أشارت الدراسات التي كُتبت عن الفن إلى عدّة تعاريف له ، منها ما أكّد على تحقيق النشاط الفنّي للمتعة واللذة ، ومنها ما اعتمد التفرقة بين المعنى الجمالي للفن الذي يكمن في جعل كلّ انتاج للجمال يقوم به إنسان واعٍ ، وكون الفن يمثِّل مجموعة من المبادئ العامة والنافعة التي توصله إلى تحقيق غايته ، فالفنّان دي لاكروا يرى أنَّ الفن نشاط مُعيَّن لأنَّه لا يمكن أن يكون ثمّة فن حيثُ لا تكون هناك صناعة ، أمَّا شارل لالو فإنَّه يقرر أنَّ الفن بالمعنى الواسع هو عملية التحوير والتغيير التي يدخلها الإنسان على مواد الطبيعة ، فهو بذلك يعيد إنتاج الواقع من خلال تفعيل الخيال الإبداعي ليعمل في اتجاه إثارة المتلقي إنفعالياً .

والفن عموماً والرسم تخصيصاً يتمثُل في كونه نزوعاً ذاتياً ووجدانياً لدى الإنسان للتعبير عن موقفه من الحياة ، فالفن لا يبدأ من فراغ ، بل ينهل من تراثٍ إنساني خصب تراكم على مرِّ السنين التي حاول فيها الإنسان أن يكوَّن تصوَّره الخاص للعالم الذي يعيش فيه ، وينفعل به تأثراً وتأثيرأ من خلال منظومة قيمية توجّه هذا الانفعال.

الرسم في مكوَّنه الجوهري تجسيد للأشكال بالخط واللون على سطح مستوٍ ، وهذا التجسيد في الوقت ذاته ينطوي على أفكار ومشاعر وانفعالات ومواقف ورؤى الفنّان ، من هنا يمكن القول أنَّ الفن يمتلك خاصيته الإبداعية من خلال المعطيات الذاتية الفردية للفنان ، وهذه المعطيات تشكِّل بالتالي ميزةً له عن غيره ، فهو يمتلك وعياً ورؤية يرى بهما ما حوله من معطيات الواقع بصورة تقع في موقع الإختلاف لا موقع الائتلاف ، مما يمنحه فرصة مضافة لتحويل هذه الرؤية إلى نتاج فنّي يخاطب الآخر بشكل جديد .

مقومات اللوحة الفنّية

تتشكَّل اللوحة الفنّية من سطحٍ مستوٍ محددٍ بإطار ، رسمت فيها يد الفنَان خطوطاً وأشكالاً وألواناً ، وضمّنها عقله قيماً ورؤى ومواقفاً ، لتتحدّث مع متلقيها بلغتي البصر والبصيرة ، وتكون بذلك منطقة لقاء بين الفنّان والآخرين ، فيشتغلوا باتجاه الكشف عن دلالاتها الظاهرة والمخفية .

والشكل أداة يتوصّل بها الفنّان إلى التعبير عن أفكاره ، فإذا كان الفنُّ تعبير عن الوجدان البشري ، فلا يمكن لهذا التعبير أن يظهر إلاَّ من خلال شكل يبدعه الفنَّان ليحقق تواصله مع المتلقي . والشكل هو الوحدة البنائية المتوِّنة من مجموعة أشكال جزئية تتفاعل معاً لتكوِّن هيكلاً كلّياً عن طريق فعل الّذاكرة والخيال المبدع للتعبير عن الدلالات التي يحملها ، وإبرازها إلى الوجود ، ويسعى الشكل لتأدية جملة وظائف حددها الناقد جيروم ستولينيز بما يلي :

1 – يضبط إدراك المتلقي ويوجهه باتجاه مُعيّن ، مما يساعد على فهم العمل الفنّي .

2 – يرتّب عناصر العمل الفنّي بشكل يسهم في إبراز قيمتها الحسيّة والتعبيرية

3 – يندمج مع المعاني التي تطرحها اللوحة الفنية ، وهو ملازم لها على الدوام لأنَّها تظهر حال ظهور الشكل إلى حيّز الوجود .

4 - للشكل قيمة جمالية كامنة ، يساعد التنظيم على ظهورها .





الطبيعة العامة للشكل في اللوحة الفنية

للشكل مظهر عام يبني اختلافه على رؤية الفنّان ، كما يبنيه على طروحات المدرسة التي ينتمي إليها أحياناً ، وكل شكل تتمظهر به اللوحة يعتمد رؤية جمالية تعمل باتجاه إيصال أفكار مُعيّنة إلى متلقيها ، كما تعمل باتجاه نقل الإحاسيس التي تجتاحه إزاء روح العصر الذي يعيش فيه ، كما أنَّ للشكل قدرته الخاصة على تأشير مدى إفادة الفنّان من قدراته الخيالية ، وتفعيل هذه القدرات في إنجاز لوحته .



الشكل من إعداد الباحثة


وكل شكل بسيطاً كان أو معقداً يمكن رسمه وتكوينه في حالات متعددة هي :

1 – المربّع : يمكن إظهار بأشكال مختلفة ومركّبة ، ولكنّها تتموقع في خانة التربيع ، كما يمكن تحريكه وإعادة تنظيمه تفكيكاً وتجزيئاً ، وهذا ينطبق على الشكل المستطيل كذلك .

2 – المثلّث : يمكن للمثلث أن يؤشِّر حالة الاستقرار التام إذا كان رأسه إلى الأعلى ، وقاعدته مستقرة على الأرض ، ويمكن إخراجه من حالته المستقرة هذه للايحاء بحركته حين يعمل الفنّان على تجزئته أو تركيبه من خلال إضافات مختلفة ، أو إعطائه شكلاً مقلوباً للأعلى ، أو إلى أحد الجانبين .

3 – الدائرة : يمنح شكلها المستدير تأشيرةً على حالة مستقرة ، ولكنَّ الفنّان ومن خلال تكرارية شكلها أو تجزئته أو تركيبه يمنحها القدرة على تأشير حالة حركية أو غير مستقرة .

إنَّ الشكل بوصفه واحداً من مقومات اللوحة الفنية لا يمكن للوحة أن تكتفي به ، لأنَّ الفنان كثيراً ما يعمد إلى إخفاء أفكاره أو مواقفه خلف هذا الشكل ، ليمنح اللوحة دلالات حاصرته وتفاعلت في ذاكرته فترة إلى أن توصّل إلى نقلها في عمل فني .

وكثيراً ما يكون الاتفاق على دلالة واحدة للعمل الفني مهمة صعبة على المتلقي ، سواء كان المتلقي ناقداً عارفاً ومتفاعلاً ايجابياً مع الأعمال الفنية أو كان متلقياً هاوياً لهذه الأعمال ، فالمثيرات التي تمنحها الأعمال قد يكون لها ردّ فعل ذاتي وقد يكون موضوعياً ، وقد يتباعد تحليل اللوحة الواحدة بعداً كبيراً بين متلقٍ وآخر إلى أن يصلَّ حدَّ التناقض ، لأنَّ الدلالة لا تتوقف على ما يقدمّه الفنان في عمله فقط ، بل يتوقف على { كيفية تقديمه } ، والسياق الذي انتقاه لتقديم هذه الدلالات .

من هنا يبدو أنَّ مهمة المتلقي أصعب من غيره ، لأنَّ إن امتلك معرفة بالفنان تتيح له بناء تصوّر واضح عن معطيات حياة الفنّان الاجتماعية والفكرية ، وكذلك المثيرات المعرفية المحيطة به ، وطريقة تلقيه لهذه المثيرات ، ستكون له حصيلة معرفية تعينه وتوجّه تلقيه ، فيكون بذلك قد اجتاز مرحلة الإعجاب أو الانبهار المؤقت بالعمل الفني ليصل إلى رؤية عميقة وواعية لهذا العمل تتيح له استلال الدلالات المخيفة فيما وراء الشكل العام للوحة .

اللوحة إذاً لقاء خاص جداً بين فكرين الأول منتج والثاني متلقٍ وهو منتج أيضاً ، واللوحة هي منصة التلاقح بين الفكرين ، لأنها تشتغل باتجاه عملية تحويلية إقصائية حيناً وتقريبية حيناً آخر ، وهذا بالتالي سيضيف إلى اللوحة قيمة إذا كان فعلاً عملاً ناطقاً ، وربَّما يفشل العمل في تكوين هذه الأضافات وفي القيمة الناتجة عنه إن لم ينجح في تشكيل لوحة تبعد عن نقل الواقعة الاجتماعية نقلاً سطحياً ، ويفتقر إلى دلالات فاعلة فيفرز الملل ، ويدفع فكر المتلقي وذوقه إلى اللا مبالاة ، رغم أنَّ الفنّان له أسلوبه الخاص به في التعامل مع تقنيات العمل ، من هنا تتأكّد الفكرة التي صرّحت بها معطيات الفكر الإنساني الفني في أنَّ الشكل والدلالة عنصران متكاملان ولا يمكن الفريق بينهما إلاَّ لضرورة البحث لإعطاء كل منهما حقاً واضحاً في التحليل .

عناصرُ اللوحة الفنية

أشارت الدراسات في مجال الفن إلى أنَّ انتقاء الفنّان لعنصر دون آخر ونقله إلى اللوحة كان هو المحفِّز الأساس لنشوء الاختلافات في الأساليب التعبيرية التي اعتمدها الفنّانون في انتاج أعمالهم ، ومن مفرزات هذا التوجه كان ظهور المدارس والتيارات الفنّية التي اعتمد كل منها إلى انتقاء وتفضيل عنصر أو أكثر من عناصر اللوحة، وتكرارية هذا العنصر ، مع ترك فاصل للتنويع والاختلاف ، ليكون بالتالي علامة دالة على هذا التيار أو تلك المدرسة .

وهذه العناصر هي :

1 – الخطوط ، أشكالها وأبعادها .

2 – الظل والضوء .

3 – الألوان .

4 – الكتلة والفراغ .

أولاً : الخطوط ، أشكالها وأبعادها

يعتمد المفهوم الحديث للنقطة على فكرة أنَّ الخط هو { تلاصق نقاط مع بعضها } ، فالنقاط تتجاور وتتلاصق لتتخذ مساراً مرئياً محدداً هو الخط ، فالنقطة هي المكوِّن الأساس للخط ، والخط بالنتيجة هو المكوِّن الأساس لأي

الابعاد في لوحة عاصفة:

يتشكل البُعد في اللوحة الفنية من خطوط ثلاثة تُسهم معاً في منحها قيمة تشكيلية تُعطي البناء انسجاماً واضحاً، وهذه الابعاد هي:

البعد الاول: الخط الافقي: ان تأريخ الرسم يكشف ان الفنانين بشكلٍ عام حاولوا ان يقسموا المساحة المتاحة للوحة إلى نسب اولية، وغالباً ما عمدوا إلى تجنب الوضع الافقي في منتصف مساحة اللوحة، لان مكانه يحدد اشياء كثيرة ابسطها انه يقسم اللوحة إلى قسمين مثل الارض والسماء، وهنا كان لا بدّ للفنانين من الانتباه إلى النسبة الذهبية، لان معظم الاعمال الخالدة سواء في الرسم أو العمارة تخضع لهذه النسبة.

البعد الثاني: الخط العمودي (الرأسي) الذي يتعامد من الخط الافقي، ويمنح المتلقي احساساً بالقوة الصاعدة، ويجعله يشعر بالحياة والنمو الذي نلمسه في النباتات، وبالتالي فهو يمنح احساساً بالشموخ اكثر من الخط الافقي الذي يرتبط دائماً بالسكون والراحة والنوم والموت.

البعد الثالث: وهي الخطوط التي تميل إلى داخل الصورة لتعبّر عن تلاشي الحجوم، اي العمق، وللبُعد الثالث وظيفة مهمة هي تحديد امور ثلاثة هي: المسافة، الحجم، الزمن، وهذه بدورها تُشكل عاملاً مساعداً في تأدية الخداع البصري، لانها تؤشر التدرجات التالية:

1- من المرتفع إلى المنخفض.

2- من القوي إلى الضعيف.

3- من العنيف إلى الهادئ.

4- من الصُلب إلى الهشّ.

وهذه التدرجات بالتالي تُعطي للوحة غناها وتنوع دلالاتها، وعلاقاتها القائمة في اللوحة.

ان قراءة الخطوط في لوحة (عاصفة) تكشف عن اعتماد الفنان إسماعيل الخطوط الثلاثة في لوحتهِ، فالخطين العمودي والافقي يظهران واضحين في تحديد الشكل المستطيل للعمارات الا انها لا يظهران بمظهر صارم، بل اعتمد الفنان تدرجاً لونياً للوصول إلى اظهارهما، وخصوصاً في الجهة الابعد عن العاصفة، حيث اعتمد ضربات فرشاة واضحة تحدد زاوية التقاء الخطين، كما انهما اشرا ارتفاع هذه العمارات عن الارض باتجاه السماء، والعمارات بوصفها بينية قارّة وثابتة ساعد الخطان الافقي والعامودي على اظهار هذا الثبات والقوة، رغم ظهورها بمظهر المفرّغ من دلالاته.

الجزء الثاني

والعاصفةُ تتحدّثُ أحياناً
قراءة في لوحة { عاصفة } للفنان اسماعيل حمو

د. وجدان الخشاب



أمَّا البُعد الثالث فكان له دوراً واعياً في أدائه لمجموعة من الوظائف، أهمها:

1- الزمن: اشتغل الفنان في اتجاه تحديد زمن {العاصفة } نهاراً، وهذا التحديد الزمني ينكشف من خلال استبعاد الفنان للون الأسود الذي من دلالاته تحديد زمن الواقعة ليلاً، أو نهاراً ينقلب إلى ليل، ما يكشف بالتالي عن زمنها الذي يكاد يقارب منتصف النهار، وهذا ما سنتحدث عنه أثناء حديثنا عن المُكونّ اللوني للوحة.

2- الحجم: تكشف قراءة اللوحة عن ثلاثة حجوم أساس شغلت مساحة اللوحة، الأول هو العاصفة، والثاني هي العمارات الثلاث، والثالث هو الشمس.

العاصفة تشغل غالبية مساحة اللوحة، فهي تمدّ وجودها المتحرك في النصف الأسفل من اللوحة بوضوح شديد ، فلو حاولنا تقسيم اللوحة الى أربعة أنصاف متساوية لتبيَّن لنا أنّ العاصفة تشغل غالبية مساحة اللوحة ، فهي تمدُّ وجودها المتحرك في النصف الأسفل من اللوحة بوضوح شديد حيث يتشكل مركزها ، أمَّا أطرافها فتأثيراتها فتكاد تشغل خلفية اللوحة بأكملها، وهذا التركيز على العاصفة يكشف عن كونها الهاجس الذي اشتغل الفنان باتجاه نقله من ذاكرته الى عيانية المشهد.

وتشكل العمارات النسبة الثانية من مساحة اللوحة، متخذة من النصف الأعلى الأيمن موقعاً لها، لكنها لا تظهر كاملة، بل ما يظهر منها هو الجزء العلوي فقط، وبالنوعية نفسها أي أنَّها ضائعة الملامح، لا يؤشر هويتها غير الخطوط التي تحدد مساحاتها الخارجية، كما أنَّ اتصافها بالميلان يمنح المتلقي فرصة لتأويل هذا الميلان بالوقوع تحت سلسلة العاصفة، فلا هي صلبة بحيث تصمد أمام العاصفة، فتؤشر بالتالي قوة مقصودة، ولا هي مستقيمة لتؤكد حضورها بكامل ثقلها من خلال تفصيلات ملامحها.

أمَّا الشمس فهي الشكل الأقل حضوراً في مساحة اللوحة، وتقبع في الزاوية اليسرى في أعلى اللوحة، كما أنَّها بدت خاملة كامدة، لا يؤشر حضورها غير موقعها، وضربة الفرشاة بالأصفر، مما حوَّلها هي الأُخرى الى حضورٍ شبحي.

3- المسافة : تختصر لوحة (عاصفة) شأنها شأن كل عملٍ فنيٍ المسافات، وتحجزها في حيّزها الضيق لتلمَّ أشكالاً متنوعة تمتد على مسافات واسعة في حضورها الواقعي العياني، إلاَّ أنَّها تفقدها هذا الامتداد حين تتحول الى عالم الفن، فالمسافات قد تصل حد الالغاء أحياناً ولا يؤشر حضورها إلاَّ البُعد الثالث (العمق)، والذي ينجزه الفنان بحركة فرشاته ليصنع خطوطاً وألواناً تشير الى هذه المسافات الملغاة، فتكون مرشداً يوجّه بصر المتلقي لتأشير حضورها، وبالتالي فهي تشتغل في اتجاه تكوين خداع بصري للمتلقي يوهمه به الفنان لإيجاد نوع من التواصل والإقناع بين عناصر الفن الثلاثة: الفنان، اللوحة، المتلقي.

فالعمارات الثلاث تبدو في اللوحة بشكل متوالية لا يبدو منها غير وجهها الأمامي فقط، ولكن اسماعيل استطاع تأشير شئ من البُعد المختصر بين مواقعها باعتماد اللون البرتقالي الشاحب في الجزء الواقع خلف العمارة الأُولى، واللون الأقرب الى الرمادي خلف العمارة الثانية، وهذا ما سيدفع المتلقي الى الاحساس بالعمق الفراغي، أي بالمسافة التي تفصل بين العمارات الثلاث.

الظل والضوء:

تُشكل لوحة (عاصفة) أرضية مفتوحة لصراع مأزوم في ذاكرة الفنان، هذا الصراع المتمثل في الشمس كونها عنصراً ضوئياً نهارياً يكشف تفاصيل الأشياء كبيرةً كانت أم صغيرة، إذا كانت مواجهة لهذا العنصر، ويمنح الأشياء التي تقع في الجهة المعاكسة عتمةً تتيح لها الاختفاء وتضييع تفاصيلها لكونها بعيدة عن الضوء الكاشف، وبالمقابل يسمح للأشياء المُضاءة بها لاسقاط ظلها بوضوح، لكن الشمس في لوحة عاصفة بدت مجردة تماماً عن وظيفتها عن وظيفتها الواقعية، فأصبحت بلا ضوءٍ ولا ظل لأنَّها أقرب الآن الى عنصرٍ مريضٍ عاجزٍ عن أداء وظيفته الأساس، مما دفع بفرشاة الفنان الى أن تلوّنه باللون الأصفر المشع في الجزء الأسفل، وإبعاده عن الكروما (التشبع) في غالبية شكلهِ، مما أعطاه انفصالاً واضحاً عن كونه قيمة ضوئية عالية، وبمقابل هذا كان للفنان رؤيته الخاصة في امكانية تعدد مساقط الضوء في اللوحة، فشئٌ من الضوء يأتي من الأمام المواجه للوحة، وجزء آخر بدا وكأنه يأتي من الجهة اليمنى، لكن مساقطه ظلت تتركز في ثلثي اللوحة العلويين ليكشف تفاصيل حركة العاصفة الحلزونية، وبالتالي هو أشبه بالاشارة المعلنة للمتلقي للتدليل على مركز السيادة في هذه اللوحة.

والظل في اللوحة يتشكل من الجهة الغامقة من لون الحجم، ثم تُضاء بالأبيض تدريجياً وباتجاه معاكس حتى يصبح اللون غامقاً في الجهة المعاكسة للضوء.

إنَّ قدرة الفنان على موقعه التظليل والتنوير من خلال حركة اللون يمنحان اللوحة قدرتها على التعبير عن الأدوار التي تؤديها عناصرها، وتكسبها دفقاً من الدلالات، وفي لوحة (عاصفة) تبدو قيمة التظليل والتنوير متأرجحة بين القاتم والشاحب، واللون البنفسجي هنا يناوب في سلم القيم بين السواد والبياض، فالثلث الأسفل من اللوحة يتمايز خصوصاً في زاويته اليمنى بحضورٍ غامق يقل فيه الضوء مما يجعله قريباً من السواد، فيما ينتشر البنفسجي الفاتح (غير المشبع) في الثلث الأعلى والأوسط حتى يصل قريباً من الأبيض غير المشبع ، أمَّا الإضاءة الوسطى، أي الإضاءة التي تتموقع بين منطقتي التظليل والتنوير، فهي أكثر حضوراً في حركة العاصفة الحلزونية لتؤشر ديمومتها وحركيتها المتوالية التي لا تنوي التوقف.

الألوان:

اعتمد الفنان اسماعيل في بنيته اللونية للوحة (عاصفة) مجموعة من الألوان التي نشرت وجودها على سطح اللوحة انطلاقاً من دلالتها الأساس التي هي عاصفة تحاول الغاء الكثير من تفصيلات الموجودات التي تمر بها، وما لم تُلغِه تحوّله الى بقايا وهمٍ بوجوده ، وكان للون البنفسجي بتدرجاته حضورٌ طاغٍ في هذه اللوحة ،والبنفسجي واحد من مكونات ألوان الطيف الشمسي السبعة، كما أنَّه لون ثانوي في دائرة الالوان. ويشكِّل تضاده مع اللون الأخضر من خلال ظهوره بدرجة التشبُّع الناقصة حيث عمد الفنان في هذه اللوحة إلى خلطه بألوان محايدة { الأبيض أو الأسود أو الرمادي } .

وفي دلالاته المعنوية يرمز الى كل ما هو جميل في حياة الانسان، فهو يشير الى العاطفة الرقيقة والخيال أيضاً. واعتمد الفنان اللون الأخضر (بدرجة التركواز) وهو من الألوان الباردة، وله دلالات منها الخير والسلام والامل والمستقبل.

أمَّا اللون الأصفر فهو لون يرتبط بالشمس، فإذا كان قوياً فهو رمز للفرح والتفاؤل والحيوية وشفافية النفس، أمَّا إذا كان داكناً فإنَّه يصبح مُعبّراً عن عواطف غير مستقرة وغير سعيدة.

واللون البرتقالي هو أحد ألوان الطيف الشمسي، كما أنَّه أحد الألوان الحارّة، ولهُ دلالته على القوة والطاقة والحيوية.

والآن لنحاول قراءة توزيع هذه الألوان على قماشة اللوحة، وربط هذا التوزيع بالدلالات التي حاول الفنان بثّها واعلانها في لوحته (عاصفة)، فاللون البنفسجي ينتشر في أكثر أجزاء اللوحة ويبدأ حركته من الثلث الأسفل ، فالزاوية اليسرى تمثل ما هو خاج حركة العاصفة، ولكنه لم ينجُ من تأثيراتها، فبدا اللون البنفجسي متراوحاً بين أن يكون شاحباً أو غامقاً بقسوة واضحة، ولكن تشوبه ضربات فرشاةٍ بدرجات فاتحة من البنفسجي المتدرج والتركواز والأصفر، وهذا يؤشر محاولة الفنان اخفاء الأرض التي تشكل نقطة الانطلاق في موضعة العمارات الثلاث.

وهذا الاخفاء المتعمد إنَّما هو محاولة واعية من الفنان للتركيز على مُعطى آخر للوحة هو العاصفة، التي تأخذ شكلها الحلزوني من خلال ألوانها البنفسجية المتدرجة الى أن تصل قريباً من الأبيض، مع تداخل لوني التركواز والأصفر، إنَّ هذا الجمع بين هذه الألوان إنَّما يحيلُ على دلالات منها كون العاصفة الواقعية العيانية إنَّما تأخذ غالباً اللون الرمادي أو الأصفر، لكن عاصفة اللوحة هنا اتخذت منحى آخر في مُكوِّنها اللوني، وهذا ما سنتوقف عنده في قراءتنا للبنية العميقة لهذه اللوحة، والتي ستكشف لنا دلالاتها.

الدلالات:

تكمن دلالات هذه اللوحة فيما وراء عنوانها وألوانها وأشكالها المنتقاة المتموضعة على سطحها، فإذا توقفنا عند دلالات كل لون فيها سنجد أنَّ اللون البنفسجي يرتبط بحدّة الادراك والحساسية النفسية كما يرتبط بالمثالية، إلاَّ انه لون مثير للأسى أيضاً، أمَّا اللون الأصفر فهو مرتبط بالتحفز والتهيؤ للنشاط، لكنه أيضاً يشير الى افتقاد التماسك والتخطيط، فيما يرتبط التركواز (الأخضر) بمعاني الدفاع والمحافظة على النفس، فهو أقرب الى السلبية منه الى الايجابية، وفيما يخص شكل العمارات فإنَّ الفنان عمد الى اخفاء معالمها وخاصة الأجزاء السفلى التي تربطها بالأرض، مما سيمنحها فرصة النهوض والامتداد الى الأعلى، والشمس هي الأُخرى بدت سلبية تفتقد اشراقها الذي هو معلمها الأساس.

وهنا لا بُدَّ من الاشارة الى غياب الدالات الانسانية بوصفها مُكوِّنات وجودية، هذا التغييب الذي تعمده الفنان اسماعيل إنَّما يمنح اللوحة بُعداً ذهنياً يؤشر على أنَّ العاصفة حادثة في ذاكرة الفنان وفي نفسه، ويمكننا تأويل شكل العمارات الثلاث بإخراجها من وجود واقعي الى وجود آخر يتمثل في منظومة قيم مثالية مؤرّقة للفنان، تجتاح بوجودها ذاكرته وهي قيم عليا وسامية وجميلة أيضاً ترتبط بالسماء التي تحاول العمارات أن ترتفع اليها، إلاَّ أنَّها في الوقت ذاته تقف بين التحقق واللا تحقق، بين التقدم والتحفز وبين الاستسلام، وبدا الفنان وكأن العالم الخارجي لا يعنيه إلاَّ بقدر محدود يساعده على انتقاء رموزه واعادة انتاجها في لوحته، وهذا ما جعله يشتغل باتجاه اقصاء الكثير من معطيات الواقع العياني وتحويل القليل منها الى رموزٍ تعمل على تفعيل وعيه وذاكرته، لتنتج صراعاً مأزوماً قلقاً يتخلل ثنايا نفسه وروحه وقيم وجوده الانسانية.











المصدر : dr-wighdan