المقدمة

لم يعهد آباء الأمس القريب ما يدعوهم إلى الحيرة و القلق على سلوك أبنائهم بشكل يستلزم اتخاذ موقف معين أو التدخل الجاد و المواجهة الفعلية بإجراءات رسمية أو غير رسمية. لقد كانت حياة الطفل في غالبية المجتمعات تسير في قنوات حضارية واضحة ترسم للطفل معالم حياته المستقبلية و ذلك من خلال مجموعة متناسقة من المعايير الأخلاقية و الدينية و الاجتماعية و الممارسات السلوكية التقليدية التي كان يسهل على الطفل استيعابها أو تمثلها دون عناء أو مشقة. لقد بدأ طفل اليوم يفقد الكثير الضروري لتكوين الرؤيا السليمة لكل ما يحيط به من مواقف و قيم و اتجاهات و معايير معقدة بل و متناقضة أحيانا الأمر الذي جعله يفتقر إلى إمكانية احتواء عناصر التوافق الاجتماعي المطلوب. و على الرغم من أن ظاهرة انحراف سلوك الأطفال في مفهومها الواسع ليست مشكلة غريبة على المجتمعات الإنسانية في تاريخها الطويل و مع ذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة الجديدة لا زالت قاصرة اليوم عن بلوغ المستويات المطلوبة.

و إذا أردنا العودة من حيث بدأ آباؤنا و أجدادنا بالاهتمام الأول بتلك المؤسسة التقليدية الأساسية و هي الأسرة فإن مواجهة ظاهرة جنوح الأحداث ستكون الحل الأمثل لكل مجتمع. و لقد قال أحد العلماء المعاصرين:" أننا نستطيع أن نشبه سبب جنوح الأحداث بلعبة من لعب الأطفال التي تحتوي على مجموعة كبيرة من القطع المنفصلة التي يحاول الطفل تجميعها لتكوين الشكل المطلوب و أن غالبية القطع المطلوبة التي تدخل في تركيب سبب جنوح الأطفال تأتي من مصدر واحد هو الأسرة و الأسرة وحدها".













مفهوم الحدث:

الحدث هو شخص صغير السن، الذي لم يبلغ بعد، لا تتوافر له الأهلية الجنائية، عند فقهاء الشريعة ومحصلة أفكارهم لم تتوفر لهم وذلك لقصور عقله عن إدراك حقائق الأشياء واختيار النافع منها والنأي بنفسه عن الضار منها، وهذا القصور يرجع لعدم اكتمال نموه، وضعف في قدراته الذهنية والبدنية بسبب وجوده في سن مبكرة ليس في استطاعته بعد وزن الأشياء بميزانها الصحيح وتقديرها حق التقدير .

وكذلك يعرف على أنه الصغير منذ ولادته حتى يتم نضوجه الاجتماعي والنفسي وتتكامل لديه عناصر الرشد،المتمثلة في الإدراك التام أي معرفة الإنسان بطبيعة وصفة عمله والقدرة على تكييف سلوكه وتصرفاته .

ماهية الجنوح أو انحراف الأحداث:

يعرف الجنوح بصفة عامة على أنه مجموعة الأفعال التي يؤدي اكتشافها إلى عقاب مرتكبها بواسطة قوى المجتمع الأكبر ،وهو يعتبر صورة خاصة من صور الانحراف،فقد يشمل الجنوح كل صور السلوك المنحرف الضال لدى الصغار والذي قد يتفاوت من أفعال يمكن تصنيفها باعتبارها من جرائم الكبار مثل الاعتداء والعدوان والنهب إلى أفعال ترتبط ارتباطا وثيقا بالسن مثل التشرد والنشاط الجنسي .

ويمكن اعتبار أن انحراف الأحداث (جنوح الأحداث) هي مرحلة تمهيدية سابقة على إجرام الأحداث وبينما يكون الانحراف في السنوات الأولى لعمر الحدث فإن إجرام الأحداث يكون بإتيان سلوك ينطوي على خطورة كبيرة ويهدد المصالح الأساسية للمجتمع في مرحلة تالية للانحراف وسابقة على البلوغ .
وفي الواقع فإن مفهوم جنوح الأحداث كان معروفا للإنسان منذ القدم فقد ذكر سقراط عام 500ق.م أن الأطفال يحبون الرفاهية ولديهم طرائف سلوكية سيئة،واحتقار للسلطة ويظهرون عدم احترام للكبار.

والمفاهيم الحديثة للجنوح تقرر بأن الأطفال الذين يطلق عليهم جانحين هم أساس مرضى في علاقتهم مع المجتمع وفي عدم قدرتهم على الانسجام مع المحيط الاجتماعي حيث أنه يتأثر بعوامل عديدة مثل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والتعرض لوسائل الأعلام المختلفة وغير ذلك من العوامل التي قد تؤدي إلى حدوث سلوك جانح للطفل .

الأسباب التي تؤدي إلى جنوح الأحداث:

لا شك أن انحراف الحدث في هذه السن المبكرة من حياته ليس مرده إلى عوامل داخلية مترسبة في أعماق نفسه أو انحراف كامن في شخصيته، ذلك انه لا زال في سن الطفولة و انعدام التمييز و الإنسان في هذه الفترة يكون على الفطرة التي فطره الله عليها مبرأ عن عوامل الانحراف و الإجرام فكل مولود يولد على الفطرة و مقتضاها البراءة الأصلية، قال تعالى:"و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا"(النحل،78). فأنى له إذن أن يسلك سبيل الانحراف و يرتاد أسبابه و هو لا يعلم عن أمر نفسه شيئا.

إن هذا بالقطع يتأتى من عوامل خارجية عنه لا تتعلق بشخصه و لا يسهم في إيجادها و تكمن هذه الظروف في كونه ضحية لمسلك أبويه أو ظروف مجتمعه و البيئة التي نشأ فيها بما تورث فيه من ضياع و إهمال و فقد العائل الذي يغرس فيه القيم و المبادئ و يتحمل عنه مسئوليته التي يعجز عن القيام بها ليجد نفسه فجأة و قد لفظه المجتمع فيغدو مهيأ للانحراف ممهد الطريق لسلوك سبيله .
و في ما يلي بيان بتلك العوامل الخارجية و ما تنتجه من جنوح للأحداث:

1. التفكك الأسري:

إن انتقال الطفل من مرحلة من مراحل النمو النفسي إلى مرحلة أخرى يكون صورة أبيه في داخله بكل قيمه و معاييره الأخلاقية و يصبح كما لو كان هو الأب نفسه و يحدث الشيء نفسه بالنسبة للبنت إذ تتوحد بالأم و تأخذ طريقها إلى النضوج و دورها في الحياة كأنثى إلا أن عملية التوحد هذه قد لا تتم بشكلها التقليدي عندما تكون الصورة الأبوية بغيضة غير مرغوب فيها إذ قد تتم عملية التوحد بشكل معكوس فيحتوي الابن عكس صفات الأب بل و قد يكره حتى صفات الرجولة و ينبذها .

لذلك تعتبر الأسرة من أهم العوامل البيئية المسببة للانحراف وهي العامل المشترك الذي يقف عنده كل باحث في طبيعة الجنوح وكيف لا وهي مهد الشخصية التي تمدده بخبرات الحياة وهي الجماعة الأولية التي ينتمي إليها الفرد دون اختيار ، فالطفل الذي يفتقد الأسرة أو على الأقل يفتقد الأسرة التي تهتم بسعادته أو بؤسه يكون معرضا للجنوح و هذا عائد من نواحي متعددة إما لأن الأسرة مستهترة غير مستقرة و قلقة واهمة و هذا يحدث كثيرا عندما يسافر الأب كثيرا و يكون مشغولا كثيرا في الأيام التي هو فيها حول البيت و انشغال الأم إما بالحفلات و الموضات أو الأعمال و إهمال دورها الرئيسي بصفتها زوجة و ربة بيت و مربية جيل وترك المجال كله للخادمة لتقوم بدور الأم من اهتمام بالبيت وبالأحداث التي تنشئهم على حسب هواها .

كذلك إن ضعف الارتباط بالوالدين بسبب فقدان الأبوين أو أحدهما: بالموت أو المرض أو السجن أو الانفصال كل ذلك يؤدي إلى نتائج سيئة تهيئ للانحراف، لذلك يصبح الطفل أكثر عرضة للتأثيرات الإجرامية أو بعبارة أخرى أكثر استعدادا للانضمام إلى عصابة لعدم ارتباطه بوالديه .

2- الوضع الاقتصادي:

رغم أن كثيرا من الدراسات العلمية تثبت أن الفقر والكساد الاقتصادي من العوامل التي لها ارتباط بالانحراف ولكن التطرف في الوضع الاقتصادي سواء أكان فقرا مدقعا أم غنى فاحشا أدى إلى سوء استعمال الثروة له والذي يجعل بعض الأسر تطغى- قال تعالى:"كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى"- ذلك الثراء الذي جاء من طرق سهلة فلم يشق في جمعه وهو لا يأبه أين أو كيف يصرفه، إن الثراء غير الرشيد الذي نجم عنه الانشغال عن مسئولية الأسرة من القائمين عليها من أب أو أم أو أن يضن بعض أولياء الأمور أن الرعاية لأبنائهم هي في إعطائهم كل شيء وتوفير كل شيء من أجهزة وأموال ووسائل الخدمة والترفيه فظنوا أن التدليل هو السبيل الأمثل للتربية ومع التدليل المادي هناك كبت يعاني منه الأحداث لأنه لا يجد الملاذ الأمين من أفراد الأسرة الذي يبوح له ويكتمون سره ويكون مفتاح قلبه .

3- الوضع البيئي:

ينشأ الحدث في بيئة معينة فيعيش مع أسرته وبين رفقائه ويشاركهم ويشاركونه العواطف والحاجات والأفكار حين يخطط لمشروعات معينة وتؤدي هذه التجمعات والمشاركة الوجدانية إلى تأثره الكامل بالوسط الذي يحيا فيه فيكون لهذه التجمعات آثار إيجابية كما قد يكون لها آثار سلبية. للمدرسة ارتباط وثيق بالانحراف من حيث تأثيرها البالغ في شخصية الحدث من ناحية ومن حيث تأثيرها في البيئة المحيطة به من ناحية أخرى، فالمدرسة مؤسسة تربوية اجتماعية ولكنها قد تفشل في تحقيق وظائفها وقد يعود هذا إلى الحدث نفسه أو إلى المدرسة أو الاثنين معا .

فالأطفال الذين يتخلفون في الدراسة يقل اهتمامهم بالمدرسة وقد يصل بهم الأمر إلى حد كراهية المدرسة وهكذا يتولد لديهم الاستعداد لارتكاب الأفعال الجانحة حيث لا يستمرون في رغبتهم لتحقيق النجاح ولا تجبرهم رغباتهم ليصبحوا جانحين، كذلك الطفل الذي لا يحب المدرسة أو الذي لا يهتم لرأي المدرسين هناك احتمال باعتقاده أن ليس لها حق السيطرة عليه.
كذلك سوء معاملة المدرسين وقسوتهم قد يجعل من المدرسة مثيرا شرطيا للألم والعقاب فيجد الطفل الهروب من المدرسة الوسيلة المناسبة لخفض التوتر والقلق فتصبح المدرسة أقل جاذبية لبعض التلاميذ الذين يجدون البيئة الخارجية للمدرسة أكثر متاعا لتحقيق رغباتهم مما يسهل انحرافهم وخاصة إذا اجتمعوا مع أصدقاء السوء بالمدرسة وخارجها .

يعتبر الأصدقاء من العوامل التي تساعد على انحراف الأحداث حيث أن تأثير الزملاء والأصدقاء أكثر وأكبر من تأثير البيت والمدرسة مجتمعين، فأصدقاء السوء هم نافخو الكير. وقد تبين أن المنحرف لا يجاهر بسلوكه ولا بممارسته إلا مع من يشترك معه في العلم نفسه والشعور نفسه لذلك تعتبر الصداقة من أهم القوى المؤثرة في الجنوح والجريمة وخاصة بين الذكور. حيث أن الحدث يتعلم من الجماعة معنى السلطة التي تختلف عن سلطة الوالدين التي عهدها في أسرته حيث يسهم الطفل في خلقها وتصبح جزء منه يعمل على تنظيمها وحمايتها، هذه الجماعة التي يختبر الطفل فيها مدى قدرته على تخطي الحدود التي رسمها له الوالدين في محيط أسرته، هذه الجماعة التي قد تتطور لتصبح عصبة جانحة هدفها المقاتلة والدفاع عن النفس يرأسها ولها شعار معين لا تقبل الغرباء بسهولة هؤلاء هم أصدقاء السوء المنحرفين الذين يؤثرون في الحدث فيصبح واحدا منهم كجزء لا يتجزأ من الجماعة .

كذلك من الأسباب الهامة للجنوح وسائل الإعلام المختلفة فقد تكون من العوامل المؤثرة على الأحداث وقد تدفع الكثير منهم إلى ممارسة السلوك المنحرف. كذلك دور الأفلام السينمائية تعتبر كأحد الوسائل الترفيهية المحببة لدى صغار السن وتجذب انتباههم وتستحوذ على تفكيرهم بطريقة تجعلهم يقعون فريسة للعديد من المشكلات مع الأصدقاء أو الأقارب .

نماذج من انحراف الأحداث:

يتخذ انحراف الصغير عديم التمييز صورا متعددة كالتعدي بالقول بأن يتوجه بالشتم أو السب إلى أحد الأشخاص، كذلك من صور انحراف الصغار التعدي بالفعل مثل ضرب الغير أو الاعتداء على حق من حقوقه كنهب أمواله أو إتلافها، لذلك يقتضي رفع التكليف ويجب على الصغار الضمان المالي في جرائم الأموال، ومن نماذج انحراف الصغار أيضا ارتكاب ما يوجب الحد أو القصاص كأن يقذف أو يسرق أو يزني أو يقتل وإتيان هذه الأفعال في هذه السن يعد أمرا نادرا إذ أنها تحتاج إلى قوة في البنية.

ومن ناحية أخرى فإن انحراف الصغار قد يتخذ صورة ترك واجب كما في ترك الصلاة مثلا، لكن هذا لا يتأتى من الصبي غير المميز إذ أن الصلاة لا تجب في حقه وإنما تجب في حق الصبي الذي بلغ سن التمييز وهي سبع سنوات .

الحلول المقترحة لعلاج الأحداث المنحرفين:

من الحقائق المسلم بها، أن المقدمات تقود إلى النتائج، ويصدق هذا القول على كل من الانحراف والإجرام، فإن ثمة علاقة بينهما، من حيث أن الانحراف مقدمة للإجرام، إذا لم يواجه الأول بتدابير من شأنها أن تعيد الحدث المنحرف إلى المجتمع بتدابير وقائية وتقويمية تتخذ في حينها. لذلك كان حريا بالمجتمع ونظامه التشريعي، أن يتخذ التدابير الملائمة إزاء الحدث المنحرف .

*الرعاية الوقائية للأحداث الجانحين:

تتجلى الرعاية الوقائية للأحداث في تنشئتهم تنشئة سليمة تجنبهم العلل التكوينية والاضطرابات النفسية والاختلالات البيئية المسببة للجنوح، وقد تكون الرعاية الوقائية معاشيه أو صحية أو تربوية وتعليمية.

فبالنسبة للرعاية المعاشيه: مما لا شك فيه أن الغذاء والمسكن والكساء ترد في مقدمة الاحتياجات الأساسية للإنسان، لذا فانه لا بد من توفير هذه الاحتياجات للحدث، وتترتب مسئولية توفير احتياجات الحدث من غذاء وكساء ومسكن وغير ذلك على والده أو من يقوم مقامه من عائلته ومدى قدرة الوالد أو من يقوم مقامه في توفير تلك الاحتياجات، لذا لابد من رفع المستوى المتدني لدخول العوائل المعوزة إلى الحد الذي يمكنها من توفير احتياجات أفرادها وإيجاد دخول مناسبة للعوائل منعدمة الدخل وذلك بإيجاد العمل الملائم للكبار القادرين على العمل بأجر لا يقل مبلغه عن الحد الأدنى الضروري لتأمين حياة كريمة لهم أو منح هذه العوائل معونة مالية دورية مستمرة .

أما الرعاية الصحية فيكون مثلا في تشخيص حالات الجنوح مبكرا كلما سهل العلاج الجسمي والنفسي ويتم تشخيص حالة الحدث قبل أن يقوم بالكشف عليه ويضع العلاج وكثيرا ما يكون العلاج موجها في الأصل إلى الأب والأم إذ أن أسلوب أبنائهم أسلوب غير سوي، ويعود إصلاح ذلك السلوك مباشرة على صحة الأطفال الجسمية والنفسية، كل ذلك نتيجة التشخيص المبكر ونتيجة استبصار الآباء لحقائق علمية جديدة على أطفالهم متى ينضجون، والأعراض المبكرة للأعراض المختلفة . والمفروض أن تتولى مساعدة الوالدين في تأمين هذه العناية مستشفيات ومستوصفات الأطفال لحين بلوغ المولود سن الحداثة، وآنذاك يجب توجيه عناية خاصة لضمان السلامة العقلية والنفسية والسلوكية للحدث من قبل مؤسسات متخصصة خاصة للأحداث تضم مستشفى وعيادة لعلاج الحالات المرضية العقلية ومستشفى وعيادة لعلاج الحالات المرضية النفسية وعيادات للتوجيه السلوكي .

أما الرعاية التربوية والتعليمية فإنها تتطلب جهدا تعليميا يتضمن عمليتين هما "محو تعليم" و "إعادة تعليم"، ومحو التعليم أو إضعاف التعليم أمر معروف لدى المشتغلين ببرامج محو الأمية، فمن المعروف أن الكثيرين ممن تم تعليمهم القراءة والكتابة من الممكن أن يرتدوا إلى الأمية إذا ما ابتعدوا عن استخدام القراءة والكتابة لفترة من الزمن. ومن هنا كان علاج الأحداث الجانحين يتطلب وضعهم في مواقع ومواقف اجتماعية تبعدهم عن ممارسة هذا السلوك الجانح، كما أن الاتصال بمواقف اجتماعية جديدة مثل المواقف التربوية تنمي فيهم قيما وسلوكيات سوية تساعد من ناحية على إضعاف تعليم فاسد قديم، ومن ناحية أخرى على إعادة تعلم قيم وسلوكيات مرغوبة جديدة. وكلما زادت فرص الإضعاف وإعادة التعليم كلما كان تأثيرها أقوى خاصة إذا كانت هذه الفرص أو المواقف الاجتماعية تتولاها قيادات تربوية واعية وقادرة على القيام بالاتصال الناجح أي الاتصال التفاعلي مع هؤلاء الأحداث . ومن الموضوعات التي تدعم أساليب التربية والتعليم في علاج الأحداث المنحرفين : التوعية الدينية وذلك بتبصير الآباء والأمهات بوجوب الالتزام بأحكام وتعاليم الشريعة الإسلامية وترسيخ هذه الأحكام والتعاليم في نفوس أولادهم. والتوعية العائلة وذلك بتبصير الشباب قبل الزواج بالمعنى الاجتماعي الواسع للزواج وأهميته وارشادهم إلى المعايير القويمة لحسن اختيار الفرد لشريكه في الحياة. وإيجاد ضمانات للرعاية التربوية للأحداث بوضع نصوص قانونية تقضي بمعاقبة الأب أو القائم مقامه الذي يسيء معاملة وتربية الحدث المسئول عنه، وتأمين رعاية كاملة لهذا الحدث في الدور المخصصة لرعاية الأحداث الذين لا معيل لهم، واستيفاء نفقات هذه الرعاية من الأب أو القائم مقامه .

*الرعاية العلاجية للأحداث المنحرفين:

تقع مسئولية القيام بهذه الرعاية العلاجية على ثلاثة أجهزة متخصصة هي الشرطة والقضاء والمؤسسات الإصلاحية. فبالنسبة لدور الشرطة في رعاية الأحداث فإنه يراعى فيه ضرورة اختيار شرطة الأحداث ممن تتوفر فيهم الصفات المؤهلة للتعامل الإيجابي البناء مع الأحداث، والحاصلين على تثقيف وتدريب خاص يؤهلهم لعملهم. ومن مهام شرطة الأحداث التحري عن المشردين واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوجيههم نحو اتباع السلوك السليم والتعاون مع أولياء أمور الأحداث في وقاية الأحداث الذين تمت وقايتهم من الجنوح، كذلك متابعة أحوال الأحداث في المؤسسات الإصلاحية ومساعدتهم في توفير فرص الدراسة أو العمل لهم، وفي حل المشاكل التي قد تعترضهم. أما محاكم الأحداث فتتميز بتركيزها على شخصية الحدث، وقيامها بدراسة شاملة لأحواله بغية التوصل لاتخاذ التدابير المناسبة له، على أسس واقعية وعلمية صحيحة،تضمن تحقيق الغرض الإصلاحي المقصود من التدبير، ويمارس قاضي الأحداث سلطة تقديرية واسعة في اختيار تدبير من بين تدابير إصلاحية متنوعة- مما ينص عليها القانون – يتناسب مع حالة الحدث والظروف التي أحاطت به عند ارتكابه الفعل الجرمي، ولا بد أن يمنح القاضي صلاحية تعديل ذلك التدبير أو وقفه عند الاقتضاء تبعا لمقتضيات سير كل حالة. أما المؤسسات الإصلاحية في رعاية الأحداث فلها دور هام في تحقيق الرعاية العلاجية للحدث الجانح أو المعرض للجنوح، بغية تقويمه وإصلاحه وإعادته فردا سويا صالحا للمجتمع. وهذه الرعاية تتم وفق خطة مرسومة يضعها الأخصائي الاجتماعي مع بقية أعضاء الفريق المعالج في المؤسسة وهم الأخصائي النفسي والطبيب والمدرس والموجه المهني والمشرف الرياضي. وهذه الخطة تنطوي على برامج تفصيلية محددة للمعالجة الصحية والتأهيل السلوكي والثقافي والمهني للحدث، على النحو الذي يعالج ما قد يكون مصابا به من علة جسدية أو نفسية، أو ما قد يشوب سلوكه من انحراف، وكذلك لتزويده بالمعرفة وبقدرة العمل المنتج، مما يضمن له مسيرة صالحة وحياة كريمة .

دور المنضمات العربية المتخصصة تجاه مشكلة الأحداث:

تعتبر المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي من ضمن المنضمات التي اهتمت بمشكلة جنوح الأحداث حيث تم دراسة المشكلة على أساس مسارين: الأول بعقد المؤتمرات والحلقات الدراسية لتناول مختلف جوانب ظاهرة الجنوح وأساليب معالجتها وتمثل الثاني بإجراء الأبحاث والدراسات المكتبية والميدانية وذلك من خلال مكافحة انحراف الأحداث في الدول العربية، الجرائم الجنسية عند الأحداث، وإنشاء شرطة الأحداث في الدول العربية وغيرها من تلك الدراسات التي تهدف إلى القضاء على جنوح الأحداث. كذلك قام المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب لسد الحاجة إلى إيجاد جهاز علمي عربي متخصص في المجالات الأمنية، وذلك لمساعدة الأجهزة المعنية بهذا المجال على حماية المجتمع العربي من الجريمة والانحراف وغرس بذور الطمأنينة والاستقرار في جميع أرجائه، وقد اتخذ الرياض مقرا له. ومن الجوانب الأساسية التي ناقشها: الأسرة العربية ودورها الوقائي من الجريمة والانحراف، والتربية المدنية كأسلوب للوقاية من الجريمة والانحراف، وبرنامج نموذجي للرعاية اللاحقة للأحداث، وأخيرا أساليب الضبط الاجتماعي في المجتمع العربي المعاصر ومدى كفايتها .