون وقد بقيت فيها آحاد من الثمر ينبه على ذلك القائمين بهذا الأمر ويكتب إليهم وله في ذلك رسائل إلى عماله، ربما لا تزال محفوظة إلى الآن.

وكل ما يعود بالمصلحة على المسلمين كان يهتم به كما اهتم بالغِراس اهتماما بالغا فقد عُني بذلك عناية فائقة وهو في ذلك يعمل بحديث رسول الله r عندما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: )ما من أحد يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو آدمي أو دابة إلا كانت له به صدقة)([33]( وهذا مما يعمله أهل هذا البلد كيف عني في غرس مال المسلمين عناية بالغة فائقة لا مثيل لها واهتم بالأوقاف اهتماما بالغا لا مثيل له وبما أننا ذكرنا الأوقاف فإن هذه الأوقاف وهذا بيت المال كل منهما يعد من الصدقة الجارية، التي يكتب الله سبحانه وتعالى لصاحبها الخير إلى يوم يلقاه فهذا مما ينتفع به العبد بعد موته، كما يدل حديث رسول الله r:)إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له)([34] والشيخ -رحمه الله- له صدقات جارية، فقد عُنِيَ ببيت مال المسلمين وعني بالأوقاف الخيرية وان لم يكن هو واقفها إلا أنه عني بإحيائها عناية بالغة ولذلك فإن الاحتفال بذكراه وتدارس مآثره -رحمه الله تعالى- مما يَحفِزُ الهمة إلى سلوك هذا المسلك والعناية بهذا الجانب، ونحن نرى أن السابقين كانوا ذوي عناية بالغة بالأوقاف الخيرية، ففي هذا البلد مثلا لكل وجه من وجوه الأوقاف الخيرية نصيب لأهلها السابقين، حتى أنني اطلعت على صك وقفية في القرن السابع الهجري، وقفية لمال وُقف في هذا البلد لتحمل ثمرته من هنا إلى مكة المكرمة من أجل تفطير الصائمين بالمسجد الحرام، وهذا ما يدل على عناية السلف بالأوقاف، أوقاف الخير، فضلا عن الأوقاف التي للمساجد، والأوقاف التي للمدارس، والأوقاف التي للفقراء، والأوقاف التي للصائمين، والأوقاف التي هي لأنواع سُبُلِ الخير ونحن نرى حركة الوقف توقفت مع الأسف الشديد في هذه الآونة مع أن الخصاصة التي كان يكابدها السلف اندفع كثير منها عن الخلف فقد حل محلها الثراء فالخَلف أولى بأن يحرصوا على الأوقاف الخيرية من أسلافهم على أن هنالك الكثير الكثير من السُّبل التي تستدعي الوقفية لها من أجل أن يستمر خيرها، من بينها أنواع التعليم تعليم القرآن الكريم وتحفيظه -تعليم القرآن التحفيظ- و تعليم الفقه وتعليم علوم الآداب، وشتى أنواع العلوم التي تعود بالخير على الأمة أين أصحاب الهمم؟ وأين أصحاب الخير؟ وأين الساعون إلى البِّر والإحسان من أجل المثابرة إلى هذه الأعمال؟ التي يتنافس فيها المتنافسون ليتسابقوا إلى رضوان الله تبارك وتعالى، وبما أننا نَتَفَيَّأُ ظِلاَلَ ذكريات الصالحين علينا أن نقتدي بهم، وأن نحرص على اتباع سيرتهم وعلى التأثر بمآثرهم حتى نحشر معهم بفضل الله تبارك وتعالى وتوفيقه.

هذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه المكتبة التي عُنِيَت بهذه العناية الفائقة والعناية بالمكتبات، لا ريب إنها عناية بمادة العلم عناية بسبب العلم، عناية بتهيئة الأجواء العلمية التي يجد فيها كل طالب علم بُغيَتَه، فالعناية بالمكتبة عناية يُؤجر عليها صاحبها بمشيئة الله فما من أحد يدرس علما ينتفع به في هذه المكتبة إلا ويعود أجر ذلك بمشيئة الله سبحانه وتعالى على من أَسَّسَ المكتبة أو شارك في تأسيسها أو ساهم فيها بأي شيء كان.

فإنشاء المكتبات من الأمور التي يجب أن ينفق فيها المال ليكون قربة إلى الله تبارك وتعالى، أشكر أصحاب هذه المكتبة أولا على تأسيسها والتأسيس أمر صعب في بدايته ولكن بعد ذلك يهون بمشيئة الله وعزائم الرجال تذلل الصعاب، وعظائم الأعمال إنما يقوم بها عظماء الرجال وأشكر رئيس مجلس هذه المكتبة على العناية البالغة بتنظيم نشاطها وقيامها بأمثال هذه الأعمال التي تعود بالنفع على المجتمع، شِيبِه وشبابه وتَصقِل مواهب الشباب بتذكيرهم بمآثر أسلافهم الصالحين كما أنني أشكر كل من ساهم في هذه المكتبة وإنشائها وترتيبها وترتيب أنشطتها، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في جهودهم وأسأله U أن يتغمد شيخنا أبا زيد -رحمه الله- بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جنته وأن يبوأه مبوأ صدق في دار كرامته، وأن يجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وأسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق لكل خير وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وأشكركم على استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





--------------------------------------------------------------------------------

)[1]( سورة البقرة الآية (269).

)[2]( ينـزلونه.

)[3]( هو الإمام محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي بويع له بالإمامة بعد موت سلفه الإمام سالم بن راشد الخروصي سنة 1338ه‍، كان أعلم أهل زمانه، وقد جمع الشروط الشرعية التي تتوافر في القائد بالأمر فقام بالواجب خير قيام… وعاش مرجعاً لأهل عُمان، أنفق أمواله كلها في عز الدولة، مات في صبح اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان سنة 1373ه‍، رحمه الله.

)[4]( هو العلامة المحقق المجتهد نور الدين عبدالله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي.

ولد "بالحوقين" بلدة من أعمال الرُّستاق سنة 1286ه‍، كف بصره في السنة الثانية عشر من عمره.

يُعد نور الدين السالمي مربياً وداعياً ومصلحاً هذا بجانب تآليفه القيمة في مختلف فنون العلم، كما درس على يديه فطاحل العلماء.

لم يكتب لهذا العلامة أن يعمر طويلاً وذلك عندما ارتطم بغصن شجرة وهو في طريقه إلى بلدة الحمراء ليتفاهم مع الشيخ ماجد بن خميس العبري في أحد المسائل.

)[5]( لم يتيسر لي البحث عن شخصية العلامة أبو الوليد، فأكتفي بما ذكر عنه الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في محاضرته بما يتصف به من صفة العبادة تدعو إلى التأسي به رحمه الله.

)[6]( هو الإمام سالم بن راشد بن سليمان بن عامر الخروصي، بويع له بالإمامة في اليوم الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة 1331ه‍، كان صارماً في الأحكام، لا تأخذه في الله لومة لائم، قام بالحق وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وأدب السفهاء، وازدهرت عُمان في زمانه، بقي في الإمامة إلى إن مات شهيداً في ليلة الخامس من ذي القعدة سنة 1328ه‍، كانت إمامته سبع سنوات وأربعة أشهر واثنين وعشرين يوماً رحمه الله.

)[7]( يبلبل: يخلط.

)[8]( -سورة الجمعة الآية(5)

)[9]( -البينة الآية(5)

)[10]( أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في المسند من رواية ابن عباس، وقد رواه أئمة الحديث من قومنا من طريق عمر بن الخطاب t وذكر نور الدين السالمي أن هذا الحديث مجمع على صحته مستفيض من الأمة.

)[11]( وهذا ما دوِّن في تلقين الصبيان من رسالة النيات للشيخ هلال بن زاهر اليحمدي، وذلك لمن لا يحسن استحضار النية في قلبه يعلم بها لفظاً إلى أن يتقنها حتى يسهل عليه استحضارها في قلبه، وليس ذلك بمحصور في صيغة معينة إذ لم يرد عن رسول الله r من ذلك شيئاً.

)[12]( -الشورى الآية(21)

)[13]( هذه الكلمات لها مدلول عند أبي زيد –رحمه الله- والمقصود إنما العبرة بالعمل الصالح المقرون بالنية الصالحة لأن الإيمان قول وعمل ونية، فجمع العبادات والمعاملات والأخلاق التي يدان بها الله ويتعبد بها لابد لها من نية وكذلك الانتهاء عن المنهيات لابد إن يكون تجنبه مقروناً بالنية وذلك خوفاً من الله طلباً لرضاه، هذا مفهوم الشيخ لقوله "إنما العبرة بالنية" والذي أود أن أشير إليه أن هذه الكلمات أخذت مدلولاً عقيماً عند العوام وعند المتذبذبين، وذلك أن النية لديهم صفاء القلب بدون أن ينظر إلى العمل، وبدون أن تتبع النية الصالحة بالعمل الصالح، فيرتكب الكثير منهم المحرمات ويدَّعي صفاء القلب ونقاوته، محتجاً بمدلول "إنما العبرة النية" والرد على ذلك:

إذا كانت النية حسنة والمضغة التي عبر عنها الحديث في القلب صالحة أمرتك بالعمل الصالح لأن باعث العمل القلب، وإن كانت النية خبيثة صدرت من مضغة فاسدة العمل سوف يكون فاسداً وهذا من مدلول قوله عليه السلام: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".

وأيضاً فإن المخلوق ينظر إلى المخلوق جانب الظاهر ما لم ينعكس ما في الباطن على الظاهر من مخالفة شرع الله، فإقامة الحدود في شرع الله إنما على أمر ظاهر، وحكم الولاية والبراءة على الظاهر.

أما لو صدر من الإنسان العمل الخبيث وادَّعى الصفاء للقلب حكمنا عليه بالبراءة إذ ادعاءه لا يفيده اللهم إلا إذا وجدت قرينة تبيح بقاءه على ولايته فليع ذلك القارئ.

)[14]( القول الراجح الذي ذكره الشيخ وهو الذي تدل عليه النصوص كما ذكر الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في سياق محاضرته، وهذا القول الذي يرجحه الشيخ نور الدين السالمي في العقد الثمين الجزء الثاني ص‍، مكتبة الضامري، والقول مذكور في كتاب النكاح للجناوني والقطب في تفسيره لسورة التحريم، وكذلك شرح النيل الجزء السابع، وزارة التراث القومي والثقافة، والملاحظ من سياق كلامهم يميلوا إلى القول بكفارة اليمين.

)[15]( هو الإمام القطب الشيخ العلامة محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح وينتهي نسبه لعمر بن حفص جد الأسرة الحفصية في "تونس" ولد في بني "يسقن" بالجزائر سنة 1236ه‍، الموافق 1820م لأب وأم ماجدين، وكان أجداده لأبيه وأمه من العلماء الفضلاء ذوي المنـزلة والمكانة الرفيعة، فهو من أكبر المؤلفين في الميادين المختلفة، توفي يوم السبت الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة 1332ه‍الموافق 1914م.

)[16]( القطب، شرح النيل، ج‍، ص‍، 190، ط1، التراث.

)[17]( انظر ترجمة ابن رشد في الجزء الأول من كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد.

أما ذكر الأقوال في المسألة ففي الجزء الثاني من نفس المرجع ص‍دار إحياء التراث العربي بيروت.

)[18]( القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، المجلد التاسع (17-18) ص‍-186.

[19]المائده الآية 89

[20] التحريم الآية 2

)[21]( بواقاً: شديداً ويراد به أيضاً الباطل والزور.

)[22]( - البقرة الآية(228)

)[23]( - البقرة الآية(228)

)[24]( ذكره الشيخ العلامة محمد بن الحواري على أنه أكثر القول / انظر جامع أبي الحواري ج‍، ط1، وزارة التراث، ص‍.

)[25]( ونص الحديث كما ذكره نور الدين السالمي في شرح المسند والحديث رواه الجماعة ولفظه عندهم عن ابن عباس قال: "بينما رجل واقف مع رسول الله r بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فذكر ذلك للنبي r فقال: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه ملبياً يوم القيامة" شرح المسند، ج‍، ص‍.

)[26]( انظر شرح النيل، ج‍، وزارة التراث ص ‍.

([27]( رواه الربيع بن حبيب في مسنده مرسلا بابا رقم 36 رقم الحديث219 بنصا: "بلغني أن رسول الله r جلس ذات يوم وفي مجلسه رجل يسمى محجناً فأقيمت الصلاة، قال: فقام رسول الله r فصلى فلما فرغ من صلاته نظر إلى محجن وهو في مجلسه، فقال له رسول الله r ما منعك أن تصلى مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى يا رسول الله ولكن قد صليت في أهلي، فقال رسول الله r "إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن كنت قد صليت في أهلك".

)[28]( رواه الربيع بن حبيب في مسنده من طريق أنس بن مالك باب(36) حديث رقم217 بلفظ: "إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار، وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا، فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة" والحديث أخرجه أحمد الشيخان من طريق أبي قتادة بلفظ "وما فاتكم فأتموا".

)[29]( رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

)[30]( رواه الربيع بن حبيب في مسنده مرسلا الباب (32) الحديث رقم563 بلفظ بلغني أن رسول الله r أنه "نهى عن الاحتكار وعن سلف جر منفعة وعن بيع ما ليس عندك".

)[31]( وقد أثار القطب إلى المسألة في شرح النيل، ج‍، رقم (1) في باب التولية والإقالة، وأيضاً في ص‍من نفس الباب وكذلك في باب السلم.

)[32]( - الأحزاب الآية(36)

)[33]( متفق عليه ، أنظر الفتح الكبير للسيوطي ص‍119

)[34]( أخرجه مسلم عن أبي هريرة.

عمر بن علي
22-05-2003, 05:29 PM
السلام عليكم
جزاكي الله خير يا اختي .. مشكوره كثير على هذه المبشرات للخير .. بس يمكن يكون االموضوع عميق وكبير .. والواحد لا يستطيع ان يقرأ كل ما هو موجود .. انشاء الله يكون يكون الناس موجودين في هذه المحاضرات .. جزاكي الله خير اختي ..

ورد المنى
24-05-2003, 10:44 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة
صحيح أن الموضوع عميق ولكن أنا وضعته للإستفادة ولتكون مكتبة بمعنى الكلمة

ورد المنى
28-05-2003, 01:01 PM
سؤال أهل الذكر
6 من محرم 1424هـ ، 9/3/2003 م

الموضوع : الخشوع في الصلاة



سؤال :

نريد منكم أن تبينوا لنا حقيقة الخشوع ومعناه ؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فإن الخشوع في الصلاة هو روحها ، إذ الصلاة بدونه هي بمثابة الجسم الذي خلا من الروح ، والجسم إن كان خالياً من الروح فإنه لا حراك له ولا إحساس له ولا أثر له ، ولذلك كانت صلاة كل أحد بحاجة إلى أن يكون فيها خاشعا ، ولذلك نيط الفلاح بالخشوع كما في قوله تبارك وتعالى ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون:1-2) ، وفي الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله من رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام قال : لكل شيء عمود ، وعمود الدين الصلاة ، وعمود الصلاة الخشوع ، وأكرمكم عند الله أتقاكم .

فإذاً لا بد للإنسان أن يكون خاشعا ، ما هو هذا الخشوع ؟

الخشوع حقيقته أن يستحضر الإنسان عظمة المقام ، وأن يستحضر حقيقة المقال .

فعظمة المقام أن يحس بأنه بين يدي الله تبارك تعالى يناجيه فيجب عليه في هذه الحالة أن يكون قد تجرد من أوزار هموم هذه الحياة الدنيا ، ومعنى ذلك أن يكون هذه الهموم قد حطها عنه جانبا ، فالتاجر لا يشتغل بتجارته ، والحارث لا يشتغل بحرثه ، وصاحب العمل الإداري لا يشتغل بعمله ، وصاحب أي مهمة في هذه الحياة الدنيا لا يشتغل بمهمته ، وإنما يقبل على ربه سبحانه وتعالى ، فكما يقبل في ظاهره بوجهه بحيث يتوجه إلى البيت الحرام ، يقبل في باطنه بقلبه بحيث يكون هذا القلب فارغاً من كل شغل آخر ما عدا ما هو مقبل عليه .

كما أن عليه أيضاً أن يستحضر حقيقة المقال ، أي أن يكون ما يتحدث به في صلاته مما يأتي به من ذكر أو تلاوة يسبق معناه إلى ذهنه ، بحيث يكون لا يلفظ بقول إلا وقد سبق معنى هذا القول إلى ذهنه واستوعبه تماماً ، فعندما يمثل بين يدي الله تعالى ويدخل في صلاته بتكبيرة الإحرام ، عليه أن يستحضر معنى هذه التكبيرة لينسكب في نفسه شعور بأنه بين يدي الله تعالى الكبير المتعال ، وأن الكبرياء لله وحده ، فما له من الكبرياء شيء ، ولا يحق له أن ينازع ربه تبارك وتعالى كما جاء في الحديث القدسي : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني فيهما أدخلته النار ولا أبالي . فليس له أن ينازع ربه تبارك وتعالى شيئاً من صفاته ، ومن بين هذه الصفات صفة الكبرياء والعظمة ، ولئن كانت الكبرياء لله تعالى وحده فعليه أن يخضع وأن ينقاد وأن لا يتكبر على أحد من خلق الله ، فإن كان ممن أوتي في هذه الدنيا شيئاً من الوجاهة أو شيئاً من السلطة أو شيئاً من المال أو نحو ذلك مما يعده الناس مظهراً من مظاهر العظمة والكبرياء في هذه الحياة الدنيا فإن عليه أن يشعر أن ذلك كله لا يرفع من قدره إن هو تكبر على أحد من خلق الله ، فعليه أن يتصاغر وعليه أن يتطامن وعليه أن يدرك عظم الموقف الذي يقفه ، ولئن كان أيضاً على عكس ذلك كأن يكون فقيراً مزدرىً به فإنه بمجرد ما ينطق بهذه الكلمة كلمة الله أكبر يشعر بأن الكبرياء لله وهو بجانب تطامنه وتواضعه لله تبارك وتعالى ذي الكبرياء يحس بالاعتزاز بصلته بالله فلا يخضع إلا لله ، ولا يطأطأ رأسه إلا لجلاله سبحانه وتعالى ، ولا يحني ظهره إلا لكبريائه فيكون بين يدي الله تعالى عبداً خاضعاً ذليلاً ، وبين أيدي الناس سيداً رفيع القدر كريما لأنه اتصل بربه سبحانه وتعالى ، ولا يعني ذلك أن يتكبر على الناس ، ولكن أن يحس بين الناس بأن الكبرياء لله تعالى وحده والناس متساوية أقدامهم بين يديه عز وجل . وكذلك إن استعاذ بالله من الشيطان الرجيم عليه أن يستحضر ما معنى هذه الاستعاذة ، فمعنى أستعيذ ألجأ فإذاً عليه أن يلجأ بقبله ، وعليه أن يلجأ بعقله ، وعليه يلجأ بعمله قبل أن يكون هذا اللجوء مجرد قول من الأقوال ، ومعنى ذلك أن يحس من قلبه بأنه فار إلى ربه سبحانه من الشيطان الذي أقسم بعزة الله عز وجل انه ليضلنه ، وعليه أن يحرص على أن يكون عمله متفقاً ومنسجماً مع هذا الذي صدر منه ، كذلك عندما ينطق بعد ذلك بقول ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة:1) يشعر أن كل شيء لا يعتد به إلا إن كان لله ، فباسم الله يقرأ ، وباسم الله يصلي ، وبسام الله يأتي أي عمل من الأعمال ، لأن الأعمال يجب أن تكون لله ، ومع هذا عندما يأتي بقول الحق تعالى ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة:2) يشعر بالنعم العظيمة التي غمرته والتي لا يمكن أن يحصيها قط ، ولا يمكن لأحد أن يحصيها ، ولا يمكن للعالمين أن يحصوها هذه النعم هي من عند الله وحده فلذلك كان الحمد لله تعالى وحده ، ومع ذلك فالله تعالى متصف أنه رب العالمين ، إذ ربوبيته سبحانه وتعالى ليست محصورة في شأن هذا العبد وحده بل هي شاملة لجميع الكائنات فما من ذرة في الكون إلا وهي مغمورة بتربية الله تبارك وتعالى لها ، وهي مشمولة بنعمته تعالى عز وجل عليها ، فإذاً هذه الكائنات كلها هي مظاهر لربوبيته تبارك وتعالى من الذرات الدقيقة إلى المجرات الواسعة ، وهذا أمر يدعو الإنسان إلى أن يجف قلبه وترتعد فرائصه ويشعر بالقشعريرة تسري في كل عضو من أعضائه لأنه وقف بين هذا الرب العظيم الذي هو موصوف بهذا الشأن العظيم ، إلا أنه تفيض على نفسه الطمأنينة عندما يتلو قوله تعالى (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة:3) فهذه الربوبية وهذه العظمة لله تبارك وتعالى هي في الحقيقة ربوبية إحسان ، وهي عظمة مقرونة بهذا الإحسان العظيم الذي يحسنه على عباده . وعندما يتلو قوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة:4) يستشعر بالوقوف بين يدي الله تعالى في ذلك اليوم ، اليوم الذي يتخلى فيه كل شيء عنه ، ولا تبقى له صلة بأي كائن آخر إلا صلة التقوى وخوف الله تبارك وتعالى والعمل لذلك اليوم وهذا مما يحفزه إلى الاستعداد للقاء الله تعالى في ذلك اليوم . فإذا تلا بعد ذلك قوله سبحانه وتعالى ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) شعر بأنه هو واحد من أولئك الذين يسبحون بحمد الله ويسجدون لجلال الله فالعبادة تقدّم إلى الله بصيغة جماعية والكل يعبد الله وحده ، إياك نعبد : أي لا نعبد إلا إياك ، فالعبادة الحقة لا تكون إلا لله ، فعليه أن يكون صادقاً في قوله هذا ، بحيث لا يتشبث بشيء مما يتنافى مع هذه العبادة الخالصة لوجه الله ، لا يتعلق بالأوهام ، ولا يتعلق بأي شيء مما يجعله بعيداً عن التوجه إلى الله ، فهو وإن عمل أي طاعة لأحد من الناس إنما يعملها في الحقيقة لله لأن الله تعالى أمر بتلك الطاعة ، ولا يطيع أحداً إلا بموجب ما أمر الله تعالى عز وجل من طاعته ، وكذلك الاستعانة ، الاستعانة بالله تعالى وحده ، لا يستعين بغير الله تعالى إنما يستعين بالله ، فكما يُفرد تعالى بالعبادة يُفرد سبحانه وتعالى أيضاً بالاستعانة ، فالاستعانة في الحقيقة إنما هي لله ، وما جعله الله تبارك وتعالى من وسائل للتعاون فيما بين الناس من مسائل للعون فذلك إنما هو في الحقيقة من باب الأخذ بالأسباب ، وعلى الإنسان أن لا يشتغل بالأسباب عن مسببها ، فعليه أن يلحظ مسبب الأسباب وهو يأخذ بهذه الأسباب ، فالاستعانة الحقيقية إنما هي بالله ، على أنه لا يحق لأي أحد أن يستعين بغير الله تعالى فيما لم يجعل الله التعاون فيه من سنن هذه الحياة ، فليس له أن يأتي إلى أي أحد ليقول له ارزقني ولداً مثلاً أو اجعلني من أهل السعادة أو اجعلني من الأبرار أو اجعل لي حظاً أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله فإن ذلك من الشركيات ، ولئن كان ذلك يُمنع أن يكون بين الإنسان وبين الحي المتصرف الذي هو حسب مظهره قادر وعالم ومتصرف في شئونه فإنه يُعتبر ذلك أشد جرماً وأعظم إثماً وأوغل في الكفر عندما يكون بشيء لا حراك له ، بشيء لا يملك نفعاً ولا ضرا كأن يأتي مثلاً إلى قبر ليطلب صاحب القبر وهو رهين تحت أطباق التراب أن يقضي حاجته أو أن يرزقه شيئاً ما ، وكذلك عندما يأتي مثلاً إلى شجرة أو إلى حجرة أو إلى عين أو إلى أي شيء من هذا القبيل .

فإذا قال بعد ذلك (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:6-7) شعر أنه بين طريقين ، طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، وطريق الذين ضلوا وغضب الله عليهم بسبب ضلالهم وانحرافهم عن منهج الحق ، فعليه أن يسلك طريق أولئك وأن يجعلهم له وقدوة وأسوة ، وأن لا يزيغ عن الطريق الذي يبلغه رضوان الله تبارك وتعالى ، ويبلغه نعمة الله تعالى في الدار الآخرة ، وهكذا كل ما يتلوه المصلي في صلاته ، وكل ما يأتي به من تسبيح أو تكبير أو أي شيء من الأذكار إنما يُفيض مثل هذه المشاعر على نفسه ، وبهذا يكون هذا الإنسان خاشعاً حقا .



سؤال :

ما حكم الخشوع في الصلاة ، وهل هناك قدر معين بحيث لو نقص عنه كانت الصلاة باطلة ؟

الجواب :

نعم ، الخشوع لا بد منه في الصلاة لأنه روحها كما دل الحديث على أنه عمودها ، فالصلاة بدون خشوع لا يمكن أن يكون لها أي أثر ، الصلاة شُرعت لما شُرعت له ، هي تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولكن صلاة غير الخاشع لا يمكن أن تنهى عن الفحشاء والمنكر ، الصلاة تقتلع من الإنسان صفات مذمومة كأنما هذه الصفات جُبل عليها الإنسان ، هذه الصلاة هي أهم عامل في اقتلاعها ، فإن الله تعالى يقول ( إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ) (المعارج:19-23)، فإذاً الصلاة هي أهم عامل في اقتلاع جذور هذه الصفات الذميمة من نفس الإنسان ، ولكن هذه الصلاة إنما هي صلاة الخاشع ، لا صلاة الذي يشتغل عن صلاته ، يقبل على غير ربه في صلاته ، ولئن كان انحراف القلب عن الله تبارك وتعالى في الصلاة يؤدي إلى أن تكون الصلاة غير صحيحة ، فإنه كذلك من الواضح أن يكون الاشتغال في الصلاة بالأعمال التي هي مجانبة للصلاة كأن يتلفت ذات اليمين وذات الشمال أو يرفع يديه إلى السماء مثلاً يشير إلى شيء ، أو أن يحاول أن يصلح ثيابه تارة ، أو أن ينظر إلى ساعته أو أن يفعل أي شيء ، يمارس أي عمل من الأعمال غير الأعمال المشروعة في الصلاة فإن هذه الأعمال هي منافية للخشوع ، الخشوع أن يكون الإنسان في صلاته لا يأتي إلا بالمشروع من الأعمال مع استحضار عظمة هذه الصلاة التي يمثل بها بين يدي الله تبارك وتعالى ، فهذا أمر لا بد ، أي لا بد من أن يمنع جميع الحركات عنه ، أي الحركات التي هي غير مشروعة في الصلاة ، لا بد من أن يمتنع عن هذه الحركات جميعاً ، ومع هذا أيضاً لا بد من أن يكون مستحضراً لصلاته بقدر ما يمكنه ، فليس له أن يرخي لفكره العنان من أجل أن يسرح ويفكر في كذا وفي كذا ، ومعنى ذلك أنه ليس له أن يجتنب الأفكار فإن اجتنب فكراً ما يكون في هذه حالته هذه قد أخل بصلاته لأنه أخل بالخشوع ، أما إن غلبته وساوس وغلبته أفكار فإنه عليه أن يقاومها ، وخير سبيل للمقاومة هو أن يكون كما قلت أن يحرص على أن يسبق المعنى إلى الذهن من اللفظ إلى اللسان .









سؤال :

ذكرتم بأن الإنسان إذا أراد أن يتخلص من الأفكار وحديث النفس في الصلاة عليه أن يسبق إلى المعنى قبل قراءة اللفظ ، لكن بعض الناس قد لا يحسنون تفسير الآيات أو فهمها وهذا الذي ذكرتموه إنما يتعلق بسورة الفاتحة فماذا عن السور الأخرى ، كيف يمكن للإنسان بالفعل أن يتخلص من هذه الوساوس ؟

الجواب :

على أي حال السور الأخرى أيضاً لا بد أن يكون فيها إما ذكر الله ، وإما أن يكون فيها أمر ، وإما أن يكون فيها نهي ، وإما أن تكون فيها مواعظ , وإما أن تكون فيها قصص أيضاً تدعو إلى الاعتبار والذكرى ، وإما أن يكون فيها امتنان ، هذا كله مما يجعل الإنسان يعايش هذا الذي يتلوه ، فعندما يتلو قصة فيها عبرة فإنه يستحضر في نفسه هذه العبرة ، عندما يتلو قصص الأمم السابقة وما مضى من خيرها وشرها وإيمانها وكفرها وصلاحها وفسادها فإنه يستشعر أنه لا بد من أن يقتدي بالصالحين ، وأن يكون من البررة ، كما أنه أيضاً يستشعر بأنه لا بد من أن تكون الغلبة بمشيئة الله والعاقبة للمتقين لأن الله تعالى يقول ( وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طـه: من الآية132) ، وكذلك عندما يتلو الآيات التي تتحدث عن نعم الله تعالى وعن آياته في الأنفس وفي الآفاق يتفاعل مع هذا الذي يتلوه فيكون بذلك من الخاشعين .



سؤال :

ذكرتم نقطة مهمة وهي أن بعض السور تحوي على قصص الأولين من أنبياء وغيرهم ، عندما يقرأ الإمام أو المصلي هذه القصص هل يمكن للإنسان أن يرسم خيالات ومشاهد معينة في الصلاة ؟

الجواب :

لا يتعمد ، لكن ما يرتسم في ذهنه بمجرد قراءة السورة أو قراءة القصة من السورة الكريمة يدعه وشأنه فإن ذلك هو الذي ينبغي . السورة نفسها ترسم المشهد .



سؤال :

بعض الناس يحاول أن يبعد التفكير في الدنيا وشؤونها بالتفكير في أهوال يوم القيامة وأهوال المحشر فيفكر عمداً في الصلاة في مشاهد يوم القيامة حتى يصرف التفكير في الدنيا .

الجواب :

الإنسان ينبغي أن لا يكون بعيداً عن جو الآية التي يتلوها أو التي يتلوها الإمام ويسمعها ، ينبغي أن يكون كذلك ، هذا مع استحضاره ليوم القيامة ، فإنه بدخوله في الصلاة يودع هذه الدنيا ، يترك هذه الدنيا ، فهو بهذا يستحضر توديع هذه الحياة الدنيا ، هو يتنقل من عمل إلى آخر وفي هذه الأعمال كلها يحس أنه بين يدي الله تعالى ، فهو قبل كل شيء يقف وهذه الوقفة وقفة خشوع وقفة وتواضع وقفة تذلل بين يدي الله سبحانه تعالى ، فهذه الوقفة كوقفة العبد أمام سيده يستحضر أنه بين يدي ملك الملوك سبحانه وتعالى ، فلذلك عليه أن يشعر بقدر هذه الوقفة وشأنها ، ثم كذلك الانتقال إلى الركوع ثم الانتقال إلى السجود ثم الانتقال بعد ذلك إلى القعود عندما يعقد في صلاته ، كل من ذلك إنما يستحضر أنه بين يدي الله ، هو في ركوعه يخضع لله وفي سجوده يتذلل بين يدي الله تعالى ويقترب منه ، ثم عندما يقعد يكون كأنما بعد أداء هذه المراسيم ، وبعد أداء هذه الأفعال المطلوبة منه كأنما أُذن له بأن يقعد وأن يتقدم بحاجته ولذلك يكون بعد التشهد الأخير الدعاء ، يدعو العبد ربه سبحانه وتعالى يستجير بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحيا والممات ويدعو بما شاء الله من الدعاء الحسن ، بعد ذلك ينتقل إلى السلام ، والسلام خروج من الصلاة فكأنما ودع الدنيا ثم عاد إلى أهلها ، وعندما عاد إلى أهلها يسلم عليهم من جديد لأنه رجع من رحلة طويلة ، رحلة عرّجت به إلى السموات العلى وعايش فيها الملأ الأعلى وعاش مع الملائكة الذين هم يسجدون دائماً والذين يركعون دائماً والذين يقفون دائماً بين يدي الله بحيث شاركهم في أعمالهم هذه واستحضر أنه بين يدي الله الذي هو محيط بهذا الكون ومصرف لهذا الوجود ومقدر لكل شيء ، وبهذا بعد أداء ذلك كله يرجع إلى الدنيا فيسلّم على الناس تسليماً جديداً أو يسلّم على الخلق من الملائكة والناس تسليماً لأنه كان بين يدي الله ، كان غارقاً في شهوده بين يدي الله سبحانه وتعالى .



سؤال :

البعض يقول أن عدم الخشوع دلالة على ضعف الإيمان ، فما هي الأسباب المعينة على الخشوع ؟

الجواب :

على أي حال الناس يتفاوت إيمانهم بتفاوت خوفهم من الله تبارك وتعالى وإجلالهم لله عز وجل ، فلا ريب أن من كان لا يخشع في صلاته ليس هو من أهل الإيمان المطلوب ، الله تبارك وتعالى يقول ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (الأنفال:2-3) هنا لا بد من أن نشير إلى نقطة ، الصلاة عندما يؤمر بها أو يثنى على أهلها لا تذكر الصلاة هكذا وحدها مجردة ، وإنما تذكر إقامة الصلاة ، إقام الصلاة ، يذكر إقام الصلاة ، الله تبارك وتعالى أثنى على الذين يقيمون الصلاة ، وأمر بإقام الصلاة ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ( البقرة :43 ، البقرة 83 ، البقرة :110، النساء :77 ، النور : 56، المزمل: 20) ، لم يأت لفظ صلوا إلا في الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم ، أما الصلاة التي هي عبادة لله والتي هي صلة بين العباد وبين ربهم سبحانه وتعالى فإن الأمر بها إنما يكون بإقامتها ( وأقيموا الصلاة ) ، أو بالمحافظة عليها ، فإذاً الصلاة إنما يجب أن تقام ، ومعنى أن تقام أن يؤتى بها كالجسم المستقيم المعتدل ، إقامة الصلاة أن يأتي بها الإنسان مستقيمة كالجسم المستقيم ، أي يجعلها مستقيمة ليس بها نقص من أي ناحية ، لا من ناحية جسمها ولا من ناحية روحها ، أما الجسم فكما ذكرنا على الإنسان أن يكون مقبلاً على الله تعالى بوجهه ، بحيث لا يحرف وجهه ذات اليمين وذات الشمال ، لأنه باتجاهه إلى القبلة البيت الحرام هو متجه إلى ربه ، إذ ذلكم الاتجاه إنما هو رمز الاتجاه إلى الله ، لأن الله تبارك وتعالى أمره بالاتجاه إلى ذلك المكان فكان اتجاهه إلى هناك إنما هو في الحقيقة اتجاه إلى الله تبارك وتعالى الذي أمر به ، فهذا لا بد منه . فإن أخذ ينحرف ذات اليمين وذات الشمال بحيث يرمي بوجهه تارة إلى يمينه وتارة إلى شماله ، وتارة يرفعه إلى السماء وتارة يطأطأه إلى أسفل هذا غير متجه إلى ربه ، كذلك عندما يعبث بيديه تارة يرفعه يديه إلى السماء وتارة يشير بها إلى مكان آخر إلى اليمين أو إلى اليسار أو إلى أي جهة أخرى فإن ذلك مما ينافي الخشوع ، وكذلك عندما يكون تارة يعبث بثيابه وتارة يعبث بلحيته وتارة يعبث بعمامته برأسه وتارة يعبث بأعضائه الأخرى هذا كله من العبث الذي متنافٍ مع الخشوع ، وهذا الجسم هو الشكل الظاهر لا عبرة به وحده ما لم يكن فيه روحه ، وروح الصلاة الخشوع ، فإذاً الصلاة لا تقام إلا بالإتيان بها كاملة جسماً وروحا ، فهكذا الصلاة ، والإيمان الحق هو إيمان أولئك الذين يخشعون في صلاتهم لأن الله تعالى ناط الفلاح بالإيمان الذي يجعل صاحبه متصفاً بصفات أول هذه الصفات الخشوع في الصلاة عندما قال تعالى ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون:1-2) .





سؤال :

هذا كله الذي ذكرتموه تبدده هذه الأيام أصوات الهواتف النقالة فما يكاد الإنسان يخشع في صلاته إلا ويسمع رنة من هنا أو هزة تحرك جسده من هناك ، فهل لكم أن تتحدثوا في هذا الموضوع .

الجواب :

نعم ، أمر الهواتف النقالة أمر مشكل ، أمر عظيم ، الناس عندما يأتون إلى المساجد قد يجدون إشارات على أبواب المساجد بأن عليهم أن يغلقوا هواتفهم النقالة ، وقد يجدون إعلانات كتب عليها أغلقوا الهواتف النقالة ، ومع ذلك لا يصيخون لشيء من ذلك سمعا ، بل يتركون هذه الهواتف وشأنها كما هي ، لا يفكرون أنهم مقبلون على الله تعالى ، على أن المساجد بيوت الله ، وبيوته يجب أن تجرد من كل شيء لا يتفق مع قدسيتها ، فالله تعالى يقول ) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور:36-37) ، هذه بيوت الله التي أذن الله فيها بما أذن ، وما لم يأذن به الله فهو محجور ، ولئن كانت الأحاديث دلت على أن ما يحتاج إليه الإنسان في أمر دنياه ليس له أن يتحدث به في المساجد ، فليس له أن ينشد عن ضالته في المسجد ، وليس له أن يتحدث عن أمر الأسواق والتجارة في المسجد ، هذا مما دلت عليه الأحاديث ، والنبي صلى الله عليه وسلّم شدّد في أمر نشدان الضوال في المسجد حتى أمر من صدر منه ذلك أن يقال له لا ردّ الله عليك ضالتك ، فكيف بما وراء ذلك ، كيف بهذه الأصوات الموسيقية التي تتردد في المساجد وكأنما الإنسان يحس بأنما هو في غير جو المسجد ، كأنما هو في جو كنسي من كثرة الموسيقى التي تتردد ، يسمع هاتفاً يؤدي نغماً موسيقياً بأسلوب معين ، ويسمع هاتفاً آخر يأتيه من قبله نغم بصوت آخر ، ويسمع هاتفاً ثالثاً أيضاً بنغم ثالث ، وكأنما أصبحت هذه المساجد ميداناً لاستعراض الأنغام الموسيقية ، هذا أمر لا يجوز شرعاً ، وعلى الناس أن يفكروا في ذلك .

وأنا أعجب كيف يغفل هذا المصلي الذي يأتي إلى المسجد أن يغلق الهاتف النقال ؟ أنا سافرت بنفسي كثيراً في أنحاء مختلفة وبطائرات متنوعة ، ولم أسمع في يوم من الأيام في الطائرة هاتفاً نقالاً ، لأنهم جميعاً ينبهون بأن إغلاق الهواتف النقالة ضروري في الطائرات لئلا تشوش على الاتصالات ، فهنالك يحافظون على مصلحتهم الدنيوية ،وهي مصلحة هذه الطائرات ، يحافظون على سلامتهم في الدنيا ، ولا يحافظون على سلامتهم في العقبى ، عندما يأتون إلى مساجد الله هم أولى بأن يحترزوا ، وأولى بأن يغلقوا هواتفهم ، ولكن مع ذلك لا يبالون بذلك .

على أن هذه الهواتف النقالة لا تشغل أصحابها فحسب ، فصاحب الهاتف عندما يسمع هذا الاتصال لا بد من أن يكون مشغولاً به من أين جاءه الاتصال ، ولا بد من أن يفكر كثيراً في قصد هذا المتصل لأي غرض اتصل به لا سيما التجار فإنهم مشغولون بتجارتهم ، وهم دائماً يحسبون حساباً للأرباح التي يحرزونها أو الأعمال التي يقومون بها ، فلذلك تشغلهم الهواتف النقالة ، وكذلك صاحب أي عمل من الأعمال يشغله عمله فإذا ما جاءه الهاتف النقال اشتغل بذلك وأصبح لا يفكر في أمر صلاته بقدر ما يفكر في مضمون هذا الاتصال ، ولكن مع ذلك لا ينحصر شر الهواتف في شغل هؤلاء عن صلاتهم فحسب بل هذه الهواتف تشغل المصلين لأن كثيراً منهم يمتعضون منها فيتألمون منها وأنا واحد منهم ، أنا إن سمعت هاتفاً في الصلاة أتأثر كثيراً لأنني أرى أن هؤلاء الذين يحملون هذه الهواتف ويتركونها شغالة غير مغلقة عندما يدخلون في المساجد إنما هم في الحقيقة يتعمدون أن يلهوا الناس عن الصلاة ، وأن يلهوهم عن ذكر الله فلذلك أتأثر بهذا ، فإذاً تنصب على هؤلاء اللعنات من كل جانب ، فمالهم ولهذا الأمر ، ما بالهم لا ينتبهون ، هذه مصيبة من المصائب نسأل الله تبارك وتعالى السلامة منها ، ونسأل الله أن يهدي هذه القلوب إلى الحق وإلى طريق مستقيم .





سؤال :

البعض بدلاً من أن يقفل هاتفه مطلقاً يتركه على نوع معين من الاستقبال وهو الهزاز أي يهتز الهاتف في جيبه وهذا ربما يؤثر في الذي يصلي بجنبه ، هل هذا جائز ؟

الجواب :

كل ما شغل عن الصلاة لا يجوز ، على الإنسان أن يقبل على ربه سبحانه وتعالى في صلاته وقد تجرد من كل شاغل يشغله عن ربه .



سؤال :

البعض يرن هاتفه في الصلاة ولكنه لا يلتفت إليه ولا يقوم بقفله نظراً إلى أن قفله سيغيب عليه الخشوع .

الجواب :

بئس ما يفعل ، وساء ما يصنع ، إنه في الحقيقة هو غير خاشع ، ولو كان خاشعاً لأهمه الخشوع من أول الأمر واشتغل بإغلاق الهاتف منذ إقباله على الصلاة بل منذ دخوله المسجد مراعاة لحرمة المسجد ، ولكنه يكذب أنه خاشع ، هؤلاء غير خاشعين ، وإنما هم يخادعون أنفسهم ويظنون أنهم يخادعون ربهم سبحانه وتعالى .



سؤال :

هل وضع اليد للتثاؤب في الصلاة ينافي الخشوع ؟

الجواب :
على كل حال التثاؤب يؤمر الإنسان أن يكافحه بحسب ما يمكن ، والحركة التي هي لمصلحة الصلاة لا تعتبر منافية للخشوع ، وبما أن مكافحة التثاؤب من مصلحة الصلاة فإنه لا يمنع ، لكن على أن يحرص الإنسان بأن يغلق فاه من غير أن يحرك يده إن أمكن ذلك ، وإن اضطر إلى تحريك يده فلا حرج .



سؤال :
بالنسبة للعطس ، البعض يعطس ويحمد الله سبحانه وتعالى .

الجواب :

العطاس لا مانع من أن يحمد الله من بعده ، وهذا مما جاء في السنة فقد روي أن قول من قال : ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً كان على أثر عطاس .



سؤال :

رنين جرس الساعات المعلقة على الحائط ورنين أيضاً الساعات الموجود على أيدي المصلين ، هل هذا يدخل ضمن الكلام على الهاتف النقال ؟

الجواب :
كل ما يشغل المصلين يجب أن يكافح ، وأنا أعجب لماذا تكون في المساجد ساعات ترن ، ينبغي أن تكون ساعات صامتة ، الناس ليسو بحاجة إلى أن يعدوا رنين الساعات وإنما هم بحاجة إلى أن يعرفوا الساعة من خلال نظرهم إلى عقاربها قبل دخولهم في الصلاة.



سؤال :

هناك صور نقلت عن بعض الخاشعين في الصلاة من أن أحدهم كان يصلي فانهدم جانب من المسجد فلم يشعر به ، وبعضهم مرت عليه طبول وزمور فلم يسمعها ، هل هذه حقيقة ، وهل هذا ممكن حقاً ؟

الجواب :

على أي حال الناس يختلفون في ذلك ، منهم من يكون إذا شغله شاغل لا يتلفت إلى أي شيء آخر ، ولا يمكن أن يحس بأي شيء آخر ، وهذا مما يقع كثيراً حتى عندما تجد بعضهم مشغولاً بأمر الدنيا عندما يشغله شاغل أنت تحدثه وأنت تكلمه وهو لا يتلفت إليك ولا يفهم ما يصدر منك ، فإذاً هؤلاء الذين هم أهل الله وخاصته وقد أكرمهم الله سبحانه وتعالى بما أكرمهم به من التعلق به عز وجل ، هؤلاء عندما يقبلون على صلاتهم يكونون كأنما خرجوا من هذه الدنيا ، ليسوا في هذه الدنيا قط ، فلا يلتفتون إلى أي صوت ، ولأجل هذا كثير منهم لا يستنكر منهم أن يشغله ما هم مقبلون عليه من أمر الصلاة ، وأن يشغلهم الخشوع في الصلاة عن سماع أي صوت كان من صوت طبول أو مزامير أو صوت قضة مسجد مثلاً يسقط أو صوت أي شيء آخر مما يقع ، بل روي عن بعضهم أنه أرادوا أن يجروا له عملية قبل وجود التخدير أن يقطعوا رجله فأمرهم أن يقطعوها عندما يكون في الصلاة لأنه لا يحس بشيء عندما يقبل على ربه سبحانه وتعالى ، هذه مواهب يهبها الله تبارك وتعالى من يشاء من عباده .



سؤال :
هناك تساؤلات حول هذا الموضوع نفسه ذكرتم بأن هذا ممكن ، وإنما يكون لبعض الناس الذين يخشعون خشوعاً تاماً ، نحن قرأنا في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلّم سمع صياح طفل فعجّل في الصلاة لأنه أمه ربما كانت تصلي خلفه .

الجواب :

النبي صلى الله عليه وسلّم أوسع الناس قلبا ، فهو مع إقباله المطلق على الله تبارك وتعالى يظل أيضاً مراعياً لحاجة الناس ولضرورات الناس ولأحوال الناس فلذلك مع هذا الإقبال المطلق ومع كونه أخشع الناس في الصلاة وأكثرهم استحضاراً للمقام يكون أيضاً هنالك من قبله ما يشغله من أمر الناس حتى لا ينفّر الناس عن الصلاة .



سؤال:

ذكرتم سماحة الشيخ في حديثكم عن حكم الهواتف النقالة ورنينها في الصلاة جملة مهمة ( يحافظون على سلامتهم في الدنيا بالنسبة للراكبين في الطائرة ولا يحافظون على سلامتهم في الأخرى ) هل هذا يشير إلى أن رنين الهاتف النقال في الصلاة يؤثر عليها من حيث الصحة والفساد ؟



الجواب :

نعم ، ما دام هذا الإنسان تعمّد أن يأتي بشاغل يشغله في صلاته فإن هذه الصلاة تتأثر بذلك لأنه تعمد أن يأتيه بشاغل ، وهذا الشاغل يتنافى مع قدسية الصلاة ، يشغله عن الخشوع ، بل نفس هذا الشغل من النوع الذي لا يجوز في المساجد كما ذكرنا موسيقي . حاجة موسيقية .



سؤال :

بعض الناس يبدأ في الصلاة لكنه لا يتذكر إلا وهو في قراءة السورة لا يدري هل كبر أم لم يكبر أي لم يخشع طوال تلك الفترة سواء تذكر أنه يقرا السورة .



الجواب :

على أي حال عليه أن يحرص بأن يدخل في الصلاة مستشعراً لها ، لأن تكبيرة الإحرام ل ابد من أن يستحضرها ، إذ بها يدخل في الصلاة ، وكيف يدخل في الصلاة وهو لم يكبر ؟ وكيف يدخل في الصلاة وهو لم يستشعر تكبيرة الإحرام ؟ فإن كان استشعر تكبيرة الإحرام ثم انصرف ذهنه بعد ذلك من غير أن يصرفه وإنما كان ذلك أمراً غير اختياري فعليه أن يحرص على مكابرة هذه الوساوس ومقاومتها هذه الأفكار وأن يستشعر عظم المقام ويواصل صلاته .



سؤال :

بعض الناس يصلي خلف الإمام فيستمع إلى قراءة السورة لكن يغيب ذهنه ويدخل في التفكير فلا يدري أي سورة قرأ الإمام فهل عندما يسلم الإمام يقوم بقضاء تلك السورة ؟

الجواب :

هذا قول قاله بعض أهل العلم لكن بما أننا لم نجد دليلاً عليه ، وهذا لم يتعمد إفلات ذهنه حتى يسرح في هذه الأفكار ، فإننا لا نرى مثل هذا ، نرى أنه يعذر ما دام هو يقاوم الوسوسة ويقاوم الأفكار بقدر استطاعته .



سؤال :

هل يدخل في العبث من يقوم بإصلاح غطاء رأسه مراراً لأنه لم يحكم ربطه ؟
الجواب :

نعم ، هو ليس له أن يقوم بذلك ، عليه أن يُعد نفسه للإقبال على ربه سبحانه وتعالى ولا يشتغل بمثل هذه الأعمال .



سؤال :

سمعت من يقول بأنه ورد في السنة أنه يجوز للإنسان ثلاث حركات في الصلاة .

الجواب :

على أي حال هذه الثلاث حركات وجدناها عند الفقهاء ، وثبوت ذلك في السنة الله أعلم به ، وقالوا هذه الثلاث الحركات إنما هي لمصلحته ، كأن يحس بالتهاب في مكان والالتهاب يشغله عن صلاته فله أن يحك ذلك المكان الملتهب بقدر ما يسكن التهابه لثلاث حركات لا زيادة على ذلك .



سؤال :

الأطباء في بعض الأحيان يحملون نداء فعندما يصلون يصدر ذلك النداء صوت دلالة على وجود مريض مضطر لا بد أن يحضروا فوراً ، فهل ذلك يؤثر على خشوعهم وعلى الصلاة ؟

الجواب :
إن كان ذلك أمراً ضرورياً بحيث فيه إنقاذ لحياة أحد من الناس ، أو فيه دفع ضراء عن أحد الناس بحيث إن الضرورة داعية لحضور الطبيب فهذه حالة مستثناة ، وأما بدون ذلك فلا .



سؤال :

كذلك الشرطة تواجههم نفس المشكلة ، يبقى الجهاز مشتغلا ًمعهم ؟

الجواب :
أما إذا كان لضرورة لا محيص عنها ، أي لأمر أمني أو لأمر خطر كحادث سير يقع فهذه من الضرورات . أما غير ذلك فلا .



سؤال :

في المسجد ساعة تصدر نغمات موسيقية قبل رنينها ، والناس تعارفوا عليها وربما لا يرضون أن تزال من هناك ، كيف يتعاملون مع هذه القضية .

الجواب :

هذه الساعة يجب أن تكون ساعة صامتة ، لا أن تكون ساعة فيها هذه الرنات التي تشغل الناس عن الصلاة .



تمت الحلقة بحمد الله وتوفيقه

ورد المنى
28-05-2003, 01:07 PM
http://alnadwa.net/slsilah/slsilah.htm

ورد المنى
03-06-2003, 12:54 PM
دروس من مسند الربيع ومدونة أبي غانم

في فقه الصلاة (1)





تعتبر الصلاة عمود الدين ورأسه بعد أركان الإيمان قال الله تعالى في وصف المؤمنين: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) وقال تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).



وهي من الميثاق الذي طالب الله تعالى بها الأمم السابقة قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ).

وكان تضييعها من أسباب الخسران المبين في الدنيا والآخرة قال تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً) وقال: (ما سلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين)

لذا كانت الصلاة الركن الذين يأتي مجاوراً لمفهوم الجملة وما يتعلق بتفسيرها الاعتقادي، لذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الصلاة للناس ولم يتركهم إلا وهي كاملة مستقرة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً).



هكذا صلى الله النبي صلى الله عليه وسلم:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي خمس صلوات في اليوم والليلة، ويرى كل أحد نبي الأمة صلى الله عليه وسلم يصلي فيتعلمون منهم الصلاة (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهي عبادة تمارس كل يوم فرضاً ونفلاً؛ لذا كان المستبعد جداً بل من الممتنع أن تكون هنالك أمور أو صلوات معينة خص بها أناس دون آخرين.

فعلى هذا تكون الصلاة وهيئتها مما نقل بالتواتر العملي، أي نقلها عبر العمل المتواصل جيلاً بعد جيل، لأنها ليست من الأمور التي تخفى على أحد.

وقد مرت الصلاة بمراحل متعددة حتى استقرت بالكيفية التي نعرفها؛ شأنها شأن كثير من التشريعات التي أخذت حيزها الزمني حتى ترسخ في حياة الناس، جاء في المدونة ج1 ص47-48 :(سألت الربيع فقلت: أوَ أرد السلام على الرجل إذا سلّم عليّ وأنا في الصلاة؟.

قال: لا؛ وكذلك قال أبو المؤرج، وروى لي عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلّم عليه أحد وهو في الصلاة رد عليه السلام، فسلم عليه رجل وهو يصلي فلم يرد عليه شيئاً، فظن الرجل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما منعه من رد السلام عليه سخطه له، فجلس الرجل حتى انصرف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعوذ بالله ونبيه من سخطهما، سلمت عليك يا نبي الله فلم ترد عليّ شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن في الصلاة لشغلاً"، قال أبو المؤرج: ومن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ناسخ ومنسوخ، والقرآن قد نسخ بعضه بعضاً، وقد فعل النبي عليه الصلاة والسلام أشياء مثل هذا ورجع عنها)، ومن تلك الأمور:

1. أن الصلاة كانت ركعتين فزيدت في الحضر وبقيت في السفر، كما دل على ذلك حديث السيدة عائشة رضي الله عنها.

2. أن بعض صور الكلام لم تمنع ابتداء في الصلاة كرد السلام والحديث البسيط كما دلت على ذلك كثير من الأحاديث منها الحديث المعروف بحديث ذي اليدين في مسند الإمام الربيع، وكذا الحديث المشهور عنه صلى الله عليه وسلم: (إن صلاتنا هذه لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين).

ثم منعت كل هذه الأمور وصارت الصلاة إلى وضع الاستقرار وهي التي تناقلها الناس عملياً (قد أفلح المؤمنون*الذين هم في صلاتهم خاشعون).

وكذا الحال بالنسبة للصلوات، فالصلوات الخمس علمت للجميع ومورست عملياً، وكذا السنن المؤكدة، علمت للناس وواظب النبي صلى الله عليه وسلم عليهن ورغب الناس في إتيانهن كالوتر وركعتي الفجر وصلاة العيد، وكذا الحال بالنسبة للصلوات المندوبة؛ التي رغب الناس فيهن وكانت درجة الترغيب والممارسة أقل من السنن المؤكدة، ووصل علم ذلك للجميع، فليست هناك صلوات يخص بها أناس دون آخرين، إنما هي مما يعلم للجميع.



لذا فثبوت هيئات الصلاة وكذا الصلوات يجب أن يكون في أعلى درجات الثبوت العلمي، خاصة بعد دخول المسلمين في نفق الصراع السياسي الذي صبغ كثيراً من الأمور بطابعه المميز.



دروس في الصلاة:

من أوائل المدارس الإسلامية التي نشأت في القرن الأول الهجري المدرسة الجابرية، التي أرسى دعائمها عدد من فقهاء التابعين على رأسهم الإمام الكبير جابر بن زيد رضي الله عنه، وهذه المدرسة كان لها منهجها الخاص في التعامل مع النص باختلاف القضايا المطروحة، ومن الكتب التي دونت آراء منظري تلك المدرسة:

- مسند الإمام الربيع بن حبيب

- مدونة أبي غانم الخراساني، وهو تلميذ الربيع وابن عبدالعزيز وأبي المؤرج.

- أصول الدينونة الصافية لعمروس بن فتح وهو تلميذ أبي غانم.



وقضية هيئة الصلاة كانت من ضمن القضايا التي ناقشوها ووضعوا لها ضوابط واضحة ومحددة سواء في الثبوت أو الدلالة، ومن دراسة العديد من النصوص التي أثرت عنهم تبين لنا الآتي:

1. هيئات الصلاة الأساسية والمتعلقة بهيكلها ودعامتها الأساسية يجب أن تثبت بالتواتر العملي كعدد الركعات وهيئة الركعة من قيام وركوع وسجود، وهذا القدر مما اتفقت الأمة عليه ومارسته عملياً.

2. ما يتعلق بتفصيلات هذه الدعائم يجب أن يثبت بالسنن المجتمع عليها (=هي التي وصل علمها للجميع وإن كانت بطريق الآحاد) التي يدعمها عمل الأمة المتواصل.



ومن خلال دراسة هيئة الصلاة المنقولة عنهم لم توجد بحسب البحث أي جزئية انفردوا بها عن غيرهم، بل وجد عند غيرهم الانفراد بكثير من القضايا التي تعد زيادة على الهيئة المعروفة للصلاة.

ومن خلال الاستقراء للنصوص التي تؤيد هذا التحليل:

1. خلو المسند والمدونة وهما معتمدهم في الحديث من روايات الحركة والكلام في الصلاة، بحيث رفضوا الروايات التي خالفت الأصل العملي في وجوب الخشوع في الصلاة، وهي الهيئة التي استقرت عليها الصلاة تحقيقاً لقول الله تبارك وتعالى: (قد أفلح المؤمنون*الذين هم في صلاتهم خاشعون).

يقول في ذلك شيخنا القنوبي حفظه الله في برنامج سؤال أهل الذكر: (وهذه المسائل التي جاءت في السؤال لا يمكن أن يقال بأنها من المسائل التي تخفى على بعض العلماء أو بأنه رووها من قبل ولكنه قد عزبت عنهم فيما بعد؛ لأن هذه من المسائل التي تتكرر في سبعة عشر ركعة في اليوم الواحد، وذلك في الفرائض فضلاً عن السنن والنوافل فلا يمكن أن يدعي مدع بأنها قد عزبت عن حفظهم أو أنهم لم يشاهدوا الصحابة بأنهم كانوا يفعلون ذلك، مع أن بعضهم كالإمام جابر بن زيد رحمه الله ورضي عنه وأرضاه قد صلى مئات بل آلاف الصلوات مع صحابة رسول لله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعاش معهم فترة طويلة جداً لا يمكن أن يقال بأنه لم يشاهد ذلك).

ومن أمثلة الروايات التي رفضت لم يقبلوها لمخالفتها هذا الأصل العملي:

o ما روي عن عائشة أنها قالت ثم استفتحت الباب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تطوعاً والباب في القبلة، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه أو عن يساره حتى فتح الباب ثم رجع إلى الصلاة.

o عن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ.

o روايات القنوت في الصلاة (=لعن الخصم السياسي أثناء الصلاة) لمخالفتها هذا الأصل العملي، ولكونها من كلام الآدميين الذي لا يصح في الصلاة، إنما هو الذكر والتسبيح وقراءة القرآن، وقد رووا ذلك عن فقهاء الصحابة كما في مسند الربيع (300) (301).

o أيضاً ما روي من أدعية كثيرة في مواضع من الصلاة من مثل ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، وسبب عدم قيام بنيان فقههم على تلك الروايات هو تعويلهم على الأصول العملية في الصلاة وفراغهم منها مبكراً، لذا تجد ما عندهم في الصلاة هي بعينها السنن المجتمع عليها، دون الحاجة للتفتيش عن روايات تحت ثلوج (سيبيريا) وبلاد (الاسكيمو).



- وقد تحمل مثل هذه الروايات على تقدير صحتها على ما كان عليه الأمر قبل استقرار هيئة الصلاة، جاء في المدونة ج1 ص43: (سألت حاتم بن منصور: من أين أصلي سجدتي الوهم؟ فسره لي.

قال: حدثني غير واحد ممن أثق به من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه يوماً فنسي بعض صلاته، فلما انصرف قال له بعضهم: يا نبي الله؛ لقد صليت بنا كذا وكذا أفحدث في الصلاة شيء أم أمرت فيها بشيء؟.

قال: "أوَ قد فعلت؟" قالوا: نعم. قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: "أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، وإذا نسيت فذكروني".

واستقبل القبلة بعد كلامهم إياه وكلامه إياهم، فصلى بهم ما كان نسي وبنى على ما كان صلى، ثم سجد سجدتي الوهم وهو قاعد، ولم يقرأ فيها ولم يركع، ولكنه حين فرغ منها تشهد وسلّم.

وهما تسميان المرغمتين، وهم بإذن الله يصلحان ما كان قبلهما من السهو والنسيان.

قال أبو المؤرج: هذا حديث منسوخ لا يؤخذ به، وقد وجب على من تكلم في صلاته أن يعيد الصلاة).



2.تعويلهم في إثبات هيئات الصلاة على السنن المجتمع عليها والتي يدعمها عمل الأمة المتواصل، ولو فتش الباحث في الأصول المنقولة عنهم وما تته الأجيال من أعمالهم لوجد أنهم لم يجاوزا هذه القاعدة على الإطلاق، وهذا الأمر جلب عليهم نقمة من جاءوا من بعد من إخوانهم المسلمين ممن دونوا الأحاديث حيث درجوا على دمغهم (بإنكار السنة)، في حين أنهم كانوا أحرص الناس على (تنقية السنة) والذب عن حياضها.



o جاء في المدونة ج1 ص26-27: (قال أبو المؤرج: أما الركوع فيقول: "سبحان ربي العظيم" وأما في السجود فيقول: "سبحان ربي الأعلى" فإذا سجدت فضع كفيك للسجود، وقل حين تطأطئ رأسك للسجود: "الله أكبر" وإذا رفعت رأسك فقل: "الله أكبر" وإذا كنت في أول ركعة تريد القيام فانهض قائماً حين ترفع رأسك من السجدة الأخيرة قبل أن تستوي جالساً، وإذا كانت الركعة الثانية فاجلس، وتشهد في كل ركعتين تجلس فيها من الصلاة المكتوبة أو التطوع)، وفي ج1 ص27:(مما سألتهم عنه وأخبرني من سألهم عنه: سألتهما: عن التكبير والقراءة والركوع والسجود. قال الربيع: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم فيها، وإذا ركع كبر، وإذا طأطأ رأسه في السجود كبر، وإذا رفع رأسه من السجود كبر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا كله. قلت: أيقرأ في الأولى والعصر بشيء غير الفاتحة؟. قالوا جميعاً: لا؛ إلا بفاتحة الكتاب سراً فيما بينك وبين نفسك).

o وجاء في أصول الدينونة الصافية ص91: (وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها وتشهدها. أول ما نفتتح بالتكبير ويقرأ في القيام بفاتحة الكتاب وحدها سراً في الأولى والعصر، وفي الثالثة من المغرب، والركعتين الأخيرتين من العشاء، ويقرأ في الركعتين الأولتين من المغرب سورة من القصار مع فاتحة الكتاب، وفي الأولتين من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب، ويستحب من ذلك ما يبلغ عشر آيات، وكذلك في الصبح).



o وترون من هذه النصوص النقل للهيئة العملية للركوع والسجود والقراءة من واقع السنن المجتمع عليها مما (دعم بالعمل المتواصل من الأمة).



o في المقابل تجد الروايات التي لم (يؤيدها العمل) وليست (من السنن المجتمع عليها) تقدم شكلاً مغايراً لهذا النقل العملي، من ذلك:

1. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني.

2. عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا وبسط كفه.

3. وعن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً (=أي يقعد بعد السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة، وهي ما عرفت بجلسة الاستراحة!).



3. ما كان معبراً عن الهيئات المكملة لبنية الصلاة وهيكلها العام عولوا فيه على طرقهم الخاصة التي يثقون بها عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم:



- جاء في مدونة أبي غانم ج1 ص91-92: (سألت أبا المؤرج وأبا سعيد عن صلاة الفطر والأضحى؟.

قالوا جميعاً: يستفتح بتكبيرة الافتتاح، ثم يكبر أربع تكبيرات يوالي بينهن، ثم يقرأ ويكبر ويركع ويسجد، فإذا فرغ من قراءته الثانية كبر ثلاث تكبيرات، ثم يكبر التي يركع بها، ويركع ويسجد.

قال أبو المؤرج: وهذا أحسن ما سمعت من أبي عبيدة، والذي كان عليه رأيه، وقد كان يجيز التكبير بتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، إنما يجعل الشفع أولا والوتر آخراً.

قال: وإن كبرت بتسع فكبر في الأولى أربعاً وفي الآخرة خمساً، وإن كبرت إحدى عشرة فكبر أولاً ستاً ثم تستفتح القراءة، ثم تقرأ وتسجد، فإذا نهضت قائماً فاقرأ، فإذا فرغت من قراءتك فكبر خمساً.

وإن كبرت ثلاث عشرة فكبر أولاً خمساً ثم تركع وتسجد، فإذا نهضت قائماً فاقرأ، فإذا فرغت من قراءتك فكبر خمساً، ثم تركع فإذا رفعت رأسك من الركوع فكبر ثلاثاً، ولا يكبر بعد الركوع إلا الذي يكبر بثلاث عشرة تكبيرة.

قال أبو المؤرج: قال أبوعبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: كل ما وصفت لك من هذا التكبير في صلاة الفطر والأضحى كله جائز على حال ما وصفت لك).

o وكذا صلاة العيد من السنن المجتمع عليها، وأيضاً هيكلها العام من ركعتين تؤديان بتكابير معينة.

o لكن اختلف الرواة في عدد التكبيرات، فلم يثبت لدى فقهاء المدونة الذين تلقوا السنة عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عدد معين يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مع مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها وحرص الناس على أدائها معه.

o لذا عولوا على الروايات التي جاءت من طرقهم الموثوقة عن الصحابة رضي الله عنهم في عدد التكبيرات.



- جاء في مسند الإمام الربيع (194) أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف ركعتين بركوع واحد في كل ركعة، وكذا جاء في مدونة أبي غانم ج1 ص 105-106: (قال حاتم بن منصور: حدثني من أثق به أن ابن النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم انكسفت الشمس قال أناس من الناس: إنما انكسفت الشمس لموت ابن النبي عليه الصلاة والسلام وتحدثوا في ذلك، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "أيها الناس؛ إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت بشر، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فاذكروا الله وادعوه" ثم هبط وصلى بالناس ركعتين رفع فيهما صوته بالقراءة).

o من المعلوم أن صلاة الكسوف من السنن المجتمع عليها، وصلاها النبي صلى الله عليه وسلم بهيئة واحدة، لكن اضطربت فيها الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن قائل صلى بركوعين في كل ركعة، ومن قائل بثلاث ركوعات في كل ركعة، ومن قائل ومن قائل بأربعة في كل ركعة، ومن قائل بخمسة (=راجع نيل الأوطار ص 708-715 ط دار ابن حزم)، وفقهاء المدونة عولوا على طرقهم التي يثقون بها ورووا أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين كما هو شأن الصلاة المعهودة، يقول الشيخ السالمي في معارج الآمال ج12 ص53: (وإنما اختار أصحابنا الوجه الأول لما روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقام قياماً طويلاً، فقرأ نحواً من سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم سجد، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد انجلت الشمس).





(ملاحظة هامة: النقول من مدونة أبي غانم موثقة من طبعة وزارة التراث، لكن في هذه الطبعة سقط وأخطاء، لذا اعتمدنا على مخطوطة دار الكتب المصرية في ضبط النصوص).
منقول من مكتبة الندوة العامة

ورد المنى
03-06-2003, 01:03 PM
محمد صلى الله عليه وسلم



محرر الإنسان والزمان والمكان
http://alnadwa.net/malshar/2/mohamad.htm

ورد المنى
03-06-2003, 01:14 PM
http://alnadwa.net/haj/MAhaj.htm
تذكر أخي /أختي الموت

ورد المنى
08-06-2003, 11:08 PM
هو العلامة المحقق والشاعر المفلق أبو مسلم ناصر بن سالم بن عُديم بن صالح بن محمد بن عبدالله بن محمد البهلاني الرواحي العماني . ينحدر من سلسلة كريمة المحتد عريقة النسب كلهم أهل علم وفضل وشرف . حيث إن جده عبدالله بن محمد البهلاني كان قاضياً في أيام دولة اليعاربة على وادي محرم . كما أن أباه الشيخ سالم بن عُديم البهلاني كان قاضياً للإمام عزان بن قيس رضي الله عنه




ترجمة الإمام أبو مسلم



هو العلامة المحقق والشاعر المفلق أبو مسلم ناصر بن سالم بن عُديم بن صالح بن محمد بن عبدالله بن محمد البهلاني الرواحي العماني . ينحدر من سلسلة كريمة المحتد عريقة النسب كلهم أهل علم وفضل وشرف . حيث إن جده عبدالله بن محمد البهلاني كان قاضياً في أيام دولة اليعاربة على وادي محرم . كما أن أباه الشيخ سالم بن عُديم البهلاني كان قاضياً للإمام عزان بن قيس رضي الله عنه . الذي استولى على زمام الحكـم فـي عُـــمان سنـة (1285 ـ 1287هـ) .




مولده ونشأته وأعماله :


ولد الإمام أبو مسلم سنة (1273هـ) حسب رواية ابن أخيه الكاتب الأديب سالم بن سليمان البهلان الذي صحب عمه ولازمه طويلاً وكتب عنه شعره . كما أن هناك رواية أخرى تقول إنه ولد سنة (1277هـ) وصاحبها ابن الإمام (مهنا بن ناصر البهلاني) ، على أننا نرجح رواية ابن أخيه ، ونستفيد ذلك من ملازمة الإمام لشيخ أحمد بن سعيد الخليلي رحمهما الله .


أما مكان ولادته ففي قرية (محرم) . موطن أبائه وأجداده وعشيرته ويبعد وادي محرم الذي أضيف إلى هذه القرية عن العاصمة مسقط حوالي (150 كيلو متراً) . ويشمل وادي محرم على العديد من القرى أكبرها محرم وهي القرية التي فتح فيها الإمام أبو مسلم عينه على هذا الوجود .


ولقد كانت عناية الإمام أبو مسلم رحمه الله بطلب العلم منذ صغره ، حيث درس على يد الشيخ الفاضل / محمد بن سليم الرواحي الذي انتقل فيما بعد إلى قرية (البلة) من أعمال ولاية (بركا) بالباطنة الشريط الساحلي من عُــمان .


وكان زميله في الدراسة الشيخ العالم الورع أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي رضي الله عنه الذي أشار إليه بقوله في قصيدته النونية المشهورة :


أرتاحُ فيها إلى خِلُ فيبهرُني صدق وقصد ومعروف وإحسانُ

فحال حُكمُ النوى بيني وبينهمُ هُنا تيقنـتُ أن الدهـر خـوانُ


وكانا صديقين متلازمين حتى شاء الله أن يغادر الإمام أبو مسلم إلى شرق إفريقيا ـ زنجبار ـ وكان سفره إليها سنة (1295هـ) في زمن السلطان برغش بن سعيد بن سلطان سلطان زنجبار ، حيث كان والده سالم بن عديم البهلاني قاضياً للسلطان المذكور في زنجبار بعد انتهاء دولة الإمام عزان بن قيس في عُمان .



بقي الإمام أبو مسلم في زنجبار خمس سنـوات ثـم رجع إلى عُــمان سنـة (1300هـ) ، وعاد إليها مرة ثانية سنة (1305هـ) ، وهي عودته الأخيرة حيث بقي هنالك حتى وافته المنية .


أقام في زنجبار وألقى عصا الترحال بها . وعاش في كنف حكامها الذين أحاطوه بالرعاية التامة وأولوه العناية الكاملة . وذلك في عهد السلطان حمد بن ثويني ومن بعده من سلاطين زنجبار .


وفي ذلك الجو الذي يسوده مناخ من التقدير والاحترام ، وفي تلك الربوع الهادئة وتحت سماء تلك المدينة الوادعة ـ مدينة زنجبار ـ انكب الإمام أبو مسلم على المطالعة وقراءة نفائس الكتب الفقهية والأدبية . فكان الكتاب أستاذه الثاني وجليسه المفضل . حتى نبغ في العربية وفي الشعر والأدب وفي العلوم الشرعية .

ورد المنى
10-06-2003, 11:10 AM
http://alnadwa.net/libislamic/kstntynyya.htm

ورد المنى
12-06-2003, 09:58 AM
http://alnadwa.net/libislamic/alshfhaa.htm

ورد المنى
17-06-2003, 10:09 AM
http://alnadwa.net/libislamic/aqedhh.htm

ورد المنى
22-06-2003, 10:29 AM
http://alnadwa.net/khalidw/dmmm.htm

ورد المنى
28-06-2003, 12:04 AM
http://alnadwa.net/libislamic/maleem.htm

ورد المنى
28-06-2003, 12:10 AM
http://alnadwa.net/libislamic/aladlah.htm

ورد المنى
28-06-2003, 12:17 AM
أتمنى أن تكونوا استفدتوا وتستفيدوا إن شاء الله من المكتبة

ورد المنى
28-06-2003, 12:24 AM
http://www.al-eman.com/Quran/

جبل الشيبة
28-06-2003, 01:00 AM
الزائر الاخير

الحمد لله الذي خلق آدم من تراب، والصلاة والسلام على من أنار الله به البصائر والألباب، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واتبع هداه إلى يوم الموعد والمآب... و بعد:

أخي الحبيب: هل تعلم من هو الزائر الأخير؟ وهل تعلم ماذا يريد من زيارتك ولقائك؟ وأي شيء يطلب منك؟

إنه لم يأت طمعاً في شيء من مالك.. أو لمشاركتك طعامك وشرابك.. أو للاستعانة بك على قضاء دين.. أو شفاعة لدى أحد.. أو تمرير معاملة عجز عنها.

لقد جاء هذا الزائر إليك في مهمة محدودة وقضية معينة.. لا تستطيع أنت ولا أهلك وعشيرتك، بل ولا أهل الأرض جميعاً أن يردوه دون إنجازها وتحقيقها.

ثم إنك وإن سكنت القصور العالية، وتحصنت بالحصون المنيعة والبروج المشيدة.. وتمتعت بالحراس والحجاب، لا تستطيع منعه من الدخول إليك، والاجتماع بك، وتصفية حسابه معك!!

إنه لا يحتاج - كي يدخل عليك - إلى أبواب أو استئذان ولا إلى أخذ موعد مسبق قبل المجيء والإتيان، بل يأتي إليك في أي وقت وعلى أي حال؛ حال شغلك أو فراغك.. صحتك أو مرضك.. غناك أو فقرك.. سفرك أو إقامتك.

وهذا الزائر - أخي الحبيب - ليس له قلب يرق بحيث تؤثر فيه كلماتك وبكاؤك، أو ربما صراخك وتوسلاتك، وليس في مقدوره أن يمهلك مهلة تراجع فيها حساباتك، وتنظر في أمرك!!

وهو كذلك لا يقبل هدية ولا رشوة، لأن أموال الدنيا كلها لا تساوي عنده شيئاً، ولا ترده عما جاء من أجله.

إنه يريدك أنت.. لا شيء غيرك.. يريدك كلك لا بعضك.. يريد إفناءك والقضاء عليك.. يريد مصرعك وقبض روحك.. وإهلاك نفسك.. وإماتة بدنك.


إنه ملك موت!!

قال تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون [السجدة:11]. وقال تعالى: حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون [الأنعام:61].


قطار العمر

أخي الحبيب: ألا تعلم أن زيارة ملك الموت شيء محتوم، وقدر سابق معلوم، مهما طال بك العمر أو قصر؟

ألا تعلم أننا جميعاً مسافرون في هذه الدار.. ويوشك المسافر أن يصل إلى غايته ويحط رحله؟

ألا تعلم أن دورة الحياة أوشكت على التوقف.. وأن قطار العمر قد قرب من مرحلته الأخيرة؟

سمع بعض الصالحين بكاء على ميت فقال: يا عجباً من قوم مسافرين يبكون على مسافر قد بلغ منزله!!

أخي:

ما زلت مذ صورت في سفر *** وستنقغمي وسينقضي السفر! ماذا تقول وأنت في غصص *** ماذا تقول وأنت تحتضر؟ ماذا تقول وقد وضعت على *** ظهر السرير وأنت تبتدر؟ ماذا تقول وأنت في جدث *** ماذا تقول وفوقك المدر؟ ماذا تقول وقد لحقت بما *** يجري عليه الريح والمطر؟

أعيذك - أخي الحبيب - أن تكون من الذين: إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم [محمد:27]، أو من: الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون، فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين [النحل:28-29].

أخي الحبيب: أما تعلم أن بزيارة ملك الموت لك ينتهي عمرك، وينقطع عملك، وتطوى صحائف أعمالك؟

أما تعلم أنك لا تستطيع بعد زيارته اكتساب حسنة واحدة.. لا تستطيع صلاة ركعتين.. لا تستطيع قراءة آية واحدة من كتاب الله.. لا تستطيع التسبيح أو التحميد أو التهليل أو التكبير أو الاستغفار ولو مرة واحدة.. لا تستطيع صيام يوم أو التصدق بشيء ولو كان يسيرا.. لا تستطيع الحج أو الاعتمار.. ولا بذل معروف بسيط للقريب أو الجار.. فقد مضى زمن العمل، وبقي الحساب والمجازاة على الإحسان والزلل حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربي ارجعون، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون [المؤمنون:99-100].

فيا أخي: أين استعدادك للقاء ملك الموت؟.. أين استعدادك لما بعده من أهوال.. في القبر.. وعند السؤال.. وعند الحشر.. والنشر.. والحساب.. والميزان.. وعند تطاير الصحف.. والمرور على الصراط.. والوقوف بين يدي الجبار جل وعلا؟!.

عن عدي بن حاتم قال: قال النبي : { ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة } [متفق عليه].

أخي:

إلى كم ذا التراخي والتمادي *** وحادي الموت بالأرواخ حادي فلو كنا جمادا لا تعظنا *** ولكنا أشد من الجماد تنادينا المنية كل وقت *** وما نصغي إلى قول المنادى وأنفاس النفوس إلى انتقاص *** ولكن الذنوب إلى ازدياد إذا ما الزرع قارنه اصفرار *** فلس دواؤه غير الحصاد


الزائر الأخير

ذكر الإمام ابن القيم في كتابه "عدة الصابرين" عن يزيد بن ميسرة قال: كان رجل ممن مضى جمع مالاً فأوعى، ثم أقبل على نفسه وهو في أهله فقال: أنعم سنين!! فأتاه ملك الموت فقرع الباب في صورة مسكين، فخرجوا إليه فقال: ادعوا لي صاحب الدار. فقالوا: يخرج سيدنا إلى مثلك؟! ثم مكث قليلاً. ثم عاد فقرع الباب وصنع مثل ذلك وقال: أخبروه أني ملك الموت. فلما سمع سيدهم قعد فزعاً، وقال: لينوا له الكلام. قالوا: ما تريد غير سيدنا بارك الله فيك؟ قال: لا. فدخل عليه فقال: قم فأوص ما كنت موصياً فإني قابض نفسك قبل أن أخرج. قال: فصرخ أهله وبكوا. ثم قال: افتحوا الصناديق، وافتحوا أوعية المال. ففتحوها جميعا، فأقبل على المال يلعنه ويسبه يقول: لعنت من مال، أنت الذي أنسيتني ربي، وشغلتني عن العمل لآخرتي حتى بلغني أجلي.

فتكلم المال فقال: لا تسبني! ألم تكن وضيعاً في أعين الناس فرفعتك؟ ألم ير عليك من أثري؟ أما كنت تحضر مجالس الملوك والسادة فتدخل، ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتنكح، ويخطب عباد الله الصالحون فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفقني في سبيل الخبث فلا أتعاصى؟ ولو أنفقتني في سبيل الله لم أتعاص عليك.. أنت ألوم مني، إنما خلقت أنا وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلق ببر، ومنطلق بإثم.. هكذا يقول المال فاحذروا.

فيا أخي الحبيب: حاسب نفسك في خلوتك، وتفكر في سرعة انقراض مدتك، واعمل بجد واجتهاد في زمان فراغك لوقت حاجتك وشدتك، وتدبر قبل الفعل ما يملى في صحيفتك، فأين الذي جمعته من الأموال؟ أأنقذك من البلى والأهوال؟ كلا بل تتركه إلى من لا يحمدك، وتقدم بأوزار على من لا يعذرك.

فلا تكن أخي ممن قيل فيه:

ومنتظرللموت في كل لحظة *** يشيد ويبني دائماً ويحصن له حين تبلوه حقيقة موقن *** وأعماله أعمال من ليس يوقن عيان كإنكار وكالجهل علمه *** بمذهبه في كل ما يتيقن


كيف نستقبل الزائر الأخير؟

إخي الحبيب: ويستقبل الزائر الأخير:

1- بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

2- بالمحافطة على الصلوات الخمس في أوقاتها في المساجد جماعة مع المسلمين مع تحري الخشوع فيها والتفكير في معانيها، وصلاة المرأة في بيتها أفضل.

3- بإخراج الزكاة المفروضة في أوقاتها وحسب مقاديرها وصفاتها الشرعية.

4- بصوم رمضان إيماناً واحتساباً.

5- بالحج المبرور فإنه ليس له ثواب إلا الجنة، وعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي .

6- بأداء النوافل وهي ما زاد على الفرائض من الصلوات والزكوات والصيام والحج، قال تعالى في الحديث القدسي: { ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه }.

7- بالمبادرة إلى التوبة النصوح من كل المعاصي والمنكرات، وبعقد العزم على تعمير الأوقات بكثرة الاستغفار والذكر وأنواع الطاعات.

8- بالإخلاص لله تعالى وترك الرياء في كل أمر كما قال لسبحانه: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الذين حنفاء [البينة:5].

9- بحب الله ورسوله ، ولا يتم ذلك إلا باتباع النبي محمد كما قال سبحانه: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [آل عمران:31].

10- بالحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله، وهذا يقتضي محبة المؤمنين وإن بعدوا، وبغض الكافرين وإن قربوا.

وكل محبة في الله تبقى ** على الحالين من فرج وضيق وكل محبة فيما سواه *** فكالحلفاء في لهب الحريق

11- بالخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، وهذا حقيقة التقوى.

12- بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والمراقبة لله تعالى في السر والعلن، والرجاء لما عنده من الأفضال والمنن.

13- بحسن التوكل على الله عز وجل لقوله تعالى: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [المائدة:23].

14- بطلب الكلم النافع والسعي في نشره وتعليمه لقوله تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة:11]، وقوله سبحانه: لتبيننه للناس ولا تكتمونة [آل عمران:187].

15- بتعظيم القرآن المجيد بتعلمه وتعليمه، وحفظ حدوده وأحكامه، وعلم حلاله وحرامه، لقول النبي صين: { خيركم من تعلم القران وعلمه } [واه البخاري].

16- بالجهاد في سبيل الله، والمرابطة في سبيله، والثبات للعدو وترك الفرار من الزحف لقوله : { لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف } [متفق عليه].

17- بحفظ اللسان عن المحرمات كالكذب والغيبة والنميمة والسب واللعن والفحش من القول والغناء. قال النبي : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت } [متفق عليه].

18- بالوفاء بالعهود، وأداء الأمانات إلى أهلها، وترك الخيانة والغدر، قال تعالى: أوفوا بالعقود [المائدة:1]، وقال: فليؤد الذي اؤتمن أمانته [البقرة:283].

19- بترك الزنا وشرب الخمر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والظلم والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل الربا، وأكل ما لا يستحقه شرعا. قال تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن [الأعراف:33].

20- بوجوب التورع في المطاعم والمشارب واجتناب ما لا يحل منها، قال سبحانه: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب [المائدة:3].

21- ببر الوالدين وصلة الأرحام، وزيارة الإخوان والصبر على أذاهم، وبذل المعروف للقريب والبعيد. قال : { من كان فى حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامه } [متفق عليه].

22- بزيارة المرضى والقبور وتشييع الجنائز، فإن ذلك يذكر بالآخرة، ويزهد في الدنيا.

23- بترك الملابس والأزياء المحرمة، كالحرير والذهب والإسبال للرجال، أو استعمال الأواني المصنوعة من الذهب والفضة في الأكل والشرب، فكل ذلك محرم.

23- بالتزام النساء الحجاب الشرعي الكامل الساتر، الذي لا يصف ولا يشف، ولا يدعو إلى النظر والفتنة، وتجنب التشبه بالكافرات في ملابسهن التي ما صنعت إلا لأجل الفتنة وإيقاظ الغرائز واستدعاء الشهوة.

24- بالإقتصاد في النفقة، والمحافظة على النعمة، وترك التبذير، قال تعالى: ولا تبذر تبذيرا [الإسراء:26]، ونهى النبي عن إضاعة المال [متفق عليه].

25- بترك الغل والحسد والعداوة والبغضاء والوقيعة في أعراض المسلمين والمسلمات بغير حق. قال : { المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه } [رواه مسلم].

26- بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله تعالى سالاًآ في ذلك سبيل الحكمة والموعظة الحسنة.

27- بالعدل بين الناس، والتعاون على البر والتقوى، لقوله تعالى: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى [الأنعام:152]، وقوله: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [المائدة:2].

28- بالتزام مكارم الأخلاق، من التواضع والرحمة والحلم والحياء ولين الجانب وكظم الغيظ والكرم، وترك الكبر والغرور والأشر والبطر وغير ذلك.

29- بأداء حقوق الأولاد والزوجات على الوجه الأكمل، وتعليمهم من أمور دينهم ما يحتاجون إليه. قال تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة [التحريم:6].

30- برد السلام وإلقائه، وتشميت العاطس، وإكرام الضيف والجار، والستر على أصحاب المعاصي ما استطاع، قال : { من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة } [متفق عليه].

31- بالزهد في الدنيا وقصر الأمل قبل بلوغ الأجل. قال : { إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ما تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء } [رواه مسلم].

32- بالغيرة على الأعراض، وغض البصر عن النظر إلى المحرمات في الطرقات أو عبر شاشات التلفاز والقنوات الفضائية.

33- بالإعراض عن اللغو واللهو واللعب، والأخذ بمعالي الأمور وترك سفسافها، قال تعالى: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه [ص:55].

34- بمحبة أصحاب النبي والبراءة من بغضهم أو سبهم. قال : { من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } [رواه الطبراني وحسنه الألباني].

35- بالإصلاح بين الناس، وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين حتى لا تتسع هوة الخلاف والفرقة. قال تعالى: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم [الحجرات:10].

36- بترك إتيان الكهان والمنجمين والسحرة والعرافين ونحوهم، قال : { من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد } [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].

37- بطاعة المرأة لزوجها وحفظه في ماله وولده وفراشه. قال : { إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت } [رواه ابن حبان وصححه الألبا ني].

38- بترك الإبتداع في الدين أو الدعوة إلى الباطل والضلال، لقول النبي : { من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد } [تفق عليه].

39- بترك النساء وصل شعورهن بشعر آخر، وتركهن الوشم، والنمص، وتفليج الأسنان ووشرها. قال : { لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة } [متفق عليه]، وعن عبدالله بن مسعود قال: { لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله } [رواه مسلم].

40- بترك التجسس على المسلمين والكشف عن عوراتهم وأذيتهم. قال النبي : { يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحة ولو في جوف رحله } [رواه الترمذي وصححه الألباني].

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ورد المنى
28-06-2003, 03:01 PM
بارك الله فيك أخي على مشاركتك المفيدة

ورد المنى
14-07-2003, 06:08 PM
http://www.alnadwa.net/libislamic/TNDIMAT.htm

نجم الساحة
16-07-2003, 11:37 PM
ولا يزال العطاء مستمرا من اختنا ورد االمنى ، نسأل الله ان يسدد خطاها بالخير والبركة وأن يعينها على ما تسموا اليه دائما .

ورد المنى
21-07-2003, 11:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
http://www.alnadwa.net/alkhalili/makana.htm

ورد المنى
04-09-2003, 10:55 AM
http://www.alnadwa.net/libislamic/hdith.htm

ورد المنى
04-09-2003, 11:06 AM
http://www.alnadwa.net/libislamic/MOAMLAT.htm

blue bird
04-09-2003, 03:29 PM
جزاكي الله خيرا أختي العزيزه على هذه الجهود الكبيره جعلها في ميزان حسناتك ان شاء الله ونسأل الله أن ينفع بها الجميع

تحياتي لكِ

ورد المنى
07-09-2003, 03:06 PM
ونجد في ما كان من النبي ما يدعونا إلى التأسي به ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم - ربى جيلا على الحق،على التضحية ، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كانوا شبابا مضحين بكل راحتهم وبكل ما يملكون في هذه الحياة





الإصلاح بين الناس

محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ألقاها بولاية سمائل

يوم الخميس 4/ جمادى الأول /1424هـ / 5/7/2003م
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله حق حمده ،حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيد ه ، لا حد لغايته ولا أمد لنهايته ،يفوق حمد الحامدين ويربو على شكر الشاكرين ، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، خلق فسوى وقدر فهدى وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله ، أرسله الله هاديا وبشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة وكشف الله به الغمة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ،أما بعد :

فبتحية الإسلام أحييكم أيها الإخوة الكرام فالسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته ،هذا ، وإنه لمن دواعي الغبطة والانبهاج أن يجمعنا الله تبارك تعالى في هذا اليوم المبارك بكم في هذا البلد الطيب وفي هذا المكان العريق ، لأجل أن نتدارس ما يشغلنا جميعا ، وما يدعونا إلى البحث عن حبل المشكلة وعن الوصول إلى ما فيه خيرنا وسعادتنا بمشيئة الله سبحانه وتعالى .

لا ريب أن الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى خلقا سويا ، وجعل هذا الجنس البشري جنسا متميزا بما آتاه الله سبحانه وتعالى من مواهب ، وما أسبغه عليه من نعم ، وما خصه به من خصائص ، ومن بين هذه الخصائص : أنه سبحانه وتعالى جعله كائنا اجتماعيا ، فالإنسان يعمل في إطار المجتمع ، لذلك كان بحاجة إلى ما يحفظ هذا النظام الذي يربط بينه وبين مجتمعه ليظل في إطار هذا المجتمع آخذا منه المنفعة التي تعود بالخير على الجميع ومن حيث أن الإسلام دين الفطرة فقد قال سبحانه وتعالى " فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " الروم ( 30 ) ، كان الإسلام متميزا بمراعاة هذا الجانب ولذلك كانت تعاليمه جميعا تصب في هذا المصب وتؤدي إلى انتظام شمل الناس مما يحفظ وحدتهم وتآلفهم وترابطهم، وقبل كل شيء نرى أن الله سبحانه وتعالى يدعوا إلى اتحاد عباده كما يدعوهم إلى توحيده، فهو عز وجل يقول " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ " آل عمران ( 102،101) .


من أجل ذلك شرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لاستمرار الوحدة بين عباد الله سبحانه ، إذ كل واحد بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرعى حقوق الآخرين كما يرعى حق نفسه ويحرص على مصلحتهم كما يحرص على مصلحة نفسه ، ويحفظ جميع ما يتعلق بشؤونهم كما يحفظ ما يتعلق بشان نفسه ، وهذا واضح في هذا السياق الذي يأمر الله سبحانه وتعالى فيه عباده بالوحدة ، إذ جاء قوله عز وجل " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " آل عمران (104) .


جاء ذلك مكتنفا بامتنان الله سبحانه وتعالى على عباده إذ جمع شملهم بعد تفرقهم وبين تحذيرهم من التفرق وذلك مسبوق بقوله تعالى " وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " آل عمران (103) وما جاء بعد هذا الأمر بان تكون فيها امة تدعوا إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر والتحذير من التفرق وذلك في قوله " وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " آل عمران (105) .


والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لاستمرار التوالي بين عباد الله المؤمنين ، بحيث يتولى بعضهم بعضا ويرعى بعضهم مصالح بعض ، فالله سبحانه وتعالى يقول " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " آل عمران (71 ) جعل الله هذه الموالاة بين المؤمنين والمؤمنات سببها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله- صلى الله عليه وسلم- في كل ما أمرا به وفي كل ما نهيا عنه، و نجد أن عقيدة الإسلام عقيدة تدعو إلى الاتحاد ، فالناس كلهم عباد الله والله سبحانه وتعالى فضل بين هؤلاء وهؤلاء بتقواه فلذلك أنزل لهم ما يدعوهم إلى الوحدة وما يحفظ لهم هذه الوحدة وحذرهم من كل ما يدعوا إلى الفرقة، فالله سبحانه وتعالى حذر فيما حذر عباده أن ينصتوا إلى الكاشحين الذين يحرصون على إشاعة الفتنة وبثها بين الناس وبث النميمة بينهم فالله تعالى يقول : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " الحجرات (6) ثم إنه سبحانه وتعالى في هذا السياق يحذر الناس من أن يثبتوا الأمر إذا بدأت بادرة الفتنة تظهر بين الناس بل عليهم أن يطفئوا هذه الفتنة وأن ينتزعوا فتيلها ، مما يؤلف بين هذه القلوب فالله تعالى يقول :" وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " الحجرات (9) ، ولأجل هذا جاء التحذير من كل ما يثير النعرات بين الناس حتى يكون هنالك التشتت والتشرذم فيما بينهم ، فلذلك قال الله إثر ذلك يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " الحجرات (11) .


نهى الله سبحانه وتعالى عن سخرية المؤمنين بعضهم من بعض : بحيث لا يسخر رجال من رجال ولا تسخر نساء من نساء فلعل المسخور منه خير من الساخر ، و حذر الله مما حذر منه ثم اتبع ذلك بقوله تعالى " يأيها الذين أمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم " هكذا ، يحذر الله المؤمنين من الوقوع في أسباب الضغينة والأحقاد من سؤ الظنون ومن غيرها ، من الغيبة والاحتقار وكل ما يؤدي إلى التفرق والاختلاف .


ثم إنه سبحانه وتعالى يتبع ذلك بيان أن الناس كلهم ينحدرون من أصل واحد ، ينحدرون من أب واحد ومن أم واحدة فعليهم أن يرعوا ذلك وألا يختلفوا ويتشتتوا لأجل الانتساب إلى القبائل أو لأجل الانتساب إلى الشعوب أو لأجل الانتساب إلى أي شيء يفرق بين طائفة وطائفة ، وذلك قوله تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " الحجرات (13) .

شفاء
18-09-2003, 01:40 PM
مشكورين إخواني على جهودكم المبذوله في هاذا المجال

وأسأل الله لكم التوفيق

ورد المنى
18-09-2003, 03:25 PM
http://www.alnadwa.net/libislamic/ali-sk.htm
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نجم الساحة
19-09-2003, 09:07 PM
بارك الله في أختنا ورد المنى على متابعتها واستمرارها قي اثراء المكتبة بكل ما هو جديد ومفيد والى الأمام دائما .

ورد المنى
24-09-2003, 10:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
وبارك الله فيكم على تشجيعكم المستمر وامدادي بالحوافز للأمام

ورد المنى
24-09-2003, 10:41 PM
السجود في الشـرع أن يهـوي إلـى السجـود قصـدا فيضـع جبهتـه و أنفـه إلى الأرض مع الكفيـن و الركبتيـن و أصابع القدمين .




في ما لا تقوم الصلاة إلا به


الدرس الأول


قال الشيخ عامر : اعلم أن الصلاة و جميع وظائف الدين لا تقوم و لا يصح لها ثوابها إلا بأربعة أشيـاء و هي : العلم و العمل و النية و الورع.
أحدهما : أن يعلم بوجوب الصلاة ، و أنه مأمور بها ، و ذلك أن يعلم الصلاة التي قام إليها ، أعني أن يفرز كل واحدة من الصلوات الخمس في وقتها عند حضور فعلها. و الدليل على هذا قوله تعالى : ( أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة ) ، و الله تعالى لا يتعبدنا بمجهول.
الثانـي : أن يعلم بوجوب الثواب على فصل الصلاة. و الدليل قوله تعالى : ( و من يطع الله و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ).
الثالـث : أن يعلم كيف يمتثل الصلاة بوظائفها ، أعني فرائضها و سننها و جميع نواقصها.
و أما على قول من لا يشترط العلم فليس عليه شئ ، و الله أعلم. قال : و أما العمل فهو ينقسم أيضا إلى ثلاثة أقسام :
أحدهما : أن يعمل كما أمر و كما وجب عليه و على ما وجب عليه أن يعلم.
الثانـي : أن يرجـو في عملها ما عنـد الله ، و ذلك أن ضد الرجاء الإياس فمن لم يرج ما عند الله آيس : ( و لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ).
الثالـث : أن يخاف في تركها عقاب الله ن و ذلك أيضا ضد الأمن فمن لم يخف أمن ( و لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ).
قال : و أما النية فهي أن يتحرى مرضاة الآمر و طاعة الله ن و ذلك أن ينوي بفعله الصلاة أداء الفرض و طاعة الله عز و جل ، لأنه واجب عليه ، مأمور به ، و يتقرب بفعله إلى الله عز و جل. و التقرب طلب المنزلية عند الله ، لأن الله وعد المؤمنين على فعلهم الطاعة و الجنة ، و الله أعلم.
و الدليل على وجوب النية قوله تعالى : ( و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) و الإخلاص هو النية لله ، و هو أن يخلص عمله من جميع الشوائب ، و يخلصه لله عز و جل ، و الله أعلم.
قال : و أما الورع فهو أن يتورع عن جميع محارم الله و عن جميع ما نهى عن العمل في حال الصلاة.

نجم الساحة
26-09-2003, 04:06 PM
كاتب الرسالة الأصلية : ورد المنى
بسم الله الرحمن الرحيم
وبارك الله فيكم على تشجيعكم المستمر وامدادي بالحوافز للأمام


بارك الله فيك على تنويعك لمواضيع المكتبة ، وبالنسبة لنا نحن فأنا أرى أنك وكالعادة سابقةالى نشر الخير والوعي بيننا جميعا دون حاجة لتشجيع منا والى الامام دائما .

ورد المنى
28-09-2003, 03:46 PM
شكراً لك أخي

إبن الفوارس
06-10-2003, 05:22 PM
مشكككككككككككككككككككككككوره أختي
والله يجازيك على مجهودك وأتمنى من الكل قرأت هذه المواضيع فهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي مهمه جدا.

ورد المنى
08-10-2003, 10:47 PM
شكراً لك وأنا أتمنى أيضاً أن يكون الجميع استفادوا

ورد المنى
08-10-2003, 10:52 PM
http://www.alnadwa.net/Lang-arabic/saar.htm

ورد المنى
27-10-2003, 09:38 PM
http://alnadwa.net/ramdan/mkalat/mlkamat.htm

ورد المنى
15-11-2003, 07:33 PM
http://alnadwa.net/alhejraa/hjra1-m.htm

ورد المنى
15-11-2003, 07:40 PM
http://alnadwa.net/ramdan/mkalat/krafa.htm

نجم الساحة
18-11-2003, 02:01 PM
آمنة بنت وهب سيدة الأمهات

هذه الشخصية العظيمة والأم الجليلة لطالما نقصت المصادر والراويات عنها ، ويمكن تلمس ملامحها من خلال صورة ابنها العظيم الذي آوته أحشاؤها، وغذاه دمها، واتصلت حياته بحياتها، لقد كان سيدنا محمد هو الأثر الجليل الذي خلفته سيدة "آمنة بنت وهب". وأن الله تعالى اختار سيدنا محمد حيث اختاره من كنانة، واختار كنانة من قريشا من العرب، فهو خيار من خيار . وما كان لها من أثر في تكوين ولدها الخالد الذي قال معتزا بأمهاته بالجاهلية : " أنا ابن العواتق من سليم".



أنـوثة وأمـومة:

عانت المرأة في الجاهلية، من صنوف الاستعباد والاستبداد، ومن وأد البنات وانتقال المرأة بالميراث من الأباء إلى زوجات الأبناء، وغيرها. إلا أننا غافلون عن أمومة آمنة بنت وهب، وعن فضلها في إنجاب خاتم النبيين- عليهم الصلاة والسلام. فمن الملوك العرب، من انتسبوا إلى أمهاتهم: كعمرو بن هند، وأبوه هو المنذر بن ماء السماء. وهناك كثير من الشعراء يمدحون كبار الرجال بأمهاتهم، وكذلك لم ينسوا أن يذكروا للمرأة مشاركتها في جليل الأحداث فقال "حذيفة بن غانم" :

ولا تنس ما أسدى ابن " لبنى" فإنه قد أسدى يداًمحقوقة منك بالشكر

وأمك سر من خزاعة جوهر إذا حصل الأنساب يوماً ذوو الخبر

إلى سبأ الأبطال تنمى وتنتمي فأكرم بها منسوبة في ذرا الزهر

بيئة آمنــة ونشأتها:

تفتحت عينا الفتاة والأم الجليلة آمنة بنت وهب في البيت العتيق في مكة المكرمة ، في المكان الذي يسعى إليه الناس من كل فج، ملبية نداء إبراهيم " الخليل" -عليه الصلاة والسلام - في الناس بالحج، وفي ذلك المكان الطاهر المقدس وضعت السيدة " آمنة بنت وهب " سيد الخلق " محمداً " في دار " عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم" ، وبيئة آبائه وأجداده ، ودار مبعثه صلى الله عليه وسلم.



آل آمنة بنو زهرة:


تندرج "آمنة بنت وهب " من أسرة " آل زهرة " ذات الشأن العظيم، فقد كان أبوها " وهب بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي" سيد بني زهرة شرفا وحسبا ، وفيه يقول الشاعر:

يا وهب يا بن الماجد بن زهرة سُدت كلابا كلها، ابن مره

بحسبٍ زاكٍ وأمٍّ بــــرّة

ولم يكن نسب "آمنة" من جهة أمها، دون ذلك عراقة وأصالة فهي ابنة برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب"... فتجمع في نسب " آمنة" عز بني عبد مناف حسب وأصالة. ويؤكد هذه العراقة والأصالة بالنسب اعتزاز الرسول صلى الله عليه وسلم بنسبه حيث قال : " ...لم يزل الله ينقلنيمن الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا ، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما " ويقول أيضا - : " أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا " .

نسبٌ تحسب العلا بحُلاه قلدته نجومها الجوزاء

حبذا عقدُ سؤددٍ وفخار أنتَ فيه اليتيمة العصماء
" نشأة آمنة " زهرة قريش:[/COLOR]

كان منبت سيدتنا "آمنة" وصباها في أعز بيئة، وما لها من مكانة مرموقة من حيث الأصالة النسب والحسب، والمجد السامية، فكانت تعرف " بزهرة قريش" فهي بنت بني زهرة نسبا وشرفا، فكانت محشومة ومخبآة من عيون البشر، حتى إنَّ الرواة كانوا لا يعرفون ملامحها. وقيل فيها إنها عندما خطبت لعبد الله بن عبد المطلب كانت حينها أفضل فتاة في قريش نسبا وموضعا ". وكانت بشذاها العطرة تنبثق من دور بني زهرة، ولكنه ينتشر في أرجاء مكة. وقد عرفت " آمنة " في طفولتها وحداثتها ابن العم "عبد الله بن عبد المطلب" حيث إنه كان من أبناء أشرف أسر قرشي، حيث يعتبر البيت الهاشمي أقرب هذه الأسر إلى آل زهرة؛ لما لها من أواصر الود والعلاقة الحميمة التي تجمعهم بهم، عرفته قبل أن ينضج صباها، وتلاقت معه في طفولتها البريئة على روابي مكة وبين ربوعها، وفي ساحة الحرم، وفي مجامع القبائل.ولكنها حجبت منه؛ لأنها ظهرت فيها بواكر النضج، هذا جعل فتيان من أهل مكة يتسارعون إلى باب بني زهرة من أجل طلب الزواج منها.


" عبد الله فتى هاشم”

لم يكن " عبد الله" بين الذين تقدموا لخطبة " زهرة قريش" مع أنه دير بأن يحظى بها، لما له من رفعة وسمعة وشرف، فهو ابن " عبد المطلب بن هاشم" وأمه" فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية" وجدة " عبد الله" لأبيه " سلمى بنت عمرو". ولكن السبب الذي يمنع " عبد الله " من التقدم إلى " آمنة" هو نذر أبيه بنحر أحد بنيه لله عند الكعبة. حيث إن عبد المطلب حين اشتغل بحفر البئر، وليس له من الولد سوى ابنه " الحارث" ، فأخذت قريش تذله، فنذر يومها، إذا ولد له عشرة من الأبناء سوف ينحر أحدهم عند الكعبة. فأنعم الله على " عبد المطلب" بعشرة أولاد وكان " عبد الله" أصغرهم.وخفق قلب كل شخص وهو ينتظر اللحظة ليسمع اسم الذبيح، وبقيت "آمنة"، لا تستطيع أن تترك بيت أبيها، ولكنها تترقب الأنباء في لهفة، وقد اختير " عبد الله " ليكون ذبيحا، ومن ثم ضرب صاحب القدح فخرج السهم على " عبدا لله" أيضا فبكت النساء، ولم يستطع "عبدا لمطلب" الوفاء بنذره؛ لأن عبد الله أحب أولاده إليه، إلى أن أشار عليهم شخص وافد من " خيبر" بأن يقربوا عشراً من الإبل ثم يضربوا القداح فإذا أصابه ، فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، فذا خرجت على الإبل فانحروها، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم، وظلوا على هذه الحالة ينحرون عشرًا ثم يضربون القداح حتى كانت العاشرة، بعد أن ذبحوا مئة من الإبل.


عرس آمنة وعبد الله:

جاء "وهب" ليخبر ابنته عن طلب " عبد المطلب" بتزويج "آمنة " بابنه "عبد الله" فغمر الخبر مفرح نفس "آمنة" ، وبدأت سيدات آل زهرة تتوافد الواحدة تلو الأخرى لتبارك " لآمنة". وكذلك قيل بأن الفتيات كن يعترضن طريق " عبد الله"؛ لأنه اشتهر بالوسامة، فكان أجمل الشباب وأكثرهم سحرا، حتى إنَّ أكثر من واحدة خطبته لنفسها مباشرة. وأطالت "آمنة" التفكير في فتاها الذي لم يكد يفتدى من الذبح حتى هرع إليها طالباًً يدها، زاهدا في كل أنثى سواها، غير مهتم إلى ما سمع من دواعي الإغراء! واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام ، ولكن عيناها ملأتها الدموع؛ لأنها سوف تفارق البيت الذي ترعرعت فيها، وأدرك "عبد الله" بما تشعر به، وقادها إلى رحبة الدار الواسعة. وذكر بأن البيت لم يكن كبيرا ضخم البناء، لكنه مريح لعروسين ليبدآ حياتهما.

فكان البيت ذا درج حجري يوصل إلى الباب ويفتح من الشمال، ويدخل منه إلى فناء يبلغ طوله نحو عشر أمتار في عرض ستة أمتار، وفي جداره الأيمن باب يدخل منه إلى قبة، وفي وسطها يميل إلى الحائط الغربي مقصورة من الخشب، أعدت لتكون مخدعاً للعروسين.


البشرى بمحمد:

بعد زواج " عبد الله " من " آمنة" أعرضن عنه كثير من النساء اللواتي كنَّ يخطبنه علانية ، فكانت " بنت نوفل بن أسد" من بين النساء اللواتي عرضن عن " عبد الله" ، فسأل عبد الله واحدة منهن عن سبب إعراضها عنه فقالت :" فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة" .

أدهش هذا الكلام " عبد الله وآمنة" وراحا يفكران في القول الذي قالته تلك المرأة؟ ولم تكف "آمنة " عن التفكير والرؤيا عنها وسبب انشغال آمنة في التفكير يرجع إلى أن هذه المرأة أخت " ورقة بن نوفل" الذي بشر بأنه سوف يكون في هذه الأمة نبي ... وبقي " عبد الله" مع عروسه أياما ، وقيل إن المدة لم تتجاوز عشرة أيام؛ لأنه يجب عليه أن يلحق بالقافلة التجارية المسافرة إلى غزة والشام.


العروس الأرملة آمنة:

انطلق" عبد الله " بسرعة قبل أن يتراجع عن قراره، ويستسلم لعواطفه، ومرت الأيام و"آمنة "تشعر بلوعة الفراق ، ولهفة والحنين إلى رؤيته، حتى إنها فضلت العزلة والاستسلام لذكرياتها مع " عبد الله" بدلا من أن تكون مع أهلها. ومرت الأيام شعرت خلالها " آمنة" ببوادر الحمل، وكان شعورا خفيفا لطيفا ولم تشعر فيه بأية مشقة حتى وضعته. وفي هذه الأيام كانت تراودها شكوك في سبب تأخير" عبد الله" فكانت تواسي نفسها باختلاقها الحجج والأسباب لتأخيره.

وجاءت " بركة أم أيمن" إلى "آمنة" فكانت لا تستطيع أن تخبرها بالخبر الفاجع، الذي يحطم القلب عند سماعه فكانت تخفيه في صدرها كي لا تعرفه"آمنة" ، ومن ثم أتاها أبوها ليخبرها عن " عبد الله" التي طال معها الانتظار وهي تنتظره، فيطلب منها أن تتحلى بالشجاعة ، وأن " عبد الله" قد أصيب بوعكة بسيطة، وهو الآن عند أخواله بيثرب، ولم تجد هذه المرأة العظيمة سوى التضرع والخشية وطلب الدعاء من الخالق البارئ لعله يرجع لها الغائب الذي تعبت عيناها وهي تنتظره، وفي لحظات نومها كان تراودها أجمل وأروع الأحلام والرؤى عن الجنين الذي في أحشائها، وتسمع كأن أحداًًً يبشرها بنبوءة وخبر عظيم لهذا الجنين.

وجاء الخبر المفزع من " الحارث بن عبد المطلب " ليخبر الجميع بأن " عبد الله " قد مات، أفزع هذا الخبر آمنة، فنهلت عيناها بالدموع وبكت بكاءً مراً على زوجها الغائب ، وحزن أهلها حزنا شديدا على فتى قريش عبد الله . وانهلت بالنواح عليه وبكت مكة على الشجاع القوي .


آمنة بنت وهب أم اليتيم :
نُصحت آمنةُ بنت وهبٍ بالصبر على مصابها الجلل، الذي لم يكن ليصدق عندهاً حتى إنها كانت ترفض العزاء في زوجها، ولبثت مكة وأهلها حوالي شهراً أو أكثر وهي تترقب ماذا سوف يحدث بهذه العروس الأرملة التي استسلمت لأحزانها. وطال بها التفكير بزوجها الغالي عليها ، حتى إنها توصلت للسر العظيم الذي يختفي وراء هذا الجنين اليتيم، فكانت تعلل السبب فتقول أن " عبد الله" لم يفتد من الذبح عبثا! لقد أمهله الله حتى يودعني هذا الجنين الذي تحسه يتقلب في أحشائها. والذي من أجله يجب عليها أن تعيش.وبذلك أنزل الله عز وجل الطمأنينة والسكينة في نفس " آمنة"، وأخذت تفكر بالجنين الذي وهبها الله عز وجل لحكمة بديعة، " ألم يجدك يتيما فآوى" ( الضحى 6). فوجدت " آمنة" في هذا الجنين مواساة لها عن وفاة زوجها ، ووجدت فيه من يخفف عنها أحزانها العميقة. فرح أهل مكة بخبر حمل " آمنة" وانهلوا عليها من البشائر لتهنئة "آمنة " بالخبر السعيد. وتتكرر الرؤى عند "آمنة" وسمعت كأن أحد يقولها " أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم تسميه محمدا".

وجاءها المخاض فكانت وحيدة ليس معها أحد ولكنها شعرت بنور يغمرها من كل جانب، وخيل لها أن " مريم ابنة عمران"، "وآسية امرأة فرعون"، و " هاجر أم إسماعيل" كلهن بجنبها ، فأحست بالنور الذي انبثق منها ، ومن ثم وضعت وليدها كما تضع كل أنثى من البشر، وهكذا كان فقد :

ولــد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثنــــاء

الروح والملأ الملائك حــوله للدين والدنيا به بشـــراء

والعرش يزهو والحظيرة تزدهي والمنتهى، والدرة العصمــاء

وهنا اكتملت فرحة " آمنة" فوليدها بجوارها، ولم تعد تشعر بالوحدة التي كانت تشعر بها من قبل. وفرح الناس وفرح الجد " عبد المطلب" بحفيده، وشكر الرب على نعمته العظيمة منشدا يقول:

الحمـــد الله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان أعيذه من شر ذي شنآن

من حسد مضطرب العنان

وسماه " محمدا" ، وسبب تسميته محمدا هو أنه يريده أن يكون محموداً في الأرض وفي السماء، ومن ثم توال القوم ليسموا أبناءهم بهذا الاسم.

وشعرت "آمنة" بأن القسم الأول والأهم قد انتهى بوضع وليدها المبشر، ورسالة أبيه قد انتهت بأن أودعه الله جنينًا في أحشائها، ولكن مهمتها بقت في أن ترعاه وتصحبه إلى يثرب ليزور قبر فقيدهما الغالي " عبد الله" . وبعد بضعة أيام جف لبن " آمنة" لما أصابها من الحزن والأسى لموت زوجها الغالي عليها فأعطته " لحليمة بنت أبي ذؤيب السعدي" حتى ترضعه، فبات عندهم حتى انتهت سنة رضاعته وأرجعته إلى "آمنة". وفي الفترة التي عاش عند "حليمة" حدثت لرسول حادثة شق الصدر التي أفزعت النفوس بها.
وفاة آمنة بنت وهب:

حان الوقت التي كانت "آمنة" تترقبه حيث بلغ محمدٌ السادسة من عمره بعد العناية الفائقة له من والدته. وظهرت عليه بوادر النضج. فصحبته إلى أخوال أبيه المقيمين في يثرب ولمشاهدة قبر فقيدهما الغالي، وعندما وصلت إلى قبر زوجها عكفت هناك ما يقارب شهرا كاملا ، وهي تنوح وتتذكر الأيام الخوالي التي جمعتها مع زوجها بينما "محمد" يلهو ويلعب مع أخواله.

تعبت "آمنة" في طريقها بين البلدتين إثر عاصفة حارة وقوية هبت عليهم. فشعرت "آمنة" بأن أجلها قد حان فكانت تهمس بأنها سوف تموت، ولكنها تركت غلاماً طاهراً، ثم أخذها الموت من بين ذراعي ولدها الصغير وفارقت هذه الدنيا. وانهلت أعين الطفل بالبكاء بين ذراعي أمه، فهو – بعد - لا يدرك معنى الموت . فأخذته " أم أيمن" فضمته المسكينة إلى صدرها وأخذ تحاول أن تفهمه معنى الموت حتى يفهمه. وعاد اليتم الصغير إلى مكة حاملا في قلبه الصغير الحزن والألم ، ورأى بعينيه مشهد موت أعز الناس وأقربهم إلى قلبه؛ أمه آمنة التي يصعب عليه فراقها.


آمنة بنت وهب المرأة الخالدة
ماتت " زهرة قريش" السيدة العظيمة، ولكنها خلدت في قلب أهل مكة، وفي قلب ابنها سيد البشر ، فهي عظيمة وأم لنبينا - صلى الله عليه وسلم. وقد اختاره الله- عز وجل - واصطفاه من بين البشر جمعاء؛ ليحمل رسالة عظيمة إلى شتى أنحاء العالم وللبشر. هذا اليتيم لم يعد يتيمًا بل كفله عمه " أبو طالب" بعد وفاة جده، وكان يحبه حبا شديدا فكان يعتبره واحداً من أبنائهم، وكان ينتظره إلى أن يأتي ويتغدى الجميع بصحبة محمد المباركة ، وعلى الرغم من أن محمّدا e أحيط بحب زوجته " السيدة خديجة" و حنان زوج عمه" فاطمة بنت أسد"، ولكن ذكريات أمه بقيت معه في كل لحظة، ويذكر كل لحظة جميلة قضاها معها إلى لحظة موتها، حتى كان ينوح من البكاء.

وكأنه يرى ملامحها الجليلة في زوجته " خديجة" التي سكن عندها منذ أن بلغ الخامسة والعشرين من عمره. إلى أن توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين. كذلك تمثلت في بناته وفي حنوه وأبوته لهن، وهاهو يقول: " الجنة تحت أقدام الأمهات "، وجعل البر بالأم مقدما على شرف الجهاد في سبيل الله والدار الآخرة، ونجد القرآن الكريم يقرن بين العبادة والإخلاص به والبر بالوالدين، " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " .

وسوف تظل صورة الأم العظيمة آمنة بنت وهبا تنتقل عبر الأجيال وسوف تظل باسمها خالدة في نفوسنا وفي أعماقنا فيقول الشاعر أحمد شوقي :

تتباهى بك العصور وتسمو بك علياء بعدها علياء

فهنيئاً به لآمنة الفضل الذي شرفت به حواء!


سلام على " آمنة بنت وهب" سيدة الأمهات ، ووالدة أعظم شخص وأحب شخص إلى نفوسنا، خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.


تحياتي : نجـــــــــــــــ الساحة ــــــــــــــــــــــم

Doazkatoon
23-11-2003, 12:02 AM
ورد المنى
جزاك الله خيرا أختي على هذا المجهود الكبير والمشاركه الرائعه والقيمه
تمنياتي للجميع بالإستفاده من هذه المواضيع القيمه
وجزاك الله خيرا

ورد المنى
23-11-2003, 02:11 PM
والمجتمع البشري مجتمع يزخر بالأحداث ، أحداث متنوعة وقضايا متجددة وأمور تحتاج إلى معالجة فلذلك كانت ضرورة الدعوة إلى الله سبحانه مع ما يستجد من هذه الأحداث وما يأتي به الزمن من القضايا العجيبة لأن الإنسان قد يندفع اندفاعاً إلى الشر- والعياذ بالله -



الدور الإيجابي للمرأة للنهوض بالمجتمع المسلم

محاضرة لسماحة الشيخ ، ألقيت في جامع الشراة بسمائل

يوم الخميس 14 من رجب الحرام 1424 الموافق : 11 من سبتمبر 2003



بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين سبحانه له الحمد كما ينبغي لجلال ملكه وعظيم سلطانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله أرسله الله بأفضل السبل وأبين الحجج وأعظم المعجزات فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ونصح هذه الأمة وكشف الله بطلعته عنها الغمة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فبتحية الإسلام الطيبة المباركة أحي أخواتنا وبناتنا المؤمنات فالسلام عليكن جميعاً ورحمة الله وبركاته.

هذا ومن المعلوم عند كل أحد أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان خلقاً سويا ومنَّ عليه بنعمه الظاهرة والباطنة و جعله متميزاً لما آتاه من ملكات وقدرات متنوعة وجعل الاتصال بين البشر اتصالاً اجتماعياً يعني كل أحد من الناس يشعر أنه بحاجة إلي بني جنسه وبسبب هذا يكون التزاحم على المصالح والمنافع ويكون التجاذب والتدافع بين الناس ولذلك كل الناس كانوا بحاجة إلى دعوة إلى الخير و أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وهذا مما يشترك فيه الذكور والإناث ومن أجل هذا كانت وظيفة المؤمنين والمؤمنات جميعاً أن يقوموا بهذا الواجب بجانب عبادة الله سبحانه وتعالى وإخلاص العبودية له ، فالله سبحانه وتعالى يقول : (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) التوبة (71) .



ولما كانت هذه هي وظيفة المؤمنين والمؤمنات جميعا فإن على كل أحد أن يجرب عزيمته وأن يشحذ همته من أجل القيام بهذا الواجب والاضطلاع بمسؤولياته وهذا يعني أن من آتاه الله سبحانه وتعالى بصيرة وفهماً وإدراكاً وعلماً من الرجال والنساء كان أولى لأن يقوم بهذا الواجب لأن الدعوة إنما تكون على بصيرة كما يقول سبحانه وتعالى : ((قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )) يوسف (108) ، و من الواجب أن لا يشح أي أحد كان لأي طاقة من طاقاته ولا لأي وقت من فراغه ولا لأي موهبة من مواهبه بحيث يجند كل ما أمكنه من أجل الوصول لهذه الغاية والاضطلاع بهذه المسؤولية فالقضية ليست قضية سهلة لأنها وراثة النبوة ذلك لأن النبيين هم الذين اضطلعوا بهذه الرسالة والله سبحانه وتعالى بعث النبيين هداة مهتدين صالحين مصلحين يدعون الناس إلى الخير ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر وقد جعل الله مواريث النبوات من فضله على هذه الأمة إذ اختصها بهذه المواريث فكانت وارثة للنبوات في هدايتها فلذلك كان من الواجب على هذه الأمة أن تقوم بهذا الأمر وأن لا تفرط فيه ومن أجل هذا بين سبحانه وتعالى أن ميزة هذه الأمة هي الاضطلاع بهذه المسؤولية وقد قال : ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ )) آل عمران (110) ، وقد بين الله سبحانه وتعالى وجوب أن تكون الأمة هذا شأنها لأنها إن تجردت من ذلك تخلت عن خصوصياتها فقد قال تعالى قبل ذلك : ((وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) آل عمران (104) .



والمجتمع البشري مجتمع يزخر بالأحداث ، أحداث متنوعة وقضايا متجددة وأمور تحتاج إلى معالجة فلذلك كانت ضرورة الدعوة إلى الله سبحانه مع ما يستجد من هذه الأحداث وما يأتي به الزمن من القضايا العجيبة لأن الإنسان قد يندفع اندفاعاً إلى الشر- والعياذ بالله - إن لم يحصن نفسه عن الخضوع له ويحول بينه وبين الوقوع فيه و لئن كان الإنسان بنوعيه أي الذكر والأنثى معرضاً للشر وهنالك نوازع في النفس وهناك أيضاً دوافع وجواذب من قبل الناس فإن المرأة لها خصوصياتها في هذا الأمر فالمرأة هي في حاجة إلى أن تكون دائماً يقظة وأن تكون هناك من بنات جنسها من يحرص دائماً على إيقاظها وتنبيهها ؛ خشية ترديها في المهالك ، هذا بجانب كون الرجل أيضا مسؤولاً عنهاً وعليه أن يقوم بهذا الواجب ، ولكن المرأة مع المرأة أقدر على الوصول إلى الإقناع ؛ لأنها تستطيع أن تختلط بها وأن تشاركها في كثير من الأمور وأن تفضي إليها بكل ما يمكن أن تبديه من هذه القضايا حتى تصل إلى إقناعها بالخير فلذلك كانت مسؤولية المرأة أمام المرأة مسؤولية خطيرة ، والمرأة بطبيعتها تنجذب نحو عاطفتها لأن عاطفتها عاطفة جياشة فهي إن أرخي لها العنان مع الاندفاع وراء هذه العاطفة كانت قضيتها قضية خطيرة جداً وهذا كما يقول أحد شيوخنا – رحمه الله تعالى – عند ما وصله نبأ عن امرأة من مجتمعه زاغت عن السبيل وانحرفت عن سواء الصراط كتب رسالة شديدة اللهجة إلى من كتب إليه بهذا النبأ فكان من ضمن ما كتبه : " والمرأة إن أرخي لها العنان أخذت تتردى ذات اليمين وذات الشمال لا يردها إلا القبر" ولئن كان هذا شأن المرأة كما قال إن أرخي لها العنان فكيف وزماننا هذا فيه كثير من الشرور المرأة تدفع دفعاً من ورائها إلى الشر وتجذب من أمامها إلى الشر فالمرأة إذنً هي بحاجة إلى أن تصان وأن يتعاون كل من الرجل والمرأة على صون هذا الجنس فلذلك كانت ضرورة وجود الداعيات من النساء يربين الجيل على الحق وعلى الخير وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعصرنا عصر استخدم فيه المغريات من أجل إضلال الرجل ومن أجل إضلال المرأة ومغريات الحياة مغريات متنوعة فلذلك كانت الضرورة كما قلنا ضرورة داعية إلى مزيد من اليقظة ومزيد من الحذر فالمرأة يراد بها أن تدفع إلى المزاد بوسائل مختلفة وتحت شعارات متنوعة والضجيج الإعلامي وغير ذلك من الوسائل التي تتخذ من أجل إغواء المرأة لا تقف عند حد بل هي تؤدي دورها باستمرار ولئن كان أهل الشر هكذا يقومون بدورهم فإن على أهل الخير أن يسعوا دائماً إلى الخير وحسنهم هو الرجوع إلى الله تبارك وتعالى و الاستعانة به سبحانه وتعالى .



والقيام بهذه الوظيفة وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبهذا يكون التماسك والترابط فالمجتمع البشري كما قلنا مجتمع لابد من أن يكون متكاملاً ولا بد من أن يكون مجتمعاً متماسكاً وإلا ضاع و هذا التماسك قد بين سبحانه وتعالى أنه لا يكون بين المؤمنين والمؤمنات إلا بمقوماته التي جاء بها قوله : (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) التوبة (71) .



ونحن نرى كيف أنه سبحانه وتعالى مع أهمية الصلاة ومع أهمية الزكاة بعد الصلاة بدأ أولاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما ذلك إلا لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج للمحافظة على الصلاح ، للمحافظة على البر والتقوى ، للمحافظة على صلاح النفس و استقامتها فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقام الصلاة وتؤتى الزكاة ويطاع الله سبحانه وتعالى ورسوله فلذلك بدأ سبحانه وتعالى أول ما بدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم ذكر بعد ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ثم عمم بعد ذلك طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فلذلك نحن ندعو أخواتنا وبناتنا المؤمنات أن يسابقن إلى هذا الخير وأن يحرصن عليه وأن يبادرن إليه وأن لا يتلكأن عنه .

ورد المنى
23-11-2003, 02:13 PM
عليهن أن يقمن بهذا الواجب ، هناك وسائل متعددة في وقتنا هذا لقيام المرأة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : أولاً كما قلنا اختلاطها ببنات جنسها فبإمكانها من خلال اللقاءات والندوات أن توقظ بنات جنسها ثم مع هذا هناك فرص في المدارس وفرص في مراكز التعليم من أجل القيام بهذه الوظيفة وتربية الجيل الصاعد من المؤمنات على هذا الخير وبجانب هذا أيضاً هناك وسائل أخرى هناك الكلمة التي تنشر في الصحف ، وهناك الكلمة التي تبث عبر شبكة المعلومات العالمية وبإمكان المرأة أن تسهم إسهاماً كبيراً وأن تقوم بدور كبير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا ريب أن تأثير المرأة تأثير عميق فهي أولاً قبل كل شيء تؤثر على بنات جنسها ، فللمرأة تأثير كبير على بنات جنسها ، ولها تأثير كبير أيضاً في تربية أولادها فكم من أولاد كان آباؤهم على غير استقامة ولكن استقامة الأمهات هي التي جعلتهم يستقيمون و تصلح أحوالهم ويتربون على الخير والمرأة من مرحلة مبكرة كان لها تأثير أحياناً على زوجها وكان لها تأثير على ذويها وقرابتها كما حصل ذلك عندما دخلت المؤمنات في دين الله تعالى وكن سبباً لجذب كثير من الرجال إلى الدخول في دين الله .



فأم سليم - رضي الله تعالى عنها - كانت سبباً لدخول أبي طلحة الأنصاري - رضي الله عنه- في الإسلام واقتناعه بالإسلام وذلك أنه خطبها فامتنعت أن تقبله زوجاً إلا بعد ما يسلم واشترطت عليه أن يكون مهرها إسلامه فكانت سبباً لهدايته ولذلك فهناك كثير من النساء اللواتي أثرن على أزواجهن حتى دخلوا في دين الله سبحانه ، وكذلك من ناحية الصلاح والاستقامة هناك الكثير من النساء اللواتي أثرن تأثيراً على أولادهن مع أن آباءهم لم يكونوا من الاستقامة في شيء كصنيع بنت عاصم لعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - عندما ربت ولدها عمر بن عبد العزيز على النهج السوي على تقوى الله - تبارك وتعالى - على سيرة جدها العظيم عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - حتى قلب مجرى الحياة السياسية في الدولة الأموية من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح ومن الاعوجاج إلى الاستقامة ذلك بسبب تأثيرها عليه فلأجل هذا يؤمر الرجل أن يختار المرأة الصالحة لتنشئ أولاده على الصلاح والاستقامة والخير وهذا الدور ينبغي أن لا تتجاهله أي امرأة فهي مسؤولة عن تربية أولادها كما أنها مسؤولة عن توجيه بنات جنسها.



ونحن نرى أيضاً في التاريخ القديم كيف كانت المرأة ، كانت ذات عزيمة لا تقف عند حد كانت ذات إرادة صلبة ربما كانت إرادتها تفتت الصم الصلاب بقوتها وهذا حصل في كثير من النساء نحن نرى في النساء السابقات أن المرأة ربما كانت سبباً لتحريك الرجال إلى الخير ودفعهم دفعاً إليه وتشجيعهم على التضحية في سبيل الحق فكم من نساء وقفن وراء المعارك من أجل تأجيج الحماس في نفوس الرجال وهكذا حتى أن المرأة ربما كانت هي السبب الوحيد لئن يثبت الرجل و لا تتزلزل أقدامه عندما يواجه المعارك ويقف أمام الصعوبات .



فالمرأة إذن يجب أن تحرص على هذا الخير وأن تربي أولادها عليه وأن تحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين بنات جنسها حتى يكون للمرأة الدور الإيجابي للنهوض بالمجتمع المسلم إلى الخير ومما ينبغي أن لا يفوت أي امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن عزة المرأة وصلاحها إنما هو في تمسكها بأهداب دينها و في حياتها وعفتها ومحافظتها على شرفها وعدم التفريط في شيء من ذلك فإن الله سبحانه وتعالى شرع من الأحكام ما ينسجم مع الطبائع والفطر فجعل للمرأة أحكام خاصة يجب عليها أن تحافظ عليها وأن لا تفرط فيها كما أن على الرجل أيضا أن يحافظ على ما شرع له من الأحكام وأن لا يفرط فيها و هناك أحكام مشتركة بين الجنسين على كل منهما أن يحافظ عليها ونجد أن من المحافظة على المجتمع أن يكون كل من الرجل والمرأة حرياً يلزم الأدب ويتقيد بقيود الأخلاق ولا ينضبط في حياته بل ينضبط بحيث تكون كل جزئية من جزئيات حياته تدور حول هذا الإطار إطار الحشمة والأخلاق والفضيلة .



الله تبارك وتعالى أدب الرجال أولاً عندما قال : (( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ )) النور / 30 ، ثم بعد ذلك أمر المؤمنات بما آمرهن به وفرض عليهن ما فرض على الرجال بجانب ما فرضه عليهن من الحشمة والوقار فقال : ((وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) النور /13 .



نعم هذا هو الإطار الذي يجب أن تكون حياة المرأة تدور فيه كما أنه إطارُ أيضاً لما يجب أن يكون عليه الرجل من الحشمة والوقار وأن لا يكون أسارى الشهوات وإنما عليهم أن يكونوا أسارى الطاعات طاعة الله تبارك وتعالى لا يحودون عن هذه الطاعة بأي حال من الأحوال في هذا صون للمجتمعات ولكن المجتمعات الجاهلية الحديثة إنما تسعى لأجل الدفع بالمرأة لئن تكون هذه المرأة متعة مجرد متعة وأن تكون هذه المرأة قاضية الشهوات للرجال وأن لا تكون لها قيمة ولذلك سخرت المرأة تسخيراً عجيباً والمرأة تندفع مع الأسف الشديد وراء ذلك من غير أن تتفطن لما يراد بها ، فعلى المرأة المسلمة أن تكون يقظة وأن تدرك هذه المخططات العالمية الخطيرة من أجل الدفع بالمرأة إلى الفساد، فالمرأة المسلمة إنما ترى عزتها في محافظتها على دينها ، ومحافظتها على عفتها وطهارتها ، ومحافظتها على شرفها ، لا التردي والانزلاق كما يراد لها ، و مع هذا أيضاً على الكل أن يتفقه في دين الله تعالى فإن هذه المسؤوليات لا يمكن أن تؤدى إلا بالتفقه في دين الله فأي أحد يكلف أن يصنع شيئاً مثلاً لا يمكن أن يصنعه بمجرد ما يدور بباله من النظر من غير أن يكون على بصيرة بصنعه يعرف كيف يصنعه ماذا يقدم وماذا يؤخر وماذا يفعل أولاً ، إنما عليه أن يكون على بصيرة من أمره فكذلك دين الله تبارك وتعالى على أن دين الله أعظم من كل شيء فلذلك لا يخضع للتجارب ولا يخضع للعقول لأن العقول تتأثر بالمؤثرات الكثيرة المؤثرات النفسية ، والمؤثرات الاجتماعية ، فكانت العقول غير صالحة بنفسها لهداية الإنسان رجلاً كان أو امرأة وإنما دين الله إنما يؤخذ من وحيه فلذلك أرسل رسله وأنزل كتبه ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة .



وقد بعث الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله سيدنا ونبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – بالرسالة الخاتمة الجامعة المانعة التي تشتمل على كل ما يحتاج إليه الإنسان وقد حض سبحانه وتعالى على التفقه في دين الله من أجل المحافظة على دينه ومن أجل القيام بالدعوة إلى هذا الدين فقد قال سبحانه وتعالى : ((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )) التوبة / 122 ، فالتفقه في دين الله من أجل الإنذار ، أي من أجل القيام بالدعوة فإذاً المرأة والرجل مطالبان بالتفقه في دين الله ليكون كل منهما يعبد الله تعالى على بصيرة ويدعوا إلى دينه على بصيرة حتى لا يتردى ويقولا غير الحق إذ الإنسان مسؤول عما يقول ومسؤول عما يعمل والله تعالى يقول : ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )) الإسراء/ 36 .



وقد حذر الله سبحانه من أن يتقول الإنسان على ربه تعالى من غير علم بحيث يدعي أن هذا هو حكم الله في كذا فيحلل ويحرم من تلقاء نفسه أو يفتي من تلقاء نفسه بجهله فقد قال تعالى : ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )) الأعراف / 33 ، وقد بين سبحانه أن إبليس لعنه الله هو الذي يدعو الناس إلى أن يقولوا على الله ما لا يعلمون فقد قال تعالى : ((إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )) البقرة / 169 ، ومن أجل عظم التقول على الله بغير علم قرنه سبحانه وتعالى بإشراك في آية الأعراف وقرنه بالسوء والفحشاء في آية البقرة هذا مما يدل على حرمة التقول على الله بغير علم ومن أجل هذا كانت الدعوة من ضروراتها أن يتفقه الداعية في دين الله سواء كان رجل أو امرأة فلذلك نحن ندعو بناتنا وندعو أخواتنا إلى القيام بهذا الواجب والحرص على التفقه في دين الله من أجل تبديد ظلمات الجهل ومن أجل أن تكون دعوتهن على بصيرة يدعون إلى الله تبارك وتعالى على بصيرة وأسأل سبحانه وتعالى لنا ولكم جميعاً التوفيق بالخير وأن يهدينا سواء الصراط وأن يفقهنا في دين الله وأن ينعم علينا بأن يأخذ بأيدينا إلى جادة الصواب إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير .

نجم الساحة
24-11-2003, 11:18 PM
حليمة السعدية رضي الله عنها




نسبهــــا:

حليمة بنت أبي ذويب ، وأبو ذويب: عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيسا بن عيلان .(1) من قبيلة بني سعد بن بكر.من بادية الحديبية بالقرب من مكة.



عملهــــا:

كانت مرضعة،أي أن المرضعات يقدمن الى مكة من البادية ويفضلن من كان أبوه حياً ليزيد من إكرامهن.

زوجهــــا:

هو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة



أبناؤها:

كبشة، وأنسيه، والشيماء
أبناؤها من الرضاعة:

محمد صلى الله عليه وسلم،حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، سيد الشهداء وعم النبي،أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم الرسول r.

سبب أخذها للرسول :

قدمت حليمة السعدية مع نساء قومها يلتمسن الرضاع من أبناء مكة،فرجعت صاحباتها بأبناء مكة ولم تجد هي أحداً ترضعه سوى اليتيم محمداً r، وقالت حليمة:"قدت في سنة شهباء( جدباء )، على أتان لي ومعي صبي لنا وشارف( ناقة )، فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله r فتأباه.إذا قيل أنه يتيم الأب،فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعاً غيره، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي إني لأكره أن أرجع من بين صاحباتي وليس معي رضيع،لأنطلق إلى ذلك اليتيم فلآحذنه" فأخذته حليمة ووجدت بركة في شرفها، وثديها، وآل بيتها، وأغنامها، وأرضها التي كانت تعاني من الجدب.


رجوع حليمة إلى مكة:

قالت : فقدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا،لما كنا نرى من بركته،فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت بني عندي حتي يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا، قالت فرجعنا به.



حليمة ترجع به إلى أمه:

قالت حليمة: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ قالت : فقلت: نعم قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي، وتخوفت الأحداث عليه، فأديته عليك كما تحبين، قالت ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت :أفتخوفت عليه من الشيطان؟ قالت : قلت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبني لشأناً،أفلا أخبرك خبره؟ قالت:قلت: بلى، قالت رأيت حين حملت به أنه خرج منه نورٌ أضاء لي به قصور بصري من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حملٍ قط كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضعٌ يده بالأرض، رافعٌ رأسه إلى السماء، دعيه وان طلقي راشدة.


افتقاد حليمة للرسول r:
افتقدت حليمة للرسول حينما عاد لمكة فافتقدت حليمة بركته، وأصابها من اللوعة والشوق إليه .



سبب آخر لعودة حليمة به r:

قدم جماعة من نصارى الحبشة إلى الحجاز فوقع نظرهم على محمد rفي بني سعد ووجدوا فيه جميع العلائم المذكورة في الكتب السماوية للنبي الذي سيأتي بعد عيسى عليه السلام؛ ولهذا عزموا على أخذه غيلة إلى بلادهم لما عرفوا أن له شأناً عظيما؛ً لينالوا شرف احتضانه وذهبوا بفخره.

حليمة والمرات الأخيرة التي التقت بالرسول r:

المرة الأولى:

ولقد كان رسول الله r يكرم مرضعته حليمة السعدية-رضي الله عنهما ويتحفها بما يستطيع فعن شيخ من بني سعد قال:قدمت حليمة بنت عبد الله على رسول الله r مكة، وقد تزوج خديجة ، فشكت جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلم رسول الله r خديجة فيها فأعطتها أربعين شاة وبعيراً موقعاً للظعينة، وانصرفت إلى أهلها.



المرة الثانية: يوم حنين.



وفاة حليمة:

توفيت حليمة السعدية-رضي الله عنها- بالمدينة المنورة،ودفنت بالبقيع.

االـخـاتــــمة
مما سبق تعرفنا على شخصية هذه المرأة الجليلة الفاضلة التي كان لها الفضل في تربية الرسول صلى الله عليه وسلم تربية صالحة وخوفها عليه، وقد رأينا هذا الموقف واضح وجلي عندما شق قلب الرسو صلى الله عليه وسلم خافت عليه حليمة السعدية و أرجعته إلى أمه. هناك مواقف كثيرة تدل عل حب حلية السعدية للرسول. فعلينا تذكر هذه المرأة وعدم دائماُ .

ورد المنى
29-11-2003, 10:11 AM
بارك الله فيك أخي الكريم على ما تبذله
مكانة إزكي التاريخية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين ، الذي جعل في قصص الغابرين عبرا للحاضرين وفوائد للمستفيدين، سبحانه خلق فسوى وقدر فهدى وله الآخرة والأولى، أحمده بما هو له أهل من الحمد وأشكره وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره، وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق وله الحكم وله الأمر وله القهر( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله رحمه للعالمين وسراجا للمهتدين، وإماما للمتقين ونعمة على الخلق أجمعين، فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ونصح هذه الأمة ودعى إلى ربه على بصيرة حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فلا ريب أن لهذه المدينة تاريخا مجيدا سجله الدهر ووعاه الزمن وحصلت به الأيام، ونحن عندما نتأمل التاريخ علينا أن نستفيد من عبره، وأن نعرف مواطن الضعف والقوة ومواطن الاهتداء والضلال، فإنه ولا ريب يوجد في كل عصر من العصور من الأخطاء ما يجب تفاديه، فكل أمة من الأمم توجد فيما بينها قضايا تاريخية تحتاج إلى عمق دراسة، والناس غير معصومين إلا رسل الله المصطفين الأخيار ولذلك يجب اجتناب ما هو خطأ وأتباع ما هو صواب على أن الله تبارك وتعالى بين لنا في قصص الغابرين عبرا للحاضرين عندما قال سبحانه وتعالى:] لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون[( سورة يوسف الآية(111) ومن المعلوم أن كل أمة من الأمم تريد أن تبني لها أمجادا لا تلتفت إلى غابرها فقط من غير أن تلتفت إلى حاضرها، فهي تلتفت إلى غابرها لتصلح حاضرها، لا لأن تتكل على حاضرها وقد أجاد من قال:

إنا وإن أحسابنا كرمت

نبني كما كانت أوائلنا

وخير الناس ذو حسب قديم



لسنا على الأحساب نتكل

تبني ونفعل مثل ما فعلوا

أقام نفسه حسبا جديدا




أما الذي يتكل على الماضي ولا يلتفت إلى الحاضر من أجل إصلاحه ومن أجل بنائه فإنه ولا ريب يكون بناؤه غير عامر، لأنه من أهل الاتكال، وأهل الاتكال دائما عظاميون لا يلتفتون إلى ما يجب أن يكونوا متلبسين به في الحاضر من فضل وهدى وصلاح وعلم مع أن ذلك كله ليس بموروث، فالعلم والتقى والأمجاد لا تورث من الأسلاف، وإنما تكون هذه عوامل خير عندما تكون حوافز للإنسان إلى أن يكيف حاضره ليكون وفق الماضي السعيد ليضم طارف المجد إلى تليده وهكذا يسعى دائما صناع التاريخ، ولئن كان مما عرف عند الناس أن من لم يكن له ماض فليس له حاضر فإن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن يتكل الناس على ماضيهم من غير أن يصلحوا حاضرهم والناس دائما ينظرون إلى النتائج والعواقب ولذلك يكيفون فلسفتهم وفق النتائج التي يصلون إليها مما ينظرون إليه فمن الشعراء من يمجد من كان له ماض لأجل أن النتائج التي أبصرها كانت نتائج خير ومنهم من يكون بعكس ذلك فكما نسمع أحد الشعراء يقول:

إذا ما رأيت أمرا حازما

فلست ترى من لبيب لبيبا
نسمع شاعر أخر يقول:

من الصالحين الصالحون ومن يكن
ويقول آخر:

ولا غرو من تلك العصية ذي العصا



فكل في ابنه سيء الاعتقاد

وهل يخلف النار إلا الرماد



لآباء صدق يلقهم حيث سيرا



وهل نجباء القوم بنو النجب




ومن هنا نهيب بأبناء صنعوا التاريخ، بأبناء العلماء الأفذاذ، بحفدة الرجال العظام، أن يكونوا على سيرة آبائهم وأمجادهم وليكيفوا الحاضر حتى يواصلوا نهج الماضي المجيد، لا أن يتكلوا على ذلك الماضي من غير أن يعنوا بحاضرهم، ومن المعلوم أن التاريخ مرآة تعكس جميع الماضي بحلوه ومره وصلاحه وفساده واستقامته واعوجاجه وهداه وضلاله، وما على الإنسان إلا أن يستفيد من ذلك كله فإنه كما يستفيد من تاريخ الصالحين يستفيد أيضا من تاريخ الآخرين ليتفادى أخطاءهم، والله تبارك وتعالى ضرب الأمثال الكثيرة في كتابه الكريم وشد انتباه الناس إلى الأمم الغابرة التي ضلت سبيل ربها وانحرفت عن منهج دينها ووقعت فيما وقعت فيه من العواقب الوخيمة يقول الله سبحانه وتعالى] ألم يرو كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين[(سورة الأنعام الآية6) فجدير إذن بالإنسان أن يستفيد من كل الماضي وهذه المدينة مدينة علم وإصلاح وقيادة وبطولة وحسبكم ما يقوله شاعر الإسلام الكبير العلامة أبو مسلم البهلاني رحمه الله عندما يذكر هذه المدينة فيقول:

وأين إزكي وطيس الحرب ما فعلت



فإن عمدة هذا الأمر جرنان




وحسبكم أيضا أن اثنين من حملة العلم إلى عمان- وهم خمسة- كانوا من هذه المدينة، ذلك أن هؤلاء ذهبوا إلى بلاد البصرة التي كانت حاضرة علم، فتلقوا العلم عن الإمام المحدث الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى، وجاءوا إلى عُمان لينشروا هذا العلم في ربوعها، وهذا يدل على التفوق البالغ لهذه المدينة في تاريخ العلم، وقد كان نصيبها أكثر من الثلث، ولا يعني ذلك أنه لم يكن هنالك حملة علم، ولم يأت إلى عمان من أهل عمان ومن غيرها من حمل إليهم العلم غير هؤلاء الخمسة ولكن هؤلاء الذين اشتهروا لأنهم كانوا عصبة جاءت في وقت واحد من بلاد البصرة إلى عمان لنشر العلم فيها.

من بين هؤلاء الخمسة علمان من إزكي أحدهما هو: الإمام منير بن النير الذي نسب فيها بعد إلى جعلان لأنه سكن فيها فقيل له الجعلاني، فهو من إزكي منبتا ومنشأ ومقاما، وإنما ذهب إلى جعلان لأجل القيام بمهمته بنشر العلم هناك فنسب إلى تلك المنطقة، فهو منير بن النير بن عبد الملك من بني ريام، وبنوا ريام كما هو مشهور من قضاعة، من العلماء الذين كانت لهم مكانة علمية سامقة، وكان لهم اجتهادهم في أمور العلم ونظرتهم الفاحصة في مسائله، التي ربطوا فيها الفروع بأصولها والآراء بأدلتها ولذلك كان علما من أعلام العلم، وبجانب كونه فقيها محققا مجتهدا كان أيضا داعية مصلحا، ولذلك جاءت رسالته فيها الدعوة إلى استقامة أحوال الناس على حسب ما يقتضيه أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه ، وبحسب ما يقتضيه هدى الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، ذكر ما كان عليه السلف الصالح من الزهد في هذه الدار الدنيا والرغبة في الدار الآخرة، وكانت له همة سامقة في أدوار تاريخه، فهو ممن شهد بيعه الإمام الجلندى بن مسعود، ولابد من أن نقف مع التاريخ وقفة تأمل ونظر، فإن التاريخ فيه الكثير من الأخطاء نتيجة الإهمال والحوادث فقد أتى الدهر بحوادث الجمة على الكثير من قضايا التاريخ فحصل اللبس بين الصحيح والخطأ، ذلك لأن الأسماء تتشابه، ولأن الحفدة قد يكونون مسمين بأسماء جدودهم فيلتبس الحفيد بالجد.

فنجد في التاريخ منير بن النير رحمه الله تعالى كان من الذين أكرمهم الله بالشهادة تحت لواء الإمام عزان بن تميم وهو يقاوم أولئك الغازين الذين جاءوا إلى عمان تحت راية محمد بن بور، الذي سام أهل عمان خسفا وذلا بعدما تمكن في بلادهم نتيجة اختلاف كلمتهم وتفرق شملهم، وهذا الحدث وهو حدث ابن بور بور كان في عام(280هـ) بينما بيعة الإمام الجلندى بن مسعود رحمه الله كانت في عام (130هـ) وقد قالوا إن منير بن النير رحمه الله الذي أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا الحدث التاريخي كان عمره في ذلك الوقت (110 سنوات) ولكن همته حفزته لأن يخرج للجهاد في سبيل الله، وهذا موقف يجب أن يعاد فيه النظر، فإنه من المستبعد جدا أن يكون منير هذا هو الذي شهد بيعة الإمام الجلندى بن مسعود، ذلك لأن الإمام الجلندى بن مسعود كما قلنا بويع في عام(130هـ) بينما هذا الحدث الذي استشهد فيه منير كان في عام (280هـ) فبين بيعة الإمام الجلندى وغزو ابن بور لعمان ( 150 عاما) فكيف يكون عمره في ذلك الوقت (110) سنوات، هذا يدعونا إلى اعتقاد أن منير الشهيد هو حفيد لمنير الذي حمل العلم إلى عمان وليس هو بعينه فإنه يتعذر عند كل من يعرف الحقيقة أن يدرك أحد عمره(110) سنوات ما حدث قبل( 150) عاما ثم بجانب ذلك فإنه حسب التحري يتبين أن الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله الذي حمل عنه العلم منير الأول توفي في عام( 170هـ) وهذا يعني أن ذلك هو وقت ولادة منير الذي استشهد مع الإمام عزان ابن تميم، وهذا اللبس في التاريخ كثيرا ما يحصل هنا عندنا في عمان نتيجة ما حدث من أحداث أتت على الكثير ما دون من التاريخ ونتيجة انقطاع الصلة في بعض الأحيان بسبب تمكن الجبابرة، وعدم اشتغال الناس بتدوين ما حصل.

ورد المنى
29-11-2003, 10:14 AM
من أمثلة ما يقال بأن الإمام الخليل بن شاذان هو الخليل بن شاذان بن الصلت ابن مالك والصلت بن مالك توفي في عام( 272هـ) وابنه شاذان كان في الأحداث التي حصلت بعد وفاة أبيه ولكن لم يذكر له أي عمل عندما غزا ابن بور عمان، وهذا يعني أنه توفي قبل غزو ابن بور عمان، وحسب ما يتبين أنه توفي عام (280) هـ, بينما الإمام الخليل بن شاذان حسب ما سجل العلامة ابن مداد في سيرته بويع بالإمامة في عام (444)هـ, ومن المستبعد أن يكون بن الخليل بن شاذان بن الصلت, وإنما يتبين أن الخليل بن شاذان هو الخليل بن شاذان بن الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك, كذلك منير الذي استشهد مع الإمام عزان بن تميم حسب ما يبدو هو منير بن النير بن منير بن النير, فهو حفيد الذي حمل العلم إلى عمان, وقد كان لمنير الأول ذرية حسب ما يبدو, ومن بين هذه الذرية ولدان استشهدا بدورهما في مبايعة الإمام الصلت بن مالك رحمه الله تعالى, وهما العلا وهلال, وهذا يعني أن لهما مكانة علمية فالعلا وهلال هما ابنا المنير وقد بويع الإمام الصلت بن مالك في العقد الرابع من القرن الثالث الهجري, ويبدو أن الأب لو كان حيا في ذلك الوقت لا بد من أن يكون له دور وتاريخ يذكر في مبايعة الإمام الصلت بن مالك.

والثاني من حملة العلم إلى عمان من هذه المدينة هو الإمام موسى بن أبي جابر,وكان بجانب كونه علامة محققا جامعا بين المعقول والمنقول يشار إليه بالبنان كان أيضا قائدا دينيا, ولذلك كان مرجع أمر أهل عمان في زمانه فقد كان شيخ الإسلام في عمان وهو الذي اجتمع على يديه شمل العمانيين, فبايعوا محمد بن أبي عفان أولا بعدما رزءوا بانتهاء دولة الإمام الجلندى بن مسعود وما حدث بعد ذلك من تسلط الجبابرة من بني الجلندى أنفسهم على عمان, وما حصل من تفرق الكلمة وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجتمع الشمل على يد الإمام موسى بن أبي جابر فبويع في عهده ابن أبي عفان إماما للعمانيين ولكنهم لم يحمدوا سيرته, وبناء على ما يقتضيه فقههم السياسي فإنهم رأوا عزله وإبعاده فكانت البيعة الثانية للإمام الثاني وهو الإمام الوارث بن كعب في تاريخ الإمامة الثانية, فكانت بيعته أيضا على يدي الإمام موسى بن أبي جابر نفسه الذي كان قد بلغ من الكبر عتيا حتى أنه وضع على جبينه ما يشد حاجبيه لكبر سنة, وكان يأتي به على السرير ليدير أمر المسلمين, وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على مكانته العلمية ومكانته الاجتماعية, ويدل على أن المسلمين بعمان كانوا ينظرون إليه نظرة إكبار فلذلك كانوا ينقادون لأمره.

وكان سائسا حكيما, وقد تجلت سياسته في تفريق الناس الذين كانوا يخشى بأسهم عندما بويع لمحمد بن أبي عفان من أجل أن يصفوا الأمر اللذين يسعون إلى إعادة الحق وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وموسى بن أبي جابر من بني سامه بن لؤي, ومن المعلوم أن سامة بن لؤي هاجر من أرض الحجاز إلى أرض عمان بسبب خلاف حصل بينه وبين عشيرته, وهو أخو كعب بن لؤي بن غالب, الذي هو أحد أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم, فاجتماع هذه العشيرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما مع لؤي بن غالب وقد ترك موسى بن علي بن أبي جابر, وكان من بين أولاده النبغاء محمد بن موسى الذي كان من العلماء الذي يشار إليهم بالبنان.

وكان أيضا من هذه العشيرة علي بن عزرة وهو من العلماء الأفذاذ, وعندما غزا أحد قادة هارون المعروف بالرشيد أرض عمان, وهو عيسى بن جعفر أخو زبيدة زوجة هارون بعد ما وقع أسيرا في أيدي العمانيين استشاره الإمام الوارث بن كعب في أمره فقال له إن قتلته فهو جائز وإن تركته فهو جائز, فآثر الإمام ترك قتله, وهذا يدل على مكانته علي بن عزرة التاريخية والعلمية عند العلماء والأئمة في ذلك الوقت, وكان علي بن عزرة زوجا لابنة الإمام موسى بن أبي جابر, ومن هذه الابنة الإمام موسى بن علي بن عزرة الذي كان قد تولى قيادة أمر المسلمين وإدارة شؤونهم, وكان المرجع لأئمتهم في عهده, وقد كان في عهد الإمام عبد الملك بن حميد وفي عهد الإمام المهنا بن جيفر هو الذي يدير شأن هذه الأمة, وموسى بن علي رجل لا يشق له غبار في ميدان العلم فله اجتهادات كثيرة تدل على علو كعبه في شتى العلوم ولا سيما في الفقه, فإن اجتهاداته تدل رسوخ قدمه وقدرته على استنباط المسائل من أدلتها, وقد كان منفتحا على آراء الآخرين, ولذلك كان يحذو حذو ابن عباس رضي الله عنهما في التسامح, في مقابل الإمام ابن محبوب الذي كان كثيرا ما يتشدد, بينما موسى بن علي كان بخلاف ذلك فكان في آرائه الكثير من التسامح.

ومن رأيه كان فيما إذا تزوج أحد امرأة بإذنها وحدها من غير أن يأذن بذلك وليها ثم دخل بها أنه لا يفرق بينهما, وكان يقول النكاح بغير ولي لا يجوز, ولكن إن وقع الدخول لم أفرق بينهما, والعلماء وجهوا رأيه هذا بأنه كان مبنيا على نظرته إلى الاختلاف الواقع بين الأمة في جواز تزوج المرأة بدون إذن وليها, فجمهور الأمة يقولون بأن المرأة لا يجوز لها بحال من الأحوال أن تتزوج بغير إذن وليها لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:( لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة) ويقول صلى الله عليه وسلم: ( كل امرأة زوجت نفسها, بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل), ولكن بجانب هذا الرأي للجمهور هناك رأي للإمام أبي حنيفة ومن حذا حذوه يرى أن المرأة هي أملك بنفسها, فلذلك رأى الإمام موسى بن علي عدم التفريق بين الرجل والمرأة إن دخل بها وتزوجها بغير إذن وليها لئلا يكون أخذ بهذا الرأي.

ومن المسائل التي كان له رأي لا يتفق فيه مع رأي جمهور العلماء أن جمهور العلماء كانوا يرون لو أن أحدا ادعى على شركاء بأن له حقا عليهم فاعترف بذلك الحق اثنان منهم يكون اعترافهما حجة عليهم دون شركائهم, ولا يلتفت في هذا الجانب إلى العدالة وغيرها, لأن الاعتراف ليس هو بشهادة, ولكن الإمام موسى بن علي رحمه الله تعالى كان يرى أن الاعتراف إن حصل من ثقة عدل تقبل شهادته, فهو بمثابة الشهادة, إن كان هذان المعترفان ثقتين عدلين يعتد بشهادتهما, فاعترافهما يجري عليهما وعلى سائر شركائهما.

وكان من رأيه أيضا أن أحدا لو قال لزوجته طلقتك أكثر الطلاق فلا تطلق إلا تطليقتين أخذا بمدلول قول الله سبحانه وتعالى ] الطلاق مرتان[, بينما أكثر العلماء يقولون بأنها تطلق ثلاث طلقات وذلك لأن منتهى الطلاق إلى الثلاث وفي هذا يقول الإمام السالمي رحمه الله تعالى:

فتطلق الثنتين في المروي



عن قاض مصرنا أبي علي




وقد وقع في عهد الإمام عبد الملك بن حميد أن رجلين من اليهود كانا بصحار وكانا يقتتلان فيما بينهما, وعندما أحس أحدهما بالغلبة من قبل الآخر قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله, فقال من هناك من الحاضرين أعينوا أخاكم فإذا به بعد ذلك ينكر هذه الشهادة ويتراجع عنها, ووقع الخلاف بين أهل العلم في أمر هذا الإنسان, ورفع الأمر إلى الإمام عبد الملك بن حميد, فعرض الأمر على مرجع أهل الفقه في دولة الإمامة وهو الإمام موسى بن علي رحمه الله فقال: بأنه يشدد على ذلك الذي ترك مقتضى الشهادتين بعدما اعترف بهما ويغلظ عليه القول ويهدد بالقتل فإن أصر على موقفه فلا يقتل لأنه لم يعترف بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق من عند الله سبحانه وتعالى وهذا رأي رآه, وإلا فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على الشهادتين وحدهما إذ يقول: في الحديث الذي أخرجه الشيخان من طريق ابن عمر رضي الله عنهما " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" وأوضح القطب رحمه الله بأن شهادة أن محمدا رسول الله تتضمن الشهادة له بأن ما جاء به هو الحق من عند الله سبحانه وتعالى من غير نطق بذلك, وهذا هو الري يقتضيه كلام الإمام نور الدين السالمي رحمه الله:

ونحن لا نطالب العبادا



فوق شهادتيهم اعتقادا



فمن أتى بالجملتين قلنا



إخواننا وبالحقوق قمنا




والمسائل التي اجتهد فيها كثيرة, ولموسى بن علي العديد من الأخوة كانوا أيضا علماء أجلاء منهم: محمد بن علي والأزهر بن علي, وللأزهر بن علي اجتهادات في الفقه, من ذلك أن جمهور علمائنا يرون أن الذي ينظر إلى فرج المرأة أو يمسه بيده تكون حراما عليه كما تحرم عليه في رأيهم عندما يزني بها, لكن الأزهر بن علي كان له رأي آخر فكان لا يرى للمس ولا للنظر حكم المباشرة بالفرج, وهذا الرأي ما كان أكثر العلماء يرون, ولكن الإمام أبا نبهان والإمام نور الدين السالمي رحمهما الله أخذا به وفي هذا يقول الإمام نور الدين السالمي:

وذهب الأزهر ألا يحرموا



بذيل ما الزنى به يحرم



وهو الصحيح فتكنى الأولا



وإن يكن من مضى عليه عولا






هذا ضمن اجتهادات الأزهر بن علي ولمحمد بن علي أيضا اجتهادات محققة متعددة, ولمحمد بن علي ذرية فمن بينهم موسى بن محمد بن علي وكان عالما محققا أيضا, وكان له رأي لا يختلف مع رأي ابن عمه موسى بن موسى بن علي في أمر الإمام الصلت بن مالك رحمه الله, وقصة موسى بن موسى مشهورة, ولكن موسى بن محمد بن علي ظل متمسكا بإمامة الإمام الصلت بن مالك إلى أن مات, وتسلسل العلم في ذريتهم.

ومن بين العلماء الكبار في هذه المدينة العلامة أبو جابر محمد بن جعفر صاحب الجامع المشهور, وهو من أشهر كتب الفقه القديمة, وهو المعول عليه كثيرا في الإفتاء في المذهب, حتى أن من العلماء من كان يحرص على قراءته من أوله إلى أخره المرة بعد المرة, بحيث يتلوه باستمرار بسبب سهولة ألفاظه وظهور حجته وتبسيطه للمسائل التي عرضها فيه, وقد طبع جانب من هذا الجامع ونرجو أن تكمل طباعته بإذن الله سبحانه وتعالى, وهو من حملة العلم ومن بيت علم ووالده عرف بجعفر الطيار تيمنا بالوصف الذي كان عليه الصحابي الجليل ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم جعفر الطيار رضي الله عنه, ومحمد بن جعفر تسلسل العلم في ذريته من بعده, فكانوا أهل علم وفضل وقيادة وصلاح واستقامة, وكان محمد بن جعفر رجلا أصم, وكان في مقامه اثنين من العلماء كل واحد منهما أصيب بعاهة, فأبو المؤثر كان معاصرا له, وكان ندا له, وكان زميلا له في الدراسة لأنهما جميعا أخذا العلم من الإمام محمد بن محبوب رحمه الله تعالى, ولكن وقع بينهما الخلاف الذي وقع في أمر موسى بن موسى وراشد ابن النظر وقيامهما على الإمام الصلت بن مالك, ولذلك كانت تتبادل بينهما رسائل فيها الكثير من التشديد, فقد تشدد كل واحد منهما في جانب الآخر كلان أبو المؤثر أعمى, وكان الآخر هو نبهان بن عثمان, وذكر الإمام أبو سعيد رحمه الله في كتابه (الاستقامة) بأن أمر أهل عمان في ذلك الوقت كان يرجع إلى ثلاثة إلى أصم وأعرج وأعمى:

والأصم هو : أبو جابر محمد بن جعفر (صاحب الجامع)

والأعمى هو: أبو المؤثر الصلت بن خميس

والأعرج هو : نبهان بن عثمان

ونجد أن بيوتات تسلسل فيها العلم بإزكي, بحيث يتلقى العلم الواحد عن أبيه عن جده, وهكذا يتسلسل العلم من الجدود إلى الحفدة وهذا ما حصل في بيت علي بن عزرة وفي بيت محمد بن جعفر وفي بيت منير بن النير وفي بيوتات أخرى.

ومن بين هذه البيوتات بيت أبي سعيد الإزكوي الذي يتصور بعض الكاتبين بأنه كان شيخا لمحمد بن سعيد القلهاتي صاحب كتاب ( الكشف والبيان), فإنه كثيرا ما يحكي عن أبي سعيد وهو لم يكن معاصرا لأبي سعيد الكدمي, فيبدو أن أبا سعيد الذي يعنيه هو أبو سعيد الإزكوي الذي كان عالما في زمانه, ثم كان العلم فيما بعد في ولده سليمان بن أبي سعيد ثم في ولده محمد بن سليمان بن سعيد, ثم صار العلم في ولديه سليمان بن محمد بن سليمان بن أبي سعيد وأبي القاسم ابن محمد بن سليمان بن أبي سعيد, ثم صار العلم في علي بن أبي القاسم ولعل السلسلة امتدت إلى أكثر من ذلك ولكن لم يحفظ لنا التاريخ أكثر من هذا.

كذلك بيت الشيخ جمعة بن أحمد الرقيشي, فإن العلم تسلسل في ذريته من بعده وكان من بين ذريته صاحب كتاب التقليد في النحو, وهو كتاب توسع فيه مؤلفه, وله بجانب ذلك رسالة مختصرة في النحو تعد اختصارا لما في هذا الكتاب المطول, ومن بين ذريته أيضا الشيخ العلامة أحمد بن عبدالله القريشي صاحب كتاب مصباح الظلام في شرح دعائم الإسلام, وهو من الأوائل الذين شرحوا دعائم ابن النظر إذ لم يتقدمه فيما أحسب إلا ابن وصاف في شرح هذا الديوان الفقهي, وكان من العلماء البارزين, وكان من بين العلماء الأفذاذ الكبار المتأخرين من ذريته ذلك الهزبر الضرغام الذي كان شريح زمانه في القضاء الشيخ محمد بن سالم الرقيشي رحمه الله.

وجد العلم كذلك في العديد من البيوتات كبيت الشيخ شائق بن عمر, ويقال ابن عمر الأزكوي, والشيخ شائق بن عمر كان له اجتهاد في الفقه, ولعله انفرد بمسألة لم يسبقه إليها أحد من علماء المذهب فيما أحسب, فقد كان يرى أن الكاتب العدل عندما يكتب بين المتعاملين تكون كتابته حجة ولو لم يشهد في كتابته أحد, وقد سمعت شيخنا إبراهيم بن سعيد العبري يوجه هذا الرأي بأنه يرى هذى الكاتب العدل حكمة حكم القاضي الشرعي, فكما أن القاضي الشرعي عندما يقضي بين المتخاصمين يكون فصله حجة ولم يكن فصله أحد, فكذلك الكاتب العدل, لأن الله تبارك وتعالى ناط أمر التعامل بالتكاتب بين المتعاملين كما جاء ذلك في آية الدين, وقد قال برأيه هذا فيما بعد قطب الأئمة رحمه الله في تفسيره هميان الزاد وتيسير التفسير.

وتسلسل العلم في بني ريام, وكان من بين العلماء الشيخ عامر بن سليمان, ثم ابنه الشيخ ناصر بن عامر ثم أبنه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر.

وكان من العلماء الأفذاذ الذين جمعوا بين العلم والعمل والزهد والصلاح والاجتهاد والمثابرة في الخير ذلك القائد الشهير العلامة أبو زيد عبدالله بن محمد الريامي رحمه الله, الذي جسد في ولايته في عهد الإمامين سالم بن راشد الخروصي والإمام محمد بن عبدالله الخليلي- رحمة الله عليهما- سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في زهده واجتهاده لأمر المسلمين وحرصه على مصالحهم, حتى كان مضرب المثل وقال ممن قال من أهل العلم والخبرة والذين عاصروا العلامة أبا زيد بأنه لم يكن في عمال الإمامين المذكورين أحد كمثله في مزاياه التي تميز بها, وحسبه ثناء الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله عندما قال فيه بأنه رجل من رجال عمر, ولكن الله أوجده في زماننا.

فهذه نبذة مختصرة عن علماء إزكي ونحن لسنا بصدد إحصاء علماء هذه المدينة فضلا عن الولاية, فهناك في الولاية الكثير جدا من العلماء والقادة الأفذاذ الذين كانت لهم فتوحات في عهود الأئمة لا سيما في عهد أئمة اليعاربة, عندما كانوا يقاومون البرتغاليين كالشيخ محمد بن مسعود الصارمي وغيره من العلماء القادة, وهذا نعده نموذجا لمن يريد أن يسلك هذا المسلك ويسير على هذا الدرب, وفي هذا ما يحفز همم أصحاب الهمم حتى يكونوا بمشيئة الله عصاميين يبنون أمجاد الحاضر على ذلك الأساس الذي أقامه لهم الآباء في الزمن الغابر فكما قال الشاعر:

وخير الناس ذو حسب



أقام لنفسه حسبا جديدا




فنهيب بأشبال أولئك الآساد أن يحرصوا كل الحرص على تنشئة أجيالهم على ذلك المسلك والسير في هذا الدرب وأن تكون هذه الأمجاد بمشيئة الله متواصلة لينطبق عليهم قو الشاعر:

من الصالحين الصالحون ومن يكن



لآباء صدق يلقهم حيث سيرا




والله سبحانه وتعالى نسأله التوفيق والتسديد والأخذ بأيدي الجميع إلى ما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير, وبالإجابة جديد نعم المولى ونعم النصير وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.




هذه محاضرة لسماحة الشيخ أحمد الخليلي-حفظه الله-

ورد المنى
04-12-2003, 03:09 PM
]أتمنى أن تنتفعوا وتنفعوا في هذه المكتبة]جزاكم الله خيراً

نجم الساحة
10-12-2003, 08:39 PM
ثويبة مولاة أبي لهب



ثويبة هي جارية أبي لهب، أعتقها حين بشّرته بولادة محمد بن عبد الله – عليه الصلاة والسلام ، وقد أسلمت وكل أمهاته صلى الله عليه وسلم أسلمن .

إرضاعها للنبي صلى الله عليه وسلم :

كانت ثويبة أول من أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم – بعد أمه، وأرضعت ثويبة مع رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ـ بلبن ابنها مسروح- أيضاً حمزة عمّ رسول اللّه، وأبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثويبة عتيقة أبي لهب.

وقيل: انه رؤى أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار، إلا أنه يخفّف عني كل أسبوع يوماً واحداً وأمص من بين إصبعيَّ هاتين ماء ـ وأشار برأس إصبعه ـ وان ذلك اليوم هو يوم إعتاقي ثويبة عندما بشّرتني بولادة النبي عليه الصلاة والسلام ، بإرضاعها له.

وكان إرضاعها للرسول أياما قلائل قبل أن تقدم حليمة السعدية ، وفي روايات تقول : إن ثويبة أرضعته أربعة أشهر فقط، ثم راح جده يبحث عن المرضعات ويجد في إرساله إلى البادية ، ليتربى في أحضانها فينشأ فصيح اللسان ، قوي المراس، بعيداً عن الامراض والاوبئة إذ البادية كانت معروفة بطيب الهواء وقلة الرطوبة وعذوبة الماء وسلامة اللغة، وكانت مراضع بني سعد من المشهورات بهذا الأمر بين العرب، حيث كانت نساء هذهِ القبيلة التي تسكن حوالي (مكة) ونواحي الحرم يأتين مكة في كل عام في موسم خاص يلتمسن الرضعاء ويذهبنَ بهم إلى بلادهنّ حتى تتم الرضاعة .

إكرام الرسول لثويبة :

ظل رسول الله يكرم أمه من الرضاعة ثويبة ، ويبعث لها بكسوة وبحلة حتى ماتت . وكانت خديجة أم المؤمنين تكرمها ، وقيل أنها طلبت من أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها فأبي أبو لهب ، فلما هاجر رسول الله –صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة أعتقها أبو لهب ، وهذا الخبر ينفي ما روي سابقا بأن أبا لهب أعتقها لبشارتها له بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم . وفاتها :

توفيت ثويبة في السنة السابعة للهجرة ، بعد فتح خيبر ، ومات ابنها مسروح قبلها .


نجــــــــــــــــــــــــــ الساحة ــــــــــــــــــــــــــم

ورد المنى
11-12-2003, 05:26 PM
الصوم وأثره على النفس - عامر العيسري
بتاريخ 17-9-1424 هـ
القسم: فقه وعقيدة
الصوم وأثره على النفس المقدمة الحمد لله الملك القدوس، الذي جعل الصيام تزكية للنفوس، ومنجاة من كل شدة وبؤس، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله الذي أخبر أن الصوم جنة، تفضلا من الله ومنة، وعلى أصحابه الصائمين القائمين الى يوم الدين.

أما بعد: إن الله طلب من المسلم أن يجاهد نفسه حتى يصل الى اصلاحها وصقلها وتطهيرها، وفرض علينا عبادات تعيننا للوصول الى هذا المقصد الرفيع، فالحمد للبديع. ومن هذه العبادات الصلاة والحج والزكاة والصيام وغيرها كثير. وهنا نحن في هذا المقال المتواضع الحقير سنحاول توضيح الكيفية بعون الملك المعبود فليس من السهل أن يصلح الانسان نفسه ويعرف عيبها. قال الشاعر: يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيم ونراك تصلح بالرشاد عقولنا أبدا وأنت من الرشاد عديم لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم فابدأ بنفسك فانهما عن غيها فاذا أنتهت عنه فأنت حكيم فالى المقال المتواضع وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل. تعريف الصوم: الصوم لغة هو الامساك والكف والامتناع، من هنا أخذ المعنى التعبدي بمنظوره الاسلامي والذي فرضه الله تعالى على عباده. يقال صمت عن كذا بمعنى أمسكت عنه ولم أقدم على فعله، قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: (قالت إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا). وقال الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تقطع اللجما وأما الصوم شرعا فمعناه الامساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر الصادق الى أن يحضر الليل. الإمساك عن الطعام والشراب، والامساك عن الفحش والغيبة والنميمة والكذب والامساك عن الطيش والثرثرة والمزاح الثقيل، الإمساك عن جميع المعاصي والسيئات ـ والإمساك عن الحسد والكبريا والرياء والعجر. من هو الصائم: هناك مسلم عاقل متريث متأد يأخذ الأمور بروية كما أنه يستفيد من مجرى الأحداث ـ بذكائه وفهمه الثاقب ـ العبر والدروس، يرى الحياة كل الحياة تحت المجهر وبتابع حركة ذراتها نقطة نقطة فكل ما هو غامض يظهر له معانية. قال عليه السلام: اتقوا فراسة المؤمن فانه بنور الله ينظر. إن مثل هذا النوع النبيل من المسلمين يقف عند حدود الله تعالى فهو يصوم لله بصدق وإخلاص، يصوم إعترافا بفضل الله تعالى ونعمته عليه، يصوم إيمانا وإحتسابا يراعي للصوم حرمته هذه العبادة الروحية التي يكون المسلم فيها دائما كالمتوضئ فلا يفتح عليه سوره المنيع. هناك نوع آخر من المسلمين هم عبء على الأمة الأسلامية أكثر مما يكونون عونا لها وسندا لنكباتها، هم وصمة عار على جبين الأمة ـ حين انتسبو إليها ـ بدلا مما يكونون رافعين لرأيتها مجددين لشرفها ومحافظين على صمودها ونضالها إن مثل هؤلاء بناءهم يحتاج الى وقت ليس باليسير لاصلاحهم بدلا من أن تواصل بناء صرح الاسلام من حيث انتهينا. جزءا من أنفاسنا، ويستغرقون ردحا من وقتنا، ويستهلكون كتلة من حياتنا وجهدنا المتواصل. والأصل أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس علي دماءهم وأمولهم، والمهاجر من هجر ما نهى الله تعالى عنه. فأين الضمير في وسط هذا الركام المتبعثر الاسف. إن مثل هؤلاء لا يمكن ـ أن نطلق عليهم صائمين ـ لأنهم لم يوطدوا أنفسهم ـ بل يصدق عليهم قول النبي ـ عليه الصلاة والسلام: (رب صائم ليس له من صومه الا الجوع والعطش).. ذلك. لأن الصوم جنة، وحاجز عن المعاصي والمحرمات بل وحتى عن المكروهات، فاذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل وإذا سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم ثلاث مرأت. إن مثل هؤلاء لا يمكن أن يزكي الصوم أنفسهم أبدا لأن لكل شيء بوادر وأسباب، فهم حين لم يراعوا حدود الله، ولم يراعوا حرمة الصوم لم يكن ليؤثر في تزكية أنفسهم تزود من حياتك للمعاد وصم لله واجمع خير زاد ولا تركن الى الدنيا كثيرا فإن المال يجمع للنفاد أترضى أن تكون ربيع قوم لهم زاد وأنت بغير زاد الصوم هو الحل: يطلق ويقال للحل حلا إذا كان ـ فعلا ـ يعالج مشكلة أو قضية من القضايا الشائكة حتى لا تقف جسرا منيعا أمام الخط الذي يسير عليه الاسلام من الناحية الدينية وكذلك الرفق به. إن الاسلام بتشريعاته الربانية، وتوجيهاته المحمدية هو حلال المشاكل والازمات ولا ريب، فما من أمر شائك الا وجعل الاسلام له حلا قاطعا بانصاف وعداله كما أنه بارتياح وطمأنينة نفد. لماذا كل هذا؟ لأنه عنوان المبدأ والمصير رضاء الله تعالى، المورد والمصدر كتاب الله تعالى، عله ونهله نسبة حبيب الله، إن حديث ساعتنا الآن الصوم ودوره في تزكية النفس فهو مثلا عبادة شرعها عز وجل الى جانب العبودية. الله حين قال في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له الا الصوم فإنه لي وأنا أجري به) ـ لهدف سام ومقصد نبيل. كيف لا؟ وهل ينكر ذلك عاقل مميز؟ والصائم في حال صومه يتذكر حال الفقراء، وقلة مؤنتهم وعيشتهم جلد على عظم لاصقين بالتراب فيحنوا عليهم وعندها يتحرك مشاعره ويناشده ضميره بالصدقة والعطاء، وهنا يبدو لنا أثر الصوم وتزكيته لنفس المسلم فمن لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، ومن لا يرحم لا يرخم، والله في عون العبد ما دام العبد في عون اخيه، كلها ـ وغيرها كثير ـ توجيهات ربانية وأخلاق نبوية وفي الناحية الأخرى ـ كمثال في تزكية النفس ـ إن الناس يتفاوتون في الوصول الى الاسترواح من أقرب طريق، وأن أعلى قمة الاسترواح والراحة والطمانينة الزواج الحلال ـ وبدون معارض (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسهم ازواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). ولكن غير المستطيع عليه يجعل العفة عنوانا له حتى يغنيه الله عز وجل ـ من فضلة من منطلق قوله تعالى (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله). وحتى ذلك الحين شرع الاسلام حلا يخفف ـ على الأقل ـ من وطأة العزيزة الجنسية الجامحة والثائرة في الانسان قال عليه السلام (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فانه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) بمعنى وقاية. لماذا كل هذا؟ لأن الانسان اذا شبع وملأ بطنه طاش لبه والعكس في القياس صحيح فهل يا ترى للصوم أثر في إصلاح النفس وصقلها؟. تصور خاطئ: شيء عجاب أن يكون الشباب المسلم ملتزما أو محافظا ـ على الأقل ـ في شهر رمضان المبارك فحسب. وهنا سؤال يطرح نفسه. هل شهر رمضان هو يكفر السيئات أن يغفر الذنوب ـ استغفر الله من هذا الاعتقاد ـ أم أن الله سبحانه وتعالى هو وحده غافر الذئب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول لا إله الا هو إليه المصير. بطبيعة الحال إن الجواب أيسر وأوضح من السؤال نفسه ومن الشمس في رابعة الثهار، وهو في القلوب والعقول، المسلمة أرسخ من الجبال الرواسي على ثباتها وقرارها فاذا كان الجواب معلوما فإن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالاستكانة والخضوع والاستسلام له ـ دائما وبلا انقطاع منذ أن بلغنا سن التكليف حتى نفارق الحياة وتلقى الله على ذلك وعليه فقصر المحافظة على الطاعة، والبعد عن محارم الله تعالى على رمضان لا معنى له البتة ولا يغني من الحق شيئا فالحق أحق أن يتبع وما عداه أخاليط وخمان. شروط التأثير: إن من القوانين الآلهية ـ المسلم بها ـ في هذا الكون التي لا يمكن أن تتبدل أو تتغير أن المجتهد بعدها ما يستفرغ الوسع في الوصول الى هدف معين لابد أن يكون له أثر من وراء ذلك الجهد فكيف يكون الصوم مؤثرا ومزكيا ومطهرا بعد ما يستفرغ المسلم الوسع في إصلاح نفسه يتخليصها من الشوائب ومن حمأة المعاصي والشهوات، وجعلها نقية تصعد سلم السماء مع ملائكة الرحمن تبارك وتعالى. إنه ليس بالدعة والخمول، ولا بالكسل والتواني، ولا بالتسويف والتواكل، ولكن بالحركة الدؤوب، وبالجد والاجتهاد، وببذل النفس والنفيس، والغالي والرخيص، والطارف والتليد وبالأخذ بالأسباب دائما وبحكمة. بعقيدة ملؤها اليقين والثقة، بقلب ملؤه الإيمان والتوكل، بجوارح خاضعة، وجبين يحب السجود لله تعالى. أيها الأخ المسلم: إننا نحن هنا نريدك تحفيزا على لزوم التقوى ومواصلة الاتصال بالله عز وجل. كما أننا نريدك يقينا أن الصوم كاسم لا يمكن أن يكون مزكيا لنفسك ولا مطهرا لها من الأدران إذا لم يكن لديك رصيد واسع من الوازع الديني ـ أولا ـ ثم إيمان تجد طعم لذته في قلبك يكون حارسا لها من الوقوع في عمل أهل الشمال الذين توعدهم الله تعالى بأليم عقابه والعياذ بالله تعالى ـ فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، قال زهير: فلا يغرنك ما منت وما وعدت إن الأماني والأحلام تضليل إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (رب صائم ليس له من صومه الا الجوع والعطش). فلو كان الصوم بنفسه ينفع بدون متابعة ومحاسبة مثابرة لما قال فيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ما قال. أخي المسلم: إن الذي نستطيع أن نجزم به أن المسلم إذا صام لله إيمانا واحتسابا سيزيد إيمانه وهنا يظهر لك جليا أثر الصوم على النفس فجربه وفقني الله وإياك لتزكية أنفسنا. اللهم آمين. باب الريان: الريان باب من أبواب الجنة يدخل منه الصائمون جزاء صيامهم إيمانا واحتسابا، فالله تعالى لا يضيع أجر المحسنين قال صلى الله عليه وسلم: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة يا عبدالله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة ومن كان من أهل الصوم دعى من باب الريان، قال أبو بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ ما على من يدعى من هذه الأبواب كلها من ضرورة فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها يا رسول الله، قال عليه السلام: نعم وأرجوا أن تكون منهم). إيه يا أبا بكر، وإقسم لنا من صبرك وجلدك وتوكلك. أيها القارء الكريم: عليك بمجاهدة نفسك وتعويدها على الصبر حتى لا يفوتك الفضل فأنت اذا طالعت كلمة ريان في لسان العرب لابن منظور مثلا ـ تجدها تعطيك دلالة قاطعة على نعم الثواب الذي أعده الله للصائمين فقال، والريان ضل العطشان، ورجل ريان، وامرأة ريا من قوم رواء. فعلا إنه بعد الصبر على العطش والجوع في دار الدنيا لا بد من الا رتواء، والشيع تسمية الباب بهذا الاسم مناسب للمقام هنيئا لكم أيها الصائمون بابكم الريان الملآن بكل ما تشتيهه الأنفس وتلذ الأعين. * خاتمة إن الصوم سلام المؤمن فمن حافظ عليه نجا وسلم، ومن أضاعه هلك وندم. إن الله سبحانه وتعالى إنما يتقبل من المتقين إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه. أخوة الإيمان جاء في الأثر أن الناس كلهم هلكي الا العالمون، والعالمون كلهم هلكي الا العاملون، والعاملون كلهم هلكي الا المخلصون، والمخلصون على خطر. فكيف لنا أن نصل الى مكان الماء والكلأ ودونه عقاب صعاب تنهك السالك الواني. كيف لنا أن نصل الى شاطئ السلامة ونحفق الخلاص والاخلاص، والعمل قليل، والطريق طويل، والناقد بصير والعقبة كؤود. شمر عن سواعد الجد، واحتسب أجرك على الله، فانه لن يترك من عملك شيئا. هذا وبالله التوفيق وهو من وراء القصد، وهو حسبي، ونعم الوكيل، ونسأله تعالى أن يوفق الجميع لكل طاعة إنه سبحانه قريب مجيب الدعاء. وما ذلك على الله بعزيز، اللهم آمين. أحمد بن سعيد الشعيلي من عوامل النصر ـ 1 الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأنصاره وحزبه الى يوم الدين، ها هو الكون ينتشي بإطلالة شهر النفحات والبركات، شهر الكفاح لتحقيق النصر تلو النصر والنجاح تلو النجاح لأمة الخيرية التي وصفت بالخيرية في خير كتاب تنزل على خير خلق الله أجمعين في خير شهر خص بليله هي خير من ألف شهر، أقف معك في مطلعه وأول جمعه في هذه السطور وقفة استبشار وتفاؤل، في ظل هذه الظروف الحالكة، والمآسي الكالحة، والمؤامرات التي يحيكها أهل الكيد للإسلام ولأهل الاسلام، أقف معك وأدعو نفسي وأدعوك الى العود الحميد الى أفياء رحاب الله الوارفة، والى تملي نعمائه الوافرة، والى اتباع المنهج السديد الذي رضيه الله سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام لعباده المؤمنين، وبين معالمه سيدي وحبيبي رسول الله صلاة الله وسلامه عليه أدعوك أخي للوقوف مع آيات من كتاب الله، تنزلت في موقف ألح فيه الحبيب المصطفى بالدعاء والضراعة الى الله.. تنزلت في أجواء ظروف حالكة مريرة، كثرت فيها مناشدة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ربه، حتى قال له صاحبه وخليله الصديق رضي الله عنه: (كفاك مناشدتك ربك، فإن الله نجز لك ما وعدك) أدعوك لتتملى معي هذه الآيات المحكمات البينات لنتزود منها بأزواد وأفرة من التوجيهات الربانية التوجيهات التي استمسك بعراها الحبيب المصطفى، والذين كانوا في صف الحبيب المصطفى.. فكانت نتجية ذلك الاستمساك نصرا مؤزرا، وفرقانا بانت معه للإسلام معالم، وخفقت له رايات، وعلت له منارات شامخة كل الشموخ يقول الله العزيز الحكيم: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة: فاثبتوا، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا، إن الله مع الصابرين، ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم يطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط) هذه الآيات الثلاث من سورة الأنفال، ما أجدر كل مسلم أن يتملاها طويل ويستضيء بأنوار هدايات أحكامها في لقاءاته المتكررة من الفئات المتعددة من أعداء الله الذين تعددت أضرابهم، وتباينت مظاهر أهدافهم، مع الفئات التي تلتقي في نهاية المطاف حول هدف واحد خسيس، هو أخذ المسلم بعيدا عن درب الهداية، والسير به في شعاب ملتوية من الباطل الزائف وصده عن صراط الله المستقيم الذي أمر أن يستمسك به، هذه الآيات أخي المسلم الكريم تحمل في ثناياها جل أسباب النصر إن لم نقل كلها، وأود أن آخذ منك وقفات لنستجلي فيها حقيقة من حقائق واقعنا الذي أمتنا هذه الأيام.. حقيقة صحوة الضمير.. حقيقة أن أمة الاسلام بدأت تفرك أعينها، وبدأت كتائبه تمطى لتنفض عنها الخمول والكسل بعد يوم دام قرونا متطاولة بدأت تشرئب بأعناقها الى بريق نور الإيمان الذي بدأت تلوح في أفق الكون الفسيح العابد المسيح بحمد الله الخاضع لجلاله.. زاهية مزدانة بوقار التقوى.. مندفعة بروح العمل الجاد الموصول بمنابع هداية الحق التي أهداها للعالمين، يفرح لرؤياها كل مؤمن تواق الى رفعة كلمة الله.. ويغتاظ لهول ما ينتظره منها كل مكابر للحق سادر ساه عما يجري حوله.. سواء أكان يعيش بقالبه في جنبات المجتمع المسلم، أم كان يعيش بقلبه وقالبه في الصف المقابل للمجتمع المسلم، أود أن أقف معك وقفات، أعاطيك فيها كؤوس المودة المفعمة ببشائر النصر المؤزر المرتقب انبلاجه من صبح هذه الآيات الثلاث بإذن الله. وفي وقفة اليوم نعيش مع الوصية الربانية الأولى: وهي قوله تعالى: (فاثبتوا) وقبل أن ندلف الى بغيتنا في هذه الوقفة نود أن نقرر أننا في معترك حامي الوطيس.. ليس مع فئه واحدة وإنما مع فئات.. ونود أن نقرر أنه يجب علينا أن نستشعر أهمية هذه الوصايا، وأن نوقن بعد ذلك بالنتيجة التي جاءت بصيغة التعليل في التعقيب على الوصية.. وذلك قوله سبحانه (لعلكم تفلحون) فهذه العبارة هي أخت العبارة التي جاءت في معرض الحديث عن كتابه الصيام على هذه الأمة.. فمناط حصول التقوى في آية كتابة الصيام مرهون بالاتيان بالصيام كما شرعه الله، ومناط الفلاح المشار إليه في هذه الآية مرهون بتنفيذ هذه الوصية.. تنفيذها بحذافيرها دون الاخلال بأي شروط من شروطها، ونود أن نشير بعد ذلك أننا كلما سرنا خطوة في طريق الكمال ونحن ننفذ وصية الله كلما اقتربنا من الفلاح الذي نصت عليه الآية الشريفة، تحقيقا لوعد الله واستنجازا لنصره فلا مبدل لكلمات الله وستبقى سننه الكونية ماضية وليكابر المكابرون في ذلك إن شاءوا، فهم أحقر من أن يؤبه بهم ولو في أحلك الأوقات فكيف وقد تجلى الصبح لذي عينين، إن صحوة الضمير المسلم وصحوة الأمة المسلمة ماضية برعاية الله ولن يقف في طريقها شيء بإذن الله. (فاثبتوا) ما هو الثبات المطلوب الذي يقتضيه الصراع المرير الذي يخوض غماره المسلم، لنصغ الى شهيد الاسلام وعملاق الفكر سيد قطب إذ يقول في ظلاله الوارفة: (فأما الثبات فهو بدأ الطريق الى النصر فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري الذي آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وأنه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون، فلا مدد له من رجاء الله يثبت أقدامه وقلبه! وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار، وما الذي يزلزل أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى الحسنيين: إما الشهادة وإما النصر؟ بينما عدوهم لا يريد الا الحياة الدنيا، وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها ولا حياة له بعدها، ولا حياة له سواها، هذا ما قاله سيد قطب وهو لعمري عين الصواب، فالثبات اليوم مطلوب من كل من جندوا أنفسهم وأموالهم وبذلوها رخيصة في سبيل الله. مطلوب من المسلم اليوم أن يثبت أولا وقبل كل شيء على التوبة النصوح، التوبة التي يقطع من خلالها على نفسه عهدا بأن لا يجده الله حيث نهاه، وأن لا يفتنقده من حيث أمره، ما استطاع الى ذلك سبيلا يثبت على ألوان من الطاعة التي تقربه الى الله، ويثبت على النأي بنفسه عن محارم الله، بحيث يبقى نقي الصفحة، ويثبت على مجاهدة نفسه ليكون قرآنا يمشي على الأرض بحيث يتأدب بأدب الله ويتخلق بأخلاق رسوله، بحيث يتخذ الحبيب المصطفى مثلا أعلى في كل جزئيات حياته، ويثبت على الحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويثبت على التواصي مع إخوانه وأهله وخلانه بالحق والصبر، يثبت على موالاة أولياء الله ومعاداة أعداءه وإعداد نفسه للقاء أعداء الله. مطلوب من المربين، آباء وأمهات، معلمين ومعلمات، بأن يثبت كل منهم في تربية أبناء الأمة المسلمة على مبادئ العقيدة الصحيحة النقية من الشوائب التي تخل بنقائها، العقيدة التي تحيي القلوب وتورثها تقوى الله وخشيته ومراقبته في السر والعلن، يثبت في تربيتهم على مبادئ العزة والاستعلاء بقيم هذا الدين بحيث يعيش الناشئ موقننا صدق اليقين مقتنعا تماما الاقتناع بأن ما يعتقده هو الحق وحده وأن ما سواه من الفلسفات والأيدلوجيات الوضعية إنما وضعت لتصرفه عن دينه، فالجيل الذي لا يعتز بدينه ولا يستعلي بمبادئه لا يجرى خلاص البشرية على يديه، مطلوب من المربين الثبات في تربية الجيل الصاعد على موالاة أولياء الله من الأولين والآخرين الى يوم الدين، وعلى معاداة كل من يناوئ هذا الدين أو يكيد له أو يعين من يناوئه ويكيد له، يثبت على تربية أبناءه على القوة ومعالي الأمور والبعد بهم عن سفاسفها، يثبت على غرس الخلق القويم والخصلة الحميدة والأدب الرفيع لكيون جيلا يحمل مشعل الهداية الى العالمين، ويكون جيل النصر الذي يرفع أمجاد أمة الاسلام ويعلي رايته خفاقة بإذن الله. مطلوب من صناع القرار مهما كان دورهم أو موقعهم في هذه لأمة أن يثبتوا، بدأ من رب الأسرة وهو يمير أهله، وانتهاء بأعلى سلطة في هذه الأمة، على أي صعيد كانت صلاحيتها، الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي بل على كل المستويات والشرائح.. التاجر والموظف والصانع والمزارع والعامل، عليهم جميعا أن يثبتوا على المبادئ التي أرساها الدين الحنيف في معاملاتهم فلا يتعمدون الوقوع في مخالفة الشرع الشريف، وعليهم أن يحرصوا على الصلة بعلماء هذه الأمة العاملين، ليقيموا أسس حياتهم، وتفاصيل معاملاتهم، على شرعة الله ومنهاج الله القويم، مطلوب منهم الثبات على معادات الذين يكيدون للذين يكيدون لأمة الاسلام، أو يظاهروا عليها أعداءها، وهذه النقطة من أهم عوامل النصر والتمكين، فلو أحسن المسلمون استخدام هذا السلاح لهز العدو شر هزيمة. مطلوب من القائمين على وسائل الاعلام أن يثبتوا على منهج الله، ومبادئ الأمانة والصدق والاخلاص لانقاذ ما تبقى من أخلاق هذه الأمة، وما بقي لها من تراثها الاسلامي الخالد، بأن يقدموا لها ما من شأنه أن ينفخ فيها روح الاستعلاء والجد والمثابرة.. أن يقدموا لها حقائق هذا الدين نقية من كل غبش وكل لبس أو خداع، بحيث يمكن بعد ذلك للأمة المسلمة أن تثبت على هويتها الثقافية الاسلامية التي تميزها على ما سواها من الثقافات، وتثبت جدارتها للعالمين بطريق عملية، وتثبت حقيتها في أخذ زمام قيادة البشرية على كل الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وكلنا يعرف بداهة أن كل هذه المقومات موجودة حاضرة في ثنايا أمة الاسلام، ولا ينقص الأمة سوى عامل الأخلاص في إبرازها، فالامة مطالبة بالثبات على هذه المبادئ، ليتحقق لها النصر، فان الانهزامية والتردد والتخاذل والضعف ليست من شأن المسلم ابدا (يا أيها الذين آمنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا) هذه هي الوصية الأولى وأحد عوامل النصر التي عرفها الجيل الفريد الذي رباه محمد صلى الله عليه وآله وسلم كيف يتعامل معها كيف يستفيد منها، وعرف كذلك التابعون لهم بإحسان من أبناء أمة الاسلام كيفية التعامل معها، فمن لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم اليوم ومن يعيد الكرة لاستنقاذ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريقين من براثن الغدرين، الغدر الصليبي الحاقد، الغدر الصهيوني الجاثم على صدر الأقصى الذي بارك الله حوله، من يرجى اليوم لذلك الا الجيل الصاعد الذي بدأت بشائر ظهروه تلوح.. وهو اليوم مطالب بأن يعمل بالوصايا التي وصاه بها ربه، ولعل الله أن يوفقنا في لقاء آخر نقف مع الوصايا الأخرى التي جاءت في هذه الآيات والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سالم بن عامر العيسري

ورد المنى
27-12-2003, 02:51 PM
هو كعب بن سور بن بكر بن عبيد بن ثعلبة بن سليم بن ذهل بن لقيط بن الحارث بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد ؛ كان مسلماً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يره، وكان كعب في الجيش الذي خرج به عثمان بن أبي العاص الثقفي من عمان، لقتال الفرس

، وكان له في قتالهم أثر كبير ، ثم أقام هو ومن معه من الأزد بتوّج ، من أرض فارس، ومنها وفد إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ، فاستقضاه الخليفة على البصرة، وهو أول من قدمها من أهل عُمان مع أُناس من الأزد عددهم ثمانية عشر رجلاً.. وسبب استقضاء عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) له على البصرة، أنه كان ذات يوم جالساً عند عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ، فجاءت امرأة فقالت: ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي، إنه ليبيت ليله قائماً، ويظل نهاره صائماً، في اليوم الحر ما يُفطر، فاستغفر لها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وأثنى عليها، وقال مثلك أثنى بالخير وقاله، فاستحيت المرأة وقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها، إذ جاءتك تستعديك، قال : أكذلك أرادت ؟ قال : نعم، قال: ردّوا عليّ المرأة، فرُدّت ، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا يزعم أنك جئت تشتكين أنه يجتنب فراشك ؟ قالت : أجل إني امرأة شابة وإني أبتغي ما يبتغي النساء ؛ فأرسل إلى زوجها ، فجاءه، فقال لكعب : أقض بينهما ، فقال: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما ، فقال: عزمت عليك لتقضين بينهما ، فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهم ، فقال : إني أقضي لها يوماً من أربعة أيام، كأن زوجها له أربع نسوة، فإذا لم يكن له غيرها ، فإني أقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة، فقال له عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : والله ما رأيك الأول بأعجب من رأيك الآخر، اذهب فأنت قاض على أهل البصرة ، وكتب إلى أبي موسى بذلك، فقضى بين أهلها، إلى أن قُتل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، ثم في خلافة عثمان بن عفان، فلم يزل قاضياً عليها إلى أن قُتل يوم الجمل مع أم المؤمنين السيدة عائشة. وفي قضاء كعب بين المرأة وزوجها، يقول العلاّمة نور الدين السالمي (رحمه الله) في كتابه (جوهر النظام) في باب معاشرة الأزواج : وإن تكن قد طلبت إياه يلزمه إن شاء أو أباه في أربع الأيام قيل مرة أخرج هذا القول قاضي البصرة وهو العُماني على التحقيق قضى به في حضرة الفاروق فاستحسن الفاروق ذاك النظرا ومن هناك صار قاضي عُمرا وفي رواية أخرى ذكرها ابن عبد البر ، عمن روى عن محمد بن سيرين ، قال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقالت : إن زوجي يصوم النهار ، ويقوم الليل، قال: أفتريدين أن أنهاه عن صيام النهار، وقيام الليل ؟ قال: ثم رجعت إليه فقالت: إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، قال: أفتريدين أن أنهاه عن صيام النهار وقيام الليل؟ قال: وكان عنده كعب بن سور ، فقال كعب: إنها امرأة تشتكي زوجها، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) :أما إذ فطنت لها، فقُم فاحكم بينهما، قال: فقام كعب، وجاءت بزوجها، فقالت : يا أيها القاضي الفقيه أرشده ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهده في مضجعي تعبده وخوف رب باليقين يعبده مفترشاُ جبينه يكدده نهاره وليله ما يرقد هو لست في أمر النساء أحمده فامض القضا يا كعب لا تردده. فقال الزوج: إني امرؤ قد شفني ما قد نزل في سورة النور وفي السبع الطول وفي الحواميم الشِفا وفي النحل فردها عني وعن سوء الجدل فحثها يا ذا على خير العمل من طاعة الله ومن بر البعل فقال كعب: إن السعيد بالقضاء من فصل ومن قضى بالحق حقاً وعدل إن لها حقاً علي يا بعل من أربع واحدة لمن عقل امض لها ذاك ودع عنك العلل وأنت من أمر الثلاث في مهل إذاً فصمهن وقمهن وصل لا ينفع القول وتضييع العمل ثم قال له: أيها الرجل ، إن لك أن تتزوج (من النساء مثنى وثلاث ورباع)، فلك ثلاثة أيام، ولامرأتك هذه من أربعة أيام يوم، ومن أربع ليال ليلة، فلا تُصل في ليلتها إلا الفريضة، فبعثه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قاضياً على البصرة. أ هـ . ولم يزل قاضياً على البصرة إلى أن قُتل يوم الجمل مع السيدة عائشة، وكان قد اعتزل الفتنة، فقيل للسيدة عائشة : إن خرج معك كعب، لم يتخلف من الأزد أحد، فركبت إليه فكلمته، فأخذ مصحفه ونشره، وخرج بين الصفين يدعوهم إلى السلام، والقتال ناشب، فجاءه سهم فقتله. وقيل: كان المصحف معه، وبيده خطام الجمل، فجاءه سهم غرب فقتله، وقيل: ان السيدة عائشة قالت له: خلّ عن الجمل، وتقدم بالمصحف، فادعهم إليه، وناولته مصحفاً ، فاستقبل القوم، فرموه رشقاً واحداً فقتلوه، وذلك في شهر جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وكان كعب مسلماً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره.، فهو معدود من التابعين. قال العلامة العوتبي، بعد أن ذكر قصة كعب: كان معروفاً بالصلاح، وليس له عقب . أ هـ . هذا، وبعد أن ذكرت التابعي كعب بن سور، وهو أول عُماني يُعد من كبار التابعين، لإدراكه عصر النبوة، أردف ذلك بذكر سبعة عشر رجلاً من رجال العلم، ورواة الحديث، من أهل عمان، عاشوا - فيما يبدو - خارجها، مع احتفاظهم بالانتساب إليها، وقد أدرك بعضهم نفراً من الصحابة، وأولهم : عبد الله العماني

الطوفان
30-12-2003, 12:56 AM
ما شاء الله عليكِ أختي الفاضلة

لا زلتِ تتحفينا بكل جديد ومفيد

فبارك الله فيكش واعانكِ

ورد المنى
25-01-2004, 11:10 AM
خطبة عن بر الوالدين لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أمر بإحسان الصلاة ورعاية القرابات وعظم حقوق الأباء والأمهات وقرن رضاه برضى الوالدين وجعل برهما سبب السعادة في الدارين سبحانه له الحمد على ما أمر ونهى وحض ووصى وخلق وسوى أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه وأومن به وأتوكل عليه من يهده الله فلا مظل له ومن يظلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصي الله ورسوله فقد ظل ظلال مبينا وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله أرسله بكل خير ودعى عليه أفضل الصلاة والسلام إلى كل بر اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وعلى كل من إهتدى بهديه واستن بسنته وسار على نهجه ودعى بدعوته إلى يوم الدين
أما بعد
إن من شأن الإنسان الترابط بين أصوله وفروعه وهذا من مظاهر المدنية في هذا النوع من مخلوقات الله سبحانه وتعالى وقد أمر الله سبحانه وتعالى بمراعاة هذه الناحية لإن أمر الله عز وجل ينسجم مع الفطرة ولا يستطدم ويأتلف مع الطبع ولا يختلف فقد جائت آيات الكتاب العزيز حاضة على مراعاة حق الوالدين وقد جعل الله سبحانه وتعالى برهما من طاعته بل قرن برهما بعبادته وفي هذا ما يدل على عظم حقهما في ميزان الإسلام يقول الله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) في هذه الآية الكريمة يعلمنا الله سبحانه وتعالى كيف نتعامل مع الآباء والأمهات فقد وصى الله تعالى فيها أولا بأن يعبد الله تعالى ولا يشرك به ثم ثنى بعد ذلك بتعليمنا أداء حق الوالدين وبين سبحانه وتعالى أن من حقهما أن لا يتظجر أحد مما يصدر منهما في حالة الكبر لأن الكبر مضنة صدور بعض الإيذاء منهما لولده غير أن الولد مأمور بأن يتحمل ذلك من غير أن يتأفف ومحمول بأن يخضع لهما جناح الذل من الرحمه وأن يدعو الله سبحانه وتعالى بأن يرحمهما كما ربياه صغيرا فهما قد تحملا أذاه في حالة صغره وكانا يحنوان عليه فكم من ليلة سهراها وكم من مشقة تكبداها لأجل هذا الطفل الصغير الذي أصبح رجلا كبيرا بفضل الله ثم ببرهما ورعايتهما له وقد شاء الله سبحاتنه وتعالى أن يوجد في نفوس الأباء والأمهات من الحنو في نفوس الأبناء والبنات مالا يوجد في أي نفس أخرى ولذلك يفدي الأب والأم ولدهما بنفسهما وبما يملكان من مال يجوعان ليشبع ويعريان ليكتسي ويتحملان كل مشقة ليرتاح فهما جديران بأن يقابل إحسانهما بالإحسان وقد قرن الله سبحانه وتعالى شكرهما بشكره في قوله (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) ويقول سبحانه وتعالى موضحا ما يجب على الولد من حق لوالديه ولو كانا على الشرك (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
ذلك لأن فتية من الذين أمنوا لصنوف من الأذى من آبائهم وأمهاتهم الذين بقوا على الكفر رجاء أن ينثنوا عن عقيدتهم وأن يعودوا إلى جاهليتهم وكان أولك الفتية مع ما يكابدون صابرين على هذا الأذى فِأنزل الله سبحانه وتعالى ما يسلي قلوبهم ويوصيهم بحق آبائهم وأمهاتهم وإن كانوا على الكفر ذلك لأن شركهم لا يمنعهم حقوقهم وإنما يجب بجانب ذلك أن لا يطاعا في معصية الله سبحانه ومن ذلك عز من قائل (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون) وضرب الله سبحانه وتعالى مثلين للناس مثلا للذين يوفون حقوق الله سبحانه وتعالى وحقوق الأباء والأمهات ومثلا للذين يكونون بعكس ذلك فهم لا يبالون بحقوق الله ولا بحقوق الأباء والأمهات وبين مصير كل واحدة من الطائفتين في قوله (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ * وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) فلينظر الإنسان مالذي يرتضيه من هذين المصيرين هل يرتضي أن يكون من الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من الجن والأنس فصاروا يوم القيامة من الخاسرين أو يرتضي أن يكون من الذين يتقبل الله عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون وقد جائت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضة على مراعاة حقوق الأبوين ومحذرة من التقصير في حقهما قالرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يدخل الجنة عاق لوالديه ولا مدمن خمر) وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكبر الكبائر قال(الإشراك بالله وعقوق الوالدين) ويقول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام( أربعة نفر حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها العاق لوالديه وآكل الربا وآكل مال اليتيم ظلما) فهؤلاء حق على الله أن لا يدخلهم الجنة وأن لا يذيقهم نعيمها إلا تابوا وأحسنوا الصلة بالله تعالى بآبائهم وأمهاتهم وأدوا حقوق الله سبحانه التي فرضها في أموالهم وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام ( أحي والداك ) قال له نعم ,قال له (ففيهما فجاهد) وجاء في الأحاديث ما يدل على أن من أحسن الصلة بوالديه كان من جزاء الله سبحانه وتعالى له أن يهبه ولدا صالحا يبره كما بر بوالديه وأن من أساء السيرة في بوالديه فجزاءه كذلك أن يهبه الله تعالى ولدا يبتليه به يسيء معاملته كما أساء معملة والديه فأتقوا الله عباد الله وأحسنوا الصلة بآبائكم وأمهاتكم صلوهم في هذه الحيات الدنيا بحسن المعاملة وصلوهم بعد مماتهم بالإستغفار والدعاء وبالإحسان إلى الذين يحبونهم من الناس وبما تحبون أن يحسن به إليكم أولادكم بعد مماتكم من الصدقات أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فأستغفروا الله يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأشكره وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين
أما بعد فيا عباد الله إن الله سبحانه وتعالى قد جمع الوالدين في التوصية بهما خيرا ثم بعد ذلك نبه على ما قدمته الأم من التضحيات وما كابدته من مشقات في حمل هذا الولد وفي مراعاته بعد ولادته وفي هذا ما يؤذن بأن حقها أعظم من حق الأب وقد جاء ذلك صريحا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله عز وجل يقول (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) ويقول عز من قائل((وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) وجاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبين أن حق الأم أعظم من حق الأب فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يارسول الله من من الناس أحق مني بحسن الصحبة قال له (أمك) قال له ثم من قال له ( أمك) قال له ثم من قال له (أمك) قال له ثم من قال له ( أبوك ثم الأقرب فالأقرب) فأنظروا كيف ذكر حق الأم ثلاث مرات ثم عطف بعد ذلك حق الأب على حق الأم مرة واحدة بثم الذي تقتضي المهلة والترتيب ثم ذكر حقوق الأقربين فالأقربين في هذا ما يدل دلالة واضحة على أن حق الأم أعظم الحقوق فيجب على الإنسان أن لا ينسى أبدا حق أمه وكيف ينسى حقها وبد كانت مضحيا براحتها وبكل عزيز لديها في سبيل راحة هذا الولد لقد حملته كرها ووضعته كرها وثم بعد\ ذلك إشتغلت بإرضاعه مدة طويلة ثم إشتغلت بعد ذلك بتربيته وسهرت عليه الليالي الكثيرة فحقيق بالإنسان أن يتذكر حقها وأن يرعى صلتها وأن يحفظ ودها وأن يتقرب إليها بما يرضيها من البر والإحسان وأن يواسيها بكل خير وأن يتحيل في الوصول إلى رضاها فالإنسان يجب عليه أن لا ينسى هذه الحقوق وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان وقد روس أن رجلا لقي عبدالله إبن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو يطوف بأمنه على ظهره حول البيت العتيق فقال له يا ابن عمر أتراني قد أديت حقها فقال له لا ولا بطلقة واحدة وقد روي أيظا مثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عنه أفضل الصلاة والسلام رأى رجلا يطوف بأمه فقال له يارسول الله هل أديت حقها ؟ قال له لا ولا بزفرة واحدة يعني أنه لم يؤدي حق زفرة واحدة من الزفرات التي صدرت من الأم في حال الوضع فكيف ينسى هذا الإنسان حقوق أمه وكيف ينسى حقوق أبيه الذي حلب عليه
فأتقوا الله ياعباد الله واستوصوا بآبائكم وأمهاتكم خيرا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عزمن قائل عليما (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) اللهم صلي على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأرض اللهم عن خلفائه الراشدين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن سائر الصحابة أجمعين وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين وعنا معهم برحمتك يا أرحم الرحمين[/

نجم الساحة
04-02-2004, 04:47 PM
بركة بنت ثعلبة أم أيمن

حاضنة الرسول صلى الله عليه وسلم




أم أيمن شخصية إسلامية لها مكانتها ومنزلتها العالية في قلب رسول الله صلي الله عليه وسلم.




اسمها :

بركة بنت ثعلبه بن عمر بن حصن بن مالك بن عمر النعمان وهي أم أيمن الحبشية، مولاة رسول الله وحاضنته. ورثها من أبيه ثم أعتقها عندما تزوج بخديجة أم المؤمنين رضي الله عنها. وكانت من المهاجرات الأول- رضي الله عنها.وقد روي بإسناد ضعيف : أن النبي كان يقول لأم أيمن: " يا أم " ويقول : "هذه بقية أهل بيتي ". وهذا إن دل فإنما يدل على مكانة أم أيمن عند رسول الله وحبة الشديد لها، وحيث اعتبرها من أهل بيته.

قال فضل بن مرزوق، عن سفيان بن عقبة، قال: كانت أم أيمن تلطف النبي r وتقول عليه. فقال : وقد تزوجها عبيد بن الحارث الخزرجي ، فولدت له : أيمن . ولأيمن هجرة وجهاد ، استشهد زوجها عبيد الخزرجي يوم حنين. ثم تزوجها زيد بن حارثة أيام بعث النبي فولدت له أسامة بن زيد، الذي سمي بحب رسول الله . وكان الرسول قد قال في أم أيمن :" من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة ، فليتزوج أم أيمن "، قال : فتزوجها زيد بن حارثة فحظي بها زيد بن حارثة.

وعن أنس : أن أم أيمن بكت حين مات النبي . فقيل لها : أتبكين ؟ قالت: والله ، لقد علمت أنه سيموت ؛ ولكني إنما أبكي على الوحي إذ انقطع عن من السماء. وكذلك هذا القول يدل على حبها الشديد وتعلقها بالنبي والوحي.



أم أيمن واسمها بركة مولاة رسول الله وحاضنته:

أم أيمن ورثها الرسول صلى الله عليه وسلم من أبيه ، وورث خمسة جمال أوراك وكذلك قطيعا من الغنم ، وقام الرسول بعتق أم أيمن عندما تزوج خديجة بنت خويلد، وقد تزوج عبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج أم أيمن ، فولدت ولداَ واسمتة أيمن ، ولكنه أستشهد في يوم حنين ، وكان مولى خديجه بنت خويلد. زيد بن الحارث بن شراحيل الكلبي الذي وهبته خديجة لرسول الله ولكنه أعتقه وقام بتزويجه لأم أيمن وذلك بعد النبوة فأنجبت له أسامة بن زيد .



من إكرام الله لأم أيمن :

ومما رواه ابن سعد عن عثمان بن القاسم أنه قال : لما هاجرت أم أيمن ، أمست بالبصرة ، ودون الروحاء ، فعطشت ، وليس معها ماء ؛ وهي صائمة ، فأجهدها العطش ، فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض ، فأخذته ، فشربته حتى رويت . فكانت تقول : ما أصابني بعد ذلك عطش ، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر ، فما عطشت .

لقد أكرم الله سبحانه أم أيمن وهى صائمة فقد أصابها العطش وهي لم يكن معها ماء فدلي عليها من السماء ماء فرويت فهذا يدل على كرم الله على أم أيمن ، منزلتها العالية وفوزها بمحبة الله والرسول وهذا كله يدل على رفق الله بعبادة وسعة رحمة الخالق .

فقد حظيت أم ايمن بمنزلة عالية عند الرسول وأكرمها أعز مكرمة لها في الدنيا عندما قال رسول الله فيها: ." أم أيمن أمي ، بعد أمي " !!..وقوله " هذه بقية أهل بيتي " !!.

وللنبي وقفة كريمة بعد انصرافه من غزوة الطائف منتصرا.. غانما .. ومعه من هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء .. وما لا يعلم ما عدته من الإبل والشياه .. نتلمس من خلاها عظيم إجلاله .. واحترامه .. وتوقيره .. لمقام الأمومة التي كان يرعى حقها حق الرعاية .. وذلك حين أتاه وفدُ هوازن ممن أسلموا فقال قائلهم: يا رسول الله ! إنما في الحظائر وخالاتُك وحواضِنُك .



وكانت حليمة أم النبي من الرضاعة .. من بني سعد بن بكر من هوازن .. فمن رضاعه من حليمة السعدية أصبح له في هوازن تلك القرابات .. فلمست ضراعتهم قلبهُ الكبير .. واستجاب سريعاً لهذه الشفاعة بالأم الكريمة ( حليمة السعدية ) التي أرضعتهُ .

كذلك هذا الموقف يدل على تعظيم الرسول r للأمومة ، وحسن معاملتة للناس واحترامه الكبير لهم. حيث فقال لوفد هوازن ، ووفاؤه للأم الكريمة يملأ نفسه ،: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا : أنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك، وأسال لكم " .

فلما صلى رسول الله بالناس الظهر ، قام رجال هوازن فتكلموا بالذي أمرهم به . فقال: رسول الله : " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم "، فقال المهاجرون : وما كان لنا فهو لرسول الله . وقالت الأنصار : وما كان لنا فهو لرسول الله . وهذا يدل على روح التعاون والحب الشديد لرسول الله ويبين مدى تأثيرهم به وتعلقهم به .

روايتها للحديث :

روت عن النبي ، وروى عنها أنس بن مالك، و الصنعاني، والمدني .



أمهات النبي - صلى الله عليه وسلم – الطاهرات:

يقول الله تعالى : { وأمهتكم التي أرضعنكم .. } ( النساء :23 ) ،وقال رسول الله { أم أيمن أمي ، بعد أمي